تجاوز إلى المحتوى

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)

ذكر السجون

قال ابن سيده: السجن، الحبس، والسجان صاحب السجن، ورجل سجين مسجون.

قال: وحبسه يحبسه حبسا فهو محبوس وحبيس، واحتبسه وحبسه أمسكه عن وجهه. وقال سيبويه: حبسه، ضبطه، واحتبسه، اتخذه حبسا، والمحبس والمحبسة والمحتبس، اسم الموضع. وقال بعضهم: المحبس يكون مصدرا كالحبس، ونظيره إلى اللّه مرجعكم، أي رجوعكم. ويسألونك عن المحيض أي الحيض. وروى الإمام أحمد وأبو داود من حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جدّه ﵃ قال: إنّ رسول اللّه ﷺ حبس في تهمة يوما وليلة» فالحبس الشرعيّ ليس هو السجن في مكان ضيق، وإنما هو تعويض الشخص ومنعه من التصرّف بنفسه، سواء كان في بيت أو مسجد، أو كان يتولى نفس الخصم أو وكيله عليه، وملازمته له، ولهذا سماه النبيّ ﷺ أسيرا، كما روى أبو داود وابن ماجه عن الهرماس بن حبيب عن أبيه ﵄. قال: «أتيت النبيّ ﷺ بغريم لي فقال لي:

الزمه، ثم قال لي يا أخا بني تميم ما تريد أن تفعل بأسيرك» وفي رواية ابن ماجه ثمّ مرّ رسول اللّه ﷺ بي آخر النهار فقال: «ما فعل أسيرك يا أخا بني تميم» وهذا كان هو الحبس على عهد النبيّ ﷺ، وأبي بكر الصدّيق ﵁، ولم يكن له محبس معدّ لحبس

الخصوم، ولكن لما انتشرت الرعية في زمن عمر بن الخطاب ﵁، ابتاع من صفوان بن أمية ﵁ دارا بمكة بأربعة آلاف درهم، وجعلها سجنا يحبس فيها.

ولهذا تنازع العلماء، هل يتخذ الإمام حبسا على قولين؟ فمن قال لا يتخذ حبسا، احتج بأنه لم يكن لرسول اللّه ﷺ ولا لخليفته من بعده حبس، ولكن يعوقه بمكان من الأمكنة، أو يقيم عليه حافظا، وهو الذي يسمى الترسيم، أو يأمر غريمه بملازمته. ومن قال له أن يتخذ حبسا، احتج بفعل عمر بن الخطاب ﵁، ومضت السنة في عهد رسول اللّه ﷺ، وأبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، ﵃، أنه لا يحبس على الديون، ولكن يتلازم الخصمان.

وأوّل من حبس على الدين، شريح القاضي، وأمّا الحبس الذي هو الآن، فإنه لا يجوز عند أحد من المسلمين، وذلك أنه يجمع الجمع الكثير في موضع يضيق عنهم، غير متمكنين من الوضوء والصلاة، وقد يرى بعضهم عورة بعض، ويؤذيهم الحرّ في الصيف، والبرد في الشتاء، وربما يحبس أحدهم السنة وأكثر ولا جدة له، وأنّ أصل حبسه على ضمان، وأمّا سجون الولاة فلا يوصف ما يحلّ بأهلها من البلاء، واشتهر أمرهم أنهم يخرجون مع الأعوان في الحديد حتى يشحذوا وهم يصرخون في الطرقات الجوع، فما تصدّق به عليهم لا ينالهم منه إلاّ ما يدخل بطونهم، وجميع ما يجتمع لهم من صدقات الناس يأخذه السجان وأعوان الوالي، ومن لم يرضهم بالغوا في عقوبته، وهم مع ذلك يستعملون في الحفر وفي العمائر ونحو ذلك من الأعمال الشاقة، والأعوان تستحثهم، فإذا انقضى عملهم ردّوا إلى السجن في حديدهم من غير أن يطعموا شيئا. إلى غير ذلك مما لا يسع حكايته هنا. وقد قيل أن أوّل من وضع السجن والحرس معاوية. وقد كان في مدينة مصر وفي القاهرة عدّة سجون، وهي حبس المعونة بمصر، وحبس الصيار بمصر، وخزانة البنود بالقاهرة، وحبس المعونة بالقاهرة، وخزانة شمائل، وحبس الديلم، وحبس الرحبة، والجب بقلعة الجبل.

حبس المعونة بمصر: ويقال أيضا: دار المعونة، كانت أوّلا تعرف بالشرطة، وكانت قبليّ جامع عمرو بن العاص، وأصله خطّه قيس بن سعد بن عبادة الأنصاريّ ﵃، اختطها في أول الإسلام، وقد كان موضعها فضاء. وأوصى فقال: إن كنت بنيت بمصر دارا واستعنت فيها بمعونة المسلمين فهي للمسلمين، ينزلها ولاتهم. وقيل بل كانت هي ودار إلى جانبها لنافع بن عبد قيس الفهريّ، وأخذها منه قيس بن سعد وعوّضه دارا بزقاق القناديل. ثم عرفت بدار الفلفل لأنّ أسامة بن زيد التنوخيّ صاحب خراج مصر، ابتاع من موسى بن وردان فلفلا بعشرين ألف دينار، كان كتب فيه الوليد بن عبد الملك ليهديه إلى صاحب الروم، فخزّنه فيها، فشكا ذلك إلى عمر بن عبد العزيز ﵁ حين تولى الخلافة، فكتب أن تدفع إليه. ثم صارت شرطة ودار الصرف، فلما فرغ عيسى بن يزيد الجلوديّ من زيادة عبد اللّه بن طاهر في الجامع بنى شرطة في سنة ثلاث عشرة ومائتين، في

خلافة المأمون، ونقش في لوح كبير نصبه على باب الجامع الذي يدخل منه إلى الشرطة ما نصه: بركة من اللّه لعبده عبد اللّه الإمام المأمون أمير المؤمنين، أمر بإقامة هذه الدار الهاشمية المباركة على يد عيسى بن يزيد الجلوديّ، مولى أمير المؤمنين، سنة ثلاث عشرة ومائتين، ولم يزل هذا اللوح على باب الشرطة إلى صفر سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، فقلعه يانس العزيزي وصارت حبسا يعرف بالمعونة، إلى أن ملك السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب فجعله مدرسة، وهي التي تعرف اليوم بالشريفية.

حبس الصيّار: هذا الحبس كان بمصر يحبس فيه الولاة بعد ما عمل حبس المعونة مدرسة، وكان بأوّل الزقاق الذي فيه هذا الحبس حانوت يسكنه شخص يقال له منصور الطويل، ويبيع فيه أصناف السوقة، ويعرف هذا الرجل بالصيار من أجل أنه كانت له في هذا الزقاق قاعة يخزن فيها أنواع الصير المعروف بالملوحة، فقيل لهذا الحبس حبس الصيار، ونشأ لمنصور الصيار هذا ولد عرف بين الشهود بمصر بشرف الدين بن منصور الطويل، فلما أحدث الوزير شرف الدين هبة اللّه بن صاعد الفائزيّ المظالم في سلطنة الملك المعز أيبك التركمانيّ، خدم شرف الدين هذا على المظالم في جباية التسقيع والتقويم، ثم خدم بعد إبطال ذلك في مكس القصب والرمّان، فلما تولى قضاء القضاة تاج الدين عبد الوهاب ابن بنت الأعز، تأذى عنده بما باشره من هذه المظالم، وما زال هذا الحبس موجودا إلى أن خربت مصر في الزمان الذي ذكرناه، فخرب وبقي موضعه وما حوله كيمانا.

خزانة البنود: هذه الخزانة بالقاهرة هي الآن زقاق يعرف بخط خزانة البنود، على يمنة من سلك من رحبة باب العيد يريد درب ملوخيا وغيره، وكانت أوّلا في الدولة الفاطمية خزانة من جملة خزائن القصر يعمل فيها السلاح، يقال أن الخليفة الظاهر بن الحاكم أمر بها، ثم أنها احترقت في سنة إحدى وستين وأربعمائة، فعملت بعد حريقها سجنا يسجن فيه الأمراء والأعيان، إلى أن انقرضت الدولة فأقرّها ملوك بني أيوب سجنا، ثم عملت منزلا للأمراء من الفرنج يسكنون فيها بأهاليهم وأولادهم في أيام الملك الناصر محمد بن قلاون بعد حضوره من الكرك، فلم يزالوا بها إلى أن هدمها الأمير الحاج آل ملك الجوكندار نائب السلطنة بديار مصر، في سنة أربع وأربعين وسبعمائة، فاختط الناس موضعها دورا، وقد ذكرت في هذا الكتاب عند ذكر خزائن القصر.

حبس المعونة من القاهرة: هذا المكان بالقاهرة، موضعه الآن قيسارية العنبر برأس الحريريين، كان يسجن فيه أرباب الجرائم من السرّاق وقطاع الطريق ونحوهم في الدولة الفاطمية، وكان حبسا حرجا ضيقا شنيعا يشم من قربه رائحة كريهة، فلما ولي الملك الناصر محمد بن قلاون مملكة مصر هدمه وبناه قيسارية للعنبر، وقد ذكر عند ذكر الأسواق من هذا الكتاب.

خزانة شمائل: هذه الخزانة كانت بجوار باب زويلة، على يسرة من دخل منه بجوار السور، عرفت بالأمير علم الدين شمائل والي القاهرة في أيام الملك الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب، وكانت من أشنع السجون وأقبحها منظرا، يحبس فيها من وجب عليه القتل أو القطع من السرّاق وقطاع الطريق، ومن يريد السلطان إهلاكه من المماليك وأصحاب الجرائم العظيمة، وكان السجان بها يوظف عليه والي القاهرة شيئا يحمله من المال له في كل يوم، وبلغ ذلك في أيام الناصر فرج مبلغا كبيرا، وما زالت هذه الخزانة على ذلك إلى أن هدمها الملك المؤيد شيخ المحموديّ في يوم الأحد العاشر من شهر ربيع الأول، سنة ثمان عشرة وثمانمائة، وأدخلها في جملة ما هدمه من الدور التي عزم على عمارة أماكنها مدرسة.

وشمائل هذا: هو الأمير علم الدين، قدم إلى القاهرة وهو من فلاحي بعض قرى مدينة حماه في أيام الملك الكامل محمد بن العادل، فخدم جاندار في الركاب السلطاني إلى أن نزل الفرنج على مدينة دمياط في سنة خمس عشرة وستمائة، وملكوا البرّ وحصروا أهلها وحالوا بينهم وبين من يصل إليهم، فكان شمائل هذا يخاطر بنفسه ويسبح في الماء بين المراكب ويردّ على السلطان الخبر، فتقدّم عند السلطان وحظي لديه حتى أقامه أمير جاندار، وجعله من أكبر أمرائه، ونصه سيف نقمته، وولاه ولاية القاهرة، فباشر ذلك إلى أن مات السلطان وقام من بعده ابنه الملك العادل أبو بكر، فلما خلع بأخيه الملك الصالح نجم الدين أيوب نقم على شمائل.

المقشرة: هذا السجن بجوار باب الفتوح، فيما بينه وبين الجامع الحاكمي، كان يقشر فيه القمح، ومن جملته برج من أبراج السور على يمنة الخارج من باب الفتوح، استجدّ بأعلاه دور لم تزل إلى أن هدمت خزانة شمائل، فعين هذا البرج والمقشرة لسجن أرباب الجرائم، وهدمت الدور التي كانت هناك في شهر ربيع الأوّل سنة ثمان وعشرين وثمانمائة، وعمل البرج والمقشرة سجنا ونقل إليه أرباب الجرائم، وهو من أشنع السجون وأضيقها، يقاسي فيه المسجونون من الغمّ والكرب ما لا يوصف، عافانا اللّه من جميع بلائه.

الجب بقلعة الجبل: هذا الجب كان بقلعة الجبل يسجن فيه الأمراء، وابتدئ عمله في سنة إحدى وثمانين وستمائة، والسلطان حينئذ الملك المنصور قلاون، ولم يزل إلى أن هدمه الملك الناصر محمد بن قلاون في يوم الاثنين سابع عشر جمادى الأولى، سنة تسع وعشرين وسبعمائة، وذلك أنّ شادّ العمائر نزل إليه ليصلح عمارته فشاهد أمرا مهولا من الظلام وكثرة الوطاويط والروائح الكريهة، واتفق مع ذلك أن الأمير بكتمر الساقي كان عنده شخص يسخر به ويمازحه، فبعث به إلى الجب ودلي فيه، ثم أطلعه من بعد ما بات به ليلة، فلما حضر إلى بكتمر أخبره بما عاينه من شناعة الجب، وذكر ما فيه من القبائح المهولة،

وكان شادّ العمائر في المجلس فوصف ما فيه الأمراء الذين بالجب من الشدائد، فتحدّث بكتمر مع السلطان في ذلك فأمر بإخراج الأمراء منه، وردم وعمّر فوقه أطباق المماليك، وكان الذي ردم به هذا الجب، النقض الذي هدم من الإيوان الكبير المجاور للخزانة الكبرى، واللّه أعلم بالصواب.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر حارات القاهرة وظواهرها

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.