من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
ذكر ما كان عليه موضع القاهرة قبل وضعها
إعلم أن مدينة الإقليم منذ كان فتح مصر على يد عمرو بن العاص ﵁ كانت مدينة الفسطاط المعروفة في زماننا بمدينة: مصر قبليّ القاهرة، وبها كان محل الأمراء، ومنزل ملكهم، وعاليها تجبى ثمرات الأقاليم، وتأوي الكافة، وكانت قد بلغت من وفور العمارة، وكثرة الناس وسعة الأرزاق والتفنن في أنواع الحضارة، والتأنق في النعيم ما أربت به على كل مدينة في المعمور حاشا بغداد، فإنها كانت سوق العالم، وقد زاحمتها مصر، وكادت أن تساميها إلاّ قليلا، ثم لما انقضت الدولة الإخشيدية من مصر، واختلّ حال الإقليم بتوالي الغلوات، وتواتر الأوباء، والفنوات حدثت مدينة القاهرة عند قدوم جيوش المعز لدين اللّه أبي تميم معدّ أمير المؤمنين على يد عبده، وكاتبه القائد جوهر، فنزل حيث القاهرة الآن، وأناخ هناك، وكانت حينئذ رملة، فيما بين مصر وعين شمس يمرّ بها الناس عند مسيرهم من الفسطاط إلى عين شمس، وكانت فيما بين الخليج المعروف في أوّل الإسلام بخليج أمير المؤمنين، ثم قيل له خليج القاهرة، ثم هو الآن يعرف بالخليج الكبير، وبالخليج الحاكميّ، وبين الخليج المعروف باليحاميم، وهو الجبل الأحمر، وكان الخليج المذكور فاصلا بين الرملة المذكورة، وبين القرية التي يقال لها: أم دنين، ثم عرفت الآن بالمقس، وكان من يسافر من الفسطاط إلى بلاد الشام ينزل بطرف هذه الرملة في الموضع الذي كان يعرف بمنية الأصبغ، ثم عرف إلى يومنا بالخندق، وتمرّ العساكر والتجار، وغيرهم من منية الأصبغ إلى بني جعفر على غيفة وسلمنت إلى بلبيس، وبينها وبين مدينة الفسطاط أربعة وعشرون ميلا، ومن بلبيس إلى العلاقمة إلى الفرما، ولم يكن الدرب الذي يسلك في وقتنا من القاهرة إلى العريش في الرمل يعرف في القديم، وإنما عرف بعد خراب تنيس والفرما، وإزاحة الفرنج عن بلاد الساحل بعد تملكهم له مدّة من السنين، وكان من يسافر في البرّ من الفسطاط إلى الحجاز ينزل بجب عميرة المعروف اليوم ببركة الجب، وببركة الحاج، ولم يكن عند نزول جوهر بهذه الرملة فيها بنيان سوى أماكن هي بستان الإخشيد محمد بن ظفج المعروف اليوم بالكافوريّ من القاهرة، ودير للنصارى يعرف بدير:
العظام، تزعم النصارى أنّ فيه بعض من أدرك المسيح ﵇، وبقي الآن بئر هذا الدير، وتعرف ببئر العظام والعامة تقول بئر العظمة، وهي بجوار الجامع الأقمر من القاهرة، ومنها ينقل الماء إليه، وكان بهذه الرملة أيضا مكان ثالث يعرف بقصيّر الشوك بصيغة التصغير تنزله بنو عذرة في الجاهلية، وصار موضعه عند بناء القاهرة يعرف بقصر الشوك من جملة القصور الزاهرة، هذا الذي اطلعت عليه أنه كان في موضع القاهرة قبل بنائها بعد الفحص والتفتيش، وكان النيل حينئذ بشاطئ المقس يمرّ من موضع الساحل القديم بمصر الذي هو الآن سوق المعاريج، وحمام طن والمراغة، وبستان الجرف، وموردة الحلفاء، ومنشأة
المهرانيّ على ساحل الحمراء، وهي موضع قناطر السباع، فيمرّ النيل بساحل الحمراء إلى المقس موضع جامع المقس الآن، وفيما بين الخليج، وبين ساحل النيل بساتين الفسطاط، فإذا صار النيل إلى المقس حيث الجامع الآن مرّ من هناك على طرف الأرض التي تعرف اليوم بأرض الطبالة من الموضع المعروف اليوم بالجرف، وصار إلى البعل، ومرّ على طرف منية الأصبغ من غربيّ الخليج إلى المنية، وكان فيما بين الخليج والجبل مما يلي بحريّ موضع القاهرة مسجد بني على رأس إبراهيم بن عبد اللّه بن حسن بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب، ثم مسجد تبر الإخشيديّ، فعرف بمسجد تبر، والعامّة تقول: مسجد التبن، ولم يكن الممرّ من الفسطاط إلى عين شمس، وإلى الحوف الشرقيّ، وإلى البلاد الشامية إلاّ بحافة الخليج، ولا يكاد يمرّ بالرملة التي في موضعها الآن مدينة القاهرة كثير جدا، ولذلك كان بها دير للنصارى إلاّ أنه لما عمر الإخشيد البستان المعروف: بالكافوريّ، أنشأ بجانبه ميدانا، وكان كثيرا ما يقيم به، وكان كافور أيضا يقيم به، وكان فيما بين موضع القاهرة، ومدينة الفسطاط مما يلي الخليج المذكور: أرض تعرف في القديم منذ فتح مصر بالحمراء القصوى، وهي موضع قناطر السباع، وجبل يشكر حيث الجامع الطولونيّ، وما دار به، وفي هذه الحمراء عدّة كنائس، وديارات للنصارى خربت شيئا بعد شيء إلى أن خرب آخرها في أيام الملك الناصر محمد بن قلاوون، وجميع ما بين القاهرة ومصر مما هو موجود الآن من العمائر، فإنه حادث بعد بناء القاهرة، ولم يكن هناك قبل بنائها شيء البتة، سوى كنائس الحمراء، وسيأتي بيان ذلك مفصلا في موضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه تعالى.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع