من «غرائب الاغتراب ونزهة الألباب» لشهاب الدين الألوسي (ت ١٢٧٠هـ)
الفصل التاسع (٣)
الثالث عشر: ما الحكم في نهي فضلاء الزمان عن أكل طعام أهل الكتاب ويقولون أن يقسي القلب ويظلمه وهذا تحريم أو ارتكاب بدعة مذمومة بمقتضى قول شارح العباب واجتناب طعام أولي الكتاب بدعة مذمومة انتهى.
) الجواب (متى صدر هذا النهي من مرشد كامل ينظر بنور الله تعالى ﷿ فهو مقبول. ولولا ما يقال لقلت يلقى له في البحر كلام شارح العباب. وليس ذلك من باب التحريم في شيء كما لا يخفى على ذوي الألباب. وقد روي عن بعض الأئمة وأظنه الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه أنه كان في حبس الخليفة فأتته بطعام فلم تصل إليه فأعطته السجان ليوصله إليه فلما أتاه به لم يأكل منه شيئاً فقيل له إنه طعام أهل بيتك فقال نعم لكن اليد التي حملته فأوصلته إلي ظالمة يعني يد السجان ومثله ما يحكى عن بعض المشايخ أنهم لا يأكلون طعاماً يصنعه جنب أو محدث ويتحرون طهارة صانعه وصلاحه وأكل النبي ﷺ وأصحابه رضي الله تعالى عنهم لتأكيد إفادة الحل مع أنه عليه الصلوة والسلام وكذا أصحابه الكرام على نور تتحاماه الظلمة ورقة قلب لا يحوم حوله قسوة فتدبر. والله أعلم وأخبر.
الرابع عشر: إذا دخل رجل بالزهد بأن أكل اللذائذ ولبس المفاخر وبنى فوق تسعة أذرع ارتفاعاً وطمع في الجلوس بصدر الديوان ودعا إلى الاجتماع إليه فهل يحسن الاجتماع عليه مع قول شارح الأربعين الاجتماع على رجل بغير زهد وورع بدعة مذمومة انتهى.
) الجواب (غير ذي الزهد والورع لا يحسن الاجتماع عليه ولا السلوك على يديه بل قالوا ترك السلوك خير من سلوك على يد ناقص لكن وقوع الإخلال بالزهد وأخيه من غير استمرار عليه لا يضر. فقد قيل للجنيد قدس سره أيزني العارف فقال وكان أمر الله قدراً مقدورا ثم ينبغي أن يعلم أن أكل اللذائذ وكذا لبس المفاخر ليس على إطلاقه إخلالاً بالورع والزهد فإن الورع اجتناب الشبهات خوفاً من الوقوع في المحرمات وقيل ملازمة الأعمال الجميلة والزهد بغض الدنيا والإعراض عنها وقيل ترك راحة الدنيا طلباً لراحة الآخرة وقيل أن يخلو قلبك مما خلت منه يداك ولبس المفاخر الغير المحرمة قد يكون لغرض شرعي مع إعراض القلب وعدم تعلقه بها والتفاته إليها كما وقع لكثير من المشايخ الكبار المقطوع بولايتهم بل قد وقع له عليه الصلوة والسلام كما لا يخفى على من تتبع الآثار وكذا أكل اللذائذ وقد صح أنه عليه الصلوة والسلام أكل حلوى عسلية صنعها له عثمان رضي الله تعالى عنه ولا شك أنه عليه الصلوة والسلام سيد الزاهدين والورعين ويقال نحو ذلك في البناء فوق تسعة أذرع فإنه ليس بمنهي عنه مطلقاً كيف وقد تمس الحاجة إليه والتفصيل في محله وربما يقال أيضاً في الطمع في الجلوس بصدر الديوان أنه ليس مخلاً بالورع والزهد مطلقاً إذا تأملت) وبالجملة (المدار الإخلال بشرطه المشار إليه سابقاً وعدم الإخلال. وأكثر الجهلة اليوم مجتمعون على كلاب دنيا لا يخطر لهم الزهد والورع ببال. وقد رأس أهل الطريقة أقوام هم في الحقيقة بالنسبة إلى أهل الشريعة أخس من نعال أقدام فيا أسفي على الطرائق العلية كيف عرتها اليوم هذه البلية.
لقد هزلت حتى بدا من هزالهاكلاها وحتى استأمها كل مفلس
نسأل الله تعالى أن يخلصها من أياديهم ويقطع بسيف غيرته سبحانه دابر من يواليهم.
الخامس عشر: قال العلامة بن حجر في فتاواه اتفق الفقهاء على أنه لا ثواب للذكر القلبي وقال الإمام النووي الذكر بالقلب واللسان أفضل من الذكر بالقلب وهو ظاهر في أن للذكر القلبي فضلاً فيكون له ثواب فكيف التوفيق.
) الجواب (قد أخل السائل في النقل. ففي الفتاوى الحديثية لابن حجر ما نصه. سئل عن قول النووي في آخر مجالس الذكر من شرح مسلم ذكر اللسان مع حضور القلب أفضل من ذكر القلب انتهى. فهل يؤخذ من كلامه أنه إذا ذكر الله تعالى بالقلب دون اللسان أن ينال الفضيلة إذا كان معذوراً أم لا. وهل إذا قرأ بقلبه دون لسانه من غير عذر ينال الفضيلة أم لا. فأجاب بقوله الذكر بالقلب لا فضيلة فيه من حيث كونه ذكراً متعبداً بلفظه.) وإنما (فيه فضيلة من حيث استحضار معناه من تنزيه الله تعالى وإجلاله بقلبه. وبهذا يجمع بين قول النووي المذكور وقولهم ذكر القلب لا ثواب فيه فمن نفي عنه الثواب أراد من حيث لفظه ومن أثبت فيه ثواباً أراد من حيث حضوره بقلبه كما ذكرناه. فتأمل ذلك فإنه مهم ولا فرق في ذلك بين المعذور وغيره والله تعالى أعلم انتهى كلام الفتاوى. وقال في موضع آخر منها بعدما تقدم بورقات الذكر الخفي قد يطلق ويراد به ما هو بالقلب فقط وما هو بالقلب واللسان بحيث يسمع نفسه. ولا يسمع غيره. ومنه خير الذكر الخفي أي لأنه لا يتطرق إليه الرياء.) وأما (حيث لم يسمع نفسه فلا يعتد بحركة لسانه. وإنما العبرة بما في قلبه على أن جماعة من أئمتنا وغيرهم يقولون لا ثواب في ذكر القلب وحده ولا مع اللسان حيث لم يسمع. وينبغي حمله على أنه لا ثواب عليه من حيث الذكر المخصوص) وأما (اشتغال القلب بذلك وتأمله لمعانيه واستغراقه في شهودها فلا شك أنه بمقتضى الأدلة يثاب عليه من هذه الحيثية الثواب الجزيل ويؤيده خبر البيهقي الذكر ما لم يسمعه يضاعف سبعين ضعفاً انتهى كلامه. ويعلم منه أن ليس المراد من قوله في الكلام السابق وقولهم قول جميع الفقهاء بل قول جمع منهم ومن مجموع الكلامين يعلم جواب السؤال وما فيه من الإخلال.
السادس عشر: إن من أهل الطرائق من ذكر الله في القلب وهو لا يصدق عليه تعريف الذكر لأنه مفرد وتعريف الذكر قول سيق لثناء أو دعاء. ولا سياق في المفرد. وقد نص الإمام النووي في فتاواه على أن المفرد ليس ذكراً وأيضاً هو لا يدل على تنزيه وإجلال ليحصل باستحضار معناه بالقلب ثواب فكيف أطبق جميع أهل تلك الطريقة على ذلك.
) الجواب (أنه ينبغي أن يكون المفرد ذكراً كالكلام لأن الذكر إن كان باللسان فهو مقابل الصمت والسكوت وإن كان بالقلب ويقال له ذكر بضم الذال فهو مقابل الغفلة أو السكوت الباطني أو القول النفسي وأياً ما كان فهو يتحقق بالمفرد بلا شبهة وكل أحد يؤخذ من قوله ويرد كما قال الإمام مالك ما عدا رسول الله ﷺ فما تنقص جلالة النووي رضي الله تعالى عنه إذا لم يؤخذ بقوله هاهنا. وقد اتفق له نفسه أنه لم يأخذ بقول من هو أفضل منه كأصحاب المذاهب الثلاث أبي حنيفة ومالك وأحمد رضي الله تعالى عنهم فما علينا نحن من بأس إذا لم نأخذ بقوله في هذه المسألة مع إنا أدنى من تراب نعاله رضي الله تعالى عنه. وأن الاسم الجليل وإن كان من حيث أنه علم شخصي على الصحيح موضوع للذات البحت يدل على التنزيه والإجلال باعتبار الأوصاف المشتهر بها ولا اشتهار حاتم بوصف الكرم وباعتبار ذلك قبل تعلق الجار به في قوله تعالى) وهو الله في السماوات وفي الأرض (على أن تلك الطائفة التي عناها السائل إنما يعتبرون الذكر القلبي به إذا كان مع ما يسمونه بالوقوف القلبي. وهو أن يستحضر الذاكر مع كل قول الله الله ذات بلا مثل وعليه فلا إشكال ولا قيل ولا قال.
السابع عشر: قال العلامة بن حجر في فتاواه لابس المرقعة يجب أن يكون قد أدب نفسه بالأدب وراضها بالمجاهدات والمكابدات وتحمل المشاق وتجرع المرارات وجاوز المقامات واقتدى بالمشايخ أهل الاتباع والاقتداء وصحب رجال الصدق والاهتداء وعرف أحكام الدين وحدد أصوله وفروعه ومن لم يكن بهذه الصفة حرم عليه التعريض للمشيخة فما الجواب في إجماع الناس على من هو عن هذه الصفات بمعزل. وبعيد عنها بألف ألف منزل. أو يكون ذلك مصداق قوله عليه الصلوة والسلام بدا الإسلام غريباً وسيعود كما بدا.
) الجواب (أنه لا إجماع. وإنما هو اجتماع كثير من الرعاع. وجملة ممن يظن أنه ذو قدر خطير. وليس يمد في نفس الأمر في عير ولا نفير. وإن اتفق في المجتمعين. بعض العلماء المحققين. فذاك ممن ركس في أوحال الأمل. وضل عن سبيل الرشاد وعدل. وبرق له برق من سحاب هاتيك المرقعة. فحسب أن هناك صبياً يروي غليله فتبعه. وذلك لأنه رأى أن ذلك المجتمع عليه. قد أمال قلوب أهل الدنيا ومعظم ولاتها إليه. ونصب لهم فخاً ما وراء طور العقل فاصطادهم. ومد إليهم باع حيلة يضيق عن تفاصيلها نطاق القتل فاقتادهم. فقادت لذلك لهم كثيراً من أهل العلم شرط أطماعهم. ونظمتهم لا در درها في سلك مردتهم وأتباعهم.
ولو أن أهل العلم صانوه صانهمولو عظموه في النفوس لعظما
ولكن أهانوه فهان ودنسوامحياه بالأطماع حتى تجهما
فرمى الدين من ذلك بثالثة الأثافي. وقص من جناح الشريعة القدامى والخوافى. ولا أكاد أرى ذلك أمراً عجيباً. فقد ورد بدا الإسلام غريباً وسيعود غريباً.
إن دام هذا ولم حدث له غيرلم يبك ميت ولم يفرح بمولود
ونسأل الله تعالى أن يجيرنا من الأعظم. بحرمة صاحب الشريعة ﷺ.
الثامن عشر: كيف يقولون الطرق إلى الله تعالى بعدد أنفاس الخلائق مع إدخالهم ألوفاً في طريقة واحدة.
ففي كل شيء له آيةتدل على أنه واحد
وعلى كل تقدير لا منافاة بين الأمرين اللذين ذكرهما السائل ثم ينبغي أن يعلم أن نسبة شعاب الطريقة إليها كنسبة شعاب الشريعة التي هي الطرائق إليها. وإن شئت قلت كنسبة المذاهب المعروفة إليها. ويعد الكل طريقاً واحداً. وهو سبيل الله تعالى المشار إليه في حديث خط لنا رسول الله ﷺ خطاً الخ فتأمل.
التاسع عشر: ما التوفيق بين قول الغزالي في الأحياء أن المبتدع قد يسلب إيمانه وقول الفقهاء تكره الصلوة خلف الفاسق والمبتدع. وبين قولهم لا ترد شهادة مبتدع لبدعة إلا أن يدعو إليها.
) الجواب (أنه لا تلازم بين كراهة الصلوة خلف شخص وبين رد شهادته بل قد لا تصح خلفه فضلاً عن أنها تكره وتقبل شهادته كالصلوة خلف المرأة فإنها لا تصح وقد تقبل شهادتها في بعض الحوادث كما بين في محله وقد تصح الصلوة ولا تكره خلف شخص ولا تقبل شهادته في الجملة كما إذا كان ذلك بين الوالد وولده فإن صلوة أحدهما خلف الآخر تصح بلا كراهة ولا تقبل شهادة أحدهما للآخر وما ذلك إلا لأن مدار أمر الاقتداء صحة وكراهة غير مدار الشهادة قبولاً ورداً وإن سلب الإيمان أمر لا نجزم به في شأن كل مبتدع ولا نطلع عليه وإلا لزمنا أن لا نصلي على من علم أنه مبتدع ولا ندفنه في مقابر المسلمين بل نعامله معاملة من علمنا أنه يهودي أو نصراني قبل هلاكه. مع أن الأمر ليس كذلك بالاتفاق فلما كان ذلك غبياً وكان الظاهر الإسلام وعدم الفسق بمجرد البدعة من غير دعاءٍ إليها كان لنا أن نقبل شهادة المبتدعة غير الدعاة إلى بدعتهم) والحاصل (أن مدار سلب الإيمان عند الموت وعدم سلبه شيء ومدار قبول الشهادة وردها شيء آخر فتدبر.
السؤال الموفي للعشرين: من أعطى شيئاً على ظن صلاحه وليس له صلاح فهل يحل له أخذه أم لا.
) الجواب (لا يحل عليه أخذه ويحرم فقد صرحوا أن من أعطى شيئاً على صفة ليست فيه يحرم عليه أخذه.
الحادي والعشرون: قال الهيتمي في فتاواه من يتوصل إلى الدنيا بطريق الصلاح أشد من الظلمة فهل من يتوصل بالعلم كذلك أم لا.
) الجواب (نعم من يتوصل بالعلم كذلك فيما أرى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وما ألطف ما حكاه لي بعض الثقات مما حاصله أن أمير المؤمنين في الحديث) الشيخ علي أفندي السويدي (رحمة الله تعالى عليه قال يوماً لحضرة مولانا المجدد المجددي سيدي وسندي) الشيخ خالد النقشبندي (قدس سره يا مولانا بئسما يفعله أكثر علماء الأكراد اليوم من الاشتغال بالفلسفة وهجر علوم الدين كالتفسير والحديث على عكس ما يفعله علماء العرب. فقال قدس سره كلا الفريقين طالب يعلمه الدنيا الدنية وطلبها بقال الله تعالى قال رسوله ﷺ أقبح من طلبها بقال أفلاطون قال أرسطو فإن الدني إن طلب طلب بدني مثله) نعم (لو كانوا طالبين الآخرة فيا حبذا ما يفعله أكثر علماء العرب فسكت الشيخ علي أفندي السويدي. وصار في ذلك المجلس عليه الرحمة لا يعيد ولا يبدي. ولله تعالى در الشيخ قدس سره ما أغيره وما أغوره فتأمل.
الثاني والعشرون: ما الحكم في شرب التتن عند الشافعية مع قول بعض الحنفية أنه حرام لتفتيره وقد ورد كل مسكر ومفتر حرام.
) الجواب (أنه تجري فيه الأحكام الخمسة على ما قرره بعض المتأخرين من فقهاء الشافعية في فتاواه) وأغلب (ظني أنه محمد بن سليمان المدني الكردي رحمه الله تعالى والقول بالتحريم مطلقاً ممن كان لا يعول عليه والمراد بالمفتر في الخبر مفتر العقل لا أعمم منه ومن مفتر البدن وإلا لحرم نحو اللبن لتفتير البدن والتتن لا يفتر العقل وإنما يفتران فتر البدن والله تعالى أعلم. هذا ما أردنا إيراده من الأجوبة المرية عن الأسئلة الجزرية ولم يبق من الأسئلة إلا أقل قليل. لا طائل في ذكرها والجواب عنها سوى التطويل.
ثم إنا بعد يومين أو ثلاث. سرنا من الجزيرة مع أصحابنا الدماث. ولم نزل في حل وترحال. ومسالمة سهول ومحاربة جبال. حتى أمطنا غبار العناء. براحة الحلول في) آمد السوداء (. قال في اللباب هي بمد الألف وكسر الميم وفي آخرها دال مهملة مدينة من الإقليم الرابع من ديار بكر وهي على غربي دجلة كثيرة الشجر والزرع. قال ابن حوقل وعليها سور في غاية الحصانة. قال المعاصر الشيخ رفاعة المصري في التقريبات الشافعية يظن أنه من بناء الرومانيين وأهلها أربعون ألفاً منهم نحو عشرين ألفاً نصارى) وأقول (أنها تشتمل على جوامع نفيسة ومدارس لكنها لخلوها عن التدريس غير أنيسة وطولها على ما في كتاب الأطوال) سرك (وعرضها) لزج (وفي الرسم طولها) سزن (وعرضها) لزنيب (وفي القانون طولها) لزل (وعرضها) لزمة (وفي المقاصد العوالي طولها) عج (وعرضها) م (ولعله المعول عليه وقد اعتبره من الجزائر الخالدات دون ساحل أوقيانوس) وفاتحها (أبو عبيدة رضي الله تعالى عنه واشتهرت بديار بكر وهو في الحقيقة اسم لذلك القطر الذي هي فيه وسمي به لأنه كان ينزله بكر بن وائل بن قاسط بقومه وفي التقريبات ربما سميت أيالة بكر باشوية بغداد وكانت أيالة الجزيرة وديار بكر وهي ما بين دجلة والفرات تسمى عند اليونانيين) ميشوبوتاميا (وفي نشوة المدام. ما يتعلق أيضاً بهذا المقام. فارجع إليه إن أردته) وسألني (بعض مدرسيها المشهورين بين أهاليها عن قول العلامة البيضاوي. فإن مجرد الكف لا يوجب نفي التعرض في تفسير قوله تعالى في سورة النساء فإن لم يعتزلوكم الآية. فذكرت له ملخص ما ذكره في رسالة مستقلة الفاضل سليمان أفندي ابن الحاج أحمد المدرس بالمدرسة الشعبانية. المشروطة للغرباء في حلب المحمية. ثم أخرجت لهم الرسالة فقالوا الحمد لله على الخبير سقطنا. ومن درر البحر الغزير التقطنا. فلننقل لك ملخص ذلك. مما كان هنالك. مع ما يزيدك بصيرة من عبارة البيضاوي. بيض الله تعالى غرة أحواله يوم تهوى بسود الوجوه المهاوي) فأقول (قال قدس سره. فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم بأن لم يتعرضوا لكم وألقوا إليكم السلم الاستسلام والانقياد. فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً فما أذن لكم في أخذهم وقتلهم. ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم وينبذوا إليكم العهد ويكفوا أيديهم عن قتالكم. فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم حيث تمكنتم منهم فإن مجرد الكف لا يوجب نفي التعرض انتهى. فأقول قوله إن مجرد الكف الخ. تعليل لاعتبار إلقاء السلم في المفهوم المخالف من قوله تعالى فإن لم يعتزلوكم الخ. فالمعنى وإنما اعتبر إلقاء السلم في المفهوم المخالف لأن مجرد الكف لا يوجب نفي التعرض لا من جهتهم لإمكان تعرضهم باللسان وغيره ولا من جهتنا وهو ظاهر وإذا لم يوجب مطلقاً فاعتبر إلقاء السلم في هذا القول فإن مجرد الكف والاعتزال وعدم القتال لا يوجب نفي التعرض وإذا لم يوجب فاعتبر إلقاء السلم في هذا القول وفيه بعد ما لفظاً بخلاف الأول وكلا الوجهين إذا كان قوله تعالى ويكفوا معطوفاً على النفي وتوجه النفي إلى الجمع كما هو الظاهر. ويمكن أن يكون معطوفاً على النفي ويتوجه النفي إلى الأولين فقط لا إليه ويكون المتوجه إليه هو الشرط المتوجه إليهما وسقوط النون لذلك ويكون المعنى فإن لم يعتزلوكم اعتزالاً كلياً ولم يلقوا إليكم السلم بل اعتزلوكم اعتزالاً جزئياً ويكفوا أيديهم عنكم فخذوهم الخ. فإن مجرد كف اليد لا يوجب نفي التعرض وإذا لم يوجب فخذوهم واقتلوهم فهو تعليل للتالي في الشرطية الثانية ولعل هذا أقرب لفظاً ومعنىً ويؤيده تأخير قوله تعالى ويكفوا عن قوله سبحانه ويلقوا مع أن مقتضى الظاهر والمناسب لترتيب أجزاء المقدم في الشرطية الأولى تقديمه عليه فتأخيره عنه والعدول عن مقتضى الظاهر يشعر بعدم توجه النفي إليه ويؤيده أيضاً أن السبب في نفي التعرض لهم مجموع أمرين. أحدهما اعتزالهم المراد بعدم قتالهم وكف أيديهم عن المسلمين. وثانيهما إلقاؤهم السلم إليهم كما هو المفهوم من الشرطية الأولى وإذا كان كذلك فانتفاء أحدهما يكفي في انتفاء نفي التعرض ولا حاجة إلى انتفاء الآخر وإلا يلزم الواسطة وتفوت المقابلة فافهم وإنما قلنا فالمعنى فإن لم يعتزلوكم اعتزالاً كلياً لقرينة المقابلة وليكون رفع إيجاب كلي فلا
يناقض الإيجاب الجزئي ويفهم منه حكم السلب الكلي فإنهم إذا لم يعتزلوهم أصلاً ولم يلقوا السلم ولم يكفوا أيديهم فأخذهم وقتلهم بالطريق الأولى وإذا أحطت خبراً بما سمعت من المقال علمت اندفاع ما قاله ابن الكمال وهو أن قوله تعالى ويكفوا إن كان معطوفاً على المنفي فأين الكف حتى يقال فإن مجرد الكف لا يوجب نفي التعرض وإن كان معطوفاً على النفي يلزم التناقض انتهى واندفاعه على كل من الشقين كما لا يخفى على ذي عينين ثم ينبغي أن يعلم أن الاعتزال وعدم القتال وعدم التعرض وكف الأيدي كلها شيء واحد ويشير إليه قول المصنف بأن لم يتعرضوا لكم فعطف فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم من قبيل عطف المفصل على المجمل ويؤيده الفاء وكذا العطف في قوله تعالى ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم في المآل على التقدير الثاني وأما على التقدير الأول فمن قبيل عطف الخاص على العام ويمكن أن يكون الاعتزال أعم من عدم القتال فالعطف من القبيل الثاني وإن يعلم أن قول المصنف وينبذوا إليكم العهد تفسير لقوله تعالى ويلقوا إليكم السلم على أن يتوجه النفي إليهما ويؤيده السياق والسباق ودأب المصنف والواو وإليكم كما لا يخفى وليس بإضراب ولا ترق لآباء المذكورات عن ذلك. وأيضاً إذا لم يوجد إلقاء السلم والعهد فكيف يتصور نقضه وإبطاله على أنه يلزم على تقدير الحمل عليهما ثبوت الواسطة ويبقى حكمها مجهولاً ولا يفهم بالطريق الأولى فتأمل جميع ذلك. والله تعالى الهادي لأوضح المسالك. هذا خلاصة ما في الرسالة وللبحث في بعض ما ذكره مجال كما لا يخفى على فحول الرجال لكن علماء آمد قنعوا وفرحوا بما سمعوا وفي الآية الجليلة كلام تستحسنه إفهام ذوي الأفهام فارجع إلى تفسيرنا روح المعاني تجد من ذاك ما هو ألذ من رنات المثاني) ولقد سئلت (أيضاً عن مسائل يطول الكلام بذكرها من غير طائل) وأقمت (نيفاً وعشرين يوماً في آمد السوداء بعيشة خضراء ونعمة بيضاء بين قوم يتوددون ولإقامتي فيهم إلى الأبد يودون بيد أني ما شمت فيهم من ذاق حلاوة كلام العرب ولا شممت من أردان شمائلهم نفحة علم الأدب ولا وجدت عندهم كتباً أدبية أرتع في حدائقها وأستمتع ما دمت بين ظهرانيهم بصافيها ورائقها وأسرح طرف الطرف في طرفها وأتلذذ بموائد مبسوطها وفواكه نتفها فبقي طائر قلبي في قفص الحيرة حبيساً وغدا لي يوم الوحشة في عش الدهشة أنيساً:
ما في الركاب أخو وجد نطارحهحديث نجد ولا خل نجاوبه
) فبينما (أنا في ذلك الحال أترقب أن تميط بنان العناية عن لبي قشر البلبال هبت علي من جانب أرزن الروم نسمة نداء عطس منها عرنين فؤادي المزكوم فجعلت أشمشم جيوبها وقد استطيبت هبوبها وأسألها عن مهبها ومعطر أردان ثوبها فقالت مهبي فجر الوفاء ومعطر أردان ثوبي فخر الوزراء) حضرة محمد حمدي باشا (لا أنتعش معاديه ولا عاشا وهو يدعوك للقدوم إلى جنابه الفسيح فإن أردت شرح حواشي صدرك فاركب إليه ولو متن الريح فعندما تحققت ذلك نشرت جناحي وطويت لأجله سباسب المسالك لكني لم أصل إليه إلا بعد مقاساة أخطار وأشرفت غير مرة على أودية تيار حيث غدا معظم سيري على مناطق جبال غدت في الارتفاع معادلة لمنطقة معدل النهار لو رآها راء في منامه لفزع أو تهدد بسلوكها جان من الجان لجزع ولعمري لولا فسحة الأجل لنر أن يقال سلم البائس أو وصل ولصفق على أهل الوداد صفقة المغبون ولا التحقت بألف ألف ألف ألف ألف هالك أو يزيدون ولما حللت مغناه وحققت صورته ومعناه وجدت ما شغلني عن الأهل والوطن وأذهلني عن كل صفي وسكن وإنساني طوق إحسانه الذي طوقنيه هاتيك المناطق وصغر في عيني كبيراً إكرامه الذي أكرمنيه ما عاينته من البوائق وظفرت منه بضالتي المنشودة وبغية نفسي المفقودة:
ونلت مرادي فوق ما كنت راجياًوليس ورا ذاك الذي نلت مطمع
) وأرزن الروم (بفتح الهمزة وسكون الراء المهملة وفتح الزاي المعجمة وبعدها نون وهي مضافة إلى الروم بلدة من الخامس من أرمينية وهي آخر بلاد الروم من جهة الشرق وفي شرقها وشمالها منبع الفرات ذات قلعة حصينة في الجملة ودور ظريفة وجوامع جليلة جيدة الهواء شديدة الشتاء وهو فيها ثمانية أشهر. ومن الناس من يقول امتداد شتائها كامتداد صيف بغداد. وأهلها على ما في التقريبات تسعة وسبعون ألفاً. وقال بعض المعاصرين من الجغرافيين أنهم يزيدون على مائة ألف وطولها على ما في الأطوال) سط (وعرضها) ما (وفي الرسم طولها) مو (وعرضها) لطية (وقال ابن سعيد طولها) سد (وعرضها ميل (وفي بعض كتب الجغرافيا لبعض المعاصرين طولها) نطيا (وعرضها) مرا (وأيضاً الصحيح) وفاتحها (عياض بن غنم الأشعري أرسله أبو عبيدة بعد أن فتح الشامات في زمن عمر رضي الله تعالى عنه سنة عشرين بعد الهجرة وهو الذي فتح أيضاً بلاد الأكراد وسعرد وبدليس وما حولها والناس اليوم يسمونها أرضروم وأزروم والأصل ما ذكرناه كما في القاموس وغير كتاب من كتب الجغرافيا. وبالإضافة إلى الروم تميزت عن أرزن غير مضافة فإنها من آخر الرابع من أطراف أرمينية عن خلاط ثلاثة أيام وطولها على ما في الأطوال) سه (وعرضها) لح (وقال ابن سعيد طولها) سو (وعرضها) لطى (ولم يتعرض لها المعاصر لأنها خراب وغير مشهورة ومثلها في الخرابية خلاط المشهورة بين العوام بأخلاط فهي اليوم يتجاوب في نواحيها اليوم وتتناوح في أراجيها الريح السموم. يستوحش فيها الأنيس. ويرثى لمصابها إبليس. ويوشك أن يساويها غيرها في ذلك. لعظم ما قد حل من البلاء لسوء معاملة المأمورين في أكثر الممالك. وفي بعض الكتب أن أرزن الروم كانت تسمى قاليقلا فليراجع.) ومحمد حمدي باشا (هو رجل من رجال إسلامبول. ولد على أيدي قوابل الاعتبار والقبول. وارتضع لبان المجد. وامتهد حجور السعد. حتى ترعرع وبرع. وورد منهل المجرة وشرع. وفاق الأقران. وزاحم منكبه كيوان. فهو اليوم لا يجارى بكرم. ولا يبارى بمحاسن شيم. ذو وفاء وافي. وطبع من كل غش صافي.
أريحي في العلى آثارهشامة لاحت على وجه جميل
آصفي الرأي كم أبدى لنافي الملمات جواز المستحيل
لم يزل صباً بأبكار العلىغير مصغٍ لأحاديث العذول
لا يرى مثلاً له في عصرهغير آحاد لدى التحقيق حول
ورد بغداد في معية حضرة فاتحة قرآن العرفاء. وخاتمة قرون الوزراء) علي رضا باشا (. كان له رضى مولاه سبحانه غطاءاً وفراشاً. فنلت إذ ذاك تفضله. ورقيت إلى ما رقيت بإخلاصي له. فأنا ربيب نعمته. وغرس أيادي أياديه وهمته.
فها أنا شاكر ما دمت حياًأيادي منه لا تجزى بشكر
وبقي في بغداد مدة مديدة. وأعواماً على عامة أهل وداده سعيدة. وهو في جميع تلك المدة بدر سماء وزارة ذلك الوزير. ونجمها الذي يهتدى به في ليل المشكلات ذلك المشير. وكان عليه الرحمة وهو المهاب يهابه. ويهوله وهو البحر الخضم عبابه. ثم رجع لأمرٍ ما إلى الأستانة العلية. فخطبته حوراء الوزارة البهية. ولم تزل تراوده حتى نكحها كرهاً وما كان في قلبه من قبل أن يمنحها وجهاً.
رب شخص تقوده الأقدارللمعالي وما لذاك اختيار
غافل والسعادة احتضنتهوهو عنها مستوحش نفار
وقد تشرفت بولايته عدة أيالات. وما انفصل من أيالة الأواصل أهلها البكاء لما أضحكهم من أياديه السالفات. وكان بينه وبين المرحوم) علي رضا باشا (قرابة سببية. وكانت أقوى من كثير من القرابة النسبية. وذلك أنه كان متزوجاً بخالته. ولذا اتحدت حالته بحالته. وكان هو متزوجاً ببنت درويش باشا الصدر الأعظم. وبعد وفاته خرجت عليه الصدور فصودر بما الله تعالى بمقداره أعلم. وكان أبوه رئيس وزراء العساكر البحرية. وكان داهية دهما مع ديانة وأياديه البيض أدهمية. وهو زاده الله تعالى في الآخرة انتعاشاً. مشهور في البر والبحر بسيدي) علي باشا (. وسبب ذلك أنه كان والياً في الجزائر. وكان يجلب بملاطفته قلوب أهلها الأكابر والأصاغر. فكانوا يخاطبونه على وجه التعظيم بسيدي بالتخفيف. وكذا كانت عادتهم في خطاب كل جليل شريف. فاشتهر بذاك. من بين وزراء الأتراك. تغمده الله تعالى برحمته. وأسكنه الغرف العلية من جنته.) وبالجملة (حضرة المترجم. حفظه الله من كل ألم. لا نظير له في الوزراء حسباً ونسباً. وأنه لكريم الطرفين أماً وأباً.
يا من يناظره بالغير من ملكهداك ربك ما دير كمسجده
والفرق واضح ليس فيه مشتبه. بين من يفتخر بالوزارة ومن تفتخر الوزارة به. وكم بين من كلمت رقبته بشفاه الرق يد النخاس. ومن ملكت رقته بما تفضل به من أكياس الورق رقاب الأحرار الأكياس. وهيهات أن يقاس وزير يتلون تلون الحرباء بين شقاق ونفاق. بوزير صبغه الله تعالى بيد النعماء فغدا يختال ببياض محاسن الأخلاق. ولا يغرنك أن هذا وزير وذاك وزير. فبين النجم والنجم فرق كبير وبعد كثير.
قد يبعد الشيء عن شيء يشابههإن السماء نظير الماء في اللون
أسأل الله تعالى أن يعطيه سؤله. ويبلغه عن قريب مأموله. ويوالي مواليه. ويعادي سبحانه معاديه) وأقمت (نحو خمسة وعشرين يوماً في أرزن الروم. وقدر بين أجلة أهاليها يسامت النجوم. وقد أخذ عني كثير من فضلائها الكرام. وألبست خرقة الأذن غير واحد من علمائها العظام. وصنع لذلك طعام وفير. أكل منه الغني والفقير. وكان ذلك في يوم مشهود. هو عند الأجلة من أجل الأعياد معدود. وكل ما قد كان. من آثار ذلك الوزير العلي الشأن. وفي نشوة الشمول. بعض إجازات حررتها لأولئك الفحول. أن أحببت الوقوف عليها. فأرجع هديت إليها. وبعد أن استوفينا ما قسم لنا من الخبز والماء. وأتممنا ما كتب علينا من الإقامة في هاتيك الأرجاء. خرجنا مع حضرة الوزير المشار إليه. لا زال السعد آخذاً بضبعيه. متوجهين بسرور واستئناس. إلى محل ولايته بلدة سيواس. حيث أنها نادته ليكشف بنسائم رأفته عنها غيوم الغموم. فوجهت له لحسن حظ أهلها بدل أيالة أرزن الروم. فنالت من توجيهه إليها مناها. وآلت أختها من فراقه إياها تبكي شجاها.
بذا قضت الأيام ما بين أهلهامصائب قوم عند قوم فوائد
ولم نزل في حل وارتحال. نفري بطون أودية ونفاق هام جبال. حتى دخلنا في يوم مشهود) سيواس (. فجعل سامري النصب وطالما سامرناه ينادي لا مساس. وهذه البلدة بكسر السين المهملة وسكون المثناة التحتية وفتح الواو وبعدها ألف وسين مهملة وهي بلدة من الخامس وقاعدة أرمينية الصغرى التي كانت تسمى بلاد الروم. وملوكها يلقبون بملوك الروم. والبلد في سهل من الأرض على نهر يقال له) قزل أورماق (يقرب منبعه منها وهي مدينة وسخة ردية البناء شديدة الشتاء بنى لها السلطان علاء الدين السلجوقي عليه الرحمة سور من حجارة فخربه تيمورلنك ملك المغول يوم خربه مع المرحوم السلطان بايزيد العثماني واستيلائه عليه واتفق تاريخ ذلك لفظ) خراب (. وتشتمل اليوم على جوامع وحمامات وأسواق. دون ما كان أولاً حين استولى عليها الطاغية تيمور. ويقال أنها تشتمل اليوم على نحو ألف دار. وقيل على أكثر من ذلك بقليل وهي قليلة الأشجر والثمار. وطولها على ما في الأطوال) سال (وعرضها) مى (وقال ابن سعيد طولها) لطيا (والله أعلم بالصواب. وفيها علماء أفضلهم) جاشغون أفندي (المفتي وهو على كبر سنه أشد حياءً من ذوات الحجال. وعلى قلة ذات يده أكرم من ابن مامة وابن سعدي بين الأمثال. وفيها وجوه أوجههم من زمرة العلماء. رجل يقال له) أوليا أفندي (كان مفتياً فترك باختياره الإفتاء. حيث رأى الابتلاء بذلك من مر القضاء. فهو اليوم في ذلك البلد. محترم مكرم عند كل أحد. ذو خلق ألطف من النسيم. وفكاهة ألذ من التسنيم. ولباس كلباس الشيوخ. غير أنه ليس له مثلهم فخوخ. فكأنه أحد الأولياء. في هاتيك الأرجاء. وأوجههم من سائر الناس. ذو الذهن المزري بالنبراس. صاحب الأخلاق الحسان. حر النفس) عبدي أفندي (خواجكان. وهو الذي نزلت في داره العامرة. فكانت سحب هممه بوابل المسرة لي غامرة. رأيته ينشد بلسان حاله. وشفتي فضله وأفضاله.
وإني عبد الضيف ما دام نازلاًوما شيمة لي غيرها تشبه العبدا
) وبقيت (هناك خمسة أيام. ثم توجهت جهة مقصدي بسلام. وقد أثقل ركابي ببره. فخر وزراء عصره. فخرجت من عنده وكل شيء عندي. ولذا قرت عليه بعد الله ﷿ حمدي.
وإن أنا لم أشكر لنعماه جاهداًفلا نلت نعمي بعدها توجب الشكرا
ولم أزل أحث العملات. حتى أتيت مدينة) توقات (. وهي على ما ف أوضح المسالك بضم التاء المثناة من فوق وسكون الواو وفتح القاف ثم ألف وتاء مثناة كالأولى بلدة صغيرة في الروم من الخامس في لحف جبل من تراب حمر انتهى. وذكر الشيخ رفاعة الطنجاوي في التقريبات أن أهلها مائة ألف. وقال بعض الجغرافيين من الروم المعاصرين أنهم يقربون من ذلك وتصنع فيها آنية النحاس وتحمل منها إلى كثير من البلاد لجودتها وبجوارها يخرج العنب الجيد وفاكهتها كثيرة وطولها على ما في الأطوال) سال (وعرضها) ماي (وكثير من الناس يقولون طوقات بالطاء أولها وبعضهم يبدل التاء آخرها دالاً والأصل الصحيح ما ذكرناه ومعظم أهلها أهل حسد ودناءة. وارتكاب ورداءة. وليس بين سكنتها اليوم في مكارم الأخلاق مثل) خان أفندي (وأصله من أهل غازي قمق هاجر من بلده فسكن بعد اللتيا والتي بينهم في ذلك المغنى. فهو لعمري هناك غريب حساً ومعنى. وأرداهم طبعاً. وأكثرهم للمساوي جمعاً. مفتٍ فيها اسمه أحمد. فقد أطفئ بصرصر أخلاقه نور الإفتاء وأخمد. وقد أحسست منه بكبر وحسد. وغل وحقد. وعجب ومكر. وجبن وبخل وشر.
مسا ولو قسمن على الغوانيلما أمهرن إلا بالطلاق
) واتفق (أن ذهبت يوم دخلت إلى جامع لاستماع الوعظ. فوقعت على واعظ كبا به جواد الحظ. فأضخت بعد أن قعدت حيث يسمع قوله. فإذا هو يقرأ خبر سبعة يظلهم الله في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله. فغلط والله في لفظ الخبر. سبع غلطات أو أكثر. وقبل الشروع في التفسير والتأويل. ذكر حديث دنو الشمس من رؤوس الخلائق في المحشر قدر ميل. ثم قرر ما قرر. وأجرى من عيون المستمعين العبر. وبعد أن ختم. وقبلت منه اليد والقدم. تقدمت إليه. وسلمت عليه. وقلت يا سيدي. أنا مستفيد فأفدني. كيف يكون للعرش ظل والشمس دونه. على ما يقرره المحدثون ويذكرونه. فاصفر وجهه وتلعثم. وجعل يلوك بلحييه ولا يستطيع أن يتكلم. فعدا على من أقصى الجامع رجل قصير. فقال لي ألست تؤمن بأن الله تعالى على كل شيء قدير. فقلت بلى. أنا مؤمن بقدرته على جميع الممكنات جل وعلا. فقال إذن يلزمك أن تؤمن بأن للعرش ظلاً على الأرض. وإن اقترن به عامل الرفع واقترن بالشمس عامل الخفض. وأمر الآخرة غريب. بل كل شأنها عجيب. ثم أكثر الهراش علي. فجعلت أعدو والتفت مخافة أن يعض رجلي. وسألت عنه فقيل لي هو أمين الفتوى. وأنه شرير عديم التقوى. فقلت وافق شن طبقة. وسبحان من أتقن كل شيء خلقه. وهذا السؤال مشهور. وهو في كتب الحديث مسطور. وقد أشار إلى جوابه المناوي في شرحه الكبير للجامع الصغير. فقال أضاف الظل إلى العرش لأنه محل الكرامة. وإلا فالشمس وسائر العالم تحت العرش ليس شيء فوقه يظل منه انتهى. وجوز أن لا يراد بالظل حقيقته بل الحماية. والإضافة إلى العرش لتعظيم شأنه. وكذا جوز أن يكون الكلام خارجاً مخرج الاستعارة التمثيلية ويراد أيضاً الحماية والحفظ من أهوال يوم القيمة فتأمل. وقد نظم أبو شامة معنى الحديث فقال:
وقال النبي المصطفى أن سبعةيظلهم الله العظيم بظله
محب عفيف ناشئ متصدقوباك مصل والإمام بعدله
وذيلها الحافظ ابن حجر. بأبيات أخر. ولا حصر عنده بسبعة كما صرح بذلك في أماليه. وفي رسالته التي سماها معرفة الخصال. الموصلة إلى الأظلال. وأنهى السخاوي والجلال السيوطي فيما ألفاه في ذلك تلك الخصال إلى تسعين خصلة ولذا قيل العدد في الخبر السابق لا مفهوم له فليحفظ. وهذا استطراد فلنكتف بهذا المقدار. مخافة الملل من الإكثار. ولم أبق في توقات سوى ليله. لما أني رأيت من أهلها حشفاً وسوء كيله. ولم أزل في عروج على معارج الجبال إلى النجوم. وهبوط في مدارك الأودية إلى التخوم. فما أتيت) سامسون (. إلا بعد أن كادت تصفق على الأحبة صفقة المغبون. وهي بالسين المهملة ثم ألف وميم وسين ثانية وواو ونون مدينة من السادس من سواحل الروم. وهي فرضة مشهورة قال في تحفة الآداب سميت بسام ابن نوح ﵉. وفي جهان نما بدل السينين صادان والعامة يسمونها صمصوم بصادين مهملتين بينهما ميم وبعد الثانية واو بعدها ميم. قال ابن سعيد هي على شرقي نهر يخرج من عند أماسية ويمر حتى يصب في البحر عند سامسون. وقال غيره لها قنى وعليها بساتين وهي في وطاءة والجبل من جهة الجنوب منها متصل شرقاً وغرباً بساحل البحر وهو البحر الأسود ويسمى البحر الأزرق وبحر القرم ويقال له في القديم بحر نيطش بنون مكسورة ثم ياء مثناة تحتية ساكنة ثم طاء مهملة مكسورة ثم شين معجمة وفي مختصر معجم البلدان لصفي الدين عبد المؤمن ما يستفاد منه أنه بنطش بباء موحدة ثم نون ساكنة بعدها طاء مهملة اكنة وآخره سين مهملة. وحكى صاحب الأصل ياقوت الحموي أنه كذا وجده بخط أبي الريحان وهو يبتدئ من طرف بلاد الترك في الشمال ويمتد إلى ناحية الغرب والجنوب ويتضايق حتى يصب في بحر الروم ويكون خليجاً في مصبه وهو خليج القسطنطينية وله جرى ما يظهر هناك ولا يكاد يدرك سبب ذلك إلا بحراً في العلم مديد وهو أشد خطراً من بحر الروم الذي يصب هو فيه) وطول سامسون (على ما قال ابن سعيد) نطك (وعرضها) مويح (. ومن العجب أن حماماتها مربع للولدان. ومرتع للغزلان. إلا أن معظم أهلها ذياب. وأكثر أهل السوق أجلكم الله تعالى كلاب. وقد) سألني (عن عدة مسائل بعض الأخيار. من أهمها الجمع بين حديثي أطفال المشركين في الجنة والوائدة والموؤدة في النار. فقلت أن الإمام النووي عليه الرحمة في شرح مسلم قال في حديث الوائدة معنى الوائدة والموءودة في النار. القابلة التي كانت تستر الولد في الأرض والموءودة لها وهي أم الولد في النار. وبهذا يتجلى الغبار.) ثم إنا (ركبنا البحر الأسود لطلب العيش الأخضر. وأذاقه البدو الأزرق طعم الموت الأحمر. فقاسيت من أهواله ما يذيب المهج. وحدث عن البحر ولا حرج.
البحر صعب المذاق مرلا رجعت حاجتي إليه
أليس ماء ونحن طينفما عسى صبرنا عليه
وجعلت نفسي تلوم. وتتمنى لو بقيت في صمصوم. فقلت لها دعي اللوم. وعي قول لابنة القوم:
وقائلة أراك ركبت بحراًيشيب فذال قلبك من كروبه
وتهرب فلكه شرقاً وغرباًوترهب من صباه ومن جنوبه
فقلت دعي الملام فقد دعتنينوازل يا أميم إلى ركوبه
) ثم أني (لم أزل أذكرها يوم اتهم الهم بها وانجد. حتى أنسيتها ما نزل بها من الموت الأحمر الأسود. فتركت عذلي. وعدت أطوع إلى من ظلي.) وفي اليوم الرابع (لثمت شفاه العيون ثغر القسطنطينية. وشربت أفواه القلوب خمر السرور بجام رؤية قصورها العلية. وريثما انسابت سفينة الدخان في الخليج سكن اختلاجها. وانجلى عن أفق سمائها دخان أحشائها وعجاجها. ثم أخرجت أثقالها. كأن ربك أوحى لها. فصدر الناس عنها أشتاتاً. بعد أن كانوا فيها أمواتاً. وصدرت أنا إلى بيت) حمدي باشا (. فوردت فيه من حياض الراحة ما زادني انتعاشاً. وكان ذلك البيت الأجل عند الساحل. في محل يسمى جنكل. وهو بمرأى من القسطنطينية ومسمع. ومقعد بين شعبها الأربع. فبقيت هناك مدة. قعيد مخدرة الوحدة.
فلا صديق إليه مشتكى حزنيولا أنيس إليه منتهى جذلي
وعطرت هناك أردان وحدتي. بنفحة رسالة ذكرت فيها إلى الريحانتين نسبتي. مع ذكر نسبة آخرين. غدوا في البلاد متفرقين. وبعد عدة أيام دخلت القسطنطينية. وبلغت من الحلول فيها الأمنية. وهي بضم القاف وسكون السين المهملة وفتح الطاء الأولى وقد تضم وبعدها نون ثم طاء مكسورة وبعدها ياء ساكنة ثم نون بعدها ياء مشددة وقد تسقط هذه الياء فيقال قسطنطينة. قال الشيخ رفاعة في التقريبات الشافية لمريد الجغرافية كانت هذه المدينة في سالف الأعصر قرية من قرى طراسة التي هي الآن روملي وكانت تسمى ليغوس ثم صارت بعد نزول قبائل اليونان تسمى بيزنطيا) ولما (صارت تحت مملكة الرومانيين سمين نيي روما أي رومة الجديدة ثم أبدلوا هذا الاسم بالقسطنطينية. وفي كتب تواريخ المسقو تسمى زرغورود يعني المدينة الملكية والبلغار والأولاف يسمونها زرعوراد وأهل جزيرة أسلندة والسكندناوية كانوا يسمونها في القرن العاشر من تاريخ الميلاد مكلا غرد أي المدينة الكبيرة) وأما إسلامبول (فلفظ مركب من كلمة يونانية وكلمة عربية والمراد مدينة الإسلام انتهى. وفي القاموس أنها تسمى بوزنطيا وفي موضع آخر منه أنها تسمى فروق أيضاً. وذكر ماغريفوريوس في مختصر الدول أن قسطنطينوس قصر القاهر ملك اثنتين وثلاثين سنة وفي السنة الثانية له ملك على الفرس ابور بن هرمز واستمر تسعاً وستين سنة وفي السنة الثالثة بنى لبوزنطيا سوراً وزاد في ساحتها أربعة أميال وسماها قسطنطينية ونقل الملك إليها. وفي السنة السابعة استعد لغزو مكسانطيس بن بنت يوز فيلطيانس لأنه لم يبايعه وغلب على رومية وكان قسطنطينيوس يفكر إلى من يلجئ أمره في هذا فبينما هو كذلك رفع رأسه إلى السماء نصف النهار فرأى راية الصليب في السماء مثل النور وقد كتب فيها بهذا الشكل تغلب فصاغ له صليباً من الذهب وكان يرفعه على رأس رمح ثم أنه غزا رومية فخرج إليها مكسانطيس فوقع في نهر واختنق وافتتح قسطنطينيوس مدينة رومية وبنى في القسطنطينية بيعة عظيمة وسماها أجياسوفيا أي حكمة القدوس. وفي أيامه حاصر سابور مدينة نصيبين ثلاثين يوماً وبدعاء أسقفها مر يعقوب وتلميذه مارا فريم رحل عنها خائباً ومات قسطنطينوس سنة اثنتين وأربعين وستمائة للإسكندر يوم الأحد لثمان بقين من أيار وكان قد قسم ملكه بين بنيه الثلاث فأعطى ابنه الكبير المسمى قسطنطينوس مصر والشام وما بين النهرين وأرمينية وأعطى ابنه الأوسط المسمى قطنطيس مصر والشام وما بين النهرين وأرمينية وأعطى ابنه الصغير المسمى قسطوس رومية وسفاينا وما يليها من ناحية المغرب ووقع بين هذا والكبير حرب فقتل الكبير في ذلك الحرب. وكان له ابنان غالوس ويوليانس فنصب صاحب مصر غالوس على القسطنطينية مكان أبيه فعصاه فسير عليه جيشاً عظيماً فقتله ونصب أخاه يوليانس مكانه وبعد قليل قتل قسطوس صاحب رومية ومات قسطنطيس صاحب مصر والشام فاستقل يوليانس بجميع الممالك انتهى. وفي القانون المسعودي أنه بنيت بوزنطيا في أيام سنحاريب الصغير من ملوك بابل لأربعة آلاف وثمانمائة وتسع وأربعين سنة من لدن آدم ﵇ وجاء قسطنطينوس المظفر ولد امرأة اسمها هيلالي لخمسة آلاف وثمانمائة وعشرين سنة من لدن آدم ﵇ وتنصر ولثلاث من ملكه بنى سوراً لقسطنطينية وانتقل إليها من رومية. ومن لدن آدم ﵇ إلى الهجرة النبوية على مهاجرها أفضل الصلوة وأكمل التحية ستة آلاف سنة ومائة واثنتا عشرة سنة انتهى. وعليه فبين بناء القسطنطينية والهجرة ألف ومائتان وثلاث وستون سنة وبين بناء سورها والهجرة مائتان وإحدى وثمانون سنة. ونقل عن التاريخ الكامل لابن الأثير أن الملك قسطنطينوس لما بنى مدينة قسطنطينية سماها استنبول ومعناها بلغتهم دار الملك انتهى. والمشهور أنه سماها بالقسطنطينية. وفي التقريبات الشافعية أن الملك يستنبان بنى فيها كنيسة في القرن السادس قبل الميلاد وهو قرن ولادة المصطفى ﷺ فاشتهرت عند العامة باسم بنته صوفية. فلما فتحت إسلامبول بالإسلام جعلوها مسجداً وسموها أيا صوفيا انتهى. ولعل هذا أقرب إلى التحقيق وأيا بفتح الهمزة والياء بعدها مخففة ومعناه على ما سمعت خانم أي سيدة جليلة كقولهم خاتون وهذه الكنيسة على ما رأيت في بعض الكتب معمارها من أهل بابل فإن الحضارة فيهم أقدم وأتم وسمعت أنها كانت من
النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع