من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
ذكر دقلطيانوس الذي يعرف تاريخ القبط به
إعلم: أنّ دقلطيانوس هذا: أحد ملوك الروم المعروفين بالقياصرة ملك في منتصف سنة خمس وتسعين وخمسمائة من سني الإسكندر، وكان من غير بيت الملك، فلما ملك تجبر وامتدّ ملكه إلى مدائن الأكاسرة، ومدينة بابل، فاستخلف ابنه على مملكة رومة، واتخذ تخت ملكه بمدينة أنطاكية، وجعل لنفسه بلاد الشام ومصر إلى أقصى المغرب، فلما كان في السنة التاسعة عشر من ملكه، وقيل: الثانية عشر خالف عليه أهل مصر، والإسكندرية، فبعث إليهم وقتل منهم خلقا كثيرا، وأوقع بالنصارى فاستباح دماءهم وغلق كنائسهم، ومنع من دين النصارى، وحمل الناس على عبادة الأصنام، وبالغ في الإسراف في قتل النصارى، وأقام ملكا إحدى وعشرين سنة، وهلك بعد علل صبعة دوّد منها بدنه، وسقطت أسنانه، وهو آخر من عبد الأصنام من ملوك الروم، وكل من ملك بعده فإنما كان على دين النصرانية، فإن الذي ملك بعده ابنه سنة واحدة، وقيل: أكثر من ذلك، ثم ملك قسطنطين الأكبر، فأظهر دين النصرانية، ونشره في الأرض، ويقال: إن رجلا ثار بمصر، يقال له: أجله، وخرج عن طاعة الروم، فسار إليه دقلطيانوس وحصر الإسكندرية دار الملك يومئذ ثمانية أشهر، حتى أخذ أجله وقتله، وعمّ أرض مصر كلها بالسبي والقتل، وبعث قائده، فحارب سابور ملك فارس، وقتل أكثر عسكره، وهزمه وأسر امرأته وإخوته وأثخن في بلاده، وعاد بأسرى كثيرة من رجال فارس، ثم أوقع بعامّة بلاد رومة، فأكثر في قتلهم وسبيهم، فكانت أيامه شنعة، قتل فيها من أصناف الأمم، وهدم من بيوت العبادات ما لا يدخل تحت حصر، وكانت واقعته بالنصارى هي الشدّة العاشرة، وهي أشنع شدائدهم،
وأطولها لأنها دامت عليهم مدّة عشر سنين لا يفتر يوما واحدا يحرق فيها كنائسهم، ويعذب رجالهم، ويطلب من استتر منهم أو هرب ليقتل، يريد بذلك قطع أثر النصارى، وإبطال دين النصرانية من الأرض، فلهذا اتخذوا ابتداء ملك دقلطيانوس تاريخا، وكان ابتداء ملكه يوم الجمعة، وبينه وبين يوم الاثنين أوّل يوم من توت، وهو أوّل أيام ملك الإسكندر بن فيلبس المقدونيّ خمسمائة وأربع وتسعون سنة، وأحد عشر شهرا، وثلاثة أيام، وبين يوم الجمعة أوّل يوم من تاريخ دقلطيانوس، وبين يوم الخميس أوّل يوم من سنة الهجرة النبوية ثلثمائة وثمان وثلاثون سنة قمرية وتسعة وثلاثون يوما، وجعلوا شهور السنة القبطية اثني عشر شهرا كل شهر منها عدده ثلاثون يوما سواء، فإذا تمت الأشهر الاثنا عشر أتبعوها بخمسة أيام زيادة على عدد أيامها، وسموا هذه الخمسة الأيام أبو عمنا، وتعرف اليوم: بأيام النسيء، فيكون الحال في النسيء على ذلك ثلاث سنين متواليات، فإذا كان في السنة الرابعة جعلوا النسيء ستة أيام، فتكون سنوهم ثلاث سنين متواليات كل سنة ثلثمائة وخمسة وستون يوما والرابعة يصير عددها ثلثمائة وستة وستين يوما، ويرجع حكم سنتهم إلى حكم سنة اليونانيين بأن تصير سنتهم الوسطى ثلثمائة وخمسة وستين يوما وربع يوم إلا أن الكبس يختلف، فإذا كان كبس القبط في سنة كان كبس اليونانيين في السنة الداخلة.
وأسماء شهور القبط: توت، بابه. هتور، كهيك، طوبه، أمشير، برمهات، برموده، بشنس، بؤونة، أبيب، مسرى؛ فهذه اثنا عشر شهرا كل شهر منها عدده ثلاثون يوما، وإذا كانت عدّة شهر مسري، وهو الشهر الثاني عشر زادوا أيام النسيء بعد ذلك، وعملوا النوروز أوّل يوم من شهر توت.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع