تجاوز إلى المحتوى

من «المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار» للمقريزي (ت ٨٤٥هـ)

مسجد الأندلس

هذا المسجد في شرقيّ القرافة الصغرى بجانب مسجد الفتح، في الموضع الذي يعرف عند الزوّار بالبقعة، وهو مصلّى المغافر على الجنائز. ويقال أنه بني عند فتح مصر، وقيل بني في خلافة معاوية بن أبي سفيان، ثم بنته جهة مكنون، واسمها علم الآمرية أمّ ابنة الآمر التي يقال لها ست القصور، في سنة ست وعشرين وخمسمائة، على يد المعروف بالشيخ أبي تراب.

وجهة مكنون هذه: كان الخليفة الآمر بأحكام اللّه كتب صداقها وجعل المقدّم منه أربعة عشر ألف دينار، وكان لها صدقات وبرّ وخير وفضل، وعندها خوف من اللّه، وكانت تبعث إلى الأشراف بصلات جزيلة، وترسل إلى أرباب البيوت والمستورين أموالا كثيرة، ولما وهب الآمر لهزار الملوك ولبرغش في كلّ يوم مائتي ألف دينار عينا، لكل منهما مائة ألف دينار، حضر، إليها عشاء على عادته، فأغلقت باب مقصورتها قبل دخوله وقالت له:

واللّه ما تدخل إليّ أو تهب لي مثل ما وهبت لواحد من غلاميك. فقال: الساعة: ثم استدعى بالفرّاشين فحضروا فقال: هاتوا مائة ألف دينار الساعة، ولم يزل واقفا إلى أن حضرت عشرة كيسة في كل كيس عشرة آلاف دينار، ويحمل عشرة من الفرّاشين. ففتحت له الباب ودخل إليها. ومكنون هذا هو الأستاذ الذي كان برسم خدمتها، ويقال له مكنون القاضي لسكونه وهدئه، وكان فيه خبر وبرّ كبير، وبجانب مسجد الأندلس هذا رباط من غريبه بنته جهة مكنون هذه في سنة ست وعشرين وخمسمائة، برسم العجائز الأرامل. فلما كان في

سنة أربع وسبعين وخمسمائة، بنى الحاجب لؤلؤ العادليّ برحبة الأندلس والرباط بستانا وأحواضا ومقعدا، وجمع بين مصلّى الأندلس وبين الرباط بحائط بينهما، وعمل ذلك لحلول العفيف حاتم بن مسلم المقدسيّ الشافعيّ به، ولما مات السلطان الملك الظاهر ركن الدين بيبرس البندقداريّ بدمشق في المحرّم سنة ست وسبعين وستمائة، وقام من بعده في السلطنة ابنه الملك السعيد محمد بركة خان، عمل لأبيه عزاء بالأندلس هذا، فاجتمع هناك القرّاء والفقهاء وأقيمت المطابح وهيئت المطاعم الكثيرة وفرّقت على الزوايا ومدّت أسمطة عظيمة بالخيام التي ضربت حول الأندلس، فأكل الناس على اختلاف طبقاتهم، وقرأ القرّاء ختمة شريفة، وعدّ هذا الوقت من المهمات العظيمة المشهورة بديار مصر، وكان ذلك في المحرّم سنة سبع وسبعين وستمائة، على رأس سنة من موت الملك الظاهر، فقال في ذلك القاضي محيي الدين عبد اللّه بن عبد الظاهر.

يا أيها الناس اسمعواقولا بصدق قد كسي
إنّ عزا السلطان فيغرب وشرق ما نسي
أليس ذا مأتمهيعمل في الأندلس

ثم عمل بعد ذلك مجتمع في المدرسة الناصرية بجوار قبة الشافعيّ من القرافة، ومجتمع بجامع ابن طولون، ومجتمع بجامع الظاهر من الحسينية خارج القاهرة، ومجتمع بالمدرسة الظاهرية بين القصرين، ومجتمع بالمدرسة الصالحية، ومجتمع بدار الحديث الكاملية، ومجتمع بالخانقاه الصلاحية لسعيد السعداء، ومجتمع بالجامع الحاكميّ، وأقيم في كلّ واحد من هذه المجتمعات الأطعمة الكثيرة، وعمل للتكاررة خوان، وللفقراء خوان، حضره كثير من أهل الخيل والصلاح فقيل في ذلك:

فشكرا لها أوقات برّ نقبلتلقد كان فيها الخير والبرّ أجمعا
لقد عمّت النعمى بها كلّ موطنسقتها الغوادي مربعا ثم مربعا
ولما مضى السلطان لما يمض جودهوخلّف فينا برّه متنوّعا
فتى عيش في معروفه بعد موتهكما كان بعد السيل مجراه مرتعا
للشاعر مروان بن أبي حفصة، من قصيدة «لندبك أحزان وسابق عبرة»
فدام له منّا الدعاء مكرّرامدى دهرنا واللّه يسمع من دعا

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من ذكر المساجد الشهيرة بالقرافة الكبيرة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.