تجاوز إلى المحتوى

من «حادي الأظعان النجدية إلى الديار المصرية» لمحب الدين الحموي (ت ١٠١٦هـ)

نص الرحلة (٢)

وكان اهالي ذلك الإقليم شكوا من ذلك النائب شكاية كلية، وتحقق العبد أن مولانا الشيخ حفظ الله تعالى حضرته العلية، لم يبلغه ما حدث من المذكور من التعدي على أهل الإقليم، ولم يكتب له ذلك إلا بناء على طبعه السليم. فاحب العبد أن يعرض على المولى المشار غليه، أحوال المذكور وما أنطوى عليه، علماص بأن حضرته الشريفة حفظها الله تعالى ووقاها، إذا بلغها أحوال المذكور ينكرها ولا يرضاها، فسطر له هذا الجواب، وأرسله بضاعة مزجاة لذلك الجناب. صورته " يقبل الأرض بعد دعائه الذي ترصعت في تيجان الإجابة درره، وتضرعت في ديوان الأخلاص فقره، ويصف الحب الصحيح السالم، والثناء الذي هو للود جازم. وينهي أن السبب في تسطيرها، والباعث على تحريرها، محبة اضرم نارها في الفؤاد، وأشواق لو تجسمت لملأت ألف واد، وان تفضل الوالي بالسؤال عن احوال العبد فهو باق على محبته القلبية القبلية، وملازم على مقام العبودية.

وقد وصل المثال العديم المثال، مشتملاً على الدرر التي فاقت اللآل، فقام له المخلص تعظيماً وإجلالاً، وسجد سجدة صادس راى من معانيه زلالا. ورقي على منبر الثناء معلماً بشكره، وانشد:

ولقد سما العبد الحقير إلى السهالما تفوهت الاسود بذكره

هذا والذي ينهيه العبد من خصوص عبد الفتاح، وما اشتمل عليه من الامور القباح، فأنه كثر في هذا الإقليم شاكوه، وانعدم فيه شاكروه. وان من البدع المحدثة على هذه البلاد ما يسمى بالمشاق، وقد شكا منه أهل الإقليم وذكروا أنه حملهم فيه غاية المشاق. وأما ما أثبته في السجل بطريق العادة. وقد ذكر لي جماعة من الصلحاء ليس لهم غرض دنياوي، منهم رجل من ذرية الشيخ الشعراوي، أن المذكور إن تولى سعى في الأرض بالفساد، وتعدى من ظلم نفسه القاصرة إلى ظلم العباد، كل ذلك ما خلا أفعالا لو تمت بالأخبار، لأضحت ناقصة عن درجة الاعتبار، في مقام الخطاب، وأحوالا مقررة ليست من أفعال الشك بل اليقين، لو بحث عنها لخرجت عن طريق الآداب. لكن من طرق البلاغة استعمال الاضمار في موضع الإظهار، كما نستفيده، وصيغة المضارع لاستمرار، من بحر فيضكم المدرار. ولو فصلت لحضرتكم الشريفة أمور لأوجبت له أن يطرد ويبعد، ويتمثل له بقول القائل وينشد:

أيها المدعي سليمى سفاهاًلست منها ولا قلامة ظفر
إنما أنت من سليمى كواوٍالحقت في الهجاء ظلماً بعمرو

والحاصل أن المملوك ما يحيل التفرس في عدم استقامة المذكور إلا على سلامة مزاح وسرعة حدسه، وحاشا لمقامه الشريف أن يرضى لعبده الحشر مع غير أبناء جنسه. وعلى كل حال فمن حمل أعباء القضاء شاهد أحوالاً تشيب النواصي، وعاين اهوالاً تذيب الرواسي، ولكن:

إلهي ظلمت النفس مذ صرت قاضياًوعوضتها بالضيق عن ذلك الفضا
وحملتها ما لا تكاد تطيقهفأسالك التوفيق واللطف في القضا

ووالله أن العبد ما سطر هذا الجواب، إلا وهو من الخجالة قد توارى بالحجاب، لاشتماله على هذه الالفاظ السقيمة، وقبائح المذكور وأفعاله الذميمة. ولكن صح كما صح في علمكم الكريم العبد يناجي ربه، وشاع ان الكلفة ترتفع إذا صحت المحبة. على أنه لا يغرب عن شريف علمكم أن بسط الكلام يحسن إذا كان الاصغاء مطلوباً، والخطاب محبوباً ومرغوباً، وما تلك قضية منكورة، بل قصة معروفة مشهورة، بعد تكرير الأدعية على الدوام، والسلام إلى قيام الساعة وساعة القيام.

فلما وصلت إلى جنابه الشريف تلقاها بحسن القبول، وأرسل جواباً عنها هذه المشرفة التي تكاد من رقة ألفاظها تسحر العقول، صورتها:

يا نسمة البان بل يا نفحة الريحأن رحت يوماً إلى من عندهم روحي
خذي لهم من ثنائي عنبراً عبقاًوأوقديه بنار من تباريحي

شيد الله تعالى معالم الحق التي دثرت، ورفع سمك سماء الدين التي انفطرت، واتاح الذكر الجميل الأعذب، وأفاح الثناء العاطر الأطيب، ببقاء من طنَّ في مسمع العاقل حديث فضله المحقق، واستمسك الناس منه بحبلِ استقامةٍ طال ما رثَّ في ذلك الإقليم وتمزق، وأقبل على الدين اقبال محب صادق، وقال عن الله تعالى وعن رسوله بأعذب لسان ناطق، وقال في وارف الثقة بالله واليه بالصدق انتمى، وقلا اهل الباطل ولكن بجمرٍ إلى وجوههم به رمى، الحبيب الذي أجله القلب فأحله خلال الشراسيف والضلوع، بل سواء السويداء والشغاف وهاتيك الربوع، لا زال الله تعالى يقذف به على الباطل فيدمغه، ويصدع فود فؤاد الشيطان ويزل قدمه ويفدغه ويؤيد به الشريعة على أنها المنهل الفرات لكل وارد، ويروض منازه منازلها المريعة على انها رياض المعارف والعوارف والفوائد، في نعمة ترف بنسائم العناية نضارةً، ونعيم يتقاطر غضارة، آمين. يحيط علمكم الكريم، بعد أشرف تحية وأعطر تسليم، ان الفقير ورد عليه مكتوب ولكن بقلم هو انبوبة بالفضائل راعفة، ولكن مثمر بكل عارفة، وطائر ولكن بأجنحة الانامل إلى فضاء بلاغةٍ لم يزل لديكم منفسحاً، صادح ولكن أعرب فأغرب، فما الورقاء هاتفه بالضحى في طرس هو بياض نهار الاعياد، ومداد هو سواد ليل الإسراء، وكم وجنة ودت نقطةٌ من ذلك السواد، وإنشاء هو سحر العقول ولكن الحلال، وعذوبة ألفاظ يودها الخصرُ الزلال، ومعان ما ذلت لمعان، بل لمعان نشأت من لمعان فكر صقيل، ومبان تذكرنا ببناء الخليل لبيت الجليل. ثم ما اشرتم إليه من تلك القضية القصية، فلا والله لولا كتابكم الكريم ما أنا بالذي عالم لا خفية منها ولا جلية، ولا ارضى إلا بما يرضي الله تعالى ورسوله ﵊، وأنتم في فسيح العذر بل في اعلى محل طبقات الشكر على خلاص الفقير من عهدة الآثام. ثم أن سألتم عن مولانا شيخ مشايخ الإسلام، نعمة الله تعالى التي أرسلها الغيداقة على الخاص والعام، فحال ثابتة المجد، منتقلة في معارج السعد، فما كان حال كاملة سواها إلا فضله، ومبتدا خبره ثناء أملاك السماء واقطاب الأرض على من افاض الله تعالى عليه فضله. بلغ الله تعالى بدولته المبتغي، والجملة خبرية، وأقام باحكامه الصغى وأطرد القياس في القضية، عالمٌ ولكنه عالم كمالاتٍ باهرة، ومرتق رتبةً سماء سموه يخضع لها ابناء الدنيا ويدعو بمزيد تعاليها ابناء الآخرة. فعين الله تعالى على زمان أحياه الله تعالى بعد زمانه وبلا، وعلامة ان شئل معروفاً فالسيل فوق الربى، أفعم فعم، فجوابه نعم، وحاشاه ان يجيب بلا، وما رقم الفقير هذه الصبابة غلا ليزيدكم علماً بما للقلب به من صبابة. وانتم في أمان الله تعالى وحفظه والسلام على الدوام.

ثم أن العبد كان في تلك الغضون، كتب لمولانا قدوة الاعالي والمدققين، وخلاصة الافاضل المتبحرين المحققين الشيخ اسماعيل النابلسي - أسبغ الله تعالى عليه سوابغ الأنعام - مكتوباً تضمن نوعاً من ذم مصر ومدح دمشق الشام، فيه ما عبارته: وان سال مولانا - أدام الله تعالى أيامه الزاهرة - عن أحوال المحمية القاهرة، فقد وجد الفقير ما كانوا يصفونه من محاسنها إنما هو من طريق المبالغة بل من قبيل القول الكاذب، او من قبيل: " وللناس فيما يعشقون مذاهب " يعد من متنزهاتها المكان المسمى ببولاق، ولكن لطول الفصل بينه وبين مصر يعسر في كل آن غليه الذهاب والإنطلاق، وربما يكون طريقه مخوفاً فيحجم الإنسان عن السير ويحصل له الامتناع، ويستحضر قضية " مررت على وادي السباع ". على انّ المكان المذكور وأن اشتمل على الماء إلا انه عديمُ الخضرة، وليس به أنيس مكتس ملبسض النضرة. ومع ذلك لا يوجد فيه غير السمك لكن ترى الفلك فيه مواخر، وإذا افتخر فإنه مفتخر تقول له: " إذا ما تميمي اتاك يفاخر ". فقل لمن يقايس متنزهاتها بدمشق: هذا قياسٌ باطل، وانى يلحق الناقص بالكامل. واما حضرة الافندي - حفظ الله تعالى طلعته العلية - مغرم بمدح دمشق المحمية، دائماص يتذاكر ما مضى له فيها من الحضور في تلك الأيام الخالية، ويتاسف على ما مرَّ له من حلاوة العيش في هاتيك الاوقات الماضية، وينشد:

لله أيام تقضت لناما كان احلاها وأهناها
مرت فلم يبق لنا بعدهاشيء سوى أن نتمناها

والفقير كثيراً ما يستحسن دمشق على مصر فيوافقني على هذا الكلام ويقول للمخالفة:

فكيف إذا مررت بدارِ قومِوجيرانٍ لنا كانوا كرام

واماهذا العبد فطالما تحركه إلى جهتها سواكن الاشواق، وتكاد تجذبه إذا تقاعس بالأطواق، لا يصغي إلى تفنيد في حبها ولا ملام، وإذا مزج دمعه بدم يقال تذكر عهداً بالشآم. وبالجملة فأن شطت بنا الدار وكان بيننا وبينها " كما حكم البين المشتُّ فراسخ " ولكن:

وأما الذي في القلب منها فراسخ

إذ تذكر تلك المعاهد يفيض دمعه من العيون، وان ذهب عنها كل مذهب ففي قلبه من قاسيون، نار شوق إلى الالمام بتلك الأماكن لا يملك القلب دفاعه، " ولو لم يكن إلا معرج ساعة "، وعلى كل حال فان اتهم القلب او انجد، وحيثما كان من الارض قرب أو أبعد، فلست عن حبكم ابدا ساليا، وغن ملت إلى جهة الجنوب " ينازعني الهوى عن شماليا " فالسلو عن عبوديتكم ومحبتكم من قبيل المحال، كيف لا " والقلب من جهة الشمال ". فنسأل الله تعالى ان يقرب ايام التلاق، بطي شقة البين والفراق، لنكون تحت نظركم السعيد، وظلكم المديد، لا " برح في الاقطار مخيماً "، وقد يجمع الله الشتيتين بعدما والسلام إلى ساعة القيام. فاتفق أن مولانا الشيخ المشار إليه، وقف على ما تضمنه المكتوب واشتمل عليه، وحصل مع حضرته حالتئذ مباسطة في الكلام، وذكرنا طرفاً مما قاله ظرفاء الشعراء في مدح مصر والشام. وبعد ذلك بتنا عنده ليلة في بيته الذي على بركة القرع، وكانت ليلة مقمرة، وبوجوده الشريف مزهرة، اختلسناها من بين الليالي بايدي الفرص، فقص علينا من نفائس اشعاره البليغة أحسن القصص، وجلا علينا من أبكار معارفه عرائس أفكار حيرت الشعراء، ونثر علينا من لآليء معانيه البديعة دررا. ثم قال للعبد في أثناء المصاحبة: وهل يوجد في دمشق مثل هذا المكان؟ فقلت، وقد عرفت مراده: لا والله يا مولانا من حيث تشريفه بطلعتكم الرفيعة الشان. وقلت مخاطباً لحضرته الشريفة رفع الله تعالى محلها:

وتستعذب الارض التي أنت حلها

فقال: مع قطع النظر عن الحيثيات والأغيار فانشدته: " وما حبّ الديار ". ثم إنه أورد شيئاً يتضمن مدح مصر بالمناسبة، وقصد الملاطفة والمصاحبة فانجز الكلام إلى ابن سناء الملك وجلالة قدره، واورد في المجلس شيء من شعره، فقال مولانا الشيخ حفظ الله تعالى حضرته العلية، وما احسن قوله كذا، وذكر شعرا يتضمن نوعا من ذم دمشق المحمية. فقلت له يا مولانا:

ولو كان شعراً واحداً لاتقيتهولكنه شعر وثان وثالث

ثم ضحك كثيراً وألتفت إلى الشيخ نور الدين العيسلي وقال له: يا مولانا وفاضل عصرنا، أن الشيخ محب الدين من اكبر المتعصبين على مصرنا، ولو رأيتم المكتوب الذي كتبه سابقاً إلى دمشق يتشوق إلى اخوانه، ويتشوف إلى أوطانه، ومدحته لدمشق المدحة الوافرة، وتفضيله لها على المحمية القاهرة، لرايتم العجب العجاب، إلى غير ذلك من الملاطفة في الخطاب. والتقطنا تلك الليلة من فوائده الشريفة ما يفوق الدرر، وشاهدنا من حسن محاضرته لطفاً ارق من نسيم السحر، وقضيناها ليلة كاد يسبق آخرها أولها آخرها، ولم يكن عيبها إلاّ تقاصرها. ثم إن عوامل المودة بيننا تأكدت بحيث صار الفؤاد مشغوفاً بمحبته، وكان العبد دائماً يعطر مجالس قاضي القضاة بمدحته. فاتفق أنه جاء في بعض الليالي لزيارة مولانا قاضي القضاة فأبدى من نكته ولطائفه العجب العجاب، واملى من فوائده وفرائده ما حير العقول والألباب. فعرض عليه مولانا قاضي القضاة هذا الفقير وقال له: هذا الشيخ محب الدين ما هو غلا عبد جنابكم الخطير، فو الله لقد وقع هذا الكلام عند العبد ألطف موقع، وحل من قلبه أحسن موضع، وانشدت عند ذلك:

مذ صح عندي أنني عبدٌ لكمصغر الوجود بعينه في همتي
ولقد أتيه على الوجود تعززاًلما نسبت لكم وصحت نسبتي

ثم تشرفت بعد ذلك المجلس بمشاهدة ذات المحمية، وعرضت عليه قصة المحبة والعبودية، وقلت له: يا مولانا ان عبودية هذا المخلص لكم مبينة لا تحتاج في غثباتها إلى بينة، كيف لا وقد حكم بموجبها قاضي المحبة، وشافهكم بذلك مرة في أثناء الصحبة. ولله دره قاضياً أحسن في أداء هذه الشهادة الحسنة الحسبة، فأني والله لم أزل اثني على مقاصده المستجادة، وأشكره ولا كشكري على هذه الشهادة. هذا ولو ذكرنا بعض فضائل مولانا وماسحنه، لعجز عن حصرها القلم وكل لسانه، وضاق صدر الطرس وأن كان متسعاً ميدانه:

وليس يزيد المرء قدراص ورفعةإطالة وصاف وإكثار مادح

وقد تعين أن نذكر حينئذ شيئاً من تراجم المشهورين من علماء الديار المصرية بطريق الإيجاز والإختصار، واما ترجمتهم بالاطناب فذاك شيء لا تحويه الاسفار.

محمد الرملي، فأما الإمام العالم العلامة، والحبر البحر الفهامة، شمس الملة والدين، الشيخ محمد الرملي الشافعي - فسح الله تعالى في أجله، ونفع المسلمين بعلمه وعمله - فأنه هذب المذهب وحرره، وتكاد غالب مسائل الفقه في حفظه مصورة. انتهت إليه معرفة الفقه في هذه الديار، واشتهر بذلك غاية الاشتهار، بحيث لا يختلف في ذلك اثنان، ولا يحتاج فيه إلى غثبات حجة وإقامة برهان، وإنه بلغ فيه إلى الدرجة القصوى، وصار المعول عليه في هذا العصر في الفتوى. وصل في ذلك إلى أسنى محل وارفع مقام، حتى يقال عندما يتكلم " إذا قالت حذام ".

نجم الدين الغيطي، وأما حافظ الوقت وحيد دهره، ومحدث عصره، الرحلة الغمام والعمدة الهمام، الشيخ نجم الدين الغيطي فأنه محدث هذه الديار على الإطلاق، جامع للكمالات الجمة ومحاسن الاخلاق، حاز أنواع الفضائل والعلوم، واحتوى على بدائع المنثور والمنظوم. إذا تكلم في الحديث بلفظه الجاري، أقرّ كل مسلم بانه البخاري. أجمعت على صدارته في علم الحديث علماء البلاد، واتفقت على ترجيحه بعلو الإسناد.

الطبلاوي، وأما الفاضل العلامة، والمدقق الفهامة، الشيخ ابو النصر ابن الطبلاوي المدقق الكامل، فأنه مشتمل على أنواع من الفضائل، فاق بعدة فنون على أقرانه، وتميز بذلك على ابناء زمانه، أقرت له الفضلاء بالاعتراف، واتفقت على انه فاضل وقته بلا خلاف.

يوسف الشامي، وأما جمال الملة والدين الشيخ يوسف الشامي، ذو التحقيق والفضل السامي فهو في العلوم الغريبة والفنون الدقيقة، افضل من في مصر على الحقيقة. مشغول دائماً بإقراء التفسير والمطول والعضد والرضي والمواقف والمطالع. وأن عز مشكل أو غريب فإليه يشار بالأصابع. وأما تواضعه وخفض جناحه فلا يتأتى من صاحب نفس بشرية، والعجب أنه مع اشتماله على هذه الفضائل والكمالات ليس له من الجهات في مصر إلا نحو أربعة عثمانية. وقد عجبت حيث كان نصيب هذا الفاضل نصيباً محقراً، وفي الحقيقة لا عجب فأن من عادة الدهر أن يمشي بمثله القهقرى:

والأحمق المرزوق أعجب من أرىفي دهرنا والعاقل المحروم

وبالجملة:

ولو كانت الارزاق تجري على الحجىاذن هلكت من جهلهن البهائم

ثم ان المذكور قليل التردد الى القضاة ولكن الزمه العبد مرة بالاجتماع بمولانا قاضي القضاة - أدام الله تعالى أيامه - وقلت له، ان من المتعين في ايام سعادتكم اكرام الفاضل واحترامه. فوعد بان يكرم مثواه ويبلغه مناه، فاتفق في تلك الايام انحلال شيء من الجوالي، فانعم عليه بذلك اغتناماً لدعائه المتوالي.

أحمد بن القاسم، واما الفاضل المحقق، والعلامة المدقق، الشيخ شهاب الدين احمد بن قاسم الفاضل المشهور، فانه في انواع الفضائل مساو للشيخ يوسف المذكور، وهما في الفضل فرسا رهان، ورضيعا لبان، وممارسا فصاحه وبيان، بل هما في التساوي والتشابك، والتشاكل والتشارك، كما قال البحتري:

كالفرقدين اذا تامل ناظرلم يعل موضوع فرقد عن فرقد
للشاعر البحتري، من قصيدة «وإذا رأيت شمائل ابنى صاعد»

وقد تفضل مولانا قاضي القضاة - عامله الله تعالى إليه - ورتب للفاضل المذكور شيئاً من الجوالي علي المقدسي: واما مولانا المحقق العلامة، والامام الكامل المدقق الفهامة، الشيخ على المقدسي الحنفي - عامله الله بلطفه الخفي - فالمعول في الفتوى الان عليه في الديار المصرية، والمرجع اليه من بين السادة الحنفية. وهو في الحقيقة جامع لكمالات عديدة، ومالك لفنون غريبة مفيدة، وله اطلاع على علوم كثيرة، ووقوف على معارف غزيرة، فاق بها على فضلاء هذا الزمان، وتميز بها على علماء هذا الاوان، مع ما جبل عليه من دمائة الاخلاق، وسلامة طبع فاق بها على الاطلاق.

الذيب، واما الشيخ الملقب بالذيب فكنا لما نسمع باسمه نتصور من مفهومه اغتيال النفوس كتصور الشاة معنى في الذيب، وحسبك ما يقال لكل مسمى من اسمه نصيب. حتى برز هذا التصور الى التصديق، ووقع له واقعة يوم دخول قاضي القضاة بالتحقيق. وذلك من عجيب ما اتفق في ذلك النهار. ومن غريب ما حدث فيه حسبما سبقت به الأقدار. وما ذاك إلا ان رجلاً مسناً عمره نحو تسعين سنة أتى ليطالبه باربعة أنصاف كانت له في ذمته، فتشاجر معه، قيل أن الشيخ وكزه فقضى عليه من ساعته، وذلك ليلة القدر في المدرسة التي هي بالاشرفية مشهورة، وسئل عن خصوصية المكان فقيل ان الشيخ مع كونه مدرس الشيخونية بخمسين عثمانياً، بواب هذه المدرسة المذكورة. وكان ذلك أمرا قضى الناس منه العجب وحصل على المذكور غاية الإنكار بهذا السبب.

بدر الدين القرافي: واما مولانا العلامة، والعمدة الفهامة، المتصف بالفضائل والفواضل في جمع المسالك، الحائز لرق الآداب فهو للفتوة متمم وللفتاوي مالك، بدر الملة والدنيا والدين، القاضي بدر الدين القرافي المالكي فإنه أتقن مذهبه غاية الإتقان، واحتوى على انواع الفضائل ونباهة الشأن، وله جامكية حسنة، وحسن انشاء وإشعار مستحسنة. دائماً يواصلنا بمكاتباته، ولا يقطع عنا حيث كنا ترسلاته، وكان عرض له بترق في مدرسة السلطان حسن الفقهية المالكية، وأرسلنا العرض مع مندوبنا الذي وجهناه في مصالحنا إلى الابواب العلية، فأتانا منه مكتوب يتضمن أنه تم للمشار إليه الترقي المذكور، فكتبنا له ابياتاً نعلمه بما تضمنه المكتوب المسطور، صورتها:

أسعد الله طلعة البدر قاضي الفضل والعلم والفنون الشهيره
بصنوف من السعادات والاحسان والمجد والهبات الغزيره
جاءنا من دار العدالة مكتوب وانباءٌ عن واقعات كثيره
فيه ان المراد وهو الرتقيلكم تمَّ خمسة مسطوره
لا برحتم في رفعةٍ وترقوكمال وطلعة مستنيره

فكتب لي جواباً عن ذلك، صورته:

دمت للفضل والفواضل كنزاًوهماماً حوى من العلم خيره
من حديث كذاك تفسير آيآية الله للأنام شهيره
وفروع كذاك حسن بيانوكلام تراه حقاً أميره
وقريض يفوق دراً بديعاًوغليه الآداب أضحت مشيره
قد أتاني المديح يبدي سروراًاستوى فيه ظاهرٌ وسريره
صحب المجد والبشارة فضلايا لها منه بأحسن سيره
هكذا الفضل من إمام محبٍقد رعى عبده فكان بشيره
أسأل الله ذا الجلال ارتقاءًلمقام به الأماني الأثيره
ليرى بارعٌ نفاذَ قضاءويرى الخصم حكمه بالبصيره
وصلاة لافضل الخلق جمعاًمظهر الحق جهرة ونصيره

محمد الفارضي: وأما شاعر مصر الفارضي فهو مع فصاحة شعره وبلاغة نظمه ونثره، حاز قصب السبق بالعربية، وتميز على أهل العصر بنكته الأدبية. كتب لي وأنا قاض فوة مكاتبة لطيفة مختصرة، ستقف عليها أن شاء الله تعالى في محلها مسطرة. سأله يوماً بعض طلبة العلم أن ينظم له ترتيب التوابع فنظمها في بيت جامع وهو:

إذا اجتمعت فالنعت قدم به اعتلقبيانٌ وتوكيدٌ وجا بدلٌ نسق

ونظمها الفقير في ذلك الحال، في بيتين فقال:

إذا اجتمعت يوماً لديك توابعورمت لها الترتيب في ذكر اتسق
فنعت بيان ثم توكيد بعدهإلى بدل ثم اختم الكل بالنسق

سري الدين ابن الصائغ: وأما الرئيس الفاضل، والمحقق الكامل، الشيخ سري الدين ابن الصائغ، والشهاب الذي في سماء الفضل بازغ، فقد انتهت غليه الرئاسة الطبية في الديار المصرية. ومع ذلك فكم له من غنشاء رق وراق، وبراعة تميز بها على البلغاء وفاق. وكان حصل للفقير دمل توعك منه المزاج، واحتاج في بنائه على الفتح إلى نوع علاج. فأرسلت إلى ذلك الفاضل الهمام، وكتبت إليه بعد فواتح السلام: أيها الرئيس البارع، والبدر الذي في أفق البلاغة طالع، ذو الحكمة التي أعيا بها جالينوس، والحذاقة التي حار فيها بقراط وبطليموس، أشكو إليك دملاً أبطأ فجره، وألم ضره، وأضمر عامله لا على شريطة التفسير، حصل منه ألم كثير، فتفضلوا بما يبرز ما استكنّ فيه على عجل، وبما ركب علاجاً لتنازع ما فيه من العمل، بحيث يصير هذا المضمر مبنياً على الفتح، لتنطق الألسنة بالدعاء، ونعرب عن أفعال المدح، والسلام على الدوام.

فأرسل المشار إليه شيئاً يلائم ذلك، وكتب عن ذلك جواباً صورته: هل لك أيها الممتزج بالروح امتزاج المكاء بالراح، المهدي إلى النواظر النزه وإلى النفوس الارتياح، الداعي برسالته المعجزة الألفاظ إلى جنة ناضرة، المبرز بدلالته وجوه المعاني الناضرة، إلى عيون البيان الناظرة، لا زالت أزمة الرغباء منقادة منا إليك، ونواصي البلغاء معقودة أعنتها بيديك، والفصاحة لا تمد سرادقاتها ولا تقصر مقصوراتها إلا عليك:

ودمت إلى كل القلوب محبباًوفي كل عين شاهدتك حبيبها

في بناء ذلك الدمل العاصي عن الاندمال على الفتح، ونصب ثناء العامل من الادوية على المدح، والدخول على جمع مادته بصورة التكسير، وتصريفها بالتحويل إلى وضعيات التغيير، وإرخاء الشدّ كي لا يكف الدواء ولا يلغى عامله، وتقوية المعمول بالتجلد على التأثير الذي ارتفع فاعله، فبذلك أن شاء الله تعالى تفتر ثغوره، وينبسط على جلد الجلد غروره. والله تعالى يديم معاهد الفضل بك آهلة، والفضلاء من مناهلك ناهلة، والنبلاء في ظلال ظلك قائلة، لتكون ألسنتهم بأحمد المحامد فيك قائلة، آمين.

وأما بقية الأفاضل بمصر فإنهم لرثاثة حالهم ليسوا بمشتهرين، وإذا مشى أحدهم بين الناس لا يكاد يبين، مطروحون في زوايا الخمول، ولا يترفل في المناصب إلاّ الجهول:

أرى الدهر من سوءِ التصرف مائلاًإلى كل ذي جهلٍ كأن به جهلا

فتذكرات عند ذلك قول القائل:

عتبتث على الدنيا لتقديم جاهلٍوتأخير ذي فضل فابدت ليَ العذرا
بنوا الجهل ابناءٌ لذاك أحبهموأهل النهى ابناءُ ضَرَّتِيَ الأخرى

ثم ذكرت حال هؤلاء الفضلاء، لمولانا قاضي القضاة اسبغ الله تعالى عليه مواهب الافضال، وبلَّغْتُهُ ما اشتمل المذكورون عليه من الفضل والكمال. فوعد - أدام الله تعالى أيامه وزاد علاه - ان يبلّغ كُلاً منهم مناه.

هذا ثم قصد مولانا قاضي القضاة ثاني يوم دخوله للاقتداء بوالده المرحوم شيخ الاسلام، وتوجَّهَ الى زيارةِ مَنْ القاهرة من الصحابةِ والائمةِ والاولياءِ الكرام، فزرنا تلك الاماكن الشريفة ومن فيها من الصحابون كقير عقبة وشهدنا ما حواه مقامه الشريف من الجلالة والمهاربة، ومقام امام الائمة محمد بن ادريس الشافعي ﵁، وما جاوره من قبر علي بن الحسن بن زين العابدين. وقبور العلماء العالمين: كالقاضي زكريا وملاّ مغوش المترجم بعالم الربع المعمور، وحصلنا على كمال البركة والاجور. وتمثَّلنا عند قبر هذا الفاضل، بما قاله فيه رثاءً ذلك القائل:

ألا يا مالكَ العلماءِ يا مَنْبه في الأرضِ أثمر كلُّ مَغْرِسْ
لئن أوحشت تونسَ بعد بُعْدٍفأنت لمصرَ ملكَ الحُسْنِ تُؤْنِسْ

ثم انعطفنا الى مقام الليث بن سعد، ومقام السيدة نفيسة، وما امتنف تلك البقاع من الاماكن الانيسة. ثم زرنا مقام سيدي عمر بن الفارض، وشاهدنا في مقامة الانس اللائح والنور الفائض. ثم بعد ذلك توجهنا للجيز لزيارة كعب الاحبار، وما في تلك البقاع من قبور الصالحين الاخيار. ولم يكن دأب مولانا الاّ قصد الزيارات واستباق الخيرات.

ثم لما قضى تلك الزيارات تصدى لفصل الأحكام الشرعية بين الانام، متمسكاً من تقوى الله تعالى بالسبب الاقوى، محافظاً على العمل بالأوامر الشرعية في السر والنجوى، فسار - أدام الله تعالى أيامه - في الناس سيرة حسنة، ونطقت بالدعاء له من الخواص والعوام جميع الألسنة. وسلك - أسبغ اللع تعالى نعمه عليه - مسلكا لم يسبقه أحد من القضلة إليه.

وكان يجلُّ العلماء غايةَ الاجلال والاعظام، ويعاملهم بانواع التبجيل والاحترام. واتبع حذوَ والده المرحوم في جميع مقاصده، ولا غرو أن يحذوَ الفتى حذو والده. وأحاط بأحوالِ مصر علماً حتى بلغ أقصاها، ولم يغادر منها صغيرة ولا كبيرة غلاّ احصاها. ووجه إلى إزالة المنكرات همةً عالية عظيمة، حتى قطع أصل أمّ الخبائث من مصر فكانت عقيمة، ولم يدعْ بيتَ خمرٍ ألاّ كسرَ دنانه، وخلع أوتاده وقطع ايبابهُ وهدم اركانه، ولم يبقِ حاناً في مصر العتيقة وبولاق غلاّ جعلها " خاوية على عروشها " ولخمرها أراق، حتلا سلا الناس عن ارتضاع كاس المدام:

سلو رضيعٍ قد علاهُ فطامُ

ولقد شاهدنا كسر دنان خمرفي مصر العتيقة على طرف النيل، فخالطته بحيث غيرت لونه الأول، وذكرنا ذلك قول القائل:

فما زالت القتلى تمجُّ دماءهابدجلةَ حتى ماءُ دجلة أشكلُ

وأما المساجد والأوقاف فقد عمر كثيراً منها بعد أن آل أمرها إلى الاضمحلال، وصارت بحيث يذكر فيها اسم الله ويسبح له فيها بالغدوّ والآصال رجال. ومن جملة ما ازاله من المنكرات، وقطع اصله من البدع المحدثات: استيلاء طائفة الكفار على الإماء المسلمات. فصرف إلى ذلك عزمه الشريف وسعى فيه سعياً جميلاً، وأجبر الكفار على بيعهن للمسلمين عملا بقوله تعالى: " ولن يجعلَ اللهُ للكافرين على المؤمنين سبيلا ".

وكان يبذل الجهد في نصرة الحقّ ويجادل عنه ويباحث، ولعمري ليس له في القضاء ثان بل لعمري أنه الثالث. وبالجملة فصفات هذا المولى الجليل تجلّ عن أن تحصر، أو تكتب في الدفاتر وتسطَّر:

فوا عجبا مني أحاول نعتهوقد فنيت فيه القراطيسُ والصحفُ
أقاضينا هذا الذي أنت أهلعهغلطت ولا الثلثان منه ولا النصف
ولا الضعف حتى يتبع الضعف ضعفهولا ضعف ضعفِ الضعفِ بل مثله ضعفُ
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لجنية أم غادة رفع السجف»

ثم أن مولانا - أدام الله تعالى رفيع جنابه - وجه همته في منصب القضاء لعبد بابه، وكان يعرفه كثيراً عند حضرة اسكندر باشا بكمال التعريف، ويذكره عنده بما يليق بوصفه الشريف. فكان العبد يتردد إلى حضرته العلية، وهو يميل إلى المباحثة مع اهل الفضل ويحبهم محبةً كلية. وكنت اقابل له بعضَ كتب التفسير، وأصححها غاية التصحيح والتحرير. فاتفق في ذلك الاثناء وفاة قاضي التزمنتية، ففوّض قضاءها للعبد وعرض الأمر إلى السدة السنية العلية. وتوجه الفقير إلى القضاء المذكور لتنفيذ الأحكام، وأرسل العرض مع مندوبه فسبقه خبر وفاة قاضيها ببعض ايام، فاعطي القضاء المذكور لقاض من القضاة، وكانت عدد ايام اقامتي بها كعدد ايام الميقات.

ثم توجهت بعد ذلك إلى المحمية القاهرة، فألفيت الخبر جاء من دمشق بوفاة المرحوم فوري أفندي المفتي المشار إليه أعلاه وانتقاله إلى الدار الآخرة. فكان خبراً أظلم الوجود لوصوله، وحل الهم المبرح بحلوله، وأجرى الدمع من العيون، وأوجع القلوب وقرح الجفون. فعاين العبد من هذا الخبر أن سماء قلبه انفطرت، ونجومها انكدرت، وتفتت منه الأحشاء وتقطع الفؤاد، وذكره فقده، وما كان ناسيا، أن الموت نقادٌ، فياله مولى أظلمت الدنيا لفقده، وخلت ربوع الفضائل من بعده:

فلكل معدوم سواه مشبهولكل مفقود سواه نظير

وبالجملة:

ولو كان غير الموت شيء اصابهمعتبت ولكن ما على الموت معتبُ

على أنه إذا جاء الأجل المحتوم فلا حيلة في رده، ولكل شيء حد فإذا تم وقف عند حده.

وعلى كل حال فأن الموت كاسٌ لابد ان يردها الخاصُّ والعام، ولا يبقى إلاّ " وجه ربك ذو الجلال والأكرام " فالمتحتم حينئذ تلقي أمر الله تعالى بالقبول والرضى، " فإنا لله وإنا إليه راجعون " فيما قدر وقضى. ولعمري إنَّ هذا المولى حقيق بان تشق عليه القلوب قبل الجيوب، وأن تجري عليه العيون دماً فضلاً عن الدمع المسكوب. غير أن الواجب اطاعة الله تعالى في الباطن والظاهر، والتأسي بقوله تعالى: " لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة لمن كانت يرجو الله واليوم الآخر " ولكن:

سأبكيه ما فاضت دموعي وأن تغضفيكفيه مني ما تجنُّ الجوانحُ
لئن حسنت فيه المراثي وذكرهافقد حسنت من قبل فيه المدائح

فرحمه الله تعالى رحمة واسعة، وبرد بمياه الرحمة والغفران مضاجعه، آمين. هذا، ثم في تلك الغضون عزل اسكندر باشا وقدم حضرة الوزير الأكرم سنان باشا متوالياً إلى المملكة المصرية. واتفق في تلك الايام خلوّ مدينة فوة من قاض ينظر في الأمور الشرعية، فاقتضى الحال بمشاورة مولانا حفظ الله تعالى جنابه الخطير، تقليد العبد قضاء البلدة المذكورة من حضرة الوزير. وأمره شفاها بالنظر في الاحكام، وفصل القضايا الشرعية بين الأنام. فتعين حالتئذ التوجه إلى البلدة المذكورة، وصحبت معي صاحبنا الفاضل الشيخ علي المالكي ذا الفضائل المأثورة، وودعت حضرة مولانا قاضي القضاة حفظ الله تعالى ذاته الشريفة ورعاها، وركبنا في السفينة قائلين " بسم الله مجراها ومرساها " فوافينا دخول البلد عشية نهار الأحد سابع عشر جمادي الأولى سنة تسع وسبعين وتسعمائة جعل الله تعالى عاقبتها إلى خير. وكان من لطيف الأتفاق أن رسولنا قدم في ذلك الوقت إلى مصر بتوليتنا قضاء قنا والقصير، فحصل لمولانا قاضي القضاة غاية البشر والسرور، وجهز صحبته مراسيم شريفة لضبط لقائنا المذكور. وكان صحب الرسول عروض تتضمن الرقي لصاحبنا الشيخ علي المذكور في المدرسة السرياقوسية وأخبرنا بحصول ذلك الترقي واتمام تلك القضية، فسررنا باتمام ذلك المرام، وتوجه بعد ذلك صاحبنا المذكور إلى القاهرة بعد أن أقام عندنا بعض أيام. ووجدنا لفراق أنسه وحشة كلية، وافتقدنا لطف مصاحبته العلمية.

ثم في خلال الايام ورد من حضرة الباشا - عامله الله تعالى بخفي الالطاف - للتفتيش في بعض الأمور مراسيم شريفة للفقير ولبعض قضاة تلك الأطراف. فلما اجتمعنا للتفتيش وقع للفقير مع بعض أولئك القضاة مباحثة في خصوص، وألزمته وبينت له خطاه بموجب النقول والنصوص. ثم اتسعت بيننا دائرة البحث والكلام، وانتقلنا من مقام إلى مقام. وقد كتبت القصة برمتها، وأودعت هذه القضية بجملتها، ضمن مكتوب ارسلته أذ ذاك لحضرة قاضي القضاة - أدام الله تعالى فضله وزاد علاه -، فأنه كان يؤكد في إرسال المكاتبات المطولة المفصلة، إلى خدمته الكريمة المفضلة، بحيث تكون مشتملة على مزيد الإطناب، حسبما يقتضيه مقام مخاطبة الأحباب. فقصدت إثبات المكتوب برمته في هذا المقام، لتضمنه تلك الماجريات بالتمام. صورته: شيد الله تعالى صدر الشريعة، بمشارق أنوار تلك الطلعة البديعة، ولا زال ثناؤها منصوباً على المدح، وأكف الداعين ببقائها مبنية على الفتح. وبعد إهداء سلام فض الاخلاص ختامه، ونصب القبول في خفض العيش خيامه، فان تفضل المولى بالسؤال عن حال عبد بابه، اللائذ بشريف اعتابه، فهو ملازم على أدعيته، ومواظب على أثنيته. ونسأل الله تعالى أن تهب على هذه الدعوات نسمات القبول، وان يبلغكم في الدارين كل سول مما يعرضه المملوك على خدمتكم العية، وينيهيه إلى سدتكم السنية: أنه لما اتى إلى مدينة فوة وجد فيها نائبين في غاية الفضل والاستقامة، وآخرين في غاية الجهل أظهر الرعية منهما غاية التظلم والسآمة، وان القاضي السابق كان وليَّ احدهما بمصر والثاني برشيد، وكل منهما توليته غير صحيحة، ورأى العبد شكاية أهل البلد من ظلمهما وافعالهما القبيحة، واطلع على عدم استقامتهما وراى ذلك راي العين، عرض أمرهما إلى حضرة الوزير فبرز أمره الكريم برفعهما وابقاء النائبين المستقيمين، وكان أحدهما منسوباً إلى قاضي رشيد، فأرسل يشفع عند الفقير في عوده ويسأل عن سبب عزله. فكتبت له في الجواب ما يعرض على المولى أسبغ الله تعالى على العلماء مديد ظله، صورته: بعد فواتح السلام، يحيط علمكم الكريم أن السبب في عزل النائب المذكور هو الصفة التي لو قدم منها ما أخر لذاق طعم مرها الوخيم، ولو أبصر بهذا المقدم عاقبة أمرها لكان ذا نظر سليم، ولو أبدل فاء فعله بقاف وعينه بنون، ولو لم تكن يده مبنية على الفتح لم يركن إلى السكون. والظاهر ان سيرة الفقير بفوة بلغت الخاص والعام، ومشيه بالاستقامة على أحسن نظام. ومن المعهود أن التابع بإعراب متبوعة، ولكن بعض الأفعال لا يتم بمرفوعه. والفقير ما لام أفعاله إلا بعد ان ظهرت لديه وهي عين، ولم يعول فيها على اخبار مخبر حتى ينسب لمين، ومع هذا فقد أظهرت الرعية منه ومن قرينه غاية التظلم، وأن اعددناه دونه يلزمنا قضية التحكم، والسلام. ثم أرسلتها له وما أخاله لمعاينها يفهم، ولكن " وما عليّ إذا لم ". وما أحراه بقول القائل:

ولقد ذكرت لك المراد فأن تكنْفطناً عرفت وما إخالك تعرف

ثم اتفق في تلك الغضون ان ورد أمر شريف للكشف على بلد في أوقاف الدشيشة من قضاء فوة المذكور، بالخطاب لقاضي فوة وقاضي اسكندرية وقاضي رشيد وقاضي دمنهور. فصار بيننا وبينهم مباحثة عظيمة عجيبة، وامور غريبة، ومذاكرة علمية، وشاهدنا من بعضهم قضايا بالقافية، عن للعبد أن يعرضها على مولاه لابرح مرفوع الجناب، ليقضي منها العجب العجاب، أما قاضي رشيد فلاستعماله الكيف بلا متى ولا أين، لا يرى دائماً إلا وهو مفتوح الفم مضموم العين. فكان ابتداء مصاحبته معنا ان قال: لأي شيء عزلتم النائبين المذكورين فقلت له: هما أولا ليسا بنائبين شرعاً، وثانياً إنهما مؤذيان طبعاً، وثالثا أن بلغ أرباب الدولة أننا نستخدم اربعة نواب، ربما ينسبوننا إلى السفه وعدم الصواب. على أن محكمة مصر المحمية ليس فيها أربعة نواب شافعية. ثم طال الكلام بيننا إلى أن اقتضى الحال في ذلك الوقت كتابة هذه الرسالة، المعروض بعضها على جناب مولانا مدّ الله تعالى ظلاله، صورتها، بعد البسملة: حمداً لك يا من نصب القضاة للعدالة، ورفع مناصبهم حيث خفض أرباب الجهالة، والصلاة على سيدنا محمد المسدد في أقواله والمؤيد، وعلى اصحابه والآل، والتابعين لهم بأحسن منوال، ما سطع نور الحق وظهر برهانه، واضمحلت شبه الباطل وخمدت نيرانه. وبعد، فهذه مباحثة صدرت بين الفقير وبين قاضي رشيد - وفقه الله تعالى لكل أمر سديد - وذلك أن القاضي بفوة لما ذهب لأهلها مغاضباً، ولوظيفة القضاء مجانباً، وقيل بل تولى هرباً، أو ليبلغ في الارض سبباً، وقلد حضرة الوزير الاكرم، والمشير الأفخم حضرة سنان باشا - أعز الله تعالى انصاره - إذ هو وكيل الخليفة - أيد الله تعالى سلطنته وضاعف اقتداره - قضاء البلدة المذكورة لهذا العبد الفقير، الراجي رحمة ربه القدير. واذن له شفاهاً بالنظر في الأحكام الشرعية، وأحكام الامور الدينية، وجد فيها نائبين تكررت شكاية الرعية من أحوالهما، وعدم استقالتهما في اقوالهما وأفعالهما، وكان نصبهما القاضي في غير محل قضائه، ومكان توليته وامضائه، عرض الفقير أمرهما لحضرة الوزير، فبرز الأمر بعزلهما من جنابه الخطير، لاشتمالهما على ظلامات صريحة، ولكون تولية القاضي وهو في غير محل ولايته نائباً غير صحيحة، لما قاله في بعض كتب الفتاوي: المولى لا يكون قاضياً قبل الوصول إلى محل ولايته، فمقتضاه جواز قبول الهدية قبل الوصول وعدم جواز استنابته. فقال قاضي رشيد - أرشده الله تعالى للصواب -: بل توليته صحيحة لان عادتنا معاشر القضاة ارسال المكاتيب بنصب النواب. فقلت له: قد أخطات يا مولانا في الحكم والعلة، ولم تصب في التفضيل ولا في الجملة، وكلامك هذا في معرض الرد والغندفاع، وأن ما استدللت به استدلال بمحل النزاع. ثم بحث قاضي رشيد - ألهمه الله تعالى رشده - وزعم ان تولية الفقير من حضرة الباشا غير صحيحة. فغلطه في كلامه ورده وقال له: ليس الأمر كما تزعم وتقول، وقد نطقت بخلاف قولك النقول، وليس هذا الكلام منك غلا محض الغلط، ولو وفقت على ما ذكره في الملتقط حيث قال: يجوز قضاء الأمير الذي يولي القضاة، وكذا كتابه إلى القاضي إلا ان يكون القاضي من جهة الخليفة، لاحجمت عن مثل هذا الزعم والأقوال السخيفة. وقد افتى بعض المحققين من المتاخرين بان تولية باشا مصر قاضياص ليحكم في قضية بمصر مع وجود ثاضيها المولى من السلطان باطلة، لأنه لم يفوض له ذلك. ومفهوم هذا لا يخفى على من له أدنى عرفان، فلا يشك حينئذ من له في الفضل نوع قوة، في صحة تولية الباشا لهذا الفقير قضاء فوه، لعدم قاضيها كما يؤخذ من عبارة ما أفتاه هذا المفتي بطريق المفهوم، وكون الوزير وكيل الخليفة في مثل هذا الخصوص أمر معلوم. بل نقول على سبيل الترقي لو نصب العبد قاضياً نيابة عن السلطان، جاز قضاء القاضي كما صرح به ائمة الاتقان فما بالك بوزيره، ومعتمد وظهيره؟! هذا ما نقله أكابر العلماء المدققين، ولا ينكر ذلك ألا جاهل او معاند، نعوذ بالله تعالى أن نكون من الجاهلين، والحمد لله وحده. ثم ارسلتها إليه وقلت له: لابد من إرسال هذه الرسالة مع عرض إلى حضرة الوزير ليطلع على ما ابديته من الجهل الشهير. ثم إنه في ثاني يوم أفاق بعض إفاقه، وأتى إلى منزل الفقير وأبدى الاعتذار بحسب الطاقة. وسألنا في عدم العرض فطوينا عنه صفحاً، وطلب الصلح فتلونا " فلا

جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا "؛ وألح علينا هو وقاضي اسكندرية لنتوجه إلى ضيافته في بلدته رشيد، وأكد ذلك بأنواع التاكيد. وأما قاضي دمنهور فإنه جاهل لم يدر مقامه، ولما تم الكشف والتحرير، تقدم على الفقير، وكتب أمامه، فصبرت عليه حتى اتم، ثم تأملت ما رقم، فكان الذي كتبه ما قرأته: من الداعي إلى الملك القفور، محمد القاضي بدمنهور. فقلت له: ما هذا إلا جهل شهير، بل والعياذ بالله تعالى خطا كبير، فأن الغفور بالغين لا بالقاف، ولو رأى ذلك حضرة الباشا لعلم ما هناك بلا خلاف. ثم لما رقم على الحكم والمثال، علامة القبول والامتثال، كتب ما صورته: امتثلت إلى أمر الشريف محمد المولى بدمنهور. فقلت له: وقد أخطأت أيضاً في هذا الإمضاء من ثلاثة أوجه وتجاوزت حدا، الأول: جعلك الفعل متعدياً بالى وهو بنفسه يتعدى، والثاني اضافتك الأمر إلى الشريف، ولا يخفى على عاقل أن الواجب التوصيف، والثالث بقاء اسمك مفلتا بلا سبب ولا رابط، ولا علاقة ولا ضابط، إلى غير ذلك من العجائب والنوادر والغرائب، سبحان الله تعالى. وعلى قولهم الشيء بالشيء يذكر فقد ذكرتنا عبارات قاضي دمنهور ما وقفنا عليه هذه الايام لقاض في مدينة الفيوم من كتابته امتثال على مثل الحكم المذكور، صورته: " لما ورد الأمر الشريف من الباب العلية، والعتبة العالية الهنية، قد نظرت ووقفت وامتثلت بالسمع والطاعة، الفقير أحمد بن مولانا علي العربية، القاضي بمحروسة فيوم المحمية، عفى عنهما الكافي الصمدية ". فلما تأملت هذه العبارات طفح علي الطرب وطاف، وأذكرتني، وما كنت ناسياً، قضايا بالقاف. وعجبت من هذه السجعات المطربة، وحكمت بأن هذه ليست غلاّ من تلك متشعبة، وقضيت من ذلك غاية العجب، وتأسفت على نقص حظ أبناء العرب. وأما قاضي اسكندرية، فأنه في غاية ما يكون من الأوصاف المرضية، وقد أطلعني على مكتوب بخطّ فخر الموالي المعتبرين عبد الرحمن جلبي أفندي يتضمن وصوله إلى القسطنطينية، وأن جميع الموالي أتوا للسلام على حضرته العلية، وأنه توجه حين وصوله للسلام على حضرة مولانا المفتي أدام الله تعالى أيامه، وأطال بقاءه وخلد أعوامه. وتوجه ثاني يوم دخوله إلى حضرة الوزير الأكرم وذكر عنده من أوصافكم الكريمة ما شهده وسمعه من أفواه العالم فزاد اعتقاده في حضرتكم، وسره ما سمع من حسن سيرتكم، وأن برويز أفندي اجتمع بعد ذلك بيوم بحضرة الوزير - خلد الله تعالى أيام سعادته وحفظ جنابه الخطير - فذكر له شكره عبد الرحمن أفندي ممنكم، وما بلغه من الاوصاف الجميلة عنكم، فزاده ذلك ميلا إلى مولانا واعتقاداً فيه، وقال: سبحان الله تعالى، الولد سر أبيه. ثم أن مولانا حامد أفندي وبرويز أفندي توجها إلى بيت عبد الرحمن جلبي بعد مجلس السلام، وشكراه على مدحه لجنابكم - حرسه الله تعالى بعينه التي لا تنام - بعد تقبيل اليد الشريفة ثانياً والسلام في المبدأ والختام.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «حادي الأظعان النجدية إلى الديار المصرية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.