من «غرائب الاغتراب ونزهة الألباب» لشهاب الدين الألوسي (ت ١٢٧٠هـ)
فاتحة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أخذ بيدي فأوصلني على أكف الراحة إلى دار الخلافة وأعطاني ما قوى به خلدي فلم أضق ذرعاً فيما قطعته الرواسم من حدود المسافة والصلوة والسلام على سيدنا محمد الذي أشفر من سجف البطون ولا أثر يومئذ ولا عين فاستبشرت الأعيان الثابتة بأسفار فجر أسفار الظهور وسافر وقد هدأت العيون إلى مقام قاب قوسين فعاد وسهم الأمة من عوائد ذلك السفر موفور وعلى آله الذين اختيرت لهم طوالع السعد حلواً أو ارتحلوا وضربت عليهم قباب المجد أي بلدٍ دخلوا وأي منزل نزلوا.
وبعد فإنني خرجت من زوايا الزوراء منتهجاً أقوم طريق محمولاً من فضل الله تعالى على مطايا النعماء بأيدي رفيق التوفيق وذلك في غرة جمادى ستة من سنة سبع وستين من القرن الثالث عشر بعد هجرة سيد قرون الأولين والآخرين ولم أزل أطوي الفدافد وأنشر حسب الإمكان مطوي الفوائد مجتمعاً في كل بلد مع لبيدة وبليدة مستخبراً كل طالب علم عن طريفة وتليدة فوفقت في سيري حتى وقفت على أمور تحكي الصراط دقه واطلعت في سيري فاطلعت على أسرار تطيش لو قرنت بها في الميزان سجلات المشقة إلى أن نبذتني ويلمها نون سفينة الدخان بساحل خليج القسطنطينية وقد كادت) تبت يدا أبي لهبها (تريني النازعات لولا لطف الرحمن وبركة ما آتانيه تبارك اسمه من إخلاص النية وذلك في الثامن والعشرين من شهر رمضان السبع والستين وقد كنت كتبت بعض ما وفقت عليه قبل الوصول من غرائب محسوس وعجائب معقول إلا أني جاوزت في اختصار الكلام الحد حيث كان وقتي لاتساع دائرة الحزن بعد فراق العراق أضيق من خصر هند ودعد.
كأن الحزن دائرة بقلبيفأوله وآخره سواء
ثم أني كتبت أيضاً ما اتفق لي في عودي إلى مسقط رأسي ومنبت عودي وسلكت في ذلك نحو ما سلكت أولاً من المسالك وأظنني أبدعت في كلا المسلكين وخفقت فيهما بأجنحة ما خفق بها أحد في الخافقين والعلة الحقيقية لهاتيك الكتابة القصد إلى مداواة ما بي من غلة علة الكآبة فإني قد ضاقت في فضاء تلك البوادي منافسي واتسعت في مضايق كربة الغرب وساوسي وعادتي أنه إذا ألم بي ألم أتداوى منه بعقاقير أرقام القلم وأسترقي برقي بحثه من شياطين الهموم وأبصل بطيب نفثه سحر النفاثات في عقد القوى من سحرة الغموم.
ولما قرت عيني بالإياب وفرت عني ولله الحمد آلام الاكتئاب وفزت برؤية الأهل والعيال وفريت بطن عادي الفراق بشفرة الوصال أحببت أن أفرد كتاباً أجمع فيه مجمل ما كان ذهاباً وإياباً وربما أحل في رحابه مشكلاً وأتصل في بعض أبوابه مجملاً وأستوفي حسب الإمكان ما كان لي في الإقامة معرضاً عن أشياء لم يمكنني ذكرها إلى يوم القيامة مترجماً بعض الأجلة مطلعاً في سمائه شموساً وبدوراً وأهله مبتدئاً بترجمة نفسي مع أني أحقر أبناء جنسي بل أهون من تبنه في لبنه ومن قلامه في قمامه ومن ذره بجنب دره ولكن قد تتقدم الخدم بين يدي السادة وتؤدي النافلة قبل فرض العبادة ومكان رقم الآحاد قبل مكان رقم عشرات الأعداد ولا يفسر الورد تأخره عن أغصانه ولا السنان كونه في أطراف مرانه مستطرداً سبب رحلتي وتحملي ما لاقيت في سباسب غربتي سالكاً في كل ذلك سبيل الاختصار والاقتصاد خوفاً من الملل الذي جبل عليه أكثر العباد وسميته " غرائب الاغتراب ونزهة الألباب في الذهاب والإقامة والإياب " سائلاً منه أن لا يذيق مقامي صاب الافتراء على بري ولا يريق مداد ذمي على أبيض الثياب نفي وهو سبحانه العاصم في الفواتح والخواتم وكأني بك تجده إن شاء الله تعالى كتاباً تشد إليه الرواحل وتطوي لنيل المنى من فصوله وأبوابه المنازل حيث تضمن مباحث لطيفة ومطالب شريفة ورسائل تقطر ظرفاً ومسائل ترشح لطفاً بنثر قرب حتى اطمع وبعد على المتناول حتى امتنع كأنه من شرخ الشباب مسروق ومن لذة وصال الأحباب مخلوق بل لعمري لو أن كلاماً أذيب به صخر أو أطفئ بما يرشح من أهابه جمر أو عوفي بمعانيه مريض أو أجبر بمبانيه مهيض لكان هو ذلك الكلام الذي يقود سامعيه من بني الآداب إلى السجود ويجري في شرايين قلب واعية من ذوي الألباب جري الماء في العود لكني لم ألتزم في جميعه هذا النثر وأي روض كله عطري الزهر وأصابع الكف غير متساوية في الوصف وليست كل آية أن تعي فاغرة فاها بفصاحة يا أرض ابلعي وما كل نجم سيار ولا جميع أجزاء الليل أسحار على أني كثيراً ما أترك النثر بالكلية وآتي بدله بعبارة أرجو أن تكون عند المنصف مرضية وذلك لتكون مائدتي للآذان ذات ألوان وأشربتي للأذهان ذوات خمور وألبان فالطعام الواحد يمل، وإن حلا وجل، وأكثر الأسماع اليوم طبيعتها إسرائيلية فهيهات أن تصبر على طعام واحد وإن كان من أطعمة شهية، هذا مع أن ذهني بأيدي التجليات، فربما لا تسلمه بيدي لأنسج به بعض الفقرات، وقد يشرد مني، ويكون مناط الثريا عني، فأضطر إلى كلام مغسول، لا أعقل فيه سوى أنه معقول، فرحم الله تعالى امرأً عذر وقنع مني بما حضر) ولنشرع بمقصود الكتاب (مما في نزهة الألباب متوكلين على مولى العباد، ومن منه تعالى المبدأ وإليه سبحانه المعاد) فأقول (خرج خالص لبن وجودي من بين فرث العدم ودم الإمكان، بيد حازب القدر إلى قعب عالم العيان، قبيل ظهر الجمعة رابع عشر من شعبان وذلك سنة سبع عشرة بعد المائتين والألف، من هجرة من لا يحيط بكماله نطاق وصف صلى الله تعالى عليه وسلم ما ولد مولود، وما وجد في عالم الكيان موجود، وقد أرخ عام ولادتي بكل من شطور بيتين تراهما عين الأديب لخد غانية الفصاحة كسالفين، الشاعر المجيد الأطرقجي الملا عبد الحميد فقال:
لقد أشرق البدر السماوي من بداسنا نوره عن مشرق لاح بالجود
أكمل الدين الحنيف مؤرختكلمت العليا بميلاد محمود
وأثر ما فطمت من ارتضاع الألبان، شرعت أتحسى در قراءة القرآن وبعيد ما حل عني بند قماط الطفولية، عقد على لواء حفظ المقدمة الأجرومية وريثما كسرت عني البيضة حبست في قفص مكتب الملا حسين الجبوري فأوفر من حسن تعليمه إياي الكتاب العظيم حبوري، وهو رجل قد كتب على أسارير جبهته الطلاح، ووفق للتقوى فرح على صفحات وجهه أنوار الفلاح، وكان مقيماً في مسجد قرب سوق حمادة، وقد أقام فيه رحمة الله تعالى عليه سوق العبادة، وقبل أن أبلغ من تسدية ما بين الدفتين الأمنية، طويت على نول قلبي رداء حفظ الأجرومية، وفي أثناء ذلك حفظت ألفية ابن مالك، وقرأت غاية الاختصار في فقه الشافعية، وحفظت في علم الفرائض المنظومة الرحبية، كل ذلك عند والدي أسكنه الله تعالى أعلى عليين، وكان قبل أن أبلغ من العمر سبع سنين، ثم أني لم أزل أقرأ عنده، وأحسو دره وشهده، حتى استوفيت الغرض من علم العربية وحصلت طرفاً جليلاً من فقهي الحنفية والشافعية، وأحطت خبراً ببعض الرسائل المنطقية، والكتب الشريفة الحديثية، وكان عليه الرحمة يزقني العلم ليلاً ونهاراً، ويزقني إن ونيت سراً وجهاراً، ولما بلغت من العمر عشراً، أذن لي بالقراءة عند غيره ولم يرهقني عسراً،) فقرأت (على أن عمي الأمجد) السيد علي بن السيد أحمد (شرح القوشجي للرسالة الوضعية العضدية، ووقفت والحمد لله تعالى على مضمراتها وإشاراتها الخفية) وقرأت (عليه أيضاً حواشيها، وأزلت بمراجعة الوالد عليه الرحمة غواشيها وهو رجل في بيتنا ربا، ولم يعرف غير أبي أباً، وأقرأه معظم العلوم القلية، وطرفاً يسيراً من العلوم العقلية، ومعظم قراءاته المعقول عند من تقصر عن طويل شرح حاله عبارتي) صبغة الله أفندي (بن الملا مصطفى العلي الزيارتي، ثم اضطره ضعف الحال، فسلك طريق الاكتساب لدفع ضرورة العيال، حتى أشكل عليه البديهي الأول، ولا يكاد يفهمه إياه إلا ابني أو ولي،) وقرأت (شرح آداب البحث المسمى بالحنفية على رجل يدعى) ملا درويش بن عرب خضر (في المدرسة الأحمدية وهو ممن أخذ العلم من العالم الرباني) الشيخ عبد الرحمن أفندي (المدرس الروزبهاني، خريج صبغة الله أفندي المذكور، ضوعفت لنا ولهم الأجور وذلك بعد أن قرأت منه درساً واحداً عند محمد أفندي بن أحمد أفندي مدرس السليمانية فلم أفهم منه ما قال كما لم يفهم مني ما قلت كأن بعضنا يتكلم بالعربية والآخر بالعبرانية،) وقرأت (حواشي الرسالة المذكورة، للفاضل مير أبو الفتح مع حواشيه المشهورة، وكذا آداب المسعودي والغ وعبد اللطيف وشرح السراجة في الفرائض للسيد الشريف، وأبعاض كتب عديدة ورسائل مفيدة، على ذي الأخلاق المستجادة) عبد العزيز أفندي شواف زادة (، وهو أيضاً ممن تخرج على الفاضل الأوحدي، الزيارتي، صبغة الله أفندي، وكان علم العلم ومناره، ومقتبس الفضل ومستناره شمائله معبرة عن لطف النسيم، ومحاوراته محدثة عن لذة التنسيم، ذا مزح أطيب من نفس الحبيب، وروح أخف من مغيب الرقيب.
ففيه مجال للتواضع والعلىوفيه نصيب للفكاهة والجد
وكان عليه الرحمة مشهوراً بعلم العربية بين القاصي والداني حتى أنه كان يدعى لمهارته فيه بسيبويه الثاني، وقد قرأ ذلك على والده جليل الأوصاف الفقيه الشهير الملا محمود الشواف، وكان غواص تأمله يستخرج الدرر وقلما يجيب جواباً بأول النظر، ولا يأنف من قول لا أدري، ويجري مع الحق حيث يجري، وما رأيته غلظ في جواب، بل كان يسكت أو ينطق بالصواب، وكان أبعد العلماء من حمى المأثم، غير أنه للطفه يصحب الجنيد ويحيى بن أكثم، وغالب تدريسه في مسجد خال خاله ذي الصلاح، بل ولى الله تعالى بلا نزاع شيخ والدي الملا عبد الفتاح، وفي حجرته التي كان يدرس فيها دفن، فيا لها من مدفن بكل خير قمن، وسبب ذلك تعذر الوصول إلى المقابر لكثرة الماء وقلة الناصر، فقد طغى الماء ودخل البلد أيام الطاعون، وجرت من عيون السور على المطعونين عيون، ولا تكاد تجد لكثرة الموتى في الكرخ غير الشيخة الفانية والشيخ، ولذا كثر الدفن في المساجد والطرق والبيوت ومن الموتى من كان قبره جوف كلب أو بطن حوت، وكان ذلك من شهر شوال إلى غرة ذي الحجة الحرام، سنة ست وأربعين بعد المائتين والألف من هجرته عليه الصلوة والسلام،) وقرأت (من شرح الوضعية لمولانا عصام، إلى ما يعانق من الرسالة الختام، على ذي الفضل الجليل الجلي) السيد محمد أمين بن السيد علي الحلي (وكان رب فصاحة وبيان، يخيل منه إذا نطق أن كلاً من أعضائه لسان.
إذا ارتج الخطاب بدا خليجبفيه كأنه بحر الكلام
كلام أم مدام أم نظاممن الياقوت أم حب الغمام
إلا أنه كان مولعاً بنقل الغريب، ولا يبالي إذا تكلم أيخطئ أم يصيب وقد كثر لغطه، فكثر غلطه، ولم ينق ما في سفطه، فسقط كلامه عن القبول، لوافر سقطه، مع أنه أذكى من أياس، وذهنه أضوأ من نبراس، وكان أكثر قراءته على الملا عبد العزيز أفندي المذكور، قرأ عليه علوم العربية لما أنه في إتقانها مشهور، وقرأ على ذي المقام العلا، علاء الدين مولانا علي أفندي الموصلي، ولم يتحمل لسع نحل أخلاقه، ولم يستطب طبعه واستبشع مر مذاقه، فترك درسه الذي ماله في الحلاوة ثاني، وقرأ على الفاضل) عبد الرحمن أفندي الروزبهاني (وقبل أن يتخرج خرجت إلى الملأ الأعلى روحه، وتوفي في الطاعون بعد أن برأت بمرهم منصب الإفتاء جروحه) ولما (انقضت ثلاث عشرة سنة من عمري، وأنا مهتم في التحصيل وإصلاح أمري،) شرعت (بالقراءة مع إخلاص النية، وافتتحت بالخاتمة من شرح عصام للرسالة الوضعية، عند واحد العلماء، وأوحد الفضلاء، الضارب في كل فن بسهم، والقارع صفاة كل قريحة وفهم، فارس ميدان المباحث والحبر الذي عزز العلامتان منه بثالث، ذي القدم الراسخة في جميع العلوم والرتبة الشامخة التي دون رفعتها النجوم، ذي القدر الأعلى) علاء الدين أفندي الموصلي (، ولم أزل أقرأ عنده، وأستنشق ريحه ورنده، إلى من تخرجت به وتأدبت بأدبه، وكان عليه الرحمة ذا ذهن يحل كل عويصة ضامن، ووقار كان ثبيراً فيه كامن، وأدب زرت على أعناق الإعجاز جيوبه، وهبت بغوالي غواني الإبداع صباه وجنوبه، إلى عبارات عذبة شريفة، وإشارات ظريفة لطيفة، وألفاظ رائقة، ومعان فائقة، والحق أنه كان في كل علم آية الله تعالى الكبرى، وجنته التي لا يجوع فيها طالب علم ولا يعرى.
هو الشمس علماً والجميع كواكبإذا ظهرت لم يبق منهن كوكب
بيد أنه لضيق ذات يده ضاق صدره، ولمزيد كلف في نجم سعده كلف بدره ولذلك ساءت أخلاقه، وشائت فراقه رفاقه.
كان لا يدري مداراة الورىومداراة الورى أمر مهم
وعلى العلات أن حظه حطه، وأوفر من الحرمان قطه، وأعانه على ذلك الزمان المشوم، والدهر الجائر الغشوم، ومن العجيب أن داود باشا على فضله لم يعرف فضله، وأحله في غير محله وما أجله وذلك لأنه ما صانعه ولا داراً، ولم يكن في دفتره لما كان دفتر داراً، واتفق أن أمر له إذ ذاك ببرده، فأبى أن يقبل كرمه في المجلس ورده، فأضمر ذلك في نفسه حتى استوزر، فأظهر من سوء معاملته إياه ما أظهر، وكان يتتبع عثاره ويزيد بعثير الغارة عليه غباره، حتى أنه أمر بنفيه إلى الحدباء، فحدب عليه ورجا إثباته بعض أجلاء الزوراء، فأثبت ولكن في هم لا يحد، وبقي منكسر القلب إلى أن ضمه اللحد، وقد ضم في شهر ضم أباه، وكان تاريخ ذلك قولي) عنهما رضى الإله (ودرج على الأثر في الطاعون جميع أهله وبنيه وبقي بيته خالياً ليس سوى الصدا والحزن فيه.
أتى على القوم أمر لا مرد لهحتى قضوا فكأن القوم ما كانوا
وصار ما كان من علم ومن أدبكما حكي عن خيال الطيف وسنان
ولم يتخرج عليه إلا جمع هم أقل من أنصاف الزمان، بل المتخرج إذا تتبعت واحد أو اثنان، وذلك لقلة تحمل الطلبة كثرة دله، وعدم وقوفهم على وافر فضله ولا ينقص العالم قلة طلبته، كما لا ينقص النبي عدم أمته، وأنا ولله تعالى الحمد صبرت على مره، وصيرت شغلي السعي في صفاء سره، وتأدبت معه غاية الأدب، وانتهى أداء رسم خدمتي إياه إلى حد العجب، وإني لأرجو أن أنال ببركة ذلك مزيد الآلاء، فبركة بركة خدمة الشيخ بحر لا تنزحه الدلاء) وكان له شعر (تحكيه غمزات الجفون الوطف، وتماثله إشارات البنان الذي يكاد ينعقد من اللطف، ويضاهيه السحر إلا أنه خال عن تعقيد العاقد ويشبهه الدر، إلا أنه كله فرائد، فمن فرائده المنظومة، ونوافج مسكه المختومة التي تغار منها درر الأسلاك، وتغور لحسنها دراري الأفلاك، قوله غمره إحسان الله تعالى وفضله:
لئن لم تشاهدني أخافش أعينفلي من عيون الفضل شاهد رؤية
وإن أنكرتني الحاسدون تجاهلاًكفاني عرفاني بقدري وقيمتي
يمثلني بالمد عين مكابروقد حكم الفضل اختلاف الحقيقة
فأيان شمس الاستواء من السهىوأين زلال من سراب بقيعة
وليس الذي في الناس كالحي ميتهلفضل وأفضال كحي كميت
وقوله:
وبي أهيف حلو الدلال مهفهفمليح التثني ساحر اللحظ أغيد
حكى قده سمر القنا وجفونهحكي البيض والثغر الأقاح المنضد
ترقرق ماء الحضن في وجناتهعلى أن فيه جمرة تتوقد
كتمت هواه عن سواه فليس ليبه عاذل يرمي ولا لي مفند
وفي هذه الدنيا ملاح كثيرةوليس كمثل السيد المتسود
قد امتزجت روحي قديماً بروحهوقام لنا في عالم الذر مشهد
له مقلة تعطي الصبابة حقهاوأخرى حقوق الحسن ترعى فتجحد
ويعجبني منه إذا مر في ملايصد كما صد الغزال ويحرد
وإن خلوة حانت أبان دلالهفنون ابتهاج هكذا الحب يحمد
أوحده في الحب فليشهد الورىبأني في دين الغرام موحد
أجدد فيه كل يوم صبابةبها يقتدي أني الإمام المجدد
وقوله:
ما غير ندب على الأيام ينتدبولا سوى نجب تخدي لها النجب
وليس كل فتى يدعى لحادثةولا بكل ملاذ تكشف الكرب
وليس يدفع من ضيم وينفع منمؤمل قط إلا السرج والقتب
لا أكذبنك ما صبح كغاشيةولا بمغن غناء الأثمد الترب
هذا الزمان لحاه الله همتهأن لا يرى عنده حاج ولا أرب
وفي ضمير الليالي أن تكلفنيخلق الذي أنا وهو الرأس والذنب
لا أسعد الله جدي إن أكن رجلاًيشين عرض علاه الجاه والنسب
وزند فضلي يوماً أن قدحت بهزند اللئام فلا جافتني النوب
لا أرتقي الرتبة القعسا وسلمهانقصي ولو خدمتني السبعة الشهب
أأبتغي عز نفسي في مذلتهاوأيمن الله هذا المطمع العجب
وأدعي المجد والعليا وتملكيكف الأماني لعمري هكذا الكذب
على حرثي وبذلي في مواسمهوما على إذا لم تسعد السحب
فداء صان بوجه الماء مكسبهغنى مال بماء الوجه يكتسب
ما ينقم الدهر مني حيث أهملنيلا عيب عندي إلا العلم والأدب
ولي فؤاد إذا حركت جانبهلنحو ضيم ينادي الويل والحرب
ونفس حر إذا حدثتها لعليتقول لي في سوى الإذلال تصطحب
إن قمت يوماً على أعواد منبرهافذيل فضلي على سحبان منسحب
إذا رأيت تساو ناقص وأخوفضل لدي مجلس السليا فلا عجب
هذي الكواكب تبدو للعيون علىبعد سواء ولكن بينها رتب
فضائلي ما لهذا الدهر من سفهلم يقض من حقكم ببعض الذي يحبب
حتى متى أنا في بؤس أكابدهأحشاء عيشي في كف العنا نهب
هل رحمة لفتى أودت شهامتهبقدره فرثاه الحزم والأدب
تهوى النوائب لقياه فيمنحهاوصلاً ويهوى سنا العليا فتحتجب
كأن بيني وبين الحادثات جرىعقد الموالاة أم ما بيننا نسب
فكلما فارقته نكبة فرقاأمدها للرزايا عسكر لجب
وقوله:
وزمان عدت علي لياليهوقصت قوادمي وجناحي
ودعتني صروفه في شتاتوعناء وخيبة ونزاح
لا لذنب أتيته غير أن الفضل لم تلقه قرين نجاح
وإذا ما الصلاح فيكم فسادففسادي الذي لديكم صلاحي
وقوله:
قلما دعاني مشق قامة كاتبثلث الملاحة منه في الولدان
يرجو رقاعي الملام لعارضنسخي هواه وليس ذاك بشأني
علقت قلوب الناس في تعليقهحسناً وهمت بخطه الريحاني
وقوله:
شجاك من الربع اليمانين عينهوأشجاك أن حث الرحيل ظعينه
هو الحين أما الهجر يذكو سعيرهوأما هو الأزماع يقضي طعينه
عدتك العوادي خل داعية الهوىفمستوعر سهل الهوى وحزونه
أتدري بنات الحيف أي دم امرئأحلت ومن أدمت عليها شؤونه
وهل ذكرت وألبان آخر عهدنابها عهد صب أقسمت لا تخونه
وعيشاً قضيناه بمنعرج اللوىذوت بعد ذياك النضار غصونه
لها طلل بين العذيب وبارقتفيئه والآن لا تستبينه
ونؤي عفاه الدهر بعد وضوحهكما بان بعد الحك في الخط نونه
خيال لذات الخال شوش خاطريوطيف بدا لي ثم أسرت ضعونه
تكلفني وجداً بنجد وإنماهوى كل قلب حديث حل قرينه
مضت حجج والشأن في المط شأنهاوعندي شؤون الحفظ فيها شؤونه
كأنا تراهنا لعود فرهنهافوأدي والطيف الخيال رهينه
ترى هل أتى تلك المليحة والهوىأحاديث أن الصبر بان معينه
وهل جاءها والعشق ميل ونزعةعن القلب أن لا يستفيق جنونه
على بها في الجزع أية وقفةبها للهوى العذري تقضي ديونه
ونظرة مسنام يغار على الحميفطوراً يراعيه وطوراً يصونه
كفى حزناً أني أرى العيس ترتميبهودجها والبين حتى يقينه
وأبصر ربات الحجال تفرقتأيادي سبا والربع خف قطينه
ولم أنسها يوماً بجمع وشملنابجمع ووجه الوصل زاه جبينه
تقول كأني بالخيام تقوضتجميعاً وحادي الركب خفت لحونه
وظن بأني قد سلوت غرامهافتى غير ديني في المحبة دينه
معاذ هواها من سلوي وأننيبذاك بخيل لا يجوذ ضنينه
وقوله:
دعي ما كل ساجعة حماموما النخل السحوق هي الثمام
هي الأيام يوم عد عاماًويوم في الحساب يعد عام
لقد لهجت بذم الفضل قومله قمنا على قدم وناموا
يناظرني بهذا العصر ناسأنا الألف القويم وهن لام
وشتان الذي صفع هواهومن بالعز لذله الغرام
رماني الحاسدون بكل أمربه عرفت مكانتي الكرام
فقالوا حدة طوراً وحيناًبه كبر وطوراً لا يرام
وفي بغداد جثماني وفضليتراعي حقه حلب وشام
وفتية فرية قدحت بحقدوغير الحزم ما ضم الحزام
وإن الجاهلين بكل عصرلأهل الفضل أعداء عظام
فإن نبحت على أثري كلابفليس بمدركي نقص وذام
وكيف تنال أرجلنا بعيبرؤوس خناً مطهرها الحسام
وقوله:
قيل لم همت في هوى ذي عذارطرز الشعر منه حلة خده
قلت والعشق ذو فنون لكي يقطع عني الرقيب أسباب صده
وكذا العاذلون تقصر عن لومي فيخلو لي الحبيب بوده
والجمال الذي به فتن العشاق ما له الزمان بفقده
أفتور بجفنه زال لا والهما زال أم رشاقة قده
خده خده وما ذاك العارض إلا دخان لهبة قده
وقوله:
وقالوا تأخرت في ذا الزمان ومنك التقدم حاز الرجال
فقلت يرى الصدر صفا أخيراًإذا أولاً عد صف النعال
وقوله:
لعلة جسمك قلبي شكاوعلة جسمي عندي أحب
لجسمك قلبي جسم غداوما صح جسم إذا اعتل قلب
وقوله:
أسفي على فضلي قضيت ولم أكنأملي قضيت وللفنون ديون
وأخذت في كفني علو ما لم أجدمستودعاً هي في الدفين دفين
وقوله مشطراً:
أسفي على فضلي قضيت ولم أكنأبصرت عارف حقه فيبين
ومن العلوم الغامضات ورمزهاأملي قضيت وللفنون ديون
وأخذت في كفني علوماً لم أجدمن يخفظن حقوقها ويصون
ورقيق أسرار جعات لها الحشامستودعاً هي في الدفين دفين
إلى غير ذلك من شعره، وما ذكر زهرة من زهره، ومعظمه مما أنشده في مدينة السلام، وفيه أشعار بما أضربه من رخص أسعار فضله عند اللئام، والتشطير المذكور آخر شعر أحكم نظامه، والحمام قد نصب بباب داره خيامه، وكل أرويه عنه، وأدريه منه، وقد دفن عليه الرحمة في قبة حذاء قبة الشيخ عبد الله العيدروسي، في محلة حضرة الباز الأشهب أظلنا الله تعالى بظلال جناحه القدوسي،) وقرأت (شرح النخبة للهيكل النوراني، المحدث الحافظ ابن حجر العسقلاني، عند الفاضل الأوحدي) الشيخ علي أفندي السويدي (وكان ذا جاه كبير عند والي بغداد سليمان باشا الصغير، فكان لا يصدر إلا عن رأيه، وهو يسعى في نصحه غاية سعيه، وامتحن بعد قتله بسبب ذلك، وكان يهوى لولا بركة العلم في مهاوي المهالك، ومن الغريب أنه على كمال عقله وتنزه نفسه، ارتكب ما لا يكاد يرتكبه أبناء جنسه، حيث ذهب إلى البصرة محاسباً لواليها، ضابطاً رسم الكمرك الذي فيها، وكان ينسب إليه سيئ الإنكار، على أكثر الأولياء الكبار، وأنه وهابي العقيدة، وله فيها وله ومحبة شديدة، وأنه دعا إليها سليمان باشا، وملأ من علل الخروج على الدولة أهابه فخرج عليها، ولم يرسل شيئاً من خراج العراق إليها، فأثارت عشائر الأكراد وبعض الأعراب عليه، فتوجهوا في معية رئيسهم الداهية الهماء إليه، فخرج لقتالهم إذ قربوا من سور الزوراء، وقابلهم بجنود تغبر غيظاً من كثرتهم وجوه نجوم الخضراء حتى إذا التقى الجيشان، واعتدل الصفان، خانه رؤساء العسكر فبقي مع مثل عدة الأصابع ففر، ومر فاراً على قبيلة الدفافعة، فقطعوا عنه ماء الحيوة، وسدوا عنه مشارعه، والإنصاف أن السويدي لم يسود قلبه بعقائد جهلة الوهابية، وإنما عقده على العقائد السلفية الأحمدية ولعمري ولا حاجة إلى اليمين، أن ذلك ظاهر من درر كتابه العقد الثمين، وأن خروج ذلك الوزير إنما جر إليه أمر آخر لسوء التدبير) وبالجملة (كان ذلك الشيخ من كبار المتبعين، وحاشاه ثم حاشاه أن يكون من المبتدعين ... وكان لأهل السنة برهاناً، وللعلماء المحدثين سلطاناً، ما رأيت أكثر منه حفظاً، ولا أعذب منه لفظاً، ولا أحسن منه وعظاً، ولا أفصح منه لساناً، ولا أوضح منه بياناً، ولا أكمل منه وقاراً، ولا آمن منه جاراً، ولا أكثر منه حلماً، ولا أكبر منه بمعرفة الرجال علماً، ولا أغزر منه عقلاً، ولا أوفر منه في فنه فضلاً، ولا ألين منه جانباً، ولا آنس منه صاحباً، ولولا ونيم ذباب الذهاب إلى كمرك البصرة على ثيابه لقلت هو في جمع المحاسن الغرد فرد أسلافه وأصحابه، اختارت روحه في دمشق الشام من الملأ الأعلى رفيقاً، وهو يقرأ قوله تعالى) أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (، وجاء تاريخ وفاته أسكنه الله تعالى أعلى جناته) إن المدارس تبكي عند فقد علي (وقد أوقفني على جميع إجازاته، وأجازني كأولاده بجميع مروياته،) وقرأت (مسألة الصفات من الخيالي، على حضرة مولى لا يصل إلى حقيقة فضائله خيالي، حضرة مولانا) ضياء الدين الشيخ خالد النقشبندي (، وهو صاحب الأحوال الباهر، والكرامات الظاهرة، والأنفاس الطاهرة، الذي تواتر حديث جلالته وأجمع المنصفون على ولايته، وعمت بركاته الحاضر والبادي، وانتشر صيته في ك وادٍ ونادي، بهر بجبل صفاته أطوار العقول، ونال منه تلامذته غاية الوصول، امتد في المقامات والأحوال باعه، وعمرت بالفضل والأفضال رباعه، كان حريصاً على سلوك طريق أهل السنة والجماعة، لا يصرف من أوقاته ساعة في غير حل دقيقة علم أو طاعة، حسن السمت والسيرة، نير القلب والسريرة، إن توجه إلى قلب مريد ملأه نوراً، أو ربط على إكرام معدم أفعم ناديه بأيدي أياديه سروراً.
الإمام الجليل غوث البراياغيثها المرتجى ندى إحسانه
ذو سجايا مثل الرياض سقاهاوابل القطر من ندى هتانه
بحر جود له جداول عشرفي يديه تدفقت من بنانه
سار في الخافقين ذكر علاهوعلا قدره على كيوانه
فائض العلم عن روية فكركاد يجلو سر القضا بعيانه
ثابت الذهن كم خفايا علومقد جلاها بالكشف عن برهانه
فهو كشاف مشكلات معانحل ألفاظها بديع بيانه
وبالجملة ما حوى أحد في عصرنا فضله، وأنا لم أر مثلاً له وأظن أنه هو أيضاً ما رأى مثله، وإنكار بعض الأجلة عليه، وتوجيههم سهام الطعن وحاشاه إليه، كان بعضه محض نفسانية، وبعضه الآخر كان من غير روية، ومن المتنكرين من كان كالبائل في بئر زمزم، أراد أن يشهر اسمه بالإنكار عليهم مثله، وتحملوا من معاصريهم حملاً ثقيلاً، وصبروا على ما نالوا من معاديهم صبراً جميلاً، تلك) سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (على أن ذلك إنما نقص قدر من آذاهم ولم ينقص قدر ذرة من شامخ علاهم.
من كان فوق محل الشمس رتبتهفليس يرفعه شيء ولا يضعه
وقد كان له قدس سره على شفقة شفيقه، وقد أمرني بالاشتغال بالعلم وضمن لي أن لا أحرم من بركة الطريقة، وها أنا إلى هذا الزمن منتظر تحقق ما ضمن، وكأني في بركة تلك البركة، أسبح إن شاء الله ولا سبح السمكة، وفد طارت روحه إلى حضيرة القدس في دمشق الشام، فحبست في أقفاص الأسى لطيرانه قلوب المسلمين والإسلام وقيل في تاريخ ذلك، غير ما قيل هنالك، ومنه قول السياه بوش من قصيدة مرثية، شرحتها شرحاً نفيساً سميته الروضة الأحمدية:
ولما هويت الحق قلت مؤرخاًهوى للقاء الحق في القدس خالد
وحين بكت أهل الطريقة أرخوابكى فقدك الدرس الإلهي خالد
وحين نحوت القدس قلت مؤرخاًدنى بازاء القدس في القرب خالد
وحين اتحدنا في الطريقة نسبةوقد طهرت أعراقنا والمخالد
نبغت بصدق عن لساني أرخوامقامك صدق عند مولاي خالد
وأجازني بما تجوز له روايته، وصحت لديه درايته، جامع العلوم البعيدة والقريبة، والفنون المعروفة والغريبة، سيدي وأستاذي ملحق الأصاغر بالأكابر) الشيخ يحيى المزوري العمادي (وهو إمام علامة أشهر من أن ينبه عليه، وأجل من يعرف بالإشارة إليه، لا يجاذب رداء فضله، ولا تدور العين في أصحابه على مثله، حامل أعباء التدريس والمعول عليه في مذهب الإمام ابن إدريس، بل لعمري أنه كان واسطة قلادة علماء عصره، يعجز البليغ عن وصف فضله ولو بلغ النثرة بنثره، والشعري بشعره، كان عليه الرحمة للعلماء جمالاً، لكن إذا رأيته حسبته لعدم اعتنائه بنفسه حمالاً، ولسان الإنصاف يقول على لسانه لو تعي، نحو ما قاله في نفسه الإمام الشافعي:
على ثياب لو يباع جميعهابفلس لكان الفلس منهن أكثرا
وفيهن نفس لو تباع بمثلهانفوس الورى كانت أعز وأكبرا
توفي في بضع وخمسين بعد الألف والمائتين، من هجرة سيد المرسلين صلوات الله تعالى وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ودفن في مقبرة باب الأزج، لا زال لثرى قبره من غالية الرحمة أرج) وأجازني (أيضاً علماء أعلام، كل منهم في حلبة الفضل إمام، كالفاضل السري، محدث دمشق) الشيخ عبد الرحمن الكزبري (والسارح بقلبه في رياض الملكوت) الشيخ عبد اللطيف (ابن الشيخ علي مفتي بيروت، وقد كتبا لي بذلك من دمشق الشام، وصرحا فيما كتبا بعده إثبات لعلماء فخام ونظم في أثناء ما كتب الثاني، أبياتاً حسنة المباني والمعاني، فقال:
أحسن ببغداد التيتحوي المكارم والكرام
فاقت على كل البلاد بحسنها عند الأنام
فكم انتشى من عالم وكم انتشى فيها إمام
من حسنها أن قد غدتدار المحاسن والسلام
وكأناس آخرين من علماء الآفاقوالفضلاء القاطنين في أرجاء العراق
قد انتظموا في سلك فضل قلادةوكلهم وسطي فناهيك من عقد
ولعلي أترجم الكل في كتاب، يكون إن شاء الله تعالى ثانياً لنزهة الباب) ولما (بلغت من العمر نحو إحدى وعشرين، جمع لشهود إجازتي علماء بلدتي شيخي علاء الدين، فكان يوم الجمع يوماً مشهوداً مشهوراً أفاض على العدو شروراً، وأغاض من الحاسد سروراً، وكان ذلك في المدرسة الخاتونية، قريباً من الحضرة القادرية، ونصبت يومئذ مدرساً في مدرسة الباجة جي الحاج نعمان، وهو جوار بيته قصر التماثيل متصلة بجدار البستان، في المحلة المشهورة اليوم بسبع بكار، وكانت من قبل مشهورة بمحلة نهر المعلى في الأقطار، وعندما نصبت تأججت نيران قلوب الأعداء فلم يطفها إلا خروجي فخرجت من هاتيك الأرجاء، ثم عمر الحاج أمين شقيق النعمان في محلة رأس القرية مدرسة وجامعاً مقدساً، فنصبت هنالك على رغم الحاسدين خطيباً وواعظاً ومدرساً، فصدعت بالخدمات الثلاث في ذلك المحل الأرفع، وصدحت على أفنانها بمرأى من العدو الشاني ومسمع، إلا أني عددت الخطابة نقمة، حيث أني أجهل خطباء العراق بأصول النغمة، والناس اليوم لا يسمعون خطيباً، ما لم يكن عندليباً، ولا يدخلون مسجداً، ما لم يكن خطيبه معبداً، ومعظم أهل العراق يكرهون الخطبا، إذا لم يغنوهم بنحو الحسيني والصبا، ويحسبون الإخلال بالألحان لحناً، وترك الأوزان العجمية في الدين وهناً، وكذا ثقل علي أن أعظ، لعلمي بأني غير متعظ.
وإني لأستحيي من الله كلماراوني خطيباً واعظاً فوق منبر
ولست برياً بينهم فأفيدهمإلا إنما تشفي المواعظ من بري
وكان يغص الجامع بالسامعين، وتشرق الجيوب والأكمام بدموع الباكين وربما أبقى في تفسير الآية الواحدة شهراً، وأنا كل يوم أتلو عليهم والحمد لله تعالى من أسرارها ذكراً، وشرعت في الوعظ وأنا ابن عشر سنين ووعظت في كثير من مساجد المسلمين، وأقرأت شاباً وكهلاً. وأنا ابن ثلاثة عشر حولاً، وتعلمت ضم الحرف إلى الحرف، وعمري نحو أصابع الكف، كل ذلك من فضل الله تعالى عليّ، ثم بركة دعاء والدي، حتى إذا جاء الطاعون، وسارت بعلماء الكرخ وسادته الظعون.
خلت الديار فسدت غير مسودومن الشقاء تفردي بالسؤدد
وتوفي إذ ذاك والأمر لله سبحانه والدي، ومن هو الله تعالى مساعدي، وفي تناول ما يصلح حالي زندي ومساعدي، سيدي وسندي) السيد عبد الله أفندي (تغمده الله برحمته، وأسكنه غرف كرامته في أعالي جنته، وكان عليه الرحمة ترشح بالصلاح جلدته، وتشرح الصدور رؤيته، ما رأته عيون الأسحار إلا قائماً، وما أبصرته مواسم الأبرار إلا صائماً، وما ابتسم ثغر فجر تحت أذيال دجاه، إلا وجده يبكي خشية بين يد مولاه جل علاه، وقد درس نحو أربعين سنة في الحضرة الأعظمية وكان يذهب إليها ماشياً إعظاماً لما ضمته من عظام محيي السنة الأحمدية وكان مع ذلك يدرس في مدرسة الموليخانه، التي جعلها داود باشا خاناً وسوقاً وبنى فيها لقهوة البن حانه، ونقل التدريس إلى بعض منها يسمى اليوم بالآصفية، ونصب فيها مدرسين للعلوم النقلية والعقلية، ودرس نحو أربع سنين في مدرسة الشهيد علي باشا التي أعدت لرئيس المدرسين، وهو عليه الرحمة ثالث مدرس درس بها، وكنت في أيامه محافظ كتبها، ووعظ وخل الشباب غير مماذق، في جامع محمد الفضل بن إسماعيل بن جعفر الصادق وكانت الطلبة تتبرك بالقراءة عليه، وتعد من أسباب الفتوح عليها تقبيل يديه وقد حج قبل أن يتزوج ثلاث مرات، وذهب إلى مصر لزيارة شقيقه السيد حسن فوجده يوم دخل قد مات) وينتهي نسبه الذكي الزكي إلى الريحانتين (فمن جهة أمه إلى الحسن ومن جهة أبيه إلى الحسين، ويحلق نسب أمه إلى ذلك بجناح الباز الأشهب، ومن نصب له وكر العناية الأزلية في حظائر الغيب الأغيب، قدس سره، وغمرنا بره، والأمر مفصل في حديقة الورود، فقد زهت فيها نظماً ونثراً أسماء الآباء والجدود، وكذا في شجرة الأنوار، ونوار الأزهار، التي ألفناها في إسلامبول، وجمعنا فيها ما شاء الله تعالى من ذرية الزهراء البتول، ولعمري أنه نسب يصلح أن يجعل تميمة فطيم، ويتخذ لبركة من حوى رقيمة سليم.
نسب كأن عليه من شمس الضحىنوراً ومن فاق الصباح عموداً
فهو عليه الرحمة محبوك الطرفين، قد طابق شرفه في نفسه شرف الجدين فلا بدع أن نال بيد مجده الثريا، أو تفيء في الشرف مكاناً عليا.
ما عذر من ضربت به أعراقهحتى بلغن إلى النبي محمد
أن لا يمد إلى المكارم باعهوينال غايات العلى والسؤدد
مترقياً حتى تكون ذيولهأبد الزمان عمائماً للفرقد
وبالجملة كان نقي الذات، بهي الصفات، زكي الأعراق، ذكي الأخلاق، وافي الوفاء، لا يخل بحقوق الأخلاء، قد طهر الله تعالى سره، وأعلى لديه بطاعته قدره، فلو أقسم على الله سبحانه لأبره.
هذا أبي جامع ما قد سمعت بههيهات ما للورى يا دهر مثل أبي
ولما توفي عليه الرحمة في الطاعون، وسارت معه من أهل البيت الظعون، لبس لي الزمان جلد النمر وجعل يكر عليّ ويفر، وجرت أمور منها السماء تمور، ووقعت مواد تشيب لذكرها لمم المداد.
رماني الدهر بالأرزاء حتىفؤادي في غشاء من نبال
وصرت إذا أصابتني نبالتكسرت النبال على النبال
واضطررت إلى أن تركت سكنى داري، وارتكبت والأمر لله تعالى فراق سكني وجاري، وسكنت في ظل جناح باز الله الأشيب، عليه ما يبهر العقول من النور الشعشعاني الذي يحجب ولا يحجب قدس الله تعالى سره، وأعلى في حظائر القدس ذكره، حتى إذا كان رمضان سنة الخمسين، وهي مبدأ انحلال ما عقده القضاء علي من البين المبين، أمرني النقيب إذ ذاك بالوعظ في الحضرة الغوثية، فأجبته مكرهاً لاشتغال ذهني بأمور فاتفق أن ساق حسن القضاء، لاستماع وعظي الوزير الخطير) علي رضا (فسمعه فصلاً فصلاً، وفهم أسراره بلاً بلاً، فدهش واستغرب، وعجب غاية العجب وقال في مدحي ما قال، مما يضيق عن التلفظ به فم المقال، ثم أمر بأن أذهب إليه في العيد، والنقيب السابق ملقى السمع وهو شهيد، فضاق لذلك فسيح صدره، وندم على ما مر من أمره، فلما جاءه العيد، ذهب إلى سرايه فعايدته، وشاهدت من الإكرام ما لم أكن شاهدته، وأعاد ما كان من الوظائف علي، وكان أخذها مني، ورغبها عني، فكنت أشكل برؤيته العين، وأذهب غليه في الأسبوع مرة أو مرتين، وفي عيد الأضحى نصبني خطيب الأعظمية، وشغف بي، من بين صحبي، فجعلت أذهب مع الأعيان، كل جمعة للديوان، فأكون في الأغلب المخاطب له وحدي كأن لم يكن في الديوان غيري أفندي، وفي كل ليلة أجتمع معه، وأكاد أحيي ف مسامرته ليلي أجمعه، وفي هاتيك الأثناء شرحت البرهان في إطاعة الله ظل الله تعالى السلطان، فقدمته إليه، وعرضته عليه، لؤلؤه بوقف مرجان، وبجلب رتبة تدريس الأستانة من حضرة السامعين ثم نصبني مفتي الحنفية، وكان قد وعدني بذلك يوم سمع وعظي في الحضرة الغوثية) نعم (سعى غاية السعي في إنجاز ذلك الوعد، وأصر على عدم تأخيره من يوم إلى غد، ذو الهمة التي لا تجارى، والغيرة العمرية التي لا تبارى، من جرى وادي فضله فطم على القرى، حضرة مولاي) عبد الباقي أفندي العمري (، وكان لي سلمه الله تعالى في كل أموري مساعداً، ومتى عطلت يدي عن مصالحي كان لي يداً وساعداً، أدام الله تعالى حياته على رغم كل مبغض، ولم يزل ذلك الوزير يعلي لي الشأن، حتى قلدني من أيادي السلطان بنيشان، ولم يسبق ذلك لأحد من علماء البلد وذلك بعد أن وردت عدة أسئلة علمية من إيران، فأحجم عن جوابها قبلي فضلاء الزمان، وكل ذلك مفصل في ترجمتي حديقة الورود في مدائح أبي الثناء شهاب الدين محمود) حتى (إذا أراد الله تعالى فيه إظهار سابق علمه، وأوصله بلطفه الجزيل إلى آخر أيام حكمه، وجهت إيالة مدينة السلام) إلى محمد نجيب باشا (وإلى دمشق الشام، وأمر هو بالتوجه بدله إلى دمشق، فلم يسعه إلا الامتثال وإن شق، فلما جاء النجيب جعل حاله يتلون معي تلون الحرباء، فطوراً وصال وطوراً والعياذ بالله تعالى جفاء وأنا في كلتا الحالتين أطوع له من ظله، وأسرع في امتثال أمره من خاصة أهله، وكم صمم على عزلي وما عزل، حيث دفع بصدره عدم انتهاء الأجل، فقد قدر جل شأنه وعلا، لكل شيء حتى المناصب أجلا، فلما انتهى ما قدره، وقضى به في الأزل وقرره، أطاع اللاحي فعزلني عن منصبي، ففرحت بذلك كأنه غاية مطلبي، حيث كنت مشغولاً بإتمام تفسيري روح المعاني، وكان الاشتغال بالإفتاء قاضياً بتضييق زماني) نعم (رفع عني وقف مرجان، فأسبل علي بذلك سجف الأحزان، وقطع مني بشفرة إعراضه نياط قلبي، فصرت عثيثة أثاثي، وفويرة كتبي، حتى كدت آكل الحصير، وأشرب عليه مداد التفسير، وأرتقي هضبة عزلي، على وجه لم يحب إليه طفل عقلي، وذلك أني دعيت من قبل الدولة العلية أيدها وأبدها رب البرية، لحضور سور همايون، الذي هو بالخير مقرون، فبلاني من ذلك سرور، وضرب عليه من الكآبة سور، فأفهمني إشارة أني خرجت من البلد، أتردى بخنادق الكمد، ثم أشار علي بالاعتذار، وعرض تعذر السفر لبعد الدار، مع الاشتغال بالتفسير، والقيام بمصالح الوزير، فكتبت حسبما أشار، وكتب هو أيضاً ألا أنه أولج الليل في النهار، ومع ذا أوصل كتابي إلى حضرة شيخ الإسلام وولي النعم، الآخذ من مطايا الحق بمذود لا ومقود نعم على يد الباليون الفرنساوي، فأهوى بي لذلك إلى وخيم المهاوي، فكان ما كان، والله تعالى المستعان، فلم أر بداً من الارتحال، خشياً أن تغتالني غائلة العيال، وقلت لنفسي لا بد من السفر، وإن كانت قطعة من السقر، لأعرض حالي وعريض ما أنا فيه من البلية، على مراحم الدولة العلية العثمانية
أيدها وأبدها رب البرية، واتفق أن تم تأليف روح المعاني، فقلت نعمت الوسيلة هذه الأسفار للسفر إلى تلك المغاني، وصادف خروج خلف نجيب باشا حضرة عبد الكريم باشا الملقب بالنادر وبعبدي، ومعه من أحبابي مصطفى بك الربعي وسليمان بك أفندي، وذلك إلى آمد السوداء، حيث وجهت له إيالتها بدلاً عن إيالة الزوراء، فقلت لنفسي هذا الوزير نعم الرفيق وحبذاه صاحباً في ذلك الطريق، حيث أني من مخلصيه، الموالين لمن يواليه، والمعادين لمن يعاديه) فاستخرت (الله تعالى حسب المأثور ودعوته تعالى شأنه بالدعاء المشهور، ثم تفاءلت بكتاب رب العالمين مقلداً من قال لا بأس بذلك من العالمين، فنادتني غواني كواعب الآي من الخدور، وتلت علي) هو الذي جعل لكم الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور (، واعلم أن الاستخارة مما درج عليه السلف، واتبع أثرهم فيه الخلف، والكلام عليها في فصول فاستمع هديت لما نقول.
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع