من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
ذكر الدور (٢)
علم الدين: عبد اللّه بن تاج الدين أحمد بن إبراهيم، المعروف بابن زنبور، أوّل ما باشر به استيفاء الوجه القبلي شريكا لوهب بن سنجر، وطلع صحبته الأمير علم الدين عبد الرزاق كاشف الوجه القبليّ، ونهض فيه، فلما كانت مصادرة ابن الجيعان كاتب الإصطبل، طلب السلطان سائر الكتاب، وكان منهم ابن زنبور، فعرضهم ليختار منهم فشكر الفخر ناظر الجيش منه وقال: هو ولد تاج الدين رفيقه وشكره الأكوز، فلما انفض المجلس طلبه وخلع عليه، فباشر نظر الإصطبل في سنة سبع وثلاثين وسبعمائة، ونال فيه سعادة طائلة، واستمرّ إلى أن مات السلطان الملك الناصر محمد، وحكم الأمير ايدغمش، فباشر استيفاء الصحبة، فلما قبض على حمال الكفاة ناظر الخاص وناظر الجيش وعلى الموفق
ناظر الدولة وعلى الصفيّ ناظر البيوت، المعروف بكاتب قوصون، في سنة خمس وأربعين وسبعمائة، ومات حمال الكفاة في العقوبة يوم الأحد سادس شهر ربيع الأوّل، عيّن ابن زنبور لوظيفة نظر الخاص، ثم قرّر فيها القاضي موفق الدين هبة اللّه بن إبراهيم ناظر الدولة، وكان ابن زنبور وهو مستوفي الصحبة، قد سيّره حمّال الكفاة قبل القبض عليه، لكشف القلاع الشامية، ومعه جارا كتمر الحاجب إبعادا له، وكان الأمير أرغون العلائي يعني به، فلما قبض على حمّال الكفاة، تحدّث له العلائي مع السلطان الملك الصالح إسماعيل بن محمد بن قلاوون في نظر الخاص، فبعث في طلبه، ثم لم يحضر إلاّ بعد شهر، فتحدّث الوزير نجم الدين محمود بن عليّ المعروف بوزير بغداد مع السلطان في ولاية الموفق نظر الخاص، فخلع عليه، وحضر ابن زنبور من الشام فباشر نظر الدولة علم الدين بن سهلوك وابن زنبور على ما هي عادته في استيفاء الصحبة، ونهض في المباشرة وحصّل الأموال ودخل هو والوزير نجم الدين وشكيا، توقف الدولة من كثرة الإنعامات والإطلاقات للخدم والجواري، ومن يلوذ بهم، فتقرّر الحال مع الأمراء على كتابة أوراق بكلفة الدولة، فلما قرئت بمحضر من الأمراء بلغت الكلف ثلاثين ألف ألف درهم، والمتحصل خمسة عشر ألف درهم، فأبطل ما استجدّ بعد موت الملك الناصر بأسره، فلم يستمرّ غير شهر واحد حتى عاد الأمر على ما كان عليه، بحيث بلغ مصروف الحوائج خاناه في كل يوم اثنين وعشرين ألف درهم، بعد ما كانت في أيام الناصر محمد ثلاثة عشر ألف درهم، فلما مات الملك الصالح إسماعيل وأقيم في الملك من بعده أخوه الملك الكامل سيف الدين شعبان بن محمد، صرف الموفق عن نظر الخاص ونقل ابن زنبور من استيفاء الصحبة إليها، واستقرّ فخر الدين السعيد في استيفاء الصحبة، وذلك في ربيع الآخر سنة ست وأربعين وسبعمائة، فباشر ذلك إلى أخريات رجب نيفا وثمانين يوما، فولى الملك الكامل نظر الخاص لفخر الدين ابن السعيد مستوفي الدولة، وأعاد ابن زنبور من نظر الخاص إلى استيفاء الدولة، فلما كان في المحرّم سنة سبع وأربعين، أعيد نجم الدين وزير بغداد إلى الوزارة، وقرّر ابن زنبور في نظر الدولة، فاستمرّ إلى أن قتل الكامل شعبان، وأقيم في الملك من بعده أخوه الملك المظفر حاجي في مستهل جمادى الآخرة سنة سبع وأربعين، فطلب ابن زنبور وأعيد إلى نظر الخاص، وقبض على فخر الدين بن السعيد، وطولب بالحمل، وأضيف إليه نظر الجيش، فباشر ذلك إلى سنة إحدى وخمسين، فأضيف إليه الوزارة في يوم الخميس سابع عشري ذي القعدة، وخلع عليه، وكان له يوم عظيم جدّا، فلما كان يوم السبت جلس بشباك قاعة الصاحب من القلعة في دست الوزارة، واستدعى جميع المباشرين وطلب المقدّم ابن يوسف وشدّ وسطه على ما كان عليه، وطلب المعاملين وسلفهم على اللحم وغيره، واستكتب المباشرين أنه لم يكن في بيت المال ولا الاهرا من الدراهم والغلال شيء البتة، ودخل بها وقرأها على السلطان والأمراء، وشرع في عرض
أرباب الوظائف كلهم، وطلب حساب الأقاليم بأسرها، وولى صهره فخر الدين ماجد فرويتة نظر البيوت، وأنفق جامكية شهر وحمل الرواتب إلى الدور السلطانية. والأسمطة من السكر والزيت والقلوبات وغير ذلك، وأقام بكتمر المومني في وظيفة شدّ الدواوين، وألزم نفسه في المجلس السلطاني بحضرة الأمراء، أنه يباشر الوزارة بغير معلوم، وقرّر ابنه في ديوانه المماليك، والتزم أنّه لا يتناول معلوما بل يوفر المعلومين للسلطان، وأبطل رمي الشعير والبرسيم من بلاد مصر، وكان يحصل برميها ضرر كبير، فإن ذلك كان يحصل من سائر البلاد فيغرم على كل أردب أكثر من ثمنه، والتزم بتكفية بيت المال من الشعير والبرسيم بغير ذلك، فبطل على يديه، وكتب به مرسوم وكتب نقشا على حجر في جانب باب القلعة من قلعة الجبل، وأمر بقياس أراضي الجيزة فجاء زيادتها عن الارتفاع الذي مضى ثلثمائة ألف درهم، وعنها خمسة عشر ألف دينار، فلم يزل إلى سابع عشري شوّال سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة، فأحيط به وقبض عليه حسدا له على ما صار إليه، ولم يجتمع لغيره في الدولة التركية، وتولى القيام عليه الأمير صرغتمش لأنه علم أنه من جهة الأمير شيخو ويقوم له بجميع ما يختاره، وأعانه عليه الأمير طاز، وما زال يدأب في ذلك إلى أن عاد السلطان الملك الصالح من دمشق في يوم الاثنين خامس عشري شوّال سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة إلى قلعة الجبل، وعمل يوم الخميس سماطا مهما في القلعة، ولما انفض السماط خلع على سائر أرباب الوظائف من الأمراء، وعلى الوزير وسائر المباشرين، فاتفق لما قدّره اللّه تعالى أنه حضر إلى الأمير صرغتمش وهو يومئذ رأس نوبة عشر تشريف، غيّر تشريفه ودون رتبته، فأخذه ودخل إلى الأمير شيخو وألقى البلقجة قدّامه وقال: أنظر فعل الوزير معي وكشف الخلعة، فقال شيخو هذا غلط، فقام وقد أخذه من الغضب شبه الجنون وقال: هذا شغل الوزير وأنا ما اصبر على أن أهان لهذا الحدّ، ولا بدّ لي من القبض عليه ومهما شئت أنت افعل بي وخرج فإذا الوزير داخل لشيخو وعليه خلعة فصاح في مماليكه، خذوه فكشفوا الخلعة عنه وسحبوه إلى بيت صرغتمش وسرّح مماليكه في القبض على جميع حاشية الوزير، فقبض على سائر من يلوذ به لأنهم كانوا قد اجتمعوا بالقلعة، وخالطت العامّة المماليك في القبض على الكتاب وأخذوا منهم في ذلك اليوم شيئا كثيرا، حتى أن بعض الغلمان صار إليه في ذلك اليوم ستة عشر دواة من دوي الكتاب، فلم يمكن منها أربابها إلاّ بمال يأخذه على كل دواة، ما بين عشرين إلى خمسين درهما، وأمّا ما سلبوه من العمائم والثياب والمهاميز الفضة فشيء كثير، وخرج الأمير قشتمر الحاجب وغيره في جماعة إلى دوره التي بالصوصة من مصر، فأوقعوا الحوطة على حريمه وأولاده وختموا سائر بيوته وبيوت حواشيه، وكانوا قد اجتمعوا وتزينوا لقدوم رجالهم من السفر، وأنزل الوزير في مكان مظلم من بيت صرغتمش، فلما أصبح طلب ولد الوزير وصار به صرغتمش إلى بيت أبيه وأحضر أمّه ليعاقبه وهي تنظره حتى يدلوه على المال، ففتحوا له خزانة وجد فيها خمسة
عشر ألف دينار وخمسين ألف درهم فضة، وأخرج من بئر صندوق فيه ستة آلاف دينار وشيء من المصالح، وحضرت أحماله من السفر فوجد فيها ستة آلاف دينار ومائة وخمسون ألف درهم فضة، وغير ذلك من تحف وثياب وأصناف، وألزم والي مصر بإحضار بناته، فنودي عليهنّ في مصر والقاهرة، وهجمت عدّة دور بسببهنّ ونال الناس من نكاية أعدائهم في هذه الكائنة كل غرض، فإنه كان الرجل يتوجه إلى أحد من جهة صرغتمش ويرمي عدوّه بأنّ عنده بعض حواشي ابن زنبور، فيؤخذ بمجرّد التهمة، ولقي الناس من ذلك بلاء عظيما.
ثم حمل إلى داره وعرّي ليضرب، فدل على مكان استخرج منه نحو من خمسة وستين ألف دينار، فضرب بعد ذلك، وعرّيت زوجته وضرب ولده فوجد له شيء كثير إلى الغاية.
قال الصفديّ خليل بن أيبك الملقب صلاح الدين في كتاب أعيان العصر: وأمّا ما أخذ منه في المصادرة في حال حياته فنقلت من خط الشيخ بدر الدين الحمصيّ في ورقة بخطه على ما أملاه القاضي شمس الدين محمد البهنسيّ، أواني ذهب وفضة ستون قنطارا، جوهر ستون رطلا، لؤلؤ أردبان، ذهب مصكوك مائتا ألف وأربعة آلاف دينار، ضمن صندوق ستة آلاف حياصة، ضمن صناديق زركش ستة آلاف كلوته ذخائر، عدّة قماش بدنه، ألفان وستمائة فرجية بسط، آلاف صنجة دراهم خمسون ألف درهم، شاشات ثلثمائة شاش، دواب عاملة سبعة آلاف حلابة، ستة آلاف خيل وبغال ألف، دراهم ثلاثة أرداب، معاصر سكر خمسة وعشرون معصرة، إقطاعات سبعمائة، كل إقطاع خمسة وعشرون ألف درهم، عبيد مائة، خدّام ستون، جواري سبعمائة، أملاك القيمة عنها ثلاثمائة ألف دينار، مراكب سبعمائة، رخام القيمة عنه مائتا ألف درهم، نحاس قيمته أربعة آلاف دينار، سروج وبدلات خمسمائة، مخازن ومتاجر أربعمائة ألف دينار، نطوع سبعة آلاف، دواب خمسمائة، بساتين مائتان، سواقي ألف وأربعمائة. وكان في وقت القبض عليه أشدّ الناس قياما في إفساد صورته الشريف شرف الدين عليّ بن الحسين نقيب الأشراف، والشريف أبو العباس الصفراوي، وبدر الدين ناظر الخاص، وأمير المؤمنين، والصوّاف، واستادار الأمير صرغتمش، فأوّل ما فتحوه من أبواب المكايد أن حسنوا الصرغتمش أن يأمر بالإشهاد عليه.
أن جميع ماله من الأملاك والبساتين والأراضي والوقف والطلق جميعها من مال السلطان دون ماله، فصير إليه ابن الصدر عمر وشهود الخزانة، فاشهد عليه بذلك، ثم كتبوا فتي في رجل يدعي الإسلام ويوجد في بيته كنيسة وصلبان وشخوص من تصاوير النصارى، ولحم الخنزير، وزوجته نصرانية، وقد رضي لها بالكفر، وكذلك بناته وجواريه، وأنه لا يصلي ولا يصوم ونحو ذلك، وبالغوا في تحسين قتله حتى قالوا لصرغتمش: واللّه لو فتحت جزيرة قبرص ما كتب لك أجر من اللّه بقدر ما يؤجرك اللّه على ما فعلته مع هذا، فأخرج في باشا
وزنجير وضرب في رحبة قاعة الصاحب من القلعة بالمقارع، وتوالت عقوبته، وأسلم لشادّ الدواوين ليعاقبه حتى يموت، فقام الأمير شيخو في أمره، فردّه صرغتمش إلى داره وأكرمه وأقام عنده إلى سابع عشري المحرّم سنة أربع وخمسين، فأخرجه من داره وتسلمه شادّ الدواوين وعاقبه عقوبة الموت في قاعة الصاحب، فاتفق ركوب الأمير شيخو من داره إلى القلعة وابن زنبور يعاقب، فغضب من ذلك ووقف ومنع من ضربه، وبلغ الخبر صرغتمش فصعد إلى القلعة وجرى له مع شيخو عدّة مفاوضات كادت تفضي إلى فتنة، وآل الأمر فيها إلى تسفير ابن زنبور إلى قوص، فأخرج من ليلته، وكانت مدّة شدّته ثلاثة أشهر، وأقام بمدينة قوص إلى أن عرض له مرض أقام به أحد عشر يوما ومات يوم الأحد سابع عشر ذي القعدة سنة أربع وخمسين وسبعمائة، وله بالقاهرة السبيل الذي على يسرة من دخل من باب زويلة بجوار خزانة شمائل، وقد دخل في الجامع المؤيدي.
دار الدوادار: هذه الدار فيما بين حارة زويلة واصطبل الجميزة، وهي اليوم من جملة خط السبع قاعات عرفت ….
دار فتح اللّه: هذه الدار اليوم بخط سويقة المسعوديّ، كان موضعها زقاقا يعرف بزقاق البناده، وفيه باب قاعة أنشأها سعد الدين إبراهيم بن عبد الوهاب بن النجيب أبي الفضائل الميمونيّ أحد مباشري ديوان الجيش، وهي قاعة في غاية الملاحة من جودة رخام وكثرة دهان وحسن ترتيب، ومات الميمونيّ في ثاني ذي الحجة سنة خمس وتسعين وسبعمائة، فسكنها فتح اللّه بن معتصم وهو يومئذ رئيس الأطباء، فلما ولي كتابة السر شره إلى العمارة، فأخذ ما في الزقاق المذكور من الدور شيئا بعد شيء، وأخرج منها سكانها وهدمها وابتنى قاعة تجاه قاعة الميمونيّ، وجعل فيها بئرا وفسقية ماء، وبنى بها حمّاما، ثم أنشأ اصطبلا كبيرا لخيوله، ولم يقنع بذلك حتى حمل القضاة على الحكم له باستبدال دار الميمونيّ، وكانت وقفا على أولاد الميمونيّ ومن بعدهم على الحرمين، فعمل له طرف في جواز الاستبدال بها على ما صار القضاة يعتمدونه منذ كانت الحوادث بعد سنة ست وثمانمائة، فلما تم حكم القضاة له بتملكها غير بابها وزاد في سعتها. وأضاف إليها عدّة مواضع مما بجوارها، وغرس في جانبها عدّة أشجار وزرع كثيرا من الأزهار التي حملت إليه من بلاد الشام، وبالغ في تحسين رخام هذه الدار، وأنشأ دهيشة كيسة إلى الغاية بوسطها فسقية ماء ينخرط إليها الماء من شاذروان عجيب الصنعة بهج الزيّ، وتشرف هذه الدهيشة على هذه الجنينة التي أبدع فيها كل الأبداع، وركب علو هذه القاعة الأروقة العظيمة، وبنى بجوارها عدّة مساكن لمماليكه، ومسجدا معلقا كان يصلي فيه وراء إمام راتب قرّره له بمعلوم جار، فجاءت هذه الدار من أجلّ دور القاهرة وأبهجها، ووقف ذلك كله مع أشياء غيرها على تربته
التي أنشأها خارج باب البرقية، وعلى عدّة جهات من البر فلما نكب أكره حتى رجع عن وقف هذه الدار على ما عينه في كتاب وقفه، وجعلها وقفا على أولاد السلطان الملك المؤيد شيخ، فلما مات المؤيد عاد ذلك إلى وقف فتح اللّه.
فتح اللّه بن معتصم بن نفيس الإسرايلي الداوديّ العنانيّ التبريزيّ، رئيس الأطباء، وكاتب السرّ، ولد بتبريز في سنة تسع وخمسين وسبعمائة، وكان قد قدم جدّه نفيس إلى القاهرة في سنة أربع وخمسين، فأسلم وعظم بين الناس، ثم قدم فتح اللّه مع أبيه فنشأ بالقاهرة في كفالة عمه، ونظر في الطب وعاشر الفقهاء واتصل بصحبة بعض الأمراء، فعرف منه أحد مماليكه، وكان يسمى بشيخ، فلما تأمّر شيخ فرّبه وأنكحه وفوّض إمر ديوانه، ثم مات عمه بديع ابن نفيس، فأقرّه الملك الظاهر برقوق مكانه في رياسة الأطباء فباشرها مباشرة مشكورة، واختص بالملك الظاهر برقوق اختصاصا كبيرا، فلما مات بدر الدين محمود الكلسانيّ قلده وظيفة كتابة السرّ، وخلع عليه في يوم الاثنين حادي عشر جمادى الأولى سنة إحدى وثمانمائة، ومات الظاهر وقد جعله أحد أوصيائه، فما زال إلى أوائل ربيع الأوّل سنة ثمان وثمانمائة فقبض عليه واستقرّ بدله في كتابة السر سعد الدين إبراهيم بن غراب، وضرب حتى حمل مالا ثم أفرج عنه فلزم داره إلى شهر رمضان، فحمل إلى دار الوزير فخر الدين ماجد بن غراب وألزم بمال آخر، فحمله وأطلق، فقام الأمير جمال الدين يوسف الأستادار في أمره، وما زال بالملك الناصر فرج إلى أن أعاده إلى كتابة السرّ في أوائل ذي الحجة فاستقرّ فيها، وتمكن من أعدائه وأراه اللّه مصارعهم، واتسعت أحواله وانفرد بسلطانه وأنيط به جلّ الأمور، فأصبح عظيم المصر نافذ الأمر قائما بتدبير الدولة، لا يجد أحد من عظماء الدولة بدا من حسن سفارته، وأبدا للناس دينا وخيرا وتواضعا، وحسن وساطة بين الناس وبين السلطان، فلما كان من أمر الناصر وهزيمته على اللجون ما كان، وقع فتح اللّه مع الخليفة المستعين بالله العباسي ابن محمد المتوكل على اللّه وعدّة من كتاب الدولة في قبضة الأميرين شيخ ونوروز، وما زال عند هما حتى قتل الناصر وأقيم من بعده أمير المؤمنين المستعين بالله، وهو على حاله من نفوذ الكلمة وتدبير الأمور، فلما استبدّ الأمير شيخ بمملكة الديار المصرية واعتقل الخليفة وتلقب بالملك المؤيد شيخ في شعبان سنة خمس عشرة وثمانمائة، أقرّ فتح اللّه على رتبته، ثم قبض عليه يوم الخميس تاسع شوال، وعوقب غير مرّة، وأحيط بجميع أمواله وأسبابه وحواشيه، وبيع عليه بعض ما وجد له، وحمل ما تحصل منه فبلغ ما ينيف عن أربعين ألف دينار، سوى ما أخذ مما لم يبع، وهو ما يتجاوز ذلك، وما زال في العقوبة إلى أن خنق في ليلة الأحد خامس عشر شهر ربيع سنة ست عشرة وثمانمائة، وحمل من الغد إلى تربته فدفن بها، وكان ﵀ من خير أهل زمانه رياضة وديانة وطيب مقال، وتأله وتنسك ومحبة لسنة رسول اللّه ﷺ، وحسن قيام مع السلطان في أمر الناس، وبه كفى اللّه عن الناس من شرّ الناصر فرج شيئا كثيرا، وقد ذكرته
بأبسط من هذا في كتابي «درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة»، وفي كتابي «خلاصة التبر في أخبار كتاب السرّ».
دار ابن قرقه: هذه الدار من الدور القديمة، وهي بخط سويقة المسعوديّ إلى خط بين السورين، وقد تغيرت معالمها. قال ابن عبد الظاهر: دار ابن قرقة هي الآن سكن الأمير صارم الدين المسعوديّ والي القاهرة، بأوّل حارة زويلة من جهة باب الخوخة على يسرة السالك إلى داخل الحارة، وهي معروفة اليوم وإلى جانبها الحمام المعروفة بابن قرقة أيضا، وهذه الدار والحمام أنشأهما أبو سعيد بن قرقة الحكيم، وباعهما في حال مصادرته مما خرج عليه، فابتاعهما منه علم السعداء، ثم سكنها الكامل بن شاور، وهما من جهة الخليج. انتهى.
وهذه الدار والحمام قد قدمتا وصار موضع الدار الجامع المعروف بجامع ابن المغربيّ برأس سويقة الصاحب وما يجاوره من دور ابن أبي شاكر، وآخر ما بقي منها شيء، هدمه الوزير الصاحب تاج الدين عبد الرحيم بن الوزير الصاحب فخر الدين عبد اللّه بن تاج الدين موسى بن أبي شاكر، في رمضان سنة أربع وتسعين وسبعمائة.
وابن قرقة: هذا كان يتولى الاستعمالات بدار الديباج وخزائن السلاح، وكان ماهرا في علم الطب والهندسة ونحو ذلك من علوم الأوائل، وقتله الخليفة الحافظ لدين اللّه من أجل أنه دبر السم لابنه حسن بن الحافظ، عندما تشاور والجند وطلبوا من الخليفة قتل ابنه حسن كما تقدّم ذكره، فلما سكنت الدهماء قبض عليه الخليفة واعتقله بخزانة البنود وقتله، في سنة تسع وعشرين وخمسمائة.
دار خوند: هذه الدار من حقوق حارة زويلة، عرفت بالست الجليلة خوندار دوتكين ابنة نوغية السلاح دار الططريّ، تزوّج بها الملك الأشرف خليل بن قلاون، ومات عنها فتزوّجها من بعده أخوه الملك الناصر محمد بن قلاون، وولدت منه ولدين وماتا، ثم طلقها ونزلت من القلعة فسكنت هذه الدار، وأنشأت لها تربة بالقرافة تعرف الآن بتربة الست، وجعلت لها عدّة أوقاف، وكانت من الخير على جانب عظيم، لها معروف وصدقات وإحسان عميم، وماتت ولها ما ينيف على الألف، ما بين جارية وخادم أعتقتهم كلهم، وخلّفت أموالا تخرج عن الحدّ في الكثرة، وكانت وفاتها في ليلة السبت ثالث عشري المحرم سنة أربع وعشرين وسبعمائة، ودفنت بتربتها، فتقدّم أمر السلطان للأمراء والقضاة لشهود جنازتها وحمل ما تركته من الأموال والجواهر، وطلب أخوها جمال الدين خضر بن نوغية وصولح على إرثه منها بمائة وعشرين ألف درهم، عنها يومئذ سبعة آلاف دينار، ولم تزل هذه الدار إلى أن هدمت، فأخذها الأمير صلاح الدين محمد استادار السلطان ابن الصاحب بدر الدين حسن بن نصر اللّه في شهر رجب سنة أربع وعشرين وثمانمائة، وأدخلها
في داره التي أنشأها فجاءت من أجلّ دور القاهرة.
دار الذهب: هذه الدار خارج القاهرة، فيما بين باب الخوخة وباب سعادة، بناها الأفضل أبو القاسم شاهنشاه بن أمير الجيوش بدر الجمالي، وكان فيما بين باب القنطرة وباب الخوخة منظرة اللؤلؤة التي تقدّم ذكرها، عند ذكر مناظر الخلفاء، ويجاورها من حيزباب الخوخة دار الفلك، وبناها فلك الملك أحد الأستاذين الحاكمية، ويلاصقها دار الذهب هذه، ويجاور دار الذهب دار الشابورة، ودار الذهب عرفت أخيرا بدار الأمير بها در الأعسر شادّ الدواوين، ثم الآن عرفت بدار الأمير الوزير المشير الأستادار فخر الدين عبد الغني ابن الأمير الوزير استادار تاج الدين عبد الرزاق بن أبي الفرج الأرمنيّ الأصل، وعني بها وهدم كثيرا من الدور التي كانت تجاهها على برّ الخليج الشرقيّ، وأنشأ هناك دارا يتطرّق إليها من هذه الدار بساباط، وأنشأ بجوارها جامعه الآتي ذكره وحمامه، ثم هدم كثيرا من الدور التي كانت على الخليج وما وراءها بتلك الأحكار التي في الجانب الغربيّ من الخليج، وغرس في أراضي تلك الدور الأشجار وجعلها بستانا تجاه داره، فمات قبل أن تكمل، وصار أكثر مواضع الدور التي خربها هناك كيمانا.
دار الحاجب: خارج باب النصر تجاه مصلى الأموات، هذه الدار أنشأها الأمير سيف الدين كهرداش المنصوريّ، أحد المماليك الزراقين، وهو الذي فتح جزيرة أرواد في المراكب المتوجهة إلى بلاد الفرنج، وتولى عمارة مأذنة المدرسة المنصورية لما تهدّمت في الزلزلة، وتقدم وكثرت أمواله ومات بدمشق في سنة أربع عشرة وسبعمائة، فاشترى هذه الدار الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب، ولم تزل بها ذريته من بعد الأمير جمال الدين عبد اللّه بن بكتمر، والأمير ناصر الدين محمد بن عبد اللّه، وبها الآن ولدا الأمير ناصر الدين، وهما الأمير عليّ وعبد الرحمن، وما برح هذا البيت فيه الأمرة والسعادة.
بكتمر الحاجب: الأمير سيف الدين، كان أميرا خور، ثم وليّ شدّ الدواوين بدمشق في نيابة الأفرم، ولم يكن لأحد معه كلام في عزل ولا ولاية، ثم ولي الحجوبية، وتوجه إلى صفد كاشفا على الأمير ناهض الدين عمر بن أبي الخير والي الولاة وشادّ الدواوين بها، ومعه معين الدين بن حشيش، فحرّر الكشف ورفعه، حتى قال فيه زين الدين عمر بن حلاوات موقع صفد:
يا قاصدا صفدا فعد عن بلدةمن جور بكتمر الأمير خراب
لا شافع تغني شفاعته ولاجار له مما جناه جناب
حشر وميزان ونشر صحائفوجرائد معروضة وحساب
وبها زبانية تحثّ على الورىوسلاسل ومقامع وعقاب
ما فاتهم من كلّ ما وعدوا بهفي الحر إلاّ راحم وهاب
ولما قدم الملك الناصر محمد بن قلاون من الكرك إلى دمشق، ولاّه الحجوبية، ودخل في خدمته إلى مصر وهو حاجب، ثم أخرجه ثانيا نائبا إلى غزة في سنة عشر وسبعمائة، فأقام بها قليلا وطلبه وولاّه الوزارة بالديار المصرية عوضا عن الصاحب فخر الدين ابن الخليليّ، في رمضان سنة عشر، فباشر الوزارة إلى أن قبض عليه مستهل ربيع الأوّل سنة خمس عشرة، واعتقل مدّة سنة ونصف وأخذ كير من ماله، ثم أفرج عنه وأخرج إلى صفد نائبا في سنة ست عشرة، وأنعم عليه بمائة ألف درهم، عنها يومئذ خمسة آلاف دينار، فأقام بها عشرة أشهر وطلب إلى مصر فصار من الأمراء المشهورة، فإذا تكلم السلطان في المشورة لا يردّ عليه غيره، لما عنده من المعرفة والخبرة، وتزوّج بابنة الأمير جمال الدين أقوش المعروف بنائب الكرك، وأولاده الذين ذكرنا منها، وسرق له مال كثير من خزانته بهذه الدار، ادّعى أنه مبلغ مائتي ألف درهم، وكان في الباطن على ما قيل سبعمائة ألف درهم، فما جسر يتفوّه خوفا من السلطان، وكان إذ ذاك والي القاهرة الأمير سيف الدين قدادار، المنسوب إليه القنطرة على الخليج، فتقدّم أمر السلطان إليه بتتبع من سرق المال، فدسّ إليه الأمير بكتمر الساقي، والوزير مغلطاي الجمالي، والقاضي فخر الدين ناظر الجيش في السرّ، أن يتهاون في أمر السرقة نكاية لبكتمر، وأخذوا يحتجون لكل من اتهم ويقولون للسلطان لعن اللّه ساعة هذه العملة، كل يوم يموت من الناس تحت المقارع عدّة، وإلى متى يقتل المتهم الذي لا ذنب له، فلما طار الأمر شكا بكتمر إلى السلطان في دار العدل، فأحضر الوالي وسبّه السلطان، فقال يا خوند: اللصوص الذين أمسكتهم وعاقبتهم أقرّوا أن سيف الدين بخشي خزنداره، اتفق معهم على أخذ المال وجماعة من إلزامه الذين في بابه. فقال السلطان للجمالي الوزير: احضر هؤلاء المذكورين وعاقبهم، فأخذ بخشي وعصره وكان عزيزا عند بكتمر، قد زوجه بابنته، وهو يثق بعقله ودينه وأمانته، فشق ذلك عليه واغتم غما شديدا مات منه، فجاءة فيما بين الظهر إلى العصر من يومه سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وكان خبيرا بالأمور بصيرا بالحوادث طويل الروح في الكلام لا يمل من تطويله، ولو قعد في الحكم الواحد بين الأمير واليهودي ثلاثة أيام، ولا يلحقه من ذلك سآمة البتة، مع معرفة تامّة وخبرة بالسياسة لم ير مثله في حق أصحابه، لكثرة تذكرهم في غيبتهم، والفكر في مصالحهم وتفقد أحوالهم، ومن جفاه منهم عتب عليه، وكان سمحا بجاهه بخيلا بماله إلى الغاية، ساقط الهمة في ذلك، وله متاجر وأملاك وسعادة لا تكاد تنحصر، ومع ذلك فله قدور يكريها لصلاقي الفول والحمص وغير ذلك من العدد والآلات، ويماحك على أجرها مماحكة يستحى من ذكرها، وأنشأ عدّة دور واقتنى كثيرا من البساتين، وولي من بعده ابنه الأمير جمال الدين عبد اللّه الإمرة، وكان حاجبا، ولأبيه في سيرة البخل والحرص الشديد تابعا ومقلدا، وتولى أمره الحاج غير مرّة، وخرج في سنة ست وثمانين وسبعمائة من القاهرة لولاية كشف الجسور بالغربية، فورد عليه كتاب
السلطان الملك الظاهر برقوق بالإنكار، وفيه تهديد مهول فداخله الخوف ومرض، فحمل في محفة إلى القاهرة فدخلها يوم الأربعاء النصف من جمادى الأولى من تلك السنة، فمات من يومه وأخذ أقطاعه الأمير يودي، وصار ابنه ناصر الدين أحد الأمراء العشراوات، سالكا طريق أبيه وجدّه في الإمساك إلى أن مات خامس عشري شهر ربيع الآخر سنة اثنين وثمانمائة، ودفن بتربتهم خارج باب النصر.
دار الجاولي: هذه الدار من جملة الحجر التي تقدّم ذكرها، وهي تجاه الخان المجاور لوكالة قوصون، أنشأها الأمير علم الدين سنجر الجاولي وجعلها وقفا على المدرسة المعروفة بالجاولية بخط الكبش جوار الجامع الطولوني، وعرفت في زماننا بقاعة البغادّة، لسكنى عبد الصمد الجوهريّ البغداديّ بها هو وأولاده في سنة سبع وأربعين وسبعمائة إلى بعد سنة ست عشرة وثمانمائة، وهي من الدور الجليلة، إلاّ أنها قد تشعثت لطول الزمن.
دار أمير أحمد: هذه الدار بجوار دار الجاوليّ من غربيها، عرفت بأمير أحمد قريب الملك الناصر محمد بن قلاون، وعرفت في زماننا بسكن أبو ذقن ناظر المواريث، وهي من جملة ما اغتصبه جمال الدين يوسف الأستادار من الدور الوقف، وجعلها لأخيه شمس الدين محمد البيري قاضي حلب، وشيخ الخانقاه البيبرسية، فغير بابها وشرع في عمارتها، فقبض عليه عند القبض على أخيه وهو بها.
دار اليوسفي: هذه الدار بجوار باب الجوّانية فيما بينها وبين الحوض المعدّ لشرب الدواب، أنشأها هي والحوض الأمير سيف الدين بهادر اليوسفيّ السلاح دار الناصريّ.
دار ابن البقري: هذه الدار أنشأها الوزير الصاحب سعد الدين سعد اللّه بن البقريّ بن أخت القاضي شمس الدين شاكر بن غزيل البقريّ، صاحب المدرسة البقرية اظهر الإسلام وباشر في الخدمة الديوانية إلى أن ولاه الملك الظاهر برقوق وظيفة نظر الديوان المفرد ونظر الخاص، عوضا عن الصاحب كريم الدين عبد الكريم بن مكانس، في ثالث شهر رمضان سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة، فباشر ذلك إلى تاسع شهر رمضان سنة خمس وثمانين، فقبض عليه ونزل الأمير يونس الدوادار والأمير قرقماش الخازندار إلى داره هذه وأحاط بها، وأخذ جميع ما فيها من المال والثياب والأواني والحلي والجواري وغير ذلك، وحمل إلى القلعة، فبلغ قيمة ما وجد بداره في هذه النوبة مائتي ألف دينار، وسلم ابن البقريّ لشادّ الدواوين بقاعة الصاحب من القلعة، فضرب بالمقارع نيفا وثلاثين شيبا، وولي موفق الدين أبو الفرج نظر الخاص، ثم أن الملك الظاهر لما عاد إلى المملكة، بعد ثورة الأمير بلبغا الناصريّ والأمير تمربغا منطاش عليه، وخلعه من الملك وسجنه بالكرك، ثم قيامه بأهل الكرك ودخوله إلى القاهرة وعوده إلى المملكة، ولي ابن البقريّ الوزارة في يوم الاثنين سابع عشر شهر ربيع الآخر سنة اثنين وتسعين وسبعمائة عوضا عن موفق الدين أبي الفرج، ثم
صرف في يوم الخميس لعشرين من شهر رمضان، وأعيد الوزير أبو الفرج وأحيط بدور ابن البقريّ وأسلم هو وابنه تاج الدين عبد اللّه إلى الأمير ناصر الدين محمد بن اقبغا آض، فلما استقرّ الأمير ناصر الدين محمد بن الحسام الصفديّ في الوزارة يوم الثلاثاء سابع عشري ذي الحجة منها، عوضا عن الوزير أبي الفرج، اشترط على السلطان أمورا منها استخدام الوزراء المعزولين، فجلس بشباك قاعة الصاحب من القلعة وبعث إلى من بالقاهرة من الوزراء المعزولين، وهم شمس الدين عبد اللّه المقسي، وعلم الدين عبد الوهاب بن الطنساويّ، المعروف بسنّ إبرة، وسعد الدين سعد اللّه بن البقريّ، وموفق الدين أبو الفرج، وفخر الدين عبد الرحمن بن عبد الرزاق بن ابراهيم بن مكانس، فأقرّ المقسيّ وسنّ إبرة معا في نظر الدولة وأقرّ ابن البقريّ ناظر البيوت ومستوفي الدولة، وقرّر أبا الفرج في استيفاء الصحبة، وابن مكانس في استيفاء الدولة شريكا لابن البقريّ، فكانوا يركبون في خدمته دائما ويجلسون بين يديه، وربما وقف ابن البقريّ على قدميه بحضرته بعد أن كان ابن الحسام دواداره، ولا يزال قائما بين يديه، فعدّ الناس هذا من أعظم المحن التي لم يشاهد في الدولة التركية مثلها، وهو أن يصير الرجل خادما لمن كان في خدمته، فنعوذ بالله من المحن، ثم إن الوزير ابن الحسام قبض على ابن البقريّ وألزمه بحمل سبعين ألف درهم، ثم أعيد إلى الوزارة بعد القبض على الصاحب تاج الدين عبد الرحيم بن عبد اللّه بن موسى بن أبي بكر ابن أبي شاكر في ذي القعدة سنة خمس وتسعين، وقبض عليه وعلى ولده في حادي عشري شهر ربيع الأوّل سنة ست وتسعين، وسلما مع عدّة من الكتاب لشادّ الدواوين، ثم أفرج عنهما على حمل مال، فلما ولي الأمير ناصر الدين محمد بن رجب بن كلفت الوزارة، بعد الوزير أبي الفرج، قرّر ابن البقريّ في نظر الدولة عوضا عن بدر الدين الأقفهسيّ، واستخدم بقية الوزراء كما فعل الوزير ابن الحسام، فلما خلع السلطان على الأمير ناصر الدين محمد بن تنكر وجعله استادار الأملاك في رجب سنة سبع وتسعين، قرّر ابن البقريّ ناظر الأملاك، وخلع عليه، فصار يتحدّث في نظر الدولة ونظر الأملاك، فلما كان يوم الخميس رابع رجب سنة ثمان وتسعين أعيد إلى الوزارة وصرف عنها الأمير مبارك شاه ناظر الظاهريّ، واستقرّ بدر الدين محمد بن محمد الطوخي في نظر الدولة، ثم قبض عليه في يوم الخميس رابع ربيع الأوّل سنة تسع وتسعين، وأحيط بسائر ما قدر عليه من موجوده، وولي الوزارة بعده ابن الطوخيّ، وعوقب عقابا شديدا في دار الأمير علاء الدين عليّ بن الطبلاويّ، ثم أخرج نهارا وهو عار مكشوف الرأس وبيده حبل يجرّبه وثيابه مضمومة بيده الأخرى والناس تراه من درب قراصيا برحبة باب العيد في السوق إلى دار ابن الطبلاويّ، وقد انتهك بدنه من شدّة الضرب، فسجن بدار هناك. ثم خنق في ليلة الاثنين رابع جمادى الآخرة سنة تسع وتسعين وسبعمائة، وكان أحد كتاب الدنيا الذين انتهت إليهم السيادة في كتابة الرسوم الديوانية، مع عفة الفرج وجودة الرأي وحسن التدبير، إلاّ أنه لم يؤت سعدا في
وزارته، وما برح ينكب كل قليل، وكان يظهر الإسلام ويكتب بخطه كتب الحديث وغيرها، ويتهم في باطن الأمر بالتشدّد في النصرانية، وولي ابنه تاج الدين عبد اللّه الوزارة ونظر الخاص، ومات قتيلا تحت العقوبة عند الأمير جمال الدين يوسف الأستادار في سنة ثمان وثمانمائة، ودار ابن البقريّ هذه من أعظم دور القاهرة، وهي من جملة خط حارة الجوّانية في أوّلها.
دار طولباي: هذه الدار بجوار حمّام الأعسر برأس حارة الجوّانية، تجاه درب الرشيديّ، أنشأها الأمير شمس الدين سنقر الأعسر الوزير، ثم عرفت بخوند طولباي الناصرية جهة الملك الناصر.
طلنباي: ويقال دلبية، ويقال طلوبية ابنة طفاجي ابن هندر بن بكر بن دوشي خان ابن جنكزخان، ذات الستر الرفيع الخاتوني، كان السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون قد جهز الأمير إيدغدي الخوارزميّ في سنة ست عشرة وسبعمائة يخطب إلى أزبك ملك التتار بنتا من الذرية الجنكزية، فجمع أزبك أمراء التومانات وهم سبعون أميرا وكلمهم الرسول في ذلك، فنفروا منه ثم اجتمعوا ثانيا بعدما وصلت إليهم هداياهم وأجابوا، ثم قالوا إلاّ أن هذا لا يكون إلا بعد أربع سنين، سنة سلام، وسنة خطبة، وسنة مهاداة، وسنة زواج، واشتطوا في طلب المهر، فرجع السلطان عن الخطبة، ثم توجه سيف الدين طوخي بهدية وخلعة لأزبك، فلبسها وقال لطوخي: قد جهزت لأخي الملك الناصر ما كان طلب وعينت له بنتا من بيت جنكزخان من نسل الملك ياطرخان. فقال طوخي: لم يرسلني السلطان في هذا.
فقال أزبك: أنا أرسلها إليه من جهتي، وأمر طوخي بحمل مهرها فاعتذر بعدم المال.
فقال: نحن نقترض من التجار، فاقترض عشرين ألف دينار وحملها، ثم قال لا بدّ من عمل فرح تجتمع فيه الخواتين، فاقترض مالا آخر نحو سبعة آلاف دينار، وعمل الفرح. وجهزت الخاتون طلنباي ومعها جماعة من الرسل، وهم بانبجار من كبار المغل، وطقبغا ومنعوش وطرحي وعثمان وبكتمر وقرطبا والشيخ برهان الدين أمام الملك أزبك وقاضي حراي، فساروا في زمن الخريف وأقلعوا فلم يجدوا ريحا تسير بهم، فأقاموا في برّ الروم على مينا ابن مشتا خمسة أشهر، وقام بخدمتهم هو والأشكريّ ملك قسطنطينية، وأنفق عليهم الأشكريّ ستين ألف دينار، فوصلوا إلى الإسكندرية في شهر ربيع الأوّل سنة عشرين وسبعمائة، فلما طلعت الخاتون من المراكب حملت في خركاة من الذهب على العجل، وجرّها المماليك إلى دار السلطنة بالإسكندرية، وبعث السلطان إلى خدمتها عدّة من الحجاب، وثماني عشرة من الحرم، ونزلت في الحراقة، فوصلت إلى القلعة يوم الاثنين خامس عشري ربيع الأوّل المذكور، وفرش لها بالمناظر في الميدان دهليز أطلس معدني، ومدّ لهم سماط، وفي يوم الخميس ثاني عشرية أحضر السلطان رسل أزبك، ووصل رسل ملك الكرج، ورسل الأشكريّ بتقادمهم، ثم بعث إلى الميدان الأمير سيف الدين أرغون
النائب، والأمير بكتمر الساقي، والقاضي كريم الدين ناظر الخاص، فمشوا في خدمة الخاتون إلى القلعة وهي في عز، ثم عقد عليها يوم الاثنين سادس ربيع الآخر على ثلاثين ألف دينار، حالة المعجل منها عشرون ألفا، وعقد العقد قاضي القضاة بدر الدين محمد بن جماعة، وقبل عن السلطان النائب أرغون، وبنى عليها، وأعاد الرسل بعد أن شملهم من الأنعام ما أربى على أملهم، ومعهم هدية جليلة، فساروا في شعبان، وتأخر قاضي حراي حتى حج وعاد في سنة إحدى وعشرين، وماتت في رابع عشري ربيع الآخر سنة خمس وستين وسبعمائة، ودفنت بتربتها خارج باب البرقية بجوار تربة خوند طغاي أم أنوك.
دار حارس الطير: هذه الدار بداخل درب قراصيا بخط رحبة باب العيد، عرفت بالأمير سيف الدين سنبغا حارس الطير، ترقى في الخدم إلى أن صار نائب السلطنة بديار مصر في أيام السلطان حسن بن محمد بن قلاون بعد يلبغا روس، ثم عزل بالأمير قبلاي وجهز إلى نيابة غزة، فأقام بها شهرا وقبض عليه وحضر مقيدا إلى الإسكندرية في شعبان سنة اثنين وخمسين وسبعمائة، فسجن بها مدّة ثم أخرج إلى القدس، فأقام بطالا مدّة، ثم نقل إلى نيابة غزة في شعبان سنة ست وخمسين وسبعمائة.
الدار القردمية: هذه الدار خارج باب زويلة بخط الموّازيين من الشارع المسلوك فيه إلى رأس المنجبية، بناها الأمير الجاي الناصريّ، مملوك السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وكان من أمره أنه ترقي في الخدم السلطانية حتى صار دوادار السلطان بغير أمرة، رفيقا للأمير بهاء الدين أرسلان الدوادار، فلما مات بهاء الدين استقرّ مكانه بإمرة عشرة مدّة ثلاث سنين، ثم أعطى أمرة طبلخاناه، وكان فقيها حنفيا يكتب الخط المليح، ونسخ بخطه القرآن الكريم في ربعة، وكان عفيفا عن الفواحش، حليما لا يكاد يغضب، مكبا على الاشتغال بالعلم، محبا لاقتناء الكتب، مواظبا على مجالسة أهل العلم، وبالغ في إتقان عمارة هذه الدار بحيث أنه أنفق على بوّابتها خاصة مائة ألف درهم فضة، عنها يومئذ نحو الخمسة آلاف مثقال من الذهب، فلما تمّ بناؤها لم يمتع بها غير قليل، ومرض فمات في أوائل شهر رجب، وقيل في رمضان سنة اثنين وثلاثين وسبعمائة، وهو كهل، فدفن بقرافة مصر.
فسكنها من بعده خوند عائشة خاتون المعروفة بالقردمية، ابنة الملك الناصر محمد بن قلاوون زمانا، فعرفت بها، وكانت هذه المرأة ممن يضرب بغناها وسعادتها المثل، إلاّ أنها عمرت طويلا وتصرّفت في مالها تصرّفا غير مرضيّ، فتلف في اللهو حتى صارت تعدّ من جملة المساكين، وماتت في الخامس من جمادى الأولى سنة ثمان وسبعين وسبعمائة، ومخدّتها من ليف.
ثم سكن هذه الدار الأمير جمال الدين محمود بن عليّ الاستادار مدّة، وأنشأ تجاهها مدرسة.
دار الصالح: هذه الدار بحارة الديلم قريبا من السجن، وكانت دار الصالح طلائع بن رزبك يسكنها وهو أمير قبل أن يلي الوزارة، بناها في سنة سبع وأربعين وخمسمائة، وبناها على ما هي عليه الآن.
دار بهادر: هذه الدار بالقاهرة جوار المشهد الحسيني، في درب جرجي المقابل للابارين، المسلوك منه إلى دار الضرب وغيره، أنشأها الأمير بهادر رأس نوبة أحد مماليك الملك المنصور قلاوون، واتفق أنه كان ممن مالأ الأمير بدر الدين بيدرا على قتل الملك الأشرف خليل بن قلاوون، فلما قدّر اللّه بانتقاض أمر بيدر أو قتله، وإقامة الملك الناصر محمد بن قلاوون بعد أخيه الأشرف خليل، قبض على جماعة ممن وافق على قتل الملك الأشرف خليل، وقد تجمعت المماليك الأشرفية مع الأمير علم الدين سنجر الشجاعي، وهو يومئذ وزير الديار المصرية في دار النيابة من قلعة الجبل عند الأمير زين الدين كتبغا نائب السلطنة، وإذا بالأمير بهادر المذكور قد حضر هو والأمير جمال الدين أقوش الموصلي الحاجب المعروف بنميلة، وكانا قد اختفيا فرقا من سطوة الأشرفية حتى دبر أمرهما النائب، وأذن لهما في طلوع القلعة، فما هو إلاّ أن أبصرهما الأشرفية سلوا سيوفهم وضربوا رقبتيهما في أسرع وقت، فدهش الحاضرون وما استطاعوا أن يتكلموا خوفا من الأشرفية، واتفق في بناء هذه الدار ما فيه عبرة لمن اعتبر، وذلك أن بهادر هذا لما حفر أساسها وجد هناك قبورا كثيرة، فأخرج تلك العظام ورماها، فبلغ ذلك قاضي القضاة تقيّ الدين ابن دقيق العيد، فبعث إليه ينهاه عن نبش القبور ورمي العظام ويخوّفه عاقبة ذلك، فقال: إذا مت يجرّوا رجلي ويرموني، فقال القاضي: لما أعيد عليه هذا الجواب: وقد يكون ذلك.
فقدّر اللّه أنه لما ضربت رقبته ورقبة أقوش ربط في رجليهما حبل وجرّا من دار النيابة بالقلعة إلى المجاير بالكيمان، نعوذ بالله من سوء عاقبة القضاء، ثم عرفت هذه الدار ببيت الأمير جركتمر بن بهادر المذكور، وكان خصيصا بالأمير قوصون، فبعثه لقتل السلطان الملك المنصور أبي بكر بن الملك الناصر محمد بن قلاوون، لمّا نفاه إلى مدينة قوص بعد خلعه، فتولى قتله، فلما قبض على قوصون قبض على جركتمر في ثاني شعبان سنة اثنين وأربعين وسبعمائة، وقتل بالإسكندرية هو وقوصون في ليلة الثلاثاء ثامن عشر شوال، تولى قتلهما الأمير ابن طشتمر طلبة، وأحمد بن صبيح، وكان جركتمر هذا فيه أدب وحشمة، وأوّل أمره كان من أصحاب الأمير بيبرس الجاشنكيري، فقدّمه وأعطاه أمرة عشرة، ثم اتصل بالأمير أرغون النائب، فأعطاه أمرة طبلخاناه، وكان يلعب بالأكرة ويجيد في لعبها إلى الغاية.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع