تجاوز إلى المحتوى

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)

ذكر القطائع ودولة بني طولون (٢)

فقام بعده ابنه: أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، وبايعه الجند يوم الأحد لعشر خلون من ذي القعدة، فأمر بقتل أخيه العباس لامتناعه من مبايعته، وعقد لأبي عبد اللّه أحمد الواسطيّ، على جيش إلى الشام لست خلون من ذي الحجة، وعقد لسعد الأعسر على جيش آخر، وبعث بمراكب في البحر لتقيم على السواحل الشامية، فنزل الواسطيّ فلسطين، وهو خائف من خمارويه أن يوقع به، لأنه كان أشار عليه بقتل أخيه العباس، فكتب إلى أبي أحمد الموفق: يصغر أمر خمارويه، ويحرّضه على المسير إليه، فأقبل من بغداد، وانضمّ إليه إسحاق بن كنداح، ومحمد بن أبي الساج، ونزل الرقة، فتسلم قنسرين والعواصم وسار إلى شيرز، فقاتل أصحاب خمارويه، وهزمهم ودخل دمشق، فخرج خمارويه في جيش عظيم لعشر خلون من صفر سنة إحدى وسبعين، فالتقى مع أحمد بن الموفق بنهر أبي بطرس المعروف بالطواحين من أرض فلسطين، فاقتتلا فانهزم أصحاب خمارويه، وكان في سبعين ألفا، وابن الموفق في نحو أربعة آلاف، واحتوى على عسكر خمارويه بما فيه، ومضى خمارويه إلى الفسطاط، وأقبل كمين له عليه: سعد الأعسر، ولم يعلم بهزيمة خمارويه، فحارب ابن الموفق، حتى أزاله عن المعسكر، وهزمه اثني عشر ميلا ومضى إلى دمشق، فلم يفتح له، ودخل خمارويه إلى الفسطاط لثلاث خلون من ربيع الأوّل، وسار سعد الأعسر والواسطيّ، فملكا دمشق، وخرج خمارويه من مصر لسبع بقين من رمضان، فوصل إلى فلسطين، ثم عاد لاثنتي عشرة بقيت من شوّال، ثم خرج في ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين، فقتل سعدا الأعسر، ودخل دمشق لسبع خلون من المحرّم سنة ثلاث وسبعين، وسار لقتال ابن كنداح، فكانت على خمارويه، فانهزم أصحابه، وثبت هو في طائفة، فهزم ابن كنداح، وأتبعه حتى بلغ أصحابه سرّ من رأى، ثم اصطلحا وتظاهرا، وأقبل إلى خمارويه، فأقام في عسكره، ودعا له في أعماله التي بيده، وكاتب خمارويه أبا أحمد الموفق في الصلح، فأجابه إلى ذلك، وكتب له بذلك كتابا، فورد عليه به: فالق الخادم إلى مصر في رجب ذكر فيه: أنّ المعتمد والموفق وابنه كتبوه بأيديهم، وبولاية خمارويه وولده ثلاثين سنة على مصر والشامات، ثم قدم خمارويه سلخ رجب،

فأمر بالدعاء لأبي أحمد الموفق، وترك الدعاء عليه، وجعل على المظالم بمصر: محمد بن عبدة بن حرب، وبلغه مسير محمد بن أبي الساج إلى أعماله، فخرج إليه في ذي القعدة، ولقيه شيبة العقاب من دمشق، فانهزم أصحاب خمارويه وثبت هو، فحاربه حتى هزمه أقبح هزيمة، وعاد إلى مصر فدخلها لست بقين من جمادى الآخرة سنة ست وسبعين، ثم خرج إلى الإسكندرية لأربع خلون من شوّال، وورد الخبر أنه دعي له بطرسوس في جمادى الآخرة سنة سبع وسبعين، وخرج إلى الشام لسبع عشرة من ذي القعدة، ومات الموفق في سنة ثمان وسبعين، ثم مات المعتمد في رجب سنة تسع وسبعين، وبويع المعتضد أبو العباس أحمد بن الموفق، فبعث إليه خمارويه بالهدايا، وقدم من الشام لست خلون من ربيع الأوّل سنة ثمانين، فورد كتاب المعتضد بولاية خمارويه على مصر هو وولده ثلاثين سنة، من الفرات إلى برقة، وجعل له الصلاة والخراج والقضاء وجميع الأعمال، على أن يحمل في كل عام مائتي ألف دينار عما مضى، وثلثمائة ألف للمستقبل، ثم قدم رسول المعتضد بالخلع، وهي اثنتا عشرة خلعة وسيف وتاج ووشاح مع خادم في رمضان، وعقد المعتضد نكاح قطر الندى بنت خمارويه في سنة إحدى وثمانين، وفيها خرج خمارويه إلى نزهته ببربوط في شعبان، ومضى إلى الصعيد فبلغ سيوط، ثم رجع من الشرق إلى الفسطاط أوّل ذي القعدة، وخرج إلى الشام لثمان خلون من شعبان سنة اثنتين وثمانين، فأقام بمنية الأصبغ، ومنية مطر، ثم رحل حتى أتى دمشق، فقتل بها على فراشه، ذبحه جواريه وخدمه، وحمل في صندوق إلى مصر، وكان لدخول تابوته يوم عظيم، واستقبله جواريه، وجواري غلمانه، ونساء قوّاده، ونساء القطائع بالصياح، وما يصنع في المآتم، وخرج الغلمان، وقد حلوا أقبيتهم، وفيهم من سوّد ثيابه وشققها، وكانت في البلد ضجة عظيمة، وصرخة تتعتع القلوب حتى دفن، وكانت مدّته اثنتي عشرة سنة، وثمانية عشر يوما.

ثم ولي أبو العساكر بن خمارويه بن أحمد بن طولون لليلة بقيت من ذي القعدة سنة اثنتين وثمانين ومائتين بدمشق، فسار إلى مصر، واشتمل على أمور أنكرت عليه، فاستوحش من عظماء الجند وتنكر لهم، فخافوه ودأبوا في الفساد، فخرج منتزها إلى منية الأصبغ، ففرّ جماعة من عظماء الدولة إلى المعتضد، وخلعه أحمد بن طغان، وكان على الثغر، وخلعه طغج بن جف بدمشق، فوثب جيش على عمه مضر بن أحمد بن طولون فقتله، فوثب عليه الجيش، وخلعوه وجمعوا الفقهاء والقضاة، فتبرّأ من بيعته وحللهم منها، وكان خلعه لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وثمانين، فولي ستة أشهر واثني عشر يوما، ومات في السجن بعد أيام.

ثم ولي أبو موسى هارون بن خمارويه يوم خلع جيش، فقام طائفة من الجند، وكاتبوا ربيعة بن أحمد بن طولون، وكان بالإسكندرية، ودعوه، ووعدوه بالقيام معه، فجمع جمعا كثيرا من أهل البحيرة، ومن البربر وغيرهم، وسار حتى نزل ظاهر فسطاط مصر، فخذله القوم، وخرج إليه القوّاد، فقاتلوه وأسروه لإحدى عشرة ليلة خلت من شعبان سنة أربع وثمانين، وضرب ألف سوط ومائتي سوط فمات، ومات المعتضد في ربيع الآخر سنة تسع وثمانين، وبويع ابنه محمد المكتفي بالله، وخرج القرمطيّ بالشام في سنة تسعين، فخرج القوّاد من مصر وحاربوه، فهزمهم، وبعث المكتفي محمد بن سليمان الكاتب، فنزل حمص، وبعث بالمراكب من الثغر إلى سواحل مصر، وأقبل إلى فلسطين، فخرج هارون يوم التروية سنة إحدى وتسعين، وسير المراكب الحربية، فالتقوا بمراكب محمد بن سليمان في تنيس، فغلبوا، وملك أصحاب محمد بن سليمان تنيس ودمياط، فسار هارون إلى العباسة، ومعه أهله وأعمامه في ضيق وجهد، فتفرّق عنه كثير من أصحابه وبقي في نفر يسير، وهو متشاغل باللهو، فأجمع عمّاه: شيبان وعديّ: ابنا أحمد بن طولون على قتله، فدخلا عليه وهو ثمل، فقتلاه ليلة الأحد لإحدى عشرة بقيت من صفر سنة اثنتين وتسعين، وسنه يومئذ اثنان وعشرون سنة، فكانت ولايته ثمان سنين وثمانية أشهر وأياما.

ثم ولي شيبان بن أحمد بن طولون أبو المواقيت لعشر بقين من صفر، فرجع إلى الفسطاط، وبلغ طفج بن جف، وغيره من القوّاد قتل هارون، فأنكروه، وخالفوا على شيبان، وبعثوا إلى محمد بن سليمان فأمنهم، وحرّكوه على المسير إلى مصر، فسار حتى نزل العباسة، فلقيه طفج في ناس من القوّاد كثير، فساروا به إلى الفسطاط، وأقبل إليهم عامّة أصحاب شيبان، فخاف حينئذ شيبان، وطلب الأمان فأمنه محمد بن سليمان، وخرج إليه لليلة خلت من ربيع الأوّل سنة اثنتين وتسعين ومائتين، وكانت ولايته اثني عشر يوما، ودخل محمد بن سليمان يوم الخميس أوّل ربيع الأوّل، فألقى النار في القطائع، ونهب أصحابه الفسطاط، وكسروا السجون، وأخرجوا من فيها، وهجموا الدور، واستباحوا الحريم، وهتكوا الرعية، وافتضوا الأبكار، وساقوا النساء، وفعلوا كل قبيح من إخراج الناس من دورهم، وغير ذلك، وأخرج ولد أحمد بن طولون، وهم عشرون إنسانا، وأخرج قوّادهم، فلم يبق بمصر منهم أحد يذكر، وخلت منهم الديار، وعفت منهم الآثار، وتعطلت منهم المنازل، وحلّ بهم الذل بعد العز، والتطريد والتشريد بعد اجتماع الشمل، ونضرة الملك، ومساعدة الأيام، ثم سيق أصحاب شيبان إلى محمد بن سليمان، وهو راكب،

فذبحوا بين يديه، كما تذبح الشياه، وقتل من السودان سكان القطائع خلقا كثيرا فقال أحمد بن محمد الحبيشيّ:

الحمد للّه إقرارا بما وهباقد لمّ بالأمن شعب الحق فانشعبا
اللّه أصدق هذا الفتح لا كذبفسوء عاقبة المثوى لمن كذبا
فتح به فتح الدنيا محمدهاوفرّج الظلم والإظلام والكربا
لا ريب رب هياج يقتضي دعةوفي القصاص حياة تذهب الريبا
رمى الإمام به عذراء غادرهفاقتض عذرتها بالسيف واقتضبا
محمد بن سليمان أعزهمنفسا وأكرمهم في الذاهبين أبا
سرى بأسد الشرى لو لم يروا بشراأضحى عرينهم الخطيّ لا القضبا
جمّ الفضاء على اليحموم حين أتوامثل الزبا يمتحون الزبية الذأبا
أيها علوت على الأيام مرتبةأبا عليّ ترى من دونها الرتبا
لما أطال بنو طولون خطبتهممن الخطوب وعافت منهم الخطبا
هارت بهارون من ذكراك بقعتهوشيّب الرعب شيبانا وقد رعبا
وكم ترى لهم من جنة أنفومن نعيم جنى من غدرهم عطبا
فأصبحوا لا ترى إلا مساكنهمكأنها من زمان غابر ذهبا

وقال أحمد بن يعقوب:

إن كنت تسأل عن جلالة ملكهمفارتع وعج بمرابع الميدان
وانظر إلى تلك القصور وما حوتواسرح بزهرة ذلك البستان
وإن اعتبرت ففيه أيضا عبرةتنبيك كيف تصرّف العصران
يا قتل هارون اجتثثت أصولهموأشبت رأس أميرهم شيبان
لم يغن عنكم بأس قيس إذا غدافي جحفل لجب ولا غسان
وعديه البطل الكميّ وخزرجلم ينصرا بأخيهما عدنان
زفت إلى آل النبوّة والهدىوتمزقت عن شيعة الشيطان

وقال إسماعيل بن أبي هاشم:

قف وقفة بقباب باب الساجوالقصر ذي الشرفات والأبراج
وربوع قوم أزعجوا عن دارهمبعد الإقامة أيما إزعاج
كانوا مصابيحا لدى ظلم الدجىيسري بها السارون في الإدلاج
وكأنّ أوجههم إذا أبصرتهامن فضة بيضاء أو من عاج
كانوا ليوثا لا يرام حماهمفي كل ملحمة وكل هياج
فانظر إلى آثارهم تلقي لهمعلما بكل ثنية وفجاج
وعليهم ما عشت لا أدع البكامع كل ذي نظر وطرف ساجي

وقال سعيد القاص:

تجري دمعه ما بين سحر إلى نحرولم يجر حتى أسلمته يد الصبر
وبات وقيذا للذي خامر الحشايئنّ كما أنّ الأسير من الأسر
وهل يستطيع الصبر من كان ذا أسىيبيت على جمر ويضحى على جمر
تتابع أحداث يضيعن صبرهوغدر من الأيام والدهر ذو غدر
أصاب على رغم الأنوف وجدعهاذوي الدين والدنيا بقاصمة الظهر
طوى زينة الدنيا ومصباح أهلهابفقد بني طولون والأنجم الزهر
وفقد بني طولون في كل موطنأمرّ على الإسلام فقدا من القطر
فبادوا وأضحوا بعد عز ومنعةأحاديث لا تخفى على كل ذي حجر
وكان أبو العباس أحمد ماجداجميل المحيّا لا يبيت على وتر
كأنّ ليالي الدهر كانت لحسنهاوإشرافها في عصره ليلة القدر
يدل على فضل ابن طولون همةمحلقة بين المساكين والغفر
فإن كنت تبغي شاهدا ذا عدالةيخبر عنه بالجليّ من الأمر
فبالجبل الغربيّ خطة يشكرله مسجد يغني عن المنطق الهذر
يدل ذوي الألباب أن بناءهوبانيه لا بالضنين ولا الغمر
بناه بآجرّ وساج وعرعروبالمرمر المسنون والجص والصخر
بعيد مدى الأقطار سام بناؤهوثيق المباني من عقود ومن جدر
فسيح رحاب يحصر الطرف دونهرقيق نسيم طيب العرف والنشر
وتنور فرعون الذي فوق قلةعلى جبل عال على شاهق وعر
بنى مسجدا فيه يروق بناؤهويهدي به في الليل إن ضلّ من يسري
تخال سنا قنديله وضياءهسهيلا إذا ما لاح في الليل للسفر
وعين معين الشرب عين زكيةوعين أجاج للرواة وللطهر
كأن وفود النيل في جنباتهاتروح وتغدو بين مدّ إلى جزر
فأرك بها مستنبطا لمعينهامن الأرض من بطن عميق إلى ظهر
بناء لو أنّ الجنّ جاءت بمثلهلقيل لقد جاءت بمستفظع نكر
يمرّ على أرض المغافر كلهاوشعبان والأحمور والحيّ من بشر
قبائل لا نوء السحاب يمدّهاولا النيل يرويها ولا جدول يجري
ولا تنس مارستانه واتساعهوتوسعة الأرزاق للحول والشهر
وما فيه من قوّامه وكفاتهورفقتهم بالمعتفين ذوي الفقر
فللميت المقبور حسن جهازهوللحيّ رفق في علاج وفي جبر
وإن جئت رأس الجسر فانظر تأمّلاإلى الحصن أو فاعبر إليه على الجسر
ترى أثرا لم يبق من يستطيعهمن الناس في بدو البلاد ولا حضر
مآثر لا تبلى وإن باد أهلهاومجد يؤدي وارثيه إلى الفخر
لقد ضمن القبر المقدّر ذرعهأجلّ إذا ما قيس من قبتي حجر
وقام أبو الجيش ابنه بعد موتهكما قام ليث الغاب في الأسل السمر
أتته المنايا وهو في أمن دارهفأصبح مسلوبا من النهي والأمر
كذاك الليالي من أعارته بهجةفيا لك من ناب حديد ومن ظفر
وورث هارون ابنه تاج ملكهكذاك أبو الأشبال ذو الناب والهصر
وقد كان جيش قبله في محلهولكنّ جيشا كان مستقصر العمر
فقام بأمر الملك هارون مدّةعلى كظظ من ضيق باع ومن حصر
وما زال حتى زال والدهر كاشحعقاربه من كل ناحية تسري
تذكرتهم لما مضوا فتتابعواكما أرفض سلك من جمان ومن شذر
فمن يبك شيئا ضاع من بعد أهلهلفقدهم فليبك حزنا على مصر
ليبك بني طولون إذ بان عصرهمفبورك من دهر وبورك من عصر

وقال أيضا:

من لم ير الهدم للميدان لم يرهتبارك اللّه ما أعلى وأقدره
لو أن عين الذي أنشأه تبصرهوالحادثات تعاديه لأكبره
كانت عيون الورى تعشوا لهيبتهإذا أضاف إليه الملك عسكره
أين الملوك التي كانت تحلّ بهوأين من كان بالإنفاذ دبره
وأين من كان يحميه ويحرسهمن كل ليث يهاب الليث منظره
صاح الزمان بمن فيه ففرّقهموحط ريب البلى فيه فدعثره
وأخلق الدهر منه حسن جدّتهمثل الكتاب محا العصر أن أسطره
دكت مناظره واجتثّ جوسقهكأنما الخسف فاجأه فدمّره
أو هبّ إعصار نار في جوانبهفعاد معروفه للعين منكره
كم كان يأوي إليه في مقاصرهأحوى أغنّ غضيض الطرف أحوره
كم كان فيه لهم من مشرب غدقفعب صرف الردى فيه فكدّره
أين ابن طولون بانيه وساكنهأماته الملك الأعلى فأقبره
ما أوضح الأمر لو صحت لنا فكرطوبى لمن خصه رشد فذكره

وقال أحمد بن إسحاق الجفر:

وإذا ما أردت أعجوبة الدهر تراها فانظر إلى الميدان
تنظر البين والهموم وأنواعا توالت به من الأشجان
يعلم العالم المبصر أن الدهر فيما يراه ذو ألوان
أين ما فيه من نعيم ومن عيش رخيّ ونضرة وحسان
أين ذاك المسك الذي ديف بالعنبر بحتا وعلّ بالزعفران
أين ذاك الخز المضاعف والوشيوما استخلصوا من الكتان
أين تلك القيان تشدو على العرس بما استحسنوا من الألحان
حوّز الدهر آل طولون في هوّةنقر مسكونها غير دان
وأعاض الميدان من بعد أهليهذئابا تعوي بتلك المغاني

ثم أمر الحسين بن أحمد المادراني متولي خراج مصر بهدم الديوان، فابتدئ في هدمه في شهر رمضان سنة ثلاث وتسعين ومائتين، وبيعت أنقاضه، ودثر كأنه لم يكن. فقال محمد بن طسويه:

وكأنّ الميدان ثكلى أصيبتبحبيب قد ضاع ليلة عرس
تتغشى الرياح منه محلاكان للصون في ستور الدمقس
وبفرش الأضريج والبسط الديباج في نعمة وفي لين لمس
ووجوه من الوجوه حسانوخدود مثل اللآلئ ملس
وكل نجلاء كالغزال وبخلاورداح من بين حور ولعس
آل طولون كنتم زينة الأرض فأضحى الجديد أهدام لبس

وقال ابن أبي هاشم:

يا منزلا لبني طولون قد دثراسقاك صرف الغوادي القطر والمطرا
يا منزلا صرت أجفوه وأهجرهوكان يعدل عندي السمع والبصرا
بالله عندك علم من أحبتناأم هل سمعت لهم من بعدنا خبرا

وقال:

ألا فاسأل الميدان ثم اسأل الجبلعن الملك الماضي ابن طولون ما فعل
وعن ابنه العباس إن كنت سائلاوأين أبو الجيش الفصافصة البطل
وجيش وهارون الذي قام بعدهوشيبان بالأمس الذي خانه الأمل
ومن قبله أردى ربيعة يومهوكان هزبرا لا يطاق إذا حمل
وأين ذراريهم وأين جموعهموكيف تقضي عنهم الملك فاضمحل
وأين بناء القصر والجوسق الذيعهدناه معمور الفناء له زجل
لقد ملكوه برهة من زماننابدولتهم ثم انقضوا بانقضا الدول
فما منهم خلق يحس ولا يرىبذكر طوال الدهر لما انقضى الأجل
وصاروا أحاديثا لمن جاء بعدهموكان بهم في ملكهم يضرب المثل

وقال:

قف وقفة وانظر إلى الميدانوالقصر ذي الشرفات والإيوان
والجوسق العالي المنيف بناؤهما باله قفر من السكان
أين الذين لهوا به وعنوا بهزمنا مع القينات والنسوان
يجبي الخراج إليهم في دارهملا يرهبون غوائل الحدثان
جمعوا الجموع مع الجموع فأكثرواواستأثروا بالروم والسودان
فانظر إلى ما شيدوا من بعدهمهل فيه غير البوم والغربان
أين الأولى حفروا العيون بأرضهوتأنقوا فيه وفي البنيان
غرسوا صنوف النخل في ساحاتهوغرائب الأعناب والرّمان
والزعفران مع البهاء بأرضهوالورد بين الآس والريحان
كانوا ملوك الأرض في أيامهمكبراء كل مدينة ومكان
فتمزقوا وتفرّقوا فهناك همتحت الثرى يبلون في الأكفان
إلا أغيلمة أسارى بعدهمفي دار مضيعة ودار هوان
متلذذين بأسرهم قد شرّدواونفوا عن الأهلين والأوطان
واللّه وارث كل حيّ بعدهموله البقاء وكل شيء فان

وقال:

إن في قبة الهواء لذي اللب معتبروالقصور المشيدات مع الدور والحجر
والبساتين والمجالس والبيت والزهروالجواري المغنيات ذوي الدل والخفر
يتبخترن في الحرير وفي الوشي والحبروملوك عبيدهم عدد الشوك والشجر
وجيوش مؤيدوون لدى البأس بالظفرمن صنوف السودان والترك والروم والخزر
عمروا الأرض مدّة ثم صاروا إلى الحفرواستبدّ الزمان من عاش منهم فلم يذر
فهم في الهوان والذل أسرى على خطروهم بعد صفو عيش من الذل في كدر
يا آل طولون ما لكم صرتم للورى سمريا آل طولون كنتم خبرا فانقضى الخبر

وقال:

مررت على الميدان معتبرا بهفناديته أين الجبال الشوامخ
خمار وعباس وأحمد قبلهموأين ترى شبانهم والمشايخ
وأين ذراري آل طولون بعدهمأما فيك منهم أيها الربع صارخ
وأين ثياب الخز والوشي والحلىوأربابها أم أين تلك المطابخ
وأين فتات المسك والعنبر الذيعنيت به دهرا وتلك اللطائخ
لقد غالك الدهر الخؤون بصرفهفأصبحت منحطا وغيرك باذخ

وقال:

مررت على الميدان بالأمس ضاحيافأبصرته قفر الجناب فراعني
فناديت فيه يا آل طولون ما لكمفهود فما حلق بحرف أجابني
فأذريت عينا ذات دمع غزيرةورحت كئيب القلب مما أصابني
وإني عليهم ما بقيت لموجعولست أبالي من لحاني وعابني

وحدّث محمد بن أبي يعقوب الكاتب قال: لما كانت ليلة عيد الفطر من سنة اثنتين وتسعين ومائتين تذكرت ما كان فيه آل طولون في مثل هذه الليلة من الزيّ الحسن بالسلاح، وملوّنات البنود والأعلام، وشهرة الثياب، وكثرة الكراع وأصوات الأبواق والطبول، فاعتراني لذلك فكرة، ونمت في ليلتي، فسمعت هاتفا يقول: ذهب الملك التملك والزينة لما مضى بنو طولون.

وقال القاضي أبو عمرو عثمان النابلسيّ في كتاب حسن السيرة في اتخاذ الحصن بالجزيرة: رأيت كتابا قدر اثنتي عشرة كراسة مضمونة فهرست شعراء الميدان الذي لأحمد بن طولون قال: فإذا كانت أسماء الشعراء في ثنتي عشرة كراسة، كم يكون شعرهم؟ مع أنه لم يوجد من لك الآن ديوان واحد. وقال أبو الخطاب بن دحية في كتاب النبراس: وخربت قطائع أحمد بن طولون، يعني في الشدّة العظمى زمن الخليفة المستنصر، وهلك جميع من كان بها من الساكنين، وكانت نيفا على مائة ألف دار نزهة للناظرين محدقة بالجنان والبساتين، واللّه يرث الأرض ومن عليها، وهو خير الوارثين.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.