من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)
الزاوية العدوية
هذه الزاوية بالقرافة، تنسب إلى الشيخ عديّ بن مسافر بن إسماعيل بن موسى بن مروان بن الحسن بن مروان الهكاريّ القرشيّ الأمويّ. وكان قد صحب عدّة من المشايخ، كعقيل المنبجيّ، وحماد الدباس، وعبد القادر السهرورديّ، وعبد القادر الجيليّ. ثم انقطع في جبل الهكارية من أعمال الموصل، وبنى له زاوية، فمال إليه أهل تلك النواحي كلها ميلا لم يسمع لأرباب الزوايا مثله، حتى مات سنة سبع وقيل سنة خمس وخمسين وخمسمائة، ودفن في زاويته، وقدم ابن أخيه إلى هذه البلاد، وهو زين الدين، فأكرم وأنعم عليه بإمرة، ثم تركها وانقطع في قرية بالشام تعرف ببيت فار، على هيئة الملوك من اقتناء الخيول المسوّمة والمماليك والجواري والملابس، وعمل الأسمطة الملوكية، فافتتنت به بعض نساء الطائفة القيمرية. وبالغت في تعظيمه، وبذلت له أموالا عظيمة، وحاشيتها تلومها فيه، فلا تصغي إلى قولهم، فاحتالوا حتى أوقفوها عليه وهو عاكف على المنكرات، فما زادها ذلك إلاّ ضلالا وقالت: أنتم تنكرون هذا عليه. إنما الشيخ يتدلل على ربه، وأتاه الأمير الكبير علم الدين سنجر الدوادار ومعه الشهاب محمود لتحليفه في أوّل دولة الأشرف خليل بن قلاون إلى قريته، فإذا هو كالملك في قلعته، للتجمل الظاهر والحشمة الزائدة، والفرش الأطلس، وآنية الذهب والفضة والنضار الصينيّ، وأشياء تفوت العدّ، إلى غير ذلك من
الأشربة المختلفة الألوان، والأطعمة المنوّعة. فلما دخلا عليه لم يحتفل بهما، وقبّل الأمير سنجريده وهو جالس لم يقم، وبقي قائما قدامه يحدثه، وزين الدين يسأله ساعة، ثم أمره أن يجلس فجلس على ركبتيه متأدّيا بين يديه، فلما حلفاه أنعم عليهما بما يقارب خمسة عشر ألف درهم، وتخلف من طائفته الشيخ عز الدين أميران، وأنعم عليه بإمرة دمشق، ثم نقل إلى إمرة بصفد، ثم أعيد إلى دمشق وترك الإمرة وانقطع بالمرّة، وتردّد إليه الأكراد من كل قطر وحملوا إليه الأموال، ثم أنه أراد أن يخرج على السلطان بمن معه من الأكراد في كلّ بلد، فباعوا أموالهم واشتروا الخيل والملاح، ووعد رجاله بنيابات البلاد، ونزل بأرض اللجون. فبلغ ذلك السلطان الملك الناصر محمد بن قلاون، فكتب إلى الأمير تنكز نائب الشام بكشف أخبارهم، وأمسك السلطان من كان بهذه الزاوية العدوية، ودرك على أمير طبر، واختلفت الأخبار فقيل أنهم يريدون سلطنة مصر، وقيل يريدون ملك اليمن، فقلق السلطان لأمرهم وأهمه إلى أن أمسك الأمير تنكز عز الدين المذكور وسجنه في سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة حتى مات، وفرّق الأكراد، ولو لم يتدارك لأوشك أن يكون لهم نوبة.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع