تجاوز إلى المحتوى

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)

ذكر فسطاط مصر

قال الجوهريّ: الفسطاط بيت من شعر، قال: ومنه فسطاط مدينة مصر، إعلم: أن فسطاط مصر اختط في الإسلام بعد ما فتحت أرض مصر، وصارت دار إسلام، وقد كانت بيد الروم، والقبط وهم نصارى ملكانية، ويعقوبية وميانية، وحين اختط المسلمون الفسطاط انتقل كرسيّ المملكة من مدينة الإسكندرية بعد ما كانت منزل الملك، ودار الإمارة زيادة على تسعمائة سنة، وصار من حينئذ الفسطاط دار إمارة ينزل به أمراء مصر، فلم يزل على ذلك حتى بنى العسكر بظاهر الفسطاط، فنزل فيه أمراء مصر، وسكنوه، وربما سكن بعضهم الفسطاط، فلما أنشأ الأمير أبو العباس أحمد بن طولون القطائع بجانب العسكر سكن فيها، واتخذها الأمراء من بعده منزلا إلى أن انقرضت دولة بني طولون، فصار أمراء مصر من بعد ذلك ينزلون بالعسكر خارج الفسطاط، وما زالوا على ذلك حتى قدمت عساكر الإمام المعز لدين اللّه أبي تميم معدّ الفاطميّ مع كاتبه جوهر القائد، فبنى القاهرة، وصارت خلافة، واستمرّ سكنى الرعية بالفسطاط، وبلغ من وفور العمارة، وكثرة الخلائق، ما أربى على عامّة مدن المعمور حاشا بغداد، وما زال على ذلك، حتى تغلب الفرنج على سواحل البلاد الشامية، ونزل مخري ملك الفرنج بجموعه الكثيرة على بركة الحبش يريد الاستيلاء على مملكة مصر، وأخذ الفسطاط والقاهرة، فعجز الوزير شاور ابن مجير السعديّ عن حفظ

البلدين معا، فأمر الناس بإخلاء مدينة الفسطاط، واللحاق بالقاهرة للامتناع من الفرنج، وكانت القاهرة إذ ذاك من الحصانة، والامتناع بحيث لا ترام، فارتحل الناس من الفسطاط، وساروا بأسرهم إلى القاهرة، وأمر شاور، فألقى العبيد النار في الفسطاط، فلم تزل به بضعا وخمسين يوما حتى احترقت أكثر مساكنه، فلما رحل مري عن القاهرة، واستولى شيركوه على الوزارة تراجع الناس إلى الفسطاط، ورموا بعض شعثه، ولم يزل في نقص وخراب إلى يومنا هذا، وقد صار الفسطاط يعرف في زمننا بمدينة مصر، واللّه أعلم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر تاريخ الخليقة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.