تجاوز إلى المحتوى

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)

ذكر رتبة الوزارة، وهيئة خلعهم، ومقدار جاريهم، وما يتعلق بذلك

أما المعز لدين اللّه: أوّل الخلفاء الفاطميين بديار مصر، فإنه لم يوقع اسم الوزارة على أحد في أيامه، وأوّل من قيل له الوزير في الدولة الفاطمية، الوزير يعقوب بن كاس وزير العزيز بالله أبي منصور نزار بن المعز، وإليه تنسب الحارة الوزيرية، كما ستقف عليه، عند ذكر الحارات من هذا الكتاب، فلما مات ابن كاس، لم يستوزر العزيز بالله بعده أحدا، وإنما كان رجل يلي الوساطة، والسفارة، فاستقرّ في ذلك جماعة كثيرة بقية أيام العزيز، وسائر أيام ابنه أبي عليّ منصور الحاكم بأمر اللّه، ثم ولي الوزارة: أحمد بن عليّ الجرجرأيّ في أيام الظاهر أبي هاشم عليّ بن الحاكم، وما زال الوزراء من بعده واحدا بعد واحد، وهم أرباب أقلام حتى قدم أمير الجيوش بدر الجماليّ.

قال ابن الطوير: وكان من زيّ هؤلاء الوزراء، أنهم يلبسون المناديل الطبقيات بالأحناك تحت حلوقهم، مثل العدول الآن، وينفردون بلباس ثياب قصار، يقال لها:

الذراريع، واحدها: ذراعة، وهي مشقوقة أمام وجهه إلى قريب من رأس الفؤاد بأزرار وعرى، ومنهم من تكون أزراره ممن ذهب مشبك، ومنهم من أزراره لؤلؤ، وهذه علامة الوزارة، ويحمل له الدواة المحلاة بالذهب، ويقف بين يديه الحجاب، وأمره نافذ في أرباب

السيوف من الأجناد وأرباب الأقلام، وكان آخرهم الوزير: ابن المغربيّ الذي قدم عليه أمير الجيوش بدر الجماليّ من عكا، ووزر للمستنصر: وزير سيف، ولم يتقدّمه في ذلك أحد، انتهى.

وترتيب وزارته بأن تكون وزارته وزارة صاحب سيف بأن تكون الأمور كلها مردودة إليه، ومنه إلى الخليفة، دون سائر خدمه، فعقد له هذا العقد، وأنشئ له السجل، ونعت بالسيد الأجل أمير الجيوش، وهو النعت الذي كان لصاحب ولاية دمشق وأضيف إليه: كافل قضاة المسلمين وهادي دعاة المؤمنين، وجعل القاضي والداعي نائبين عنه، ومقلدين من قبله.

وكتب له في سجله، وقد قلدك أمير المؤمنين: جميع جوامع تدبيره، وناط بك النظر في كل ما وراء سريره، فباشر ما قلدك أمير المؤمنين من ذلك مدبرا للبلاد، ومصلحا للفساد، ومدمرا أهل العناد، وخلع عليه بالعقد المنظوم بالجوهر مكان الطوق، وزيد له الحنك مع الذؤابة المرخاة، والطيلسان المقوزريّ قاضي القضاة، وذلك في سنة سبع وستين وأربعمائة، فصارت الوزارة من حينئذ وزارة تفويض، ويقال لمتوليها: أمير الجيوش، وبطل اسم الوزارة، فلما قام شاهنشاه بن أمير الجيوش من بعد أبيه، ومات الخليفة المستنصر، ولقبه بالمستعلي، صار يقال له: الأفضل ومن بعده صار من يتولى هذه الرتبة يتلقب به أيضا.

وأوّل من لقب بالملك منهم مضافا إلى بقية الألقاب: رضوان بن ولخشي، عندما وزر للحافظ لدين اللّه، فقيل له: السيد الأجل الملك الأفضل، وذلك في سنة ثلاثين وخمسمائة، وفعل ذلك من بعده، فتلقب طلائع بن رزيك: بالملك المنصور، وتلقب ابنه رزيك بن طلائع: بالملك العادل وتلقب شاور بالملك المنصور، وتلقب آخرهم: صلاح الدين يوسف بن أيوب بالملك الناصر، وصار وزير السيف من عهد أمير الجيوش بدر إلى آخر الدولة، هو سلطان مصر، وصاحب الحل والعقد، وإليه الحكم في الكافة من الأمراء والأجناد، والقضاة، والكتاب، وسائر الرعية، وهو الذي يولي أرباب المناصب الديوانية، والدينية، وصار حال الخليفة معه كما هو حال ملوك مصر من الأتراك إذا كان السلطان صغيرا والقائم بأمره من الأمراء، وهو الذي يتولى تدبير الأمور، كما كان الأمير يلبغا الخاصكيّ مع الأشرف شعبان، وكما أدركنا الأمير برقوق قبل سلطنته مع ولدي الأشرف، وكما كان الأمير أيتمش مع الملك الناصر فرج بعد موت الظاهر برقوق.

قال ابن أبي طي: وكانت خلعهم يعني الخلفاء الفاطميين على الأمراء: الثياب الديبقيّ، والعمائم الصب بالطراز الذهب، وكان طراز الذهب، والعمامة من خمسمائة دينار، ويخلع على أكابر الأمراء: الأطواق الذهب، والأسورة والسيوف المحلاة، وكان يخلع على الوزير عوضا عن الطوق عقد جوهر.

قال ابن الطوير: وخلع عليه، يعني على أمير الجيوش بدر الجماليّ بالعقد المنظوم بالجوهر مكان الطوق، وزيد له الحنك، مع الذؤابة المرخاة، والطيلسان المقوّر زي قاضي القضاة، وهذه الخلع تشابه خلع الوزراء، وأرباب الأقلام في زمننا هذا، غير أنه لقصور أحوال الدولة جعل عوض العقد الجوهر الذي كان للوزير، ويفك بخمسة آلاف مثقال ذهبا قلادة من عنبر مغشوش يقال لها: العنبرية، ويتميز بها الوزير خاصة، ويلبس أيضا:

الطيلسان المقوّر، ويسمى اليوم: بالطرحة، ويشاركه فيها جميع أرباب العمائم، إذا خلع عليهم، فإنه تكون خلعهم بالطرحة، وترك أيضا اليوم من خلعة الوزير، وغيره الذؤابة المرخاة، وهي العذبة وصارت الآن من زي القضاة فقط، وهجرها الوزوراء، ويشبه، واللّه أعلم، أن يكون وضعها في الدولة الفاطمية للوزير في خلعه إشارة إلى أنه كبير أرباب السيوف، والأقلام، فإنه كان مع ذلك يتقلد بالسيف وكذلك ترك في الدولة التركية من خلع الوزارة تقليد السيف لأنه لا حكم له على أرباب السيوف، ولما قام الأفضل بن أمير الجيوش خلع أيضا عليه بالسيف والطيلسان المقوّر، وبعد الأفضل لم يخلع على أحد من الوزراء كذلك إلى أن قدم طلائع بن رزيك، ولقب بالملك الصالح عندما خلع عليه للوزارة، وجعل في خلعته السيف والطيلسان المقوّر.

قال ابن المأمون: وفي يوم الجمعة ثانية، يعني ثاني ذي الحجة يعني سنة خمس عشرة وخمسمائة: خلع على القائد ابن فاتك البطائحي من الملابس الخاص الشريفة في فردكم مجلس الكعبة، وطوّق بطوق ذهب مرصع وسيف ذهب كذلك، وسلم على الخليفة الآمر بأحكام اللّه، وأمر الخليفة الأستاذين المحنكين بالخروج بين يديه وأن يركب من المكان الذي كان الأفضل بن أمير الجيوش يركب منه، ومشى في ركابه القوّاد على دعاة من تقدّمه وخرج بتشريف الوزارة يعني: من باب الذهب، ودخل من باب العيد راكبا، وجرى الحكم فيه على ما تقدّم للأفضل ووصل إلى داره، فضاعف الرسوم، وأطلق الهبات.

ولما كان يوم الاثنين خامس ذي الحجة اجتمع أمراء الدولة لتقبيل الأرض بين يدي الخليفة الآمر على العادة التي قرّرها مستجدّة، واستدعى الشيخ أبا الحسن بن أبي أسامة، فلما حضر أمر بإحضار السجل للأجل الوزير المأمون من يده، فقبله وسلمه لزمام القصر، وأمر الخليفة الوزير المأمون بالجلوس عن يمينه، وقرئ السجل على باب المجلس، وهو أوّل سجل قرئ في هذا المكان، وكانت سجلات الوزراء قبل ذلك تقرأ بالإيوان، ورسم للشيخ أبي الحسن أن ينقل النسبة للأمراء، والمحنكين من الأمراء إلى المأموني للناس أجمع، ولم يكن أحد منهم ينتسب للأفضل، ولا لأمير الجيوش، وقدّمت الدواة للمأمون، فعلم في مجلس الخليفة، وتقدّمت الأمراء، والأجناد فقبلوا الأرض، وشكروا على هذا

الإحسان، وأمر الخليفة بإحضار الخلع لحاجب الحجاب حسام الملك، وطوّق بطوق ذهب، وسيف ذهب، ومنطقة ذهب، ثم أمر بالخلع للشيخ أبي الحسن بن أبي أسامة باستمراره على ما بيده من كتابة الدست الشريف، وشرفه بالدخول إلى مجلس الخليفة، ثم استدعى الشيخ أبا البركات بن أبي الليث، وخلع عليه بدلة مذهبة، وكذلك أبو الرضى سالم ابن الشيخ أبي الحسن، وكذلك أبو المكارم أخوه، وأبو محمد أخوهما، ثم أبو الفضل بن الميدميّ، ووهبه دنانير كثيرة بحكم أنه الذي قرأ السجل، وخلع على الشيخ أبي الفضائل بن أبي الليث، صاحب دفتر المجلس، ثم استدعى عدي الملك سعيد بن عماد الضيف متولي أمور الضيافات، والرسل الواصلين إلى الحضرة من مجلس الأفضل، ولا يصل لعتبته أحد لا حاجب الحجاب، ولا غيره سوى عدي الملك هذا، فإنه كان يقف من داخل العتبة، وكانت هذه الخدمة في ذلك الوقت من أجل الخدم وأكبرها، ثم عادت من أهون الخدم، وأقلها، فعند ذلك قال القاضي أبو الفتح بن قادوس: يمدح الوزير المأمون عند مثوله بين يديه وقد زيد في نعوته:

قالوا أتاه النعت وهو السيد المأمون حقا والأجلّ الأشرف
ومغيث أمة أحمد ومجيرهاما زادنا شيئا على ما نعرف

قال: ولما استمرّ حسن نظر المأمون للدولة، وجميل أفعاله، بلغ الخليفة الآمر بأحكام اللّه، فشكره وأثنى عليه فقال له المأمون: ثمّ كلام يحتاج إلى خلوة، فقال الخليفة:

تكون في هذا الوقت، وأمر بخلوّ المجلس، فعند ذلك مثل بين يدي الخليفة، وقال له: يا مولانا امتثالنا الأمر صعب، ومخالفته أصعب، وما يتسع خلافه قدّام أمراء دولته، وهو في دست خلافته، ومنصب آبائه وأجداده، وما في قواي ما يرومه مني، ويكفيني هذا المقدار، وهيهات أن أقوم به والأمر كبير، فعند ذلك تغير الخليفة، وأقسم إن كان لي وزير غيرك، وهو في نفسي من أيام الأفضل، وهو مستمرّ على الاستعفاء، إلى أن بان له التغير في وجه الخليفة، وقال: ما اعتقدت أنك تخرج عن أمري، ولا تخالفني فقال له المؤمون عند ذلك:

لي شروط، وأنا أذكرها، فقال له: مهما شئت اشترط، فقال له: قد كنت بالأمس مع الأفضل وكان قد اجتهد في النعوت، وحل المنطقة، فلم أفعل فقال الخليفة: علمت ذلك في وقته، قال: وكان أولاده يكتبون إليه بما يعلمه مولاي من كوني قد خنته في المال والأهل، وما كان واللّه العظيم ذلك مني يوما قط، ثم مع ذلك معاداة الأهل جميعا والأجناد، وأرباب الطيالس، والأقلام، وهو يعطيني كل رقعة تصل إليه منهم، وما سمع كلام أحد منهم فيّ، فعند ذلك، قال له الخليفة: فإذا كان فعل الأفضل معك ما ذكرته إيش يكون فعلي أنا، فقال المأمون: يعرّفني المولى ما يأمر به، فأمتثله بشرط أن لا يكون عليه زائد، فأوّل ما ابتدأ به أن قال: أريد الأموال لا تجبى إلا بالقصر ولا تصل الكسوات من الطراز والثغور إلاّ إليه، ولا تفرّق إلاّ منه، وتكون أسمطة الأعياد فيه، ويوسع في رواتب

القصور من كل صنف وزيادة رسم منديل الكمّ، فعند ذلك قال له المأمون: سمعا وطاعة، أما الكسوات والجباية من الأسمطة، فما تكون إلاّ بالقصور، وأما توسعة الرواتب فما ثم من يخالف الأمر، وأما زيادة رسم منديل الكم، فقد كان الرسم في كل يوم ثلاثين دينارا، يكون في كل يوم مائة دينار، ومولانا سلام اللّه عليه يشاهد ما يعمل بعد ذلك في الركوبات، وأسمطة الأعياد، وغيرها في سائر الأيام، ففرح الخليفة، وعظمت مسرّته، ثم قال المأمون: أريد بهذا مسطورا بخط أمير المؤمنين، ويقسم لي فيه بآبائه الطاهرين أن لا يلتفت لحاسد، ولا مبغض، ومهما ذكر فيّ يطلعني عليه، ولا يأمر فيّ بأمر سرّا، ولا جهرا، يكون فيه ذهاب نفسي، وانحطاط قدري، وهذه الإيمان باقية إلى وقت وفاتي فإذا توفيت تكون لأولادي، ولمن أخلفه بعدي، فحضرت الدواة، وكتب ذلك جميعه، وأشهد اللّه تعالى في آخرها على نفسه، فعندما حصل الخط بيد المأمون وقف، وقبل الأرض، وجعله على رأسه، وكان الخط بالأيمان نسختين: إحداهما في قصبة فضة، قال: فلما قبض على المأمون في شهر رمضان سنة تسع وعشرين وخمسمائة أنفذ الخليفة الآمر بأحكام اللّه يطلب الإيمان، فنفذ له التي في القصبة الفضة، فحرّقها لوقتها، وبقيت النسخة الأخرى عندي، فعدمت في الحركات التي جرت.

وقال ابن ميسر: في حوادث سنة خمس عشرة وخمسمائة، وفيها: تشرّف القائد أبو عبد اللّه محمد ابن الأمير نور الدولة أبي شجاع فاتك ابن الأمير منجد الدولة أبي الحسن مختار المستنصري المعروف: بابن البطائحيّ في الخامس من ذي الحجة، وكان قبل ذلك عند الأفضل استاداره، وهو الذي قدّمه إلى هذه المرتبة، واستقرّت نعوته في سجله المقرّر على كافة الأمراء، والأجناد بالأجل المأمون، تاج الخلافة، عز الإسلام، فخر الأنام، نظام الدين والدنيا، ثم نعت بما كان ينعت به الأفضل، وهو السيد الأجل المأمون أمير الجيوش سيف الإسلام، ناصر الأنام، كافل قضاة المسلمين، وهادي دعاة المؤمنين.

ولما كان يوم الثلاثاء التاسع من ذي الحجة، وهو يوم الهناء بعيد النحر، جلس المأمون في داره عند أذان الصبح، وجاء الناس لخدمته للهناء على طبقاتهم من أرباب السيوف، والأقلام، ثم الأمراء، والأستاذون المحنكون، والشعراء بعدهم، فركب إلى القصر، وأتى باب الذهب، فوجد المرتبة المختصة بالوزارة، وقد هيئت له في موضعها الجاري به العادة، وأغلق الباب الذي عندها على الرسم المعتاد لوزراء السيوف والأقلام، وهذا الباب يعرف: بباب السرداب، فعند ما شاهد الحال في المرتبة توقف عن الجلوس عليها، لأنها حالة لم يجر معه حديث فيها، ثم ألجأته الضرورة لأجل حضور الأمراء إلى الجلوس فجلس عليها، وجلس أولاده الثلاثة عن يمينه، وأخواه عن يساره، والأمراء المطوّقون خاصة دون غيرهم قيام بين يديه، فإنه لا يصل أحد إلى هذا المكان سواهم، فلم يكن بأسرع من أن فتح الباب، وخرج عدّة من الأستاذين المحنكين بسلام أمير المؤمنين،

وخرج إليه الأمير الثقة متولي الرسالة، وزمام القصور، فعند حضوره وقف له أولاد المأمون، وأخواه فطلع عند خروجه قبالة المرتبة، وقال أمير المؤمنين يردّ على السيد الأجل المأمون السلام، فوقف عند ذلك المأمون، وقبل الأرض، وعاد فجلس مكانه، وتأخر الأمير إلى أن نزل من المصطبة، وقبل الأرض، وقبل يد المأمون، ودخل من فوره من الباب، وأغلق الباب على حاله على ما كان عليه الأفضل، وكان الأفضل يقول: ما أزال أعدّ نفسي سلطانا حتى أجلس على تلك المرتبة، والباب يغلق في وجهي والدخان في أنفي، فإن الحمام كانت من حلف الباب في السرداب، ثم فتح الباب، وعاد الثقة، وأشار بالدخول إلى القصر فدخل إلى المكان الذي هيئ له، وعاد لمجلس الوزارة، وبقي الأمراء بالدهاليز إلى أن جلس الخليفة.

واستفتح القرّاء، واستدعى المأمون، فحضر بين يديه وسلم عليه أولاده، وإخوته وأحلّ الأمراء على قدر طبقاتهم، أوّلهم: أرباب الأطواق، ويليهم أرباب العماريات، والأقصاب، ثم الضيوف والأشراف، ثم دخل ديوان المكاتبات وسلم بهم الشيخ أبو الحسن ابن أبي أسامة، ثم ديوان الإنشاء، وسلم بهم الشريف ابن أنس الدولة، ثم بقية الطالبيين من الأشراف، ثم سلم القاضي ابن الرسعنيّ بشهوده والداعي ابن عبد الحق بالمؤمنين، ثم سلم القائد مقبل مقدّم الركاب الآمري، بجميع المقدّمين الآمرية، ثم سلم بعدهم الشيخ أبو البركات بن أبي الليث متولي ديوان المملكة ثم دخل الأجناد من باب البحر، وسلم كل طائفة بمقدّمها، فلما انقضى ذلك دخل والي القاهرة، ووالي مصر وسلم كل منهما ببياض أهل البلدين.

ثمّ دخل البطرك بالنصارى، وفيهم كتاب الدولة من النصارى، ورئيس اليهود، ومعه الكتاب من اليهود، ثم سلم المقربون، وقد قارب القصر، ودخل الشعراء على طبقاتهم، وأنشد كل منهم ما سمحت به قريحته.

قال: فكان هذا رتبة الوزير المأمون، قال ابن المأمون: وأما ما قرّر للوزارة عينا في الشهر بغير إيجاب بل يقبض من بيت المال، فهو ثلاثة آلاف دينار. تفصيلها: ما هو على حكم النيابة في العلامة: ألف دينار، وما هو على حكم الراتب: ألف وخمسمائة دينار، وما هو عن مائة غلام برسم مجلسه، وخدمته لكل غلام: خمسة دنانير في الشهر، فأما الغلمان الركابية، وغيرهم من الفرّاشين والطباخين، فعلى حكم ما يرغب في إثباته، وفي السنة من الإقطاعات: خمسون ألف دينار منها: دهشور، وجزيرة الذهب، وبقية الجملة صفقات، ومن البساتين ثلاثة: بستان لأمير تميم، وبستانان بكوم أشفين.

ومن القوت يعني القمح، ومن القضم يعني الشهير والبرسيم في السنة: عشرون ألف إردب قمحا وشعيرا، ومن الغنم برسم مطابخه، ساقه من المراحات ثمانية آلاف رأس، وأما

الحيوان والأحطاب، وجميع التوابل العال منها والدون، فمهما استدعاه متولي المطابخ يطلق من دار أفتكين، وشون الأحطاب، وغير ذلك، وقد تقدّم مقرّر كسوة الوزارة في العيدين، وفصلي الشتاء والصيف، وموسم عيد الغدير وفتخ الخليج، وغير ذلك من غرّتي شهر رمضان، وأوّل العام وغيره، كما سيرد في موضعه من هذا الكتاب، إن شاء اللّه تعالى.

وقد استقصيت سير الوزراء في كتابي الذي سميته تلقيح العقول، والآراء في تنقيح أخبار الجلة الوزراء. فانظره.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.