من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
ذكر ما كان عليه موضع الفسطاط قبل الإسلام إلى أن اختطه المسلمون مدينة
اعلم: أنّ موضع الفسطاط الذي يقال له اليوم: مدينة مصر كان فضاء ومزارع فيما بين النيل، والجبل الشرقيّ الذي يعرف بالجبل المقطم، ليس فيه من البناء، والعمارة سوى حصن يعرف اليوم بعضه: بقصر الشمع، وبالمعلقة ينزل به شحنة الروم المتولي على مصر من قبل القياصر ملوك الروم عند مسيره من مدينة الإسكندرية، ويقيم فيه ما شاء، ثم يعود إلى دار الإمارة، ومنزل الملك من الإسكندرية، وكان هذا الحصن مطلا على النيل، وتصل السفن في النيل إلى بابه الغربيّ الذي كان يعرف بباب الحديد، ومنه ركب المقوقس في السفن في النيل من بابه الغربيّ حين غلبه المسلمون على الحصن المذكور، وصار فيه إلى الجزيرة التي تجاه الحصن، وهي التي تعرف اليوم: بالروضة قبالة مصر، وكان مقياس النيل بجانب الحصن.
وقال ابن المتوّج: وعمود المقياس موجود في زقاق مسجد ابن النعمان قلت: وهو باق إلى يومنا هذا، أعني سنة عشرين وثمانمائة، وكان هذا الحصن لا يزال مشحونا بالمقاتلة، وسيرد في هذا الكتاب خبره إن شاء اللّه تعالى، وكان بجوار هذا الحصن من بحريه، وهي الجهة الشمالية أشجار وكروم صار موضعها الجامع العتيق، وفيما بين الحصن والجبل عدّة كنائس، وديارات للنصارى في الموضع الذي يعرف اليوم براشدة، وبجانب الحصن فيما بين الكروم التي كانت بجانبه، وبين الجرف الذي يعرف اليوم: بجبل يشكر، حيث جامع ابن طولون، والكبش عدّة كنائس، وديارات للنصارى في الموضع الذي كان يعرف في أوائل الإسلام بالحمراء، وعرف الآن بخط قناطر السباع والسبع سقايات، وبقي بالحمراء عدّة من الديارات إلى أن هدمت في سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاون على ما ذكر في هذا الكتاب عند ذكر كنائس النصارى، فلما افتتح عمرو بن العاص مدينة
الإسكندرية الفتح الأوّل نزل بجوار هذا الحصن، واختط الجامع المعروف بالجامع العتيق، وبجامع عمرو بن العاص، واختطت قبائل العرب من حوله، فصارت مدينة عرفت بالفسطاط، ونزل الناس بها، فانحسر بعد الفتح بأعوام ماء النيل عن أرض تجاه الحصن والجامع العتيق، فصار المسلمون يوقفون هناك دوابهم، ثم اختطوا فيه المساكن شيئا بعد شيء، وصار ساحل البلد حيث الموضع الذي يقال له اليوم في مصر: المعاريج مارّا إلى الكوم الذي على يسرة الداخل من باب مصر بحدّ الكبارة، وفي موضع هذا الكوم كانت الدور المطلة على النيل، ويمرّ الساحل من باب مصر المذكور إلى حيث بستان ابن كيسان الذي يعرف اليوم: ببستان الطواشي في أوّل مراغة مصر، وجميع الأماكن التي تعرف اليوم:
بمراغة مصر وبالجرف إلى الخليج عرضا، ومن حيث قنطرة السدّ إلى سوق المعاريج طولا، كان غامرا بماء النيل إلى أن انحسر عنه ماء النيل بعد سنة ستمائة من سني الهجرة، فصار رملة، ثم اختط فيه الأمراء مما يلي النيل آدرا عند ما عمر الملك الصالح نجم الدين أيوب قلعة الروضة، واختط بعضه شونا إلى أن أنشأ الملك الناصر محمد بن قلاون جامعه المعروف بالجامع الجديد الناصري ظاهر مصر، فعمر ما حوله، وقد كان عند فتح مصر سائر المواضع التي من منشأة المهرانيّ إلى بركة الحبش طولا، ومن ساحل النيل بموردة الحلفاء، وتجاه الجامع الجديد إلى سوق المعاريج، وما على سمته إلى تجاه المشهد الذي يقال له: مشهد الراس، وتسميه العامّة اليوم: مشهد زين العابدين كلها بحرا لا يحول بين الحصن والجامع، وما على سمتهما إلى الحمراء الدنيا التي منها اليوم: خط قناطر السباع، وبين جزيرة مصر التي تعرف اليوم: بالروضة شيء سوى ماء النيل، وجميع ما في هذه المواضع من الأبنية انكشف عنه النيل قليلا قليلا، واختط على ما يتبين لك في هذا الكتاب.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع