من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
جامع الطباخ
هذا الجامع خارج القاهرة بخط باب اللوق، بجوار بركة الشقاف، كان موضعه وموضع بركة الشقاف من جملة الزهريّ، أنشأه الأمير جمال الدين أقوش، وجدّده الحاج علي، الطباخ في المطبخ السلطانيّ أيام الملك الناصر محمد بن قلاون، ولم يكن له وقف، فقام بمصالحه من ماله مدّة، ثم إنه صودر في سنة ست وأربعين وسبعمائة، فتعطل مدّة نزول الشدّة بالطباخ، ولم تقم فيه تلك المدّة الصلاة.
عليّ بن الطباخ: نشأ بمصر وخدم الملك الناصر محمد بن قلاون. وهو بمدينة الكرك، فلما قدم إلى مصر جعله خوان سلار، وسلمه المطبخ السلطانيّ، فكثر ماله لطول مدّته. وكثرة تمكنه، ولم يتفق لأحد من نظرائه ما اتفق له من السعادة الطائلة، وذلك أن الأفراح وما كان يصنع من المهمات والأعراس ونحوها مما كان يعمل في الدور السلطانية وعند الأمراء والمماليك والحواشي مع كثرة ذلك في طول تلك الأعوام، كانت كلها إنما يتولى أمرها هو بمفرده، فما اتفق له في عمل مهم ابن بكتمر الساقي على ابنة الأمير تنكز نائب الشام، أن السلطان الملك الناصر استدعاه آخر النهار الذي عمل فيه المهم المذكور وقال له: يا حاج عليّ، اعمل لي الساعة لونا من طعام الفلاحين، وهو خروج رميس يكون ملهوج، فولى ووجهه معبس، فصاح به السلطان ويلك مالك معبس الوجه؟ فقال: كيف ما أعبس وقد حرمتني الساعة عشرين ألف درهم نقرة؟ فقال: كيف حرمتك؟ قال: قد تجمع عندي رؤس غنم وبقر وأكارع وكروش وأعضاد وسقط دجاج وأوز وغير ذلك مما سرقته من المهمّ، وأريد أقعد وأبيعه، وقد قلت لي أطبخ وبينما أفرغ من الطبيخ تلف الجميع، فتبسم السلطان وقال له: رح أطبخ وضمان الذي ذكرت عليّ، وأمر بإحضار والي القاهرة ومصر،
فلما حضرا ألزمهما بطلب أرباب الزفر إلى القلعة وتفرقة ما ناب الطباخ من المهمّ عليهم، واستخراج ثمنه، فللحال حضر المذكورون وبيع عليهم ذلك فبلغ ثمنه ثلاثة وعشرين ألف درهم نقرة، وهذا مهمّ واحد من ألوف مع الذي كان له من المعاليم والجرايات ومنافع المطبخ. ويقال أنه كان يتحصل له من المطبخ السلطاني في كل يوم على الدوام والاستمرار مبلغ خمسمائة درهم نقرة، ولولده أحمد مبلغ ثلاثمائة درهم نقرة، فلما تحدّث النشو في الدولة خرّج عليه تخاريج وأغرى به السلطان، فلم يسمع فيه كلاما، وما زال على حاله إلى أن مات الملك الناصر وقام من بعده أولاده الملك المنصور أبو بكر، والملك الأشرف كجك، والملك الناصر أحمد، والملك الصالح إسماعيل، والملك الكامل شعبان، فصادره في سنة ست وأربعين وسبعمائة، وأخذ منه مالا كثيرا، ومما وجد له خمس وعشرون دارا مشرفة على النيل وغيره، فتفرقت حواشي الملك الكامل أملامه، فأخذت أم السلطان ملكه الذي كان على البحر، وكانت دارا عظيمة جدّا، وأخذت أنقاض داره التي بالمحمودية من القاهرة وأقيم عوضه بالمطبخ السلطانيّ وضرب ابنه أحمد.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع