تجاوز إلى المحتوى

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)

ذكر الجبل المقطم

اعلم أنّ الجبل المقطم أوّله من الشرق من الصين حيث البحر المحيط، ويمرّ على بلاد الططر حتى يأتي فرغانة إلى جبال اليتم الممتدّ بها نهر السغد إلى أن يصل الجبل إلى جيحون فيقطعه، ويمضي في وسطه بين شعبتين منه وكأنه قطع، ثم في وسطه ويستمرّ الجبل إلى الجورجان، ويأخذ على الطالقان إلى أعمال مروالرود إلى طوس، فيكون جميع مدن طوس فيه، ويتصل به جبال أصبهان وشيراز إلى أن يصل إلى البحر الهندي، وينعطف هذا الجبل ويمتدّ إلى شهر زور فيمرّ على الدجلة، ويتصل بجبل الجوديّ موقف سفينة نوح ﵇ في الطوفان ولا يزال هذا الجبل مستمرّا من أعمال آمد وميافارقين، حتى يمرّ بثغور حلب فيسمى هناك جبل اللكام، إلى أن يعدّي الثغور فيسمى نهرا حتى يجاوز حمص فيسمى لبنان، ثم يمتدّ على الشام حتى ينتهي إلى بحر القلزم من جهة، ويتصل من الجهة الأخرى، ويسمى المقطم، ثم يتشعب ويتصل أواخر شعبه بنهاية الغرب.

ويقال: إنه عرف بمقطم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح ﵇.

وجبل المقطم: يمرّ على جانبي النيل إلى النوبة ويعبر من فوق الفيوم فيتصل بالغرب إلى أرض مقراوة ويمضي مغربا إلى سجلماسة، ومنها إلى البحر المحيط مسيرة خمسة أشهر.

وقال إبراهيم بن وصيف شاه: وذكر مجيء مصرايم بن بيصر بن حام بن نوح إلى أرض مصر، وكشف أصحاب إقليمون الكاهن عن كنوز مصر، وعلومهم التي هي بخط البرابي وآثارهم والمعادن من الذهب والزبرجد والفيروزج، وغير ذلك. ووصفوا لهم عمل الصنعة يعني الكيمياء، فجعل مصرايم أهلها إلى رجل من أهل بيعة يقال له: مقيطام الحكيم، فكان يعمل الكيمياء في الجبل الشرقي، فسمي به: المقطم، من أجل أنّ مقيطام الحكيم كان يعمل فيه الكيمياء، واختصر من اسمه وبقي ما يدل عليه، فقيل له: جبل المقطم، يعني جبل مقيطام الحكيم.

وقال البكري رحمه اللّه تعالى عليه: المقطم، بضم أوّله وفتح ثانيه، وتشديد الطاء المهملة وفتحها: جبل متصل بمصر يوارون فيه موتاهم.

وقال القضاعي: المقطم، ذكر أبو عبد اللّه اليمنيّ، أنّ هذا الجبل باسمه، وليس هذا بصحيح لأنه لا يعرف لمصر ولد اسمه المقطم.

والذي ذكره العلماء: أنّ المقطم مأخوذ من القطم، وهو القطع فكأنه لما كان منقطع الشجر والنبات سمي: مقطما، ذكر ذلك عليّ بن الحسن الهناءي الدوسي المنبوذ بكراع وغيره.

وروى عبد الرحمن بن عبد اللّه بن عبد الحكم عن الليث بن سعد ﵁، قال:

سأل المقوقس عمرو بن العاص ﵁، أن يبيعه سفح الجبل المقطم بسبعين ألف دينار، وفي نسخة: بعشرين ألف دينار، فعجب عمرو من ذلك، وقال: اكتب بذلك إلى أمير المؤمنين، فكتب بذلك إلى عمر بن الخطاب ﵁، فكتب إليه عمر: سله لم أعطاك به ما أعطاك وهي لا تزرع، ولا يستنبط بها ماء؟ فسأله، فقال: إنا لنجد صفتها في الكتب أن فيها غراس الجنة، فكتب بذلك إلى عمر، فكتب إليه: إنا لا نعلم غراس الجنة إلا المؤمنين فاقبر فيها، من مات قبلك من المؤمنين، ولا تبعه بشيء، فكان أوّل من قبر فيها رجلا من المعافر، يقال له: عامر، فقيل: عمرت، فقال المقوقس لعمرو: وما ذلك وما على هذا عاهدتنا، فقطع لهم الحدّ الذي بين المقبرة وبينهم.

وذكر عمر بن أبي عمر الكندي في فضائل مصر: أن عمرو بن العاص ﵁، سار في سفح الجبل المقطم، ومعه المقوقس، فقال له: ما لجبلكم هذا أقرع؟ أليس به نبات

كجبال الشام فلو شققنا في أسفله نهرا من النيل وغرسناه نخلا؟ فقال المقوقس: وجدنا في الكتب أنه كان أكثر الجبال أشجارا ونباتا وفاكهة، وكان منزل المقطم بن مصر بن بيصر بن حام بن نوح ﵇، فلما كانت الليلة التي كلم اللّه فيها موسى ﵇، أوحى اللّه إلى الجبال إني مكلم نبيا من أنبيائي على جبل منكم فسمت الجبال كلها، وتشامخت إلاّ جبل بيت المقدس، فإنه هبط وتصاغر، فأوحى اللّه إليه لم فعلت ذلك؟ وهو به أخبر! فقال:

إعظاما وإجلالا لك يا رب، قال: فأمر اللّه سبحانه الجبال أن يحبوه كل جبل بما عليه من النبت، فجادله المقطم بكل ما عليه من النبت حتى بقي كما ترى، فأوحى اللّه إليه: إني معوّضك على فعلك بشجر الجنة، أو غراس الجنة، فكتب بذلك عمرو بن العاص ﵁، إلى عمر بن الخطاب ﵁، فكتب إليه عمر بن الخطاب ﵁: إني لا أعلم شجر الجنة غير المؤمنين فاجعله لهم مقبرة ففعل، فغضب المقوقس من ذلك، وقال لعمرو: ما على هذا صالحتني، فقطع له عمر قطيعا نحو الحبش تدفن فيه النصارى.

قال: وروي أن موسى ﵇ سجد، فسجد معه كل شجرة من المقطم إلى طرا.

وروي أنه مكتوب، وإذا فتح مقدّسي يريد وادي مسجد موسى ﵇ بالمقطم عند مقطع الحجارة، فإنّ موسى ﵇ كان يناجي ربه بذلك الوادي.

وروى أسد بن موسى قال: شهدت جنازة مع موسى بن لهيعة، فجلسنا حوله فرفع رأسه، فنظر إلى الجبل فقال: إنّ عيسى ابن مريم ﵇، مرّ بسفح هذا الجبل، وعليه جبة صوف وقدّ شد وسطه بشريط وأمّه إلى جانبه، فالتفت إليها وقال: يا أمّه هذه مقبرة أمّة محمد ﷺ، وروى عبد اللّه بن لهيعة، عن عياش بن عباس: أن كعب الأحبار ﵁، سأل رجلا يريد مصر، فقال له: اهدني تربة من سفح مقطمها فأتاه منه بجراب، فلما حضرت كعبا الوفاة أمر به، فجعل في لحده تحت جثته.

وروي عن كعب أنه سئل عن جبل مصر، فقال: إنه لمقدّس ما بين القصير إلى اليحموم، قال ابن لهيعة: والمقطّم: ما بين القصير إلى مقطع الحجارة، وما بعد ذلك، فمن اليحموم وفي هذا الجبل حجر الجوهر، وشيء من الفولاذ، وهو يمتدّ إلى أقاصي بلاد السودان.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر الجبال

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.