تجاوز إلى المحتوى

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)

ذكر الحجر التي كانت برسم الصبيان الحجرية

وكان بجوار دار الوزارة مكان كبير يعرف: بالحجر: جمع حجرة فيها الغلمان المختصون بالخلفاء، كما أدركنا بالقلعة البيوت التي كان يقال لها: الطباق، وكانت هذه الحجر من جانب حارة الجوّانية، وإلى حيث المسجد الذي يعرف: بمسجد القاصد تجاه باب الجامع الحاكميّ الذي يفضي إلى باب النصر، فمن حقوق هذه الحجر: دار الأمير بهادر اليوسفيّ السلاحدار الناصريّ، التي تجاور المسجد الكائن على يمنة من سلك من باب الجوّنية طالبا باب النصر، ومنها الحوض المجاور لهذه الدار، ودار الأمير أحمد قريب الملك الناصر محمد بن قلاون، والمسجد المعروف بالنخلة، وما بجواره من القاعتين اللتين تعرف إحداهما: بقاعة الأمير علم الدين سنجر الجاوليّ، وما في جانبها إلى مسجد القاصد، وما وراء هذه الدور، وكان لهؤلاء الحجرية: إصطبل برسم دوابهم سيأتي ذكره إن شاء اللّه تعالى.

وما زالت هذه الحجر باقية بعد انقضاء دولة الخلفاء الفاطميين إلى ما بعد السبعمائة، فهدمت وابتنى الناس مكانها الأماكن المذكورة.

قال ابن أبي طيّ: عن المعز لدين اللّه، وجعل كل ماهر في صنعة صانعا للخاص، وأفرد لهم مكانا برسمهم، وكذلك فعل بالكتاب والأفاضل، وشرط على ولاة الأعمال عرض أولاد الناس بأعمالهم، فمن كان ذا شهامة، وحسن خلقة أرسله ليخدم في الركاب، فسيروا إليه عالما من أولاد الناس، فأفرد لهم دورا، وسماها الحجر.

وقال ابن الطوير: وكوتب الأفضل بن أمير الجيوش من عسقلان باجتماع الفرنج، فاهتمّ للتوجه إليها، فلم يبق ممكنا من مال وسلاح، وخيل ورجال واستناب أخاه المظفر:

أبا محمد جعفر بن أمير الجيوش بدر بين يدي الخليفة مكانه، وقصد استنفاذ الساحل من يد الفرنج، فوصل إلى عسقلان، وزحف عليها بذلك العسكر، فخذل من جهة عسكره، وهي نوبة النصة، وعلم أنّ السبب في ذلك من جنده، ولما غلب حرّق جميع ما كان معه من الآلات، وكان عند الفرنج شاعر منتجع إليهم فقال: يخاطب صنجل ملك الفرنج:

نصرت بسيفك دين المسيحفللّه درك من صنجل
وما سمع الناس فيما رووهبأقبح من كسرة الأفضل

فتوصل الأفضل إلى ذبح هذا الشاعر، ولم ينتفع بعد هذه النوبة أحد من الأجناد بالأفضل، وحظر عليهم النعوت ولم يسمع لأحد منهم كلمة، وأنشأ سبع حجر، واختار من أولاد الأجناد ثلاثة آلاف راجل، وقسمهم في الحجر، وجعل لكل مائة زمانا، ونقيبا، وزم الكل بأمير يقال له: الموفق، وأطلق لكل منهم ما يحتاج إليه من خيل وسلاح، وغيره.

وعني بهؤلاء الأجناد، فكان إذا دهمه أمر مهمّ جهزهم إليه مع الزمام الأكبر.

وقال ابن المأمون: وكان من جملة الحجرية الذين يحضرون السماط رجل يعرف بابن زحل، وكان يأكل خروفا كبيرا مشويا، ويستوفيه إلى آخره، ثم يقدّم له صحن كبير من القصور المعمولة بالسكرة، وجميع صنوف الحيوانات على اختلاف أجناسها، ما لم يعمل قط مثله من الأطعمة، فيأكل معظمه، وكان يقعد في طرف المدوّرة، حتى يكون بالقرب من نظر الخليفة، لا لميزته، وكان من الأجناد وأسر في أيام الأفضل، وقيده الفرنجيّ الذي أسره، وعذبه وطالت مدّته في الأسر، وكان فقيرا، فاتفق أن ذكر للفرنجيّ كثرة أكله، فأراد أن يمتحنه، فقال له: أحضر لي عجلا أكبر عجل عندكم آكله إلى آخره، فضحك منه الفرنجيّ، ونقص عقله وأتاه بعجل كبير، ويقال: بخنزير، فقال له: اذبحه واشوه وائتني معه بجرّة خل، ثم قال: إذا أكلته ما يكون لي عندك، فغلط الفرنجيّ، وقال له: أطلقك حتى تمضي إلى أهلك، فاستحلفه على ذلك، وغلظ عليه اليمين، وأحضر الفرنجيّ عدّة من أصحابه ليشاهدوا فعله، فلما استوفى العجل جميعه صلّب كل من الحاضرين على وجهه وتعجب من فعله، وأطلقه، فقال: أخاف من أن يعتقد أنني هربت فأرد إليكم، فأحضر الفرنجيّ من العربان من سلمه إليهم، ولم يشعر به إلاّ بباب عسقلان، فطلع منها، وأعفي بعد ذلك من السفر، وبقي برسم الأسمطة.

وقال ابن عبد الظاهر: الحجر قريب من باب النصر، وهو مكان كبير في صف دار الوزارة إلى جانبه باب القوس الذي يسمى: باب النصر قديما على يمنة الخارج من القاهرة، كان تربى فيه جماعة من الشباب يسمون: صبيان الحجر، يكونون في جهات متعدّدة، وهم يناهزون خمسة آلاف نسمة، ولكل حجرة اسم تعرف به، وهي المنصورة، والفتح والجديدة، وغير ذلك مفردة لهم، وعندهم سلاحهم، فإذا جرّوا خرج كل منهم لوقته لا

يكون له ما يمنعه، وكانوا في ذلك على مثال الذؤابة، والأستار، وكانوا إذا سمى الرجل منهم: بعقل وشجاعة خرج من هناك إلى الأمرة، أو التقدمة مثل عليّ بن السلار، وغيره، ولا يأوي أحد منهم إلا بحجرته بفرسه، وعدّته وقماشه، وللصبيان الحجرية حجرة مفردة، عليهم أستاذون يبيتون عندهم، وخدّام برسمهم.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.