من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
المدرسة الشريفية
هذه المدرسة بدرب كركامة على رأس حارة الجودرية من القاهرة، وقفها الأمير الكبير الشريف فخر الدين أبو نصر إسماعيل بن حصن الدولة فخر العرب ثعلب بن يعقوب بن مسلم بن أبي جميل دحية بن جعفر بن موسى بن إبراهيم بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن عليّ بن عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب ﵁، الجعفريّ الزينبيّ، أمير الحاج والزائرين، وأحد أمراء مصر في الدولة الأيوبية، وتمت في سنة اثنتي عشرة وستمائة، وهي من مدارس الفقهاء الشافعية.
قال ابن عبد الظاهر: وجرى له في وقفها حكاية مع الفقيه ضياء الدين بن الورّاق، وذلك أن الملك العادل سيف الدين أبا بكر، يعني ابن أيوب، لما ملك مصر وكان قد دخلها على أنه نائب للملك المنصور محمد بن العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف، فقوى عليه وقصد الاستبداد بالملك، فأحضر الناس للحلف، وكان من جملتهم الفقيه ضياء الدين بن الورّاق، فقوى عليه وقصد الاستبداد بالملك، فأحضر الناس للحلف، وكان من جملتهم الفقيه ضياء الدين بن الورّاق، فلما شرع الناس في الحلف قال الفقيه ضياء الدين: ما هذا الحلف، بالأمس حلفتم للمنصور، فإن كانت تلك الأيمان باطلة، فهذه باطلة، وإن كانت تلك صحيحة فهذه باطلة.
فقال الصاحب صفيّ الدين بن شكر للعادل: أفسد عليك الأمور هذا الفقيه. وكان الفقيه لم يحضر إلى ابن شكر ولا سلّم عليه، فأمر العادل بالحوطة على جميع موجود الفقيه وماله وأملاكه، واعتقاله بالرصد مرسما عليه فيه، لأنه كان مسجده، فأقام مدّة سنين على هذه الصورة، فلما كان في بعض الأيام وجد غرّة من المترسمين فحضر إلى دار الوزارة
بالقاهرة، فبلغ العادل حضوره، فخرج إليه. فقال له الفقيه: اعلم واللّه أني لا حاللتك ولا أبرأتك، أنت تتقدّمني إلى اللّه في هذه المدّة، وأنا بعدك أطالبك بين يدي اللّه تعالى. وتركه وعاد إلى مكانه، فحضر الشريف فخر الدين بن ثعلب إلى الملك العادل فوجده متألما حزينا، فسأله، فعرّفه. فقال: يا مولانا ولم تجرّد السم في نفسك؟ فقال: خذ كل ما وقعت الحوطة عليه وكلّ ما استخرج من أجرة أملاكه وطيب خاطره، وأما الفقيه ضياء الدين فإنه أصبح وحضرت إليه جماعة من الطلبة للقراءة عليه. فقال لهم: رأيت البارحة النبيّ ﷺ وهو يقول: يكون فرجك على يد رجل من أهل بيتي صحيح النسب، فبينما هم في الحديث وإذا بغبرة ثارت من جهة القرافة، فانكشفت عن الشريف ابن ثعلب ومعه الموجود كله، فلما حضر عرّفه الجماعة المنام، فقال: يا سيدي اشهد على أن جميع ما أملكه وقف وصدقة، شكرا لهذه الرؤيا. وخرج عن كل ما يملكه، وكان من جملة ذلك المدرسة الشريفية لأنها كانت مسكنه ووقف عليها أملاكه، وكذلك فعل في غيرها، ولم يحالل الفقيه الملك العادل، ومات الملك العادل بعد ذلك، ومات الفقيه بعده بمدّة، ومات الشريف إسماعيل بن ثعلب بالقاهرة في سابع عشر رجب سنة ثلاث عشرة وستمائة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع