من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
ذكر تحويل السنة الخراجية القبطية إلى السنة الهلالية العربية (٢)
وليس لها في الخراجيّ ارتفاع والأعمال تطيف بالزراعة، ولا حظ لها في ذلك، ولا انتفاع، وهذه الحال المضرّة بها على بيت المال غير خفية، والأذية فيها للرجال المقطعين بادية، وأسباب لحوقها إياهم مستمرّة متمادية، ولا سيما من وقع له بإثبات وأنعم عليه بزيادات، فإنّهم يتعجلون الاستقبال، ويتأجلون الاستغلال، ومتى لم تنقل هذه السنة الخراجية كانت متداخلة بين سنين هلالية، وهي موافقة لغيرها، وما لها يجري على سنة تجري بينهما لأنّ مدخلها في اليوم العاشر من المحرّم سنة إحدى وخمسمائة، وانقضاؤها في العشرين من المحرّم سنة اثنتين وخمسمائة، وهي متداخلة بين هاتين السنتين، وما لهما يجري على سنة إحدى وخمسمائة، والحال في ذلك لا ينتهي إلى أمد، ولا يزال الفساد
يتزايد طول الأبد، وقد رأى أمير المؤمنين وبالله توفيقه ما خرج به أمره إلى السيد الأجل الأفضل الذي نبه على هذا الأمر، وكشف غامضه، وأزال بحسن توصله تنافيه، وتناقضه أن يوعز إلى ديوان الإنشاء بكتب هذا السجل مضمنا ما رآه ودبره مودعا إنفاذ ما أحكمه، وقرّره من نقل سنة تسع وتسعين وأربعمائة إلى سنة إحدى وخمسمائة، لتكون موافقة لها.
ويجري عليها ما لها، ويكون ما يستأدونه من إقطاعاتهم، ويستخرجونه من واجباتهم جاريا على نظام محروس، ونطاق محيط غير منحوس، وشاهدا بنصيب موفي غير منقوص، ويتضح ما أبهم إشكاله التعمية، ويزول الاستكراه في اختلاف التسمية، ويستمرّ الوفاق بين السنين الهلالية والخراجية إلى سنة أربع وثلاثين وخمسمائة، وينسب مال الخراج والمقاسمات، وما يستغلّ، ويجبي من الإقطاعات مما كان جاريا على ذكر سنة تسع وتسعين وأربعمائة إلى سنة إحدى وخمسمائة، وتجري الإضافة إليها مجرى ما يرتفع من الهلاليّ فيها لتكون سنة إحدى من هذه مشتملة على ما يخصها من مالها، وعلى مال السنة الخراجية بما يشرح من انتقالها، وكذلك نقل سنة تسع وتسعين وأربعمائة الخراجية الثابتة بالتسمية إلى سنة إحدى وخمسمائة المشار إليها، ويكون مالها جاريا عليها، فليعتمد ذلك في الدواوين بالحضرة، وفي سائر أعمال الدولة قاصيها ودانيها، وفارسها وشاميها، وليتنبه كافة الكتاب والمستخدمين، وجميع العمال والمتصرّفين إلى اقتفاء هذه السنن وأتباعه، وليحذروا الخروج عن أحكامه المقرّرة وأوضاعه، وليبادروا إلى امتثال المرسوم فيه، وليحذروا من تجاوزه وتعدّيه، ولينسخ في دواوين الأموال والجيوش المنصورة، وليخلد بعد ذلك في بيوت المال المعمورة، وكتب في محرّم سنة إحدى وخمسمائة.
وقال القاضي الفاضل في متجدّدات سنة سبع وستين وخمسمائة ومن خطه نقلت مستهلّ المحرّم نسخ منشور بنقل السنة الخراجية إلى السنة الهلالية، والمطابقة بين اسمهما لموافقة الشهور العربية للشهور القبطية، وخلوّ سنة سبع من نوروز، فنقلت سنة خمس وستين وخمسمائة الخراجية إلى هذه السنة، وكان آخر نقل نقلته هذه السنة في الأيام الأفضلية، فإنّ سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، وسنة تسع وتسعين الخراجيتين نقلتا إلى سنة إحدى وخمسمائة الخراجية، وسبب هذا الانفراج بينهما زيادة عدد السنة الشمسية على عدد الهلالية أحد عشر يوما، وإغفال النقل في سنة ثلاث وثلاثين في أيام الوزير الأفضل رضوان بن ولخشي، وانسحب ذيل هذه الزيادة، وتداخل السنين بعضها في بعض إلى أن صار التفاوت بينهما سنتين في هذه السنة فنقلت، وهو انتقال لا يتعدّى التسمية، ولا يتجاوز اللفظ، ولا ينقص مالا لديوان، ولا لمقطع، وإنما يقصد به إزالة الإلباس، وحل الإشكال.
وقال القاضي أبو الحسين: ونسخة الكتاب الذي أنشأه القاضي الفاضل خرجت الأوامر الملكية الناصرية زاد اللّه في إعلائها بإبداع هذا المنشور إنا نؤثر من حسن النظر ما
يؤثر أحسن الخبر، ولا ينصرف بنا الفكر عمّا تحلى به السير، وتجلى به الغير، ولا تزال خواطرنا تعتلي فتطلع الدراري، وتغوص فتخرج الدرر، وإنّ أولى ما استحدّت به البصائر، وحرست فيه المصائر كل أمر يصحح المعاملات ويشرحها، ويطلق عقولهم من عقول الإشكال، ويسرّحها، ولما وجب نقل السنة الخراجية، والمطابقة بينها وبين الهلالية، لانفراجهما بسنتين، وموافقة الشهور الخراجية والهلالية في هذه السنة مطلع المستهلين أمضينا هذه السنة الخالية في هذه السنة الآتية، واستخرنا اللّه تعالى في نقل سنتي خمس وست وستين وخمسمائة إلى سنة سبع وستين وخمسمائة التي سميت بهذا النقل هلالية خراجية نفيا للأمور المشتبهة، والتسمية المموّهة، وتنزيها لسني الإسلام عن التكبيس، ولتاريخه عن ملابسة التلبيس، وإعلاما بالوفاق الذي استشعرته آباؤها وبنوها، وإعلانا باتباعه عناية بعوايد السلف التي خلفوها للخلف وبنوها، وفي ذلك ما تحمد به العواقب، وتنفسخ به المذاهب، وتتيسر به المطالب، ويزول به الإشكال، ويؤمن به الاختلال، وينحسم به الغلط في الحساب، ويؤلف بين السنين المتلفة الأنساب، ويحفظ على القمر معاملته، ويبعد عن التاريخ معاطلته، ويقرّب على الكاتب محاولته، ويصرف عن نعمة اللّه هجنة كونها مقدّمة في التسنية مؤخرة في التسمية، وعن معاملة بيت المال وصمة كونها معذوقة بالمطل، وقد بالغت في التوفيه لأنّ من أعطى في سنة سبع وستين وخمسمائة استحقاق سنة خمس، فلا ريب أنه قد مطل بحكم السمع، وإن كان قد أنجز بحكم الشرع فتوسم هذه السنة المباركة بالهلالية الخراجية، وترفع الحسبانات بهذا الوضع، ويعمل في التقريرات والتسجيلات على هذا، فليفعل في ذلك ما يقضي بإرتاج هذا الانفراج، وجبر هذا الصدع، وليعلم في الدواوين علمه، ولينفذ فيها حكمه بعد ثبوته إلى حيث يثبت مثله إن شاء اللّه تعالى.
وأما تاريخ العرب: فإنه لم يزل في الجاهلية والإسلام يعمل بشهور الأهلة، وعدّة شهور السنة عندهم: اثنا عشر شهرا، إلا أنهم اختلفوا في أسمائها، فكانت العرب العاربة تسميها: ناتق، ونقيل، وطليق، واسخ، أنخ، وحلك، وكسح، وزاهر، ونوط، وحرف، وبغش. فناتق هو: المحرّم، ونقيل هو: صفر، وهكذا ما بعده على سرد الشهور.
وكانت ثمود تسميها: موجب، وموجر، ومورد، وملزم، ومصد، وهوبر، وهوبل، وموها، وديمر، ودابر، وحيقل، ومسيل، فموجب هو: المحرّم، وموجر: صفر، إلا أنهم كانوا يبدأون بالشهور من ديمر، وهو شهر رمضان، فيكون أوّل شهور السنة عندهم، ثم كانت العرب تسميها بأسماء أخر هي: مؤتمر، وناجر، وخوّان، وصوان، وحنتم، وزبا، والأصم، وعادل، وبايق، ووعل، وهواع، وبرك، ومعنى المؤتمر: أنه يأتمر بكل شيء مما تأتي به السنة من أقضيتها، وناجر: من النجر، وهو شدّة الحرّ، وخوّان: فعال من الخيانة، وصوان، بكسر الصاد وضمها: فعال من الصيانة، والزبا: الداهية العظيمة المتكاثفة سمي
بذلك لكثرة القتال فيه، ومنهم من يقول: بعد صوان الزبا، وبعد الزبا بائدة، وبعد بائدة الأصم، ثم واغل، وباطل، وعادل، ورنه، وبرك، فالبائد من القتال إذ كان فيه يبيد كثير من الناس، وجرى المثل بذلك فقيل العجب كل العجب بين جمادى ورجب، وكانوا يستعجلون فيه ويتوخون بلوغ النار والغارات قبل رجب فإنه شهر حرام، ويقولون له الأصم لأنهم كانوا يكفون فيه عن القتال، فلا يسمع فيه صوت السلاح، والواغل الداخل على شرب ولم يدعوه، وذلك لأنه تهجم على شهر رمضان، وكان يكثر في شهر رمضان شربهم الخمر لأن الذي يتلوه هي شهور الحج، وباطل هو مكيال الخمر سمي به لإفراطهم فيه في الشرب، وكثرة استعمالهم لذلك المكيال، وأما العادل فهو من العدل لأنه من أشهر الحج، وكانوا يشتغلون فيه عن الباطل، وأما الزبا فلأن الأنعام كانت تزب فيه لقرب النحر، وأما برك فهو لبروك الإبل إذا حضرت المنحر.
وقد روي: أنهم كانوا يسمون المحرّم: مؤتمر، وصفر: ناجر، وربيع الأوّل: نصار، وربيع الآخر: خوان، وجمادى الأولى: حمتن، وجمادى الآخرة: الرنة، ورجب: الأصم وهو شهر مضر، وكانت العرب تصومه في الجاهلية، وكانت تمتار فيه، وتمير أهلها، وكان يأمن بعضهم بعضا فيه، ويخرجون إلى الأسفار، ولا يخافون، وشعبان: عادل، ورمضان:
ناتق، وشوّال: واغل، وذو القعدة: هواع، وذو الحجة: برك، ويقال فيه أيضا: أبروك، وكانوا يسمونه الميمون، ثم سمت العرب أشهرها بالمحرّم، وصفر، وربيع الأوّل، وربيع الآخر، وجمادى الأولى، وجمادى الآخرة، ورجب، وشعبان، ورمضان، وشوّال، وذي القعدة، وذي الحجة، واشتقوا أسماءها من أمور اتفق وقوعها عند تسميتها، فالمحرّم كانوا يحرّمون فيه القتال، وصفر كانت تصفر فيه بيوتهم لخروجهم إلى الغزو، وشهرا ربيع كانا زمن الربيع، وشهرا جمادى كانا يجمد فيهما الماء لشدّة البرد، ورجب الوسط، وشعبان يشعب فيه القتال، ورمضان من الرمضاء لأنه كان يأتي فيه القيظ، وشوّال تشيل فيه الإبل أذنابها، وذو القعدة لقعودهم في دورهم، وذو الحجة لأنه شهر الحج، وأنت إذا تأمّلت اشتقاق أسماء شهور الجاهلية أوّلا، ثم اشتقاقها ثانيا تبين لك أنّ بين التسميتين زمانا طويلا، فإنّ صفر في أحدهما هو: صميم الحروب، وفي الآخر: رمضان، ولا يمكن ذلك في وقت واحد أو وقتين متقاربين، وكانت العرب أوّلا تستعمل هذه الشهور على نحو ما يستعمله أهل الإسلام إما بطريق إلهيّ، أو لأنّ العرب لم يكن لها دراية بمراعاة حساب حركات النيرين، فاحتاجت إلى استعمال مبادي الشهور لرؤية الأهلة، وجعلت زمان الشهر بحسب ما يقع بين كل هلالين، فربما كان بعض الشهور تامّا أعني ثلاثين يوما، وربما كان ناقصا أعني تسعة وعشرين يوما، وربما كانت أشهر متوالية تامّة أكثرها أربعة، وهذا نادر، وربما كانت أشهر متوالية ناقصة أكثرها ثلاثة، وكان يقع حج العرب في أزمنة السنة كلها، وهو أبدا عاشر ذي الحجة من عهد إبراهيم وإسماعيل ﵉، فإذا انقضى موسم الحج تفرّقت العرب
طالبة أماكنها، وأقام أهل مكة بها، فلم يزالوا على ذلك دهرا طويلا إلى أن غيروا دين إبراهيم وإسماعيل، فأحبوا أن يتوسعوا في معيشتهم، ويجعلوا حجهم في وقت إدراك شغلهم من الأدم والجلود والثمار ونحوها، وأن يثبت ذلك على حالة واحدة في أطيب الأزمنة، وأخصبها فتعلموا كبس الشهور من اليهود الذين نزلوا يثرب من عهد شمويل نبيّ بني إسرائيل، وعملوا النسيء قبل الهجرة بنحو مائتي سنة، وكان الذي يلي النسيء يقال له: القلمس يعني الشريف، وقد اختلف في أول من أنسأ الشهور منهم فقيل: القلمس هو:
عديّ بن زيد، وقيل: القلمس هو: سرير بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة، وإنه قال:
أرى شهور الأهلة ثلثمائة وأربعة وخمسين يوما، وأرى شهور العجم ثلثمائة وخمسة وستين يوما، فبيننا وبينهم أحد عشر يوما، ففي كل ثلاث سنين ثلاثة وثلاثون يوما، ففي كل ثلاث سنين شهر، وكان إذا جاءت ثلاث سنين قدّم الحج في ذي القعدة، فإذا جاءت ثلاث سنين أخر في المحرّم، وكانت العرب إذا حجت قلّدت الإبل النعال، وألبستها الجلال، وأشعرتها، فلا يتعرّض لها أحد إلاّ خثعم، وكان النسيء في بني كنانة، ثم في بني ثعلبة بن مالك بن كنانة، وكان الذي يلي ذلك منهم: أبو ثمامة المالكيّ، ثم من بني فقيم، وبنو فقيم هم النساءة، وهو منسيء الشهور، وكان يقوم على باب الكعبة، فيقول: إنّ إلهتكم العزى قد أنسأت صفر الأوّل، وكان يحله عاما ويحرّمه عاما، وكان إتباعهم على ذلك غطفان وهوازن وسليم وتميم، وآخر النساءة: جنادة بن عوف بن أمية بن قلع بن عباد بن حذيفة بن عبد بن فقيم.
وقيل: القلمس هو: حذيفة بن عبد بن فقيم بن عديّ بن عامر بن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة، ثم توارث ذلك منه بنوه من بعده، حتى كان آخرهم الذي قام ﵇ أبو ثمامة جنادة، وكانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه فأحلّ لهم من الشهور، وحرّم، فأحلوا ما أحلّ وحرّموا ما حرّم، وكان إذا أراد أن ينسئ منها شيئا أحل المحرّم، فأحلوه، وحرّم مكانه صفر فحرّموه ليواطئوا عدّة الأربعة، فإذا أرادوا الهدي اجتمعوا إليه، فقال: اللهم إني لا أجاب، ولا أعاب في أمري والأمر لما قضيت، اللهم إني قد أحللت دماء المحلين من طي وخثعم، فاقتلوهم حيث ثقفتموهم أي ظفرتم به، اللهم إني قد أحللت أحد الصفرين الصفر الأوّل وأنسأت الآخر من العام المقبل، وإنما أحل دم طي وخثعم لأنهم كانوا يعدون على الناس في الشهر الحرام من بين جميع العرب.
وقيل: أوّل من أنسأ سرير بن ثعلبة، وانقرض فأنسأ من بعده ابن أخيه: القلمس واسمه عديّ بن عامر بن ثعلبة بن الحرث بن كنانة، ثم صار النسيء في ولده، وكان آخرهم أبو ثمامة جنادة، وقيل: عوف بن أمية بن قلع عن أبيه أمية بن قلع عن جدّه قلع بن عباد عن
جدّ أبيه عباد بن حذيفة عن جدّ جدّه حذيفة بن عبد بن فقيم، وكان يقال لحذيفة القلمس، وهو أوّل من أنسأ الشهور على العرب، فأحل منها ما أحل وحرّم ما حرّم، ثم كان بعد عوف المذكور ولده أبو ثمامة جنادة بن عوف، وعليه قام الإسلام، وكان أبعدهم ذكرا، وأطولهم أمدا يقال: إنه أنسأ أربعين سنة، ولهم يقول عمير بن قيس جذل الطعان يفتخر:
وأيّ الناس لم يسبق بوتروأيّ الناس لم يعلك لجاما
ألسنا الناسئين على معدّشهور الحل نجعلها حراما
وقال آخر:
أتزعم أني من فقيم بن مالكلعمري لقد غيرت ما كنت أعلم
لهم ناسئ يمشون تحت لوائهيحل إذا شاء الشهور ويحرم
وقيل: كانت العرب تكبس في كل أربع وعشرين سنة قمرية بتسعة أشهر، فكانت شهورهم ثابتة مع الأزمنة جارية على سنن واحد لا تتأخر عن أوقاتها، ولا تتقدّم وكان النسيء الأوّل للمحرّم، فسمي صفر باسمه، وشهر ربيع الأوّل باسم صفر، ثم والوا بين أسماء الشهور، فكان النسيء الثاني بصفر، فسمي الذي كان يتلوه بصفر أيضا، وكذلك حتى دار النسيء في الشهور الاثني عشر، وعاد إلى المحرّم، فأعادوا فعلهم الأوّل، وكانوا يعدّون أدوار النسيء، ويحدّون بها الأزمنة، فيقولون: قد دارت السنون من لدن زمان كذا إلى زمان كذا: وكذا دورة، فإن ظهر لهم مع ذلك تقدّم شهر عن فصله من الفصول الأربعة لما يجتمع من كسور سنة الشمس بقية فضل ما بينها، وبين سنة القمر الذي ألحقوه بها كبسوها كبسا ثانيا، وكان يظهر لهم ذلك بطلوع منازل القمر، وسقوطها حتى هاجر النبيّ ﷺ، وكانت نوبة النسيء بلغت شعبان، فسمي: محرّما، وشهر رمضان: صفر، وقيل: إن الناسيء الأوّل نسأ المحرّم، وجعله كبسا، وأخر المحرّم إلى صفر، وصفر إلى ربيع الأوّل، وكذا بقية الشهور، فوقع لهم في تلك السنة عاشر المحرّم، وجعل تلك السنة ثلاثة عشر شهرا، ونقل الحج بعد كل ثلاث سنين شهرا فمضى على ذلك مائتان وعشر سنين، وكان انقضاؤها سنة حجة الوداع، وكان وقوع الحج في السنة التاسعة من الهجرة عاشر ذي القعدة، وهي السنة التي حج فيها أبو بكر الصدّيق ﵁ بالناس، ثم حجر رسول اللّه ﷺ في السنة العاشرة حجة الوداع لوقوع الحج فيها عاشر ذي الحجة كما كان في عهد إبراهيم وإسماعيل، ولذلك قال ﷺ في حجته هذه: «إنّ الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق اللّه السماوات والأرض» يعني رجوع الحج والشهور إلى الوضع، وأنزل اللّه تعالى إبطال النسيء بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اَلنَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي اَلْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اَللّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اَللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ﴾ [التوبة/] فبطل ما أحدثته الجاهلية من النسيء، واستمرّ وقوع الحج والصوم برؤية الأهلة، وللّه الحمد.
وكانت العرب لها تواريخ معروفة عندها قد بادت، فما كانت تؤرخ به، إنّ كنانة أرخت من موت كعب بن لؤيّ حتى كان عام الفيل، فأرخوا به، وهو عام مولد رسول اللّه ﷺ، وكان بين كعب بن لؤيّ، والفيل خمسمائة وعشرون سنة، وكان بين الفيل، وبين الفجار أربعون سنة، ثم عدّوا من الفجار إلى وفاة هشام بن المغيرة، فكان ست سنين، ثم عدّوا من وفاة هشام بن المغيرة إلى بنيان الكعبة، فكان تسع سنين، ثم كان بين بنائها، وبين هجرة رسول اللّه ﷺ خمس عشرة سنة.
ثم وقع التاريخ من الهجرة النبوية، فعن سعيد بن المسيب قال: جمع عمر بن الخطاب ﵁ الناس فسألهم من أيّ يوم يكتب التاريخ؟ فقال عليّ بن أبي طالب:
من يوم هاجر رسول اللّه ﷺ، وترك أرض الشرك، ففعله عمر، وعن سهل بن سعد الساعديّ قال: أخطأ الناس في العدد ما عدّوا من مبعثه، ولا من وفاته إنما عدّوا من مقدمه المدينة، وعن ابن عباس ﵄ قال: كان التاريخ من السنة التي قدم فيها رسول اللّه ﷺ المدينة، وقال قرّة بن خالد عن محمد: كان عند عمر بن الخطاب ﵁ عامل جاء من اليمن فقال لعمر: أما تؤرخون؟ تكتبون في سنة كذا وكذا من شهر كذا وكذا، فأراد عمر والناس أن يكتبوا من مبعث رسول اللّه ﷺ، ثم قالوا: من عند وفاته، ثم أرادوا أن يكون ذلك من الهجرة، ثم قالوا: من أي شهر، فأرادوا أن يكون من رمضان، ثم بدا لهم، فقالوا:
من المحرّم. وقال ميمون بن مهران: رفع إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، صكّ محله شعبان، فقال: أيّ شعبان هو؟ أشعبان الذي نحن فيه أو الآتي؟ ثم جمع وجوه الصحابة فقال: إنّ الأموال قد كثرت، وما قسمنا منها غير مؤقت، فكيف التوصل إلى ما يضبط به ذلك، فقالوا: يجب أن يعرف ذلك من رسوم الفرس، فعندها استحضر عمر ﵁ الهرمزان، وسأله عن ذلك، فقال: إنّ لنا حسابا نسميه: ماه روز، معناه:
حساب الشهور والأيام، فعرّبوا الكلمة، وقالوا: مؤرخ، ثم جعلوه اسم التاريخ واستعملوه، ثم طلبوا وقتا يجعلونه أوّلا لتاريخ دولة الإسلام، فاتفقوا على أن يكون المبدأ من سنة الهجرة، وكانت الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة، وقد تصرّم من شهور السنة، وأيامها المحرّم وصفر، وأيام من ربيع الأوّل، فلما عزموا على تأسيس الهجرة رجعوا القهقرى ثمانية وستين يوما، وجعلوا التاريخ من أوّل محرّم هذه السنة، ثم أحصوا من أوّل يوم في المحرّم إلى آخر عمر رسول اللّه ﷺ، فكان عشر سنين وشهرين، وأما إذا حسب عمره المقدّس من الهجرة حقيقة، فيكون قد عاش ﷺ بعدها تسع سنين، وأحد عشر شهرا واثنين وعشرين يوما، وكان بين مولده ﷺ وبين مولد المسيح ﵇، خمسمائة وثمان وسبعون سنة تنقص شهرين وثمانية أيام.
وابتداء تاريخ الهجرة يوم الخميس أوّل شهر اللّه المحرّم، وبينه وبين الطوفان ثلاثة
آلاف وسبعمائة، وخمس وثلاثون سنة، وعشرة أشهر واثنان وعشرون يوما على ما عرّفناه من الخلاف في ذلك، وبينه وبين تاريخ الإسكندر بن فيليبس المقدونيّ الروميّ: تسعمائة وإحدى وستون سنة قمرية وأربعة وخمسون يوما لتكون من السنين الشمسية تسعمائة واثنتين وثلاثين سنة، ومائتين وتسعة وثمانين يوما عنها تسعة أشهر وتسعة عشر يوما، وبينه وبين تاريخ القبط: ثلثمائة وسبع وثلاثون سنة وتسعة وثلاثون يوما.
وقال ابن ماشا اللّه: إنّ انتقال المرمن المثلثة الهوائية التي هي برج الجوزاء دولتها إلى برج السرطان، ومثلثته المائية التي كانت دولة الإسلام فيها عند تمام ستة آلاف وثلثمائة وخمس وأربعين سنة وثلاثة أشهر وعشرين يوما من وقت القران الأوّل الواقع في بدء التحرّك يعني خلق آدم ﵇، وإن القران من هذه المثلثة وقع في أربع درج ودقيقة واحدة من برج العقرب، وهو قران الملة الإسلامية، قال: وفي السنة الثانية من هذا القران ولد رسول اللّه ﷺ وكان بين دخول الشمس برج الحمل في هذه السنة، وبين أوّل يوم من سنة الهجرة سنون فارسية عدّتها إحدى وخمسون سنة، وثلاثة أشهر وثمانية أيام وست عشرة ساعة، فكان من وقت الطوفان إلى وقت قران الملة ثلاثة آلاف وتسعمائة واثنتا عشرة سنة، وستة أشهر وأربعة عشر يوما.
وزعمت اليهود أنّ من آدم ﵇ إلى سنة الهجرة أربعة آلاف واثنتين وأربعين سنة وثلاثة أشهر.
وزعمت النصارى أن بينهما خمسة آلاف وتسعمائة وتسعين سنة وثلاثة أشهر.
وزعمت المجوس أعني الفرس أن بينهما أربعة آلاف ومائة واثنتين وثمانين سنة وعشرة أشهر، وتسعة عشر يوما، وقد عرفت أنّ شهور تاريخ الهجرة قمرية، وأيام كل سنة منها عدّتها ثلثمائة وأربعة وخمسون يوما، وخمس وسدس يوم، وجميع الأحكام الشرعية مبنية على رؤية الهلال عند جميع فرق الإسلام ما عدا الشيعة، فإنّ الأحكام مبنية عندهم على عمل شهور السنة بالحساب على ما ستراه في ذكر القاهرة وخلفائها، ثم لما احتاج منجمو الإسلام إلى استخراج من لا بدّ منه من معرفة الأهلة، وسمت القبلة، وغير ذلك بنوا أزياجهم على التاريخ العربيّ، وجعلوا شهور السنة العربية شهرا كاملا، وشهرا ناقصا، وابتدأوا بالمحرّم اقتداء بالصحابة ﵃، فجعلوا المحرّم ثلاثين يوما، وصفر تسعة وعشرين يوما، وربيعا الأوّل ثلاثين يوما، وربيعا الآخر تسعة وعشرين يوما، وجمادى الأولى ثلاثين يوما، وجمادى الآخرة تسعة وعشرين يوما، ورجب ثلاثين يوما، وشعبان تسعة وعشرين يوما، ورمضان ثلاثين يوما، وشوّالا تسعة وعشرين يوما، وذا القعدة ثلاثين
يوما، وذا الحجة تسعة وعشرين يوما، وزادوا من أجل كسر اليوم الذي هو خمس وسدس يوما في ذي الحجة إذا صار هذا الكسر أكثر من نصف يوم، فيكون شهر ذي الحجة في تلك السنة ثلاثين يوما، ويسمون تلك السنة كبيسة، ويصير عددها ثلثمائة وخمسة وخمسين يوما، ويجتمع في كل ثلاثين من الكبس أحد عشر يوما، واللّه أعلم.
وأما تاريخ الفرس، ويعرف أيضا بتاريخ يزدجرد، فإنه من ابتداء تملك يزدجرد بن شهربار بن كسرى أبرويز، أرخ به الفرس من أجل أن يزدجرد قام في المملكة بعد ما تبدّد ملك فارس، واستولى عليه النساء، والمتغلبون، وهو أيضا آخر ملوك فارس، وبقتله تمزق ملكهم، وأوّل هذا التاريخ يوم الثلاثاء، وبينه وبين تاريخ الهجرة تسع سنين، وثلثمائة وثمانية وثلاثون يوما، وأيام سنة هذا التاريخ تنقص عن السنة الشمسية ربع يوم، فيكون في كل مائة وعشرين سنة شهرا واحدا، ولهم في كبس السنة آراء ليس هذا موضع إيرادها، وعلى هذا التاريخ يعتمد في زمننا أهل العراق وبلاد العجم، وللّه عاقبة الأمور.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع