تجاوز إلى المحتوى

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)

ذكر ما قيل في نسب الخلفاء الفاطميين بناة القاهرة

اعلم: أن القوم كانوا ينسبون إلى الحسين بن عليّ بن أبي طالب ﵄، والناس فريقان في أمرهم: فريق يثبت صحة ذلك، وفريق يمنعه، وينفيهم عن رسول اللّه ﷺ، ويزعم أنهم أدعياء من ولد ديصان البونيّ الذي ينسب إليه النوبة، وإنّ ديصان كان له ابن اسمه: ميمون القدّاح كان له مذهب في الغلوّ، فولد ميمون: عبد اللّه،

وكان عبد اللّه عالما بجميع الشرائع، والسنن والمذاهب.

وأنه رتب سبع دعوات يندرج الإنسان فيها حتى ينحل عن الأديان كلها، ويصير معطلا إباحيا لا يرجو ثوابا، ولا يخاف عقابا، ويرى أنه، وأهل نحلته على هدى، وجميع من خالفهم أهل ضلالة، وإنه قصد بذلك أن يجعل له أتباعا، وكان يدعو إلى الإمام من آل البيت محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، وأنه كان من الأهواز، واشتهر بالعلم والتشيع، وصار له دعاة، وقصد بالمكروه، ففرّ إلى البصرة، فاشتهر أمره، وسار منها إلى سلمية من أرض الشام، فولد له ابن بها اسمه: أحمد، ومات فقام من بعده أحمد، وبعث بالحسين الأهوازيّ داعية إلى العراق، فلقي أحمد بن الأشعث المعروف: بقرمط في سواد الكوفة، ودعاه إلى مذهبه، فأجابه، وقام هناك بالأمر، وإلى قرمط هذا تنسب القرامطة، وولد لأحمد بن عبد اللّه بن ميمون القدّاح: الحسين، ومحمد المعروف بأبي الشعلع، فلما مات أحمد خلفه ابنه الحسين في الدعوة حتى مات، فقام من بعده أخوه: أبو الشعلع، وكان لأحمد بن عبد اللّه ولد اسمه سعيد، فصار تحت حجر عمه، وبعث أبو الشعلع بداعيين إلى المغرب وهما: أبو عبد اللّه وأخوه أبو العباس، فنزلا في البربر، ودعوها، واشتهر سعيد بسلمية بعد موت عمه، وكثر ماله فطلبه السلطان ففر من سلمية إلى مصر يريد المغرب، وكان على مصر عيسى النوشريّ، فورد عليه كتاب الخليفة ببغداد بالقبض عليه، ففاته، وصار بسلجماسة في زيّ التجار، فبعث المعتضد من بغداد في طلبه، فأخذ وحبس حتى أخرجه أبو عبد اللّه الشيعيّ من محبسه، فتسمى حينئذ بعبيد اللّه، وتكنى بأبي محمد، وتلقب بالمهديّ، وصار إماما علويا من ولد محمد بن جعفر الصادق، وإنما هو: سعيد بن الحسين بن أحمد بن عبد اللّه بن ميمون القدّاح بن ديصان البونيّ الأهوازيّ، وأصله من المجوس، فهذا قول من ينكر نسبهم.

وبعض منكري نسبهم في العلوية يقول: إنّ عبيد اللّه من اليهود، وإنّ الحسين بن أحمد المذكور تزوّج امرأة يهودية من نساء سلمية كان لها ابن من يهوديّ حدّاد، مات وتركه لها، فرباه الحسين، وأدّبه وعلمه، ثم مات عن غير ولد فعهد إلى ابن امرأته هذا، فكان هو:

عبيد اللّه المهديّ، وهذه أقوال إن أنصفت تبين لك أنها موضوعة، فإن بني عليّ بن أبي طالب ﵁، قد كانوا إذ ذاك على غاية من وفور العدد وجلالة القدر عند الشيعة، فما الحامل لشيعتهم على الإعراض عنهم، والدعاء لابن مجوسيّ، أو لابن يهودي، فهذا مما لا يفعله أحد، ولو بلغ الغاية في الجهل والسخف، وإنما جاء ذلك من قبل ضعفة خلفاء

بني العباس عندما غصوا بمكان الفاطميين، فإنهم كانوا قد اتصلت دولتهم نحوا من مائتين وسبعين سنة، وملكوا من بني العباس: بلاد المغرب ومصر والشام وديار بكر والحرمين واليمن، وخطب لهم ببغداد نحو أربعين خطبة، وعجزت عساكر بني العباس عن مقاومتهم، فلاذت حينئذ بتنفير الكافة عنهم بإشاعة الطعن في نسبهم، وبث ذلك عنهم خلفاؤهم، وأعجب به أولياؤهم، وأمراء دولتهم الذين كانوا يحاربون عساكر الفاطميين كي يدفعوا بذلك عن أنفسهم وسلطانهم معرّة العجز عن مقاومتهم ودفعهم عما غلبوا عليه من ديار مصر والشام والحرمين، حتى اشتهر ذلك ببغداد، وأسجل القضاة بنفيهم من نسب العلويين.

وشهد بذلك من أعلام الناس جماعة منهم الشريفان: الرضي والمرتضى، وأبو حامد الإسفراينيّ والقدوريّ في عدّة وافرة عندما جمعوا لذلك في سنة اثنتين وأربعمائة أيام القادر، وكانت شهادة القوم في ذلك على السماع لما اشتهر وعرف بين الناس ببغداد، وأهلها، إنما هم شيعة بني العباس الطاعنون في هذا النسب، والمتطيرون من بني عليّ بن أبي طالب الفاعلون فيهم منذ ابتداء دولتهم الأفاعيل القبيحة، فنقل الإخباريون وأهل التاريخ ذلك كما سمعوه، ورووه حسب ما تلقوه من غير تدبر، والحق من وراء هذا، وكفاك بكتاب المعتضد من خلائف بني العباس حجة، فإنه كتب في شأن عبيد اللّه إلى ابن الأغلب بالقيروان، وابن مدرار بسلجماسة بالقبض على عبيد اللّه، فتفطن أعزك اللّه لصحة هذا الشاهد، فإنّ المعتضد لولا صحة نسب عبيد اللّه عنده ما كتب لمن ذكرنا بالقبض عليه إذ القوم حينئذ لا يدعون لدعيّ البتة، ولا يذعنون له بوجه، وإنما ينقادون لمن كان علويا، فخاف مما وقع، ولو كان عنده من الأدعياء لما مرّ له بفكر، ولا خافه على ضيعة من ضياع الأرض، وإنما كان القوم أعني بني عليّ بن أبي طالب تحت ترقب الخوف من بني العباس، لتطلبهم لهم في كل وقت، وقصدهم إياهم دائما بأنواع من العقاب، فصاروا ما بين طريد شريد، وبين خائف يترقب، ومع ذلك فإن لشيعتهم الكثيرة المنتشرة في أقطارهم من المحبة لهم، والإقبال عليهم، ما لا مزيد عليه، وتكرّر قيام الرجال منهم مرّة بعد مرّة، والطلب عليهم من ورائهم، فلاذوا بالاختفاء، ولم يكادوا يعرفون حتى تسمى محمد بن إسماعيل الإمام جدّ عبيد اللّه المهديّ بالمكتوم سماه بذلك الشيعة عند اتفاقهم على إخفائه حذرا من المتغلبين عليهم.

وكانت الشيعة فرقا فمنهم: من كان يذهب إلى أنّ الإمام من ولد جعفر الصادق هو إسماعيل ابنه، وهؤلاء يعرفون ممن بين فرق الشيعة: بالإسماعيلية من أجل أنهم يرون أنّ الإمام من بعد جعفر ابنه إسماعيل، وأنّ الإمام بعد إسماعيل بن جعفر الصادق هو ابنه محمد المكتوم، وبعد ابنه محمد المكتوم ابنه جعفر الصادق، ومن بعد جعفر الصادق ابنه محمد الحبيب، وكانوا أهل غلوّ في دعاويهم في هؤلاء الأئمة، وكان محمد بن جعفر هذا يؤمّل ظهوره، وأنه يصير له دولة، وكان باليمن من أهل هذا المذهب كثير يعدن بإفريقية، وفي

كتامة، ونقرة، تلقوا ذلك من عهد جعفر الصادق، فقدم على محمد بن جعفر والد عبيد اللّه رجل من شيعته باليمن، فبعث معه الحسن بن حوشب في سنة ثمان وستين ومائتين، فأظهرا أمرهما باليمن، وأشهرا الدعوة في سنة سبعين، وصار لابن حوشب دولة بصنعاء، وبث الدعاة بأقطار الأرض، وكان من جملة دعاته أبو عبد اللّه الشيعيّ، فسيره إلى المغرب، فلقي كتامة ودعاهم، فلما مات محمد بن جعفر عهد لابنه عبيد اللّه، فطلبه المكتفي العباسيّ، وكان يسكن عسكر مكرّم، فسار إلى الشام، ثم سار إلى المغرب، فكان من أمره ما كان، وكانت رجال هذه الدولة الذين قاموا ببلاد المغرب، وديار مصر عشر رجلا هذه خلاصة أخبارهم في أنسابهم، فتفطن ولا تغترّ بزخرف القول الذي لفقوه من الطعن فيهم، واللّه يهدي من يشاء.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر القاهرة قاهرة المعز لدين اللّه

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.