تجاوز إلى المحتوى

من «غرائب الاغتراب ونزهة الألباب» لشهاب الدين الألوسي (ت ١٢٧٠هـ)

خاتمة

ونسأل الله حسنها. إذا طويت المراحل وبلغ الكتاب المنتهى. في أبحاث علمية. ومسائل أدبية. جرت سواقيها. في رياض المحاورة مع شيخ الإسلام. ولم تكن لتصب في حياض المناظرة مع ذلك القمقام. وإنما كانت محض حمض. لا لغرض سواه عرض. نعم لم أتخل عن موافقة هواه. حيث شعرت منه أنه يحب العلم ويتمنى أن لا يكون له شغل سواه. وكم رأيته يتنفس الصعداء على أوقات له حلت ومرت. وجلت إذ تجلت فخلت وما استمرت. حيث كانت الفواكه العلمية أقواتاً لهاتيك الأوقات. والفكاهات الأدبية نزلاً لما يمر به من ضيوف الساعات. ومجلسه اليوم مع هذا غاص في كثير من ساعاته بالمباحث العلمية. وهو سلمه الله تعالى لا زال ينتهز الفرصة متى وجد أهلاً لكلماته فيحشي سمعه من درره البهية. لكن ذلك الأهل هنالك كالأبلق العقوق. ومسايره في هاتيك المسالك أعز مثالاً من بيض الأنوق. لأنه سلمه الله تعالى وقف لكثرة كتبه. على حقائق ودقائق لم يقف عليها جميع صحبه. وتضلع بحر أدب. من كل حبر من علماء جزيرة العرب. وعلماء القسطنطينية. أجهل الناس بالفنون الأدبية. ولذا ترى كلامه إياهم السكوت. وهم لا يسألون منه إلا المناصب والقوت. وأما الشعر العربي فطريقة بينهم بالكلية غير مسلوك. ولا بدع فالعربي بين الترك من قديم متروك. هذا.

) فمن هاتيك الأبحاث العلية (التي ذهب أكثرها من ذهني بالكلية. وهو في مبادئ ابتسام ثغر مقاصدي بالجلوس في مجلسه. وابتهاج مواقفي بإشراق أنوار طوالع أنسه. وأوائل توجهه لجبر كسر قلبي. وسعيه في تكذيب ظنون السوء بي. أنه قال ماذا أجبت عن السؤال. في قول الله الملك المتعال.) يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم (فقلت يا مولاي وما السؤال فليس لي به وحرمة علمك علم. فقال هو إن بعض الظن إثم في موقع التعليل. لما تضمنه ما قبله من الكلام الجليل. مع أنه لا استلزام بين اجتناب الكثير. وكون بعض الظن إثماً موقعاً في الأمر الخطير. فيجوز أن يجتنب المؤمن الكثير من الظن ويتقي. ويكون البعض الذي هو إثم فيما بقي. فحيث كان هذا في المبادئ. لم يساعدني على الجواب لساني وفؤادي. فلم أنطق ببنت لساني. حتى أنك لو رأيتني لتوهمت أني عديم بياني. فقال ما لك سكت عن البيان. وأنت مفسر القرآن. فقلت يا إمام ذوي التدقيق على التحقيق. ومن إذا دارت رحى فكره ذرت على ذوي المتربة بكل معنى دقيق. قد ضعفت ذهني لقوة هذا السؤال. وجف فمي لمزيد حرارة تعجبي من طراوة ذلك المقال. وأني قد صرفت نقد عمري في تتبع دقائق كرائم الآي. فلم أظفر إلى هذه الساعة بهذه الدقيقة التي تفضل بها حضرة مولاي. فأفد فديتك عبدك. وابن له لا بنت ما عندك. فقد شرد أسد جلالك مهاة لبي. وخطف من يدي بازي سؤالك قطاة قلبي. فتبسم وقال. مجيباً عن السؤال أن مبنى هذه المسألة المشكلة. ظن أن كثيراً مفعول به لاجتنبوا ومن الظن متعلقاً به يندفع السؤال. وتنحل عقدة الإشكال. كما لا يخفى على منتبه إذ يكون المعنى ح اجتنبوا من الظن اجتناباً كثيراً. وأبعدوا عنه بعداً وفيراً. فإن بعضه إثم. فيكاد يقع فيه من لم يجتنبه عن غير علم. فقلت يا مولا لا زلت ولي كل نعمة. وكشافاً بنسائم التقرير عن معالم أفئدة الطلبة غمائم كل غمة. فلقد أتيت بما لا أظن أن وراءه مرمى لرام. وهيهات أين أذهان أطفال العلماء من ذهن شيخ الإسلام. فسكن وسكتنا. وفي أبحاث أخر خضنا. ثم أني راجعت في ذلك تفسير روح المعاني. فرأيتني لم أسلك سبيلاً إلى هاتيك المغاني. واتفق أن أرسلت السؤال والجواب إلى بغداد. ليطلع عليهما علماؤها الأمجاد. فأرسلهما بعض الأجلة إلى الحدباء. فكتب في ذلك عبد الله أفندي العمري رئيس من فيها من العلماء.) وهذا ما كتبه (قوله تعالى) يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظن إثم (أوردوا هاهنا أشكالاً وهو أن المطلوب اجتناب ما هو إثم من الظن وباجتناب الكثير من الظن قد لا يتحقق اجتناب ذلك البعض الذي هو إثم لجواز أن يكون ذلك البعض خارجاً عن تلك الأفراد الكثيرة) وقد أجاب (عن هذا الإشكال شيخ الإسلام حضرة عارف حكمت بك أفندي بأن كثيراً واقع موقع المفعول المطلق ومن الظن متعلق باجتنبوا أي اجتنبوا من الظن اجتناباً كثيراً ولا تقربوه أصلاً لأن بعضه إثم وكل ما هذا شأنه ينبغي أن يجتنب اجتناباً كثيراً ولا يقرب خشية الوقوع فيما هو إثم منه انتهى.

) أقول (يرد على هذا الجواب أن اجتنبوا لا يتعدى بمن بل هو متعد بنفسه قال تعالى) إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه (الآية وقال تعالى) فاجتنبوا الرجس من الأوثان (وإن حملناه على زيادة من يرد عليه إن من تزاد إلا في البكرة الواقعة بعد نفي أو شبهة إلا على قول ضعيف لا ينبغي حمل التنزيل عليه. وأيضاً الحرف الزائد لا يتعلق بشيء. ويمكن أن يجاب بأن قوله تعالى من الظن متعلق باجتنبوا على سبيل التضمين. والمعنى اجتنبوا متباعدين من الظن أو تباعدوا من الظن مجتنبين له اجتناباً كثيراً في الاجتناب معنى التباعد وهو يتعدى بمن قال تعالى) وما هي من الظالمين ببعيد (فيكون من قبيل ذكر اللازم وإرادة الملزوم. ويمكن أن تحمل الآية على زيادة من ويكون المراد من قوله من الظن متعلق باجتنبوا التملق اللغوي الذي هو الارتباط بين الشيئين كتعلق المفعول بالفعل. ولما كان الاجتناب عبارة عن الكف عن الفعل كان فيه معنى النفي والظن معرفاً بلام الجنس وهو في المعنى نكرة صح زيادة من فيكون معنى الآية واجتنبوا الظن اجتناباً كثيراً لأن بعض الظن إثم فلا يأمن من لم يجتنب الظن أن يكون ظنه من بعض الظن الذي هو إثم فينبغي تركه بالكلية. والمتبادر من الآية كما ذكره المفسرون أن كثيراً مفعول به لاجتنبوا ومن في قوله تعالى من الظن بيانية كما في قوله تعالى) واجتنبوا الرجس من الأوثان (وعلى ما ذكره شيخ الإسلام من أن كثيراً واقع موقع المفعول المطلق وأن من الظن متعلق باجتنبوا ينبغي أن يكون نظم الآية واجتنبوا من الظن كثيراً دفعاً لما يتوهم من الإشكال المذكور كما قدم من آل فرعون على متعلقه في قوله تعالى) وقال رجل من آل فرعون يكتم إيمانه (لئلا يتوهم تأخيره عنهم أنه ليس منهم. والأولى بقاء الآية على ما يتبادر منها ويقال في الجواب عن الأشكال أن الظن على نوعين حسن وسيئ والسيئ أكثر وقوعاً من الحسن لما جبلت النفوس عليه من سوء الظن والتنوين في كثير للتنويع والمعنى النوع الكثير الغالب الوقوع من الظن وهو الظن السيئ لأنه إثم. ويحتمل أن تكون من للتبعيض والآية من قبيل المجمل المبين بالسنة بالظن السيئ كما في قوله تعالى) فامسحوا برؤوسكم (فإنه مجمل مبين بالسنة بمسح الناصية وإلا فليس كل ظن منهياً عنه بل بعضه واجب كظن المجتهد وبعضه مستحب كالظن الحسن بالمسلمين والبعض مباح كالظن بوجود المطر عند وجود الغيم والمعنى اجتنبوا بعض الظن وهو السيئ اجتناباً كثيراً لأنه إثم وعبر بالظاهر لئلا يتوهم عود الضمير إلى مطلق الظن فيلزم أن يكون مطلق الظن إثماً وليس كذلك والله تعالى أعلم انتهى.

ونوقش في مواضع من كلامه) أما أولاً (فقوله وهو أي التباعد يتعدى بمن فقد منع إطلاقه لما في مجمع البحرين) ما نصه (وفي الحديث من فعل كذا تباعدت عنه النار مسيرة سنة حيث تضمن تعدي التباعد بعن) وأما ثانياً (فالاستشهاد على تعدي التباعد بمن بتعدي البعدية في الآية أعني قوله تعالى) وما هي من الظالمين ببعيد وأما ثالثاً (فقوله بعد اعتبار تضمين الاجتناب معنى التباعد فيكون من قبيل ذكر اللازم وإرادة الملزوم فإنه كلام من لا يعرف التضمين كما لا يخفى على عارف. اللهم إلا أن يقال هذا الكلام توجيه لقول شيخ الإسلام متعلق اجتنبوا يعني أراد أنه متعلق بالتباعد باعتبار التضمين إلا أنه ذكر الاجتناب وأراد التباعد وهذا الذكر من قبيل ذكر اللازم وإرادة الملزوم وليس مراد الموجه أنه في الآية مع اعتبار التضمين كذلك. ثم أن ظاهر كلام بعض المفسرين يشعر بأن الاجتناب صار حقيقة عرفية في التباعد قال وأصل اجتنبه كان على جانب منه ثم شاع في التباعد اللازم له) نعم (إنه ليس نصاُ في ذلك وذكر الشيوع للرمز إلى أن استعماله في ذلك لا يحتاج إلى قرينة كذا قيل فتأمل.) وأما رابعاً (فدعواه أن ذكر الاجتناب وإرادة التباعد من قبيل ذكر اللازم وإرادة الملزوم فإن كلام بعض المفسرين المنقول آنفاً يدل على عكس هذه الدعوى. وقال بعض الحق أنه يصح أن يعتبر كل لازماً وأن يعتبر ملزوماً فبينهما لزوم متعاكس فافهم) وأما خامساً (فقوله الأعلى قول ضعيف لا ينبغي حمل التنزيل عليه. فإنه نوقش فيه بأن ذلك القول لم يبلغ من الضعف إلى غاية أنه لا ينبغي حمل التنزيل عليه نعم حمل التنزيل على الضعيف مطلقاً مع ظهور الحمل على القوي مما لا ينبغي فلا تغفل.) وأما سادساً (فقوله ولما كان الاجتناب عبارة عن الكف عن الفعل الخ فإنه ظاهر في أن الاجتناب حقيقة في الكف عن الفعل وفيه ما فيه.) وأما سابعاً (فتوجيه صحة زيادة من بما ذكره فإن فيه من التكلف ما فيه وكأن هذا إحدى الدواعي لقوله ويمكن أن يجاب.) وأما ثامناً (فقوله وعلى ما ذكره شيخ الإسلام ينبغي أن يكون نظم الآية الخ فقد نوقش فيه فإن ذلك التوهم لوجود ما يدفعه من أن استقامة التعليل لا تتم إلا بجعل كثيراً واقعاً موقع المفعول المطلق لاجتنبوا وجعل من الظن متعلقاً به لا يلتفت إليه ولا تلزم مراعاته فليس هو كالتوهم في الآية التي نظر بها فإنه ليس فيها ما يدفع التوهم الحاصل من تأخير من آل فرعون ولا يخلو هذا عن بحث فتأمل.) وأما تاسعاً (فقوله بعد احتمال كون من للتبعيض وجعل الآية من المجمل المبين بالسنة والمعنى اجتنبوا بعض الظن وهو السيئ اجتناباً كثيراً الخ. حيث أنه لا داعي على ذلك التقدير إلى العدول عن المبتادر من جعل كثيراً مفعولاً به لاجتنبوا وجعله واقعاً موقع المفعول المطلق له كما تضمنه بيان المعنى) وأما عاشراً (فدعواه الإجمال في قوله تعالى فامسحوا برؤوسكم حيث قال بعد التمثيل به فإنه مجمل مبين بالسنة بمسح الناصية فإنه نوقش فيها بأن ذلك غير متفق عليه ففي جمع الجوامع وشرحه وامسحوا برؤوسكم لا إجمال فيه. وخالف بعض الحنفية قال لتردده بين مسح الكل والبعض ومسح الشارع ﵊ الناصية مبين لذلك. قلنا لا نسلم تردده بين ذلك وإنما هو لمطلق المسح الصادق بأقل ما ينطلق عليه الاسم وبغيره ومسح الشارع الناصية. من ذلك انتهى.

والأمر في مثل هذا سهل والرجل حنفي فلا ينبغي أن يناقش فيما ذهب إليه أجلة مذهبه. ووقفت على كلام في هذا المقام لأبي سعيد مولانا محمد الخادمي الشهير) ونصه (مع قليل حذف عرض على أن قوله تعالى) إن بعض الظن إثم (واقع في مقام التعليل لقوله تعالى) اجتنبوا كثيراً من الظن (وإثمية بعض الظن كيف تكون علة الاجتناب عن الكثير ولا استلزام بينهما. فقلت) أولاً (إن هذا مقام خطابي فيكفي فيه الظن يعني أنه وإن لم يوجد لزوم كلي لكن يمكن أن يوجد لزوم ضمني. وقد وقع في بعض حواشي شرح المواقف أن شرطية الكلية في الكبرى إنما هي في القطيعات وأما في الظنيات فتكفي الأكثرية والاستقراء الناقص ثم بعد برهة من الزمان سيق إلى الخاطر الفاتر أنه يمكن أن يكون لفظ كثير كناية عن الكلية وتكون إثمية بعض الظن على للاجتناب عن جميع الظنون مثلاً إذا عرف أن كل إثم يجب الاجتناب عنه ثم ظن أن هذا الظن إثم فيجتنب عن جميع الظن كما في شرح المواقف في تفصيل مثله) ثم أقول (لعل الحق فيه أن يقال المراد من البعض في قوله تعالى) إن بعض الظن إثم (ما يتحقق في ضمن الكثير فالمعنى أن الكثير من الظن إثم فاجتنبوه. وتصوير دليله من الاقتراني كثير الظن إثم وكل إثم مجتنب عنه فكثير الظن مجتنب عنه. ومن الاستثنائي إذا كان كثير الظن إثماً فهو مجتنب عنه لكن المقدم حق فالتالي كذلك اه.) وتعقب (ما سبق إلى خاطره بعد برهة بأنا لو سلمنا ورود استعمال كثير في معنى كل كورود استعمال كل في معنى كثير كما قيل به في قوله تعالى) وجاءهم الموج من كل مكان (وقولهم) في كل شجر نار. واستمجد المرخ والعفار (لكن كون كثير في الآية كناية عن الكلية مما لا يكاد يسلم ضرورة أن من الظن ما يباح اتباعه كالظن في الأمور المعاشية. ومنه ما يجب كالظن حيث لا قاطع فيه من العمليات كالواجبات الثابتة بغير دليل قطعي وحسن الظن بالله ﷿ وكأنه لهذا قال بعد) ثم أقول (لعل الحق الخ. وأورد على ما رجا حقيته بأنه لا يظهر عليه وجه العدول إلى الظاهر فإن الظاهر على ذلك أن يقال اجتنبوا كثيراً من الظن إنه إثم. وأيضاً يظهر بعد العدول إلى الظاهر العدول إلى بعض والتعبير به عن الكثير مع أنه في الشائع لا يستعمل فيما زاد على النصف كالستين بالنسبة إلى المائة مثلاً فلا يقال في الشائع عندي بعض المائة ويراد به الستون) وأجيب (بأنه عدل إلى الظاهر لئلا يتوهم ولو على بعد عود الضمير على الظن ولتخرج الجملة مخرج المثل الشائع فيه الاستقلال كما قالوا في نظير ذلك وعدل إلى البعض مراداً به الكثير للإشارة إلى أن ظن السوء المنهي عنه وإن كان كثيراً في نفسه كما يشعر به على ما قيل ما أخرجه الطبراني عن حارثة ابن النعمان قال قال رسول الله ﷺ ثلاث لازمات أمتي الطيرة والحسد وسوء الظن الحديث (لكنه قليل بالنسبة إلى غيره من أفراد الظن كالظنون المباحة المعاشية وغيرها والظنون الواجبة العملية وغيرها فتأمل) قيل في الجواب (عن أصل السؤال أن المراد بالظن في أن بعض الظن إثم الظن المأمور باجتنابه وهو الكثير فكأنه قيل اجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض ذلك الظن الذي أمرتم اجتنابه إثم فلا يأمن من لا يجتنب الكثير أن يقع فيه ويكون المراد بهذا البعض الذي هو إثم أي ذنب يستحق العقوبة عليه ظن السوء بالمؤمن بشرطة وهو أن يكون المظنون به ممن شوهد منه التستر والصلاح وأونست منه الأمانة لا ومن يتعاطى الريب والمجاهرة بالخبائث كالدخول والخروج والتردد إلى حانات الخمر وصحبة الغواني والفاجرات وإمعان النظر إلى الأمرد الجميل فإن ذلك لا يحرم سوء الظن فيه وإن كان الظان لم يره يشرب الخمر ولا يزني ولا يعبث بالمرد ويكون المراد بالكثير ما يعم النوعين نعم الأولى الإعراض عن سوء الظن فيه أيضاً ويحمل الأمر في اجتنبوا على مطلق الطلب ليشمل الطلب الجازم المفيد للوجوب كطلب اجتناب ظن السوء بالمؤمن الذي يتعاطى الريب والمجاهرة بالخبائث ولا يراد بالكثير ما يعم الظن في الإلهيات والنبوات وحيث يختلفه في العمليات قاطع. فإن ذلك وإن كان حراماً يجب اجتنابه إلا أن الآية ولحافها كالمعين لذلك الحمل وكون الكثير من الظن فيما يتعلق بالمؤمنين بعضهم ببعض حيث كان السابق من الآي قوله تعالى) ولا تنابزوا بالألقاب (الآية. وكان اللاحق قوله تعالى) ولا

تجسسوا (وقوله سبحانه) ولا يغتب بعضكم بعضاً (الآية فتدبر فأنه لا يخلو عن شيء ولا أل من أن حمل الأمر على مطلق الطلب غير متعين فيجوز حمله على الوجوب بالنسبة إلى من علم أنه لو لم يجتنب البعض الذي هو إثم وقع في غيره مما كان ذلك البعض في ضمنه. وكذا بالنسبة إلى من اشتبه عليه الأمر فيكون نظير من اشتبهت عليه زوجته بأجنبيات في بلدة محصورة فإنه يحرم عليه وطء كل امرأة فيها لمكان الاشتباه على ما ذكره غير واحد من الفقهاء ويجوز حمله على الندب نظراً إلى إشغال الكثير على ما يندب اجتنابه. قال ذلك بعض الأجلة. فتأمل ذلك. والله تعالى يتولى هداك. ولعل الأولى في الجواب ما ذكره الخادمي أولاً فتذكر فما في العهد من قدم.

) ومنها (ما جرى في قوله تعالى) فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا (وذلك أن الفاضل محمد الأفكرماني. سقى ثراه صيب العفو الصمداني. ذكر فيه سؤالاً وجواباً أوردهما في حواشيه على تفسير جزء النبأ من تفسير البيضاوي. فقال فإن قيل هذه الزيادة إن كانت غير مستحقة كانت ظلماً. وإن كانت مستحقة كان تركها في أول الأمر إحساناً. والكريم لا يليق به الرجوع في إحسانه. والجواب أنها مستحقة وترك المستحق في بعض الأوقات لا يوجب الإبراء والإسقاط انتهى. فقال لي شيخ الإسلام ما تقول في هذا الجواب. فقلت هو سراب يحسبه الظمآن أنه شراب. فقال فما عندك في هذا المقام. فقلت يأبى الله تعالى أن أتكلم قبل أن أعرف ما عند شيخ الإسلام. فقال قد كتبت على الحاشية. ما عسى أن يرفع طرف الغاشية.) ونصه هذا (: إن السؤال والجواب دائران على ملاحظة كون العذاب هنا اثنين عذاب ناقص واقع أولاً وعذاب زايد واقع بعده. ويمكن الجواب بملاحظة كون العذاب واحداً بأن ما استحقوه عذاب مستمر متزايد أبدي فلا يتصور وقوع ذلك إلا بأن يكون الجزء الواقع منه ثانياً أزيد من الواقع أولاً. وهذا مما اقتضاه الطبع فلا تعدد حتى يرد السؤال على أن المقبس بالجزء بنية تحصيل الكل تلبس بذلك الكل وذلك شبيه بالكلي الطبيعي الذي لا تحقق له في الخارج إلا في ضمن جزئياته فمتى تحقق شيء منها تحقق هو في ضمنه قليلاً كان أو كثيراً. ثم قال وهذا الجواب مما منحني به المولى سبحانه من فيضه القدسي. وفضله الأنسي. فله الحمد على ذلك. وأسأله تعالى سلوك أحسن المسالك. فقلت يا ثالث الجرجان. والعلامة الثاني. قد أشرت إلى هذا الجواب في تفسير روح المعاني. وأشرت إلى سبب استحقاقهم العذاب متزايداً وهو أن الكفر والمعاصي متزايدة القبح بالاستمرار عليها ويرشد إلى ذلك أن الإصرار على الصغيرة كبيرة وأن ذم الناس من يتكرر منه القبيح أشد من ذمهم من يقع منه مرة واحدة واستقباحهم وقوع القبيح منه ثاني مرة أقوى من استقباحهم وقوعه أول مرة ونقلت جواباً آخر عن السؤال لكني أشرت إلى ما فيه وهو أن المراد بالعذاب ما يعذب به وزيادته إنما هي لحفظ الأصل الذي كان لأهل النار أول الأمر فإنه لولا الزيادة لألغوا ما أصابهم ولم يتألموا به الألم الذي يستحقونه. ثم أني أقول الآن. والله تعالى المستعان. يحتمل أن تكون زيادة العذاب بتكراره واستمراره لا بزيادة شدته فالكلام إشارة إلى الخلود على أبلغ وجه وعليه فلا سؤال. ولا قيل ولا قال. فليتدبر. وقال بعض الأجلة الآية لا تقتضي وقوع الزيادة لأن المراد إن زدناكم شيئاً فلن نزيدكم إلا عذاباً وأظن أن السوق لا يساعده فليتأمل.

) ومنها (ما جرى في قوله تعالى) إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما (وذلك أنه نقل ما قاله العلامة التحرير. الفاسي الصغير. فيما له من التعليقات. على كتاب دلائل الخيرات.) ما نصه (:

فإن قيل نحن أمرنا بالصلوة على النبي ﷺ فلم لا نصلي عليه بل نطلب من الله تعالى الصلوة عليه صلى الله تعالى عليه وسلم. قلت قد أجاب بعض الحنفية عن هذا السؤال بأننا لما رأينا في أنفسنا نقصاناً طلبنا الصلوة من حضرة ذي الجلال. لتكون على وجه الكمال. انتهى. ثم قال قد اعترضت هذا المقال) بما نصه (. هذا السؤال ساقط عن أصل. ولا بحث في جوابه بفصل ووصل. لأن الصلوة أما بمعنى الدعاء أو طلب الرحمة والبركة على اختلاف الأقوال. فمن قال اللهم صلى عليه فقد أدى المأمور به بأبلغ ما كان لإفادة الصلوة من المولى سبحانه ومن العبد على أنه ليس في الأمر ما يدل على أن نقول نصلي مثلاً كما اتفقوا على أن من قال الحمد لله فقد حمد الله تعالى لأن الحمد هو الثناء وإثبات الثناء له تعالى أيضاً ثناء ولو أمرنا بشيء بعينه من عند الشارع لزم لنا الامتثال بنصه بلا مانع انتهى. فقلت يا مولانا الكلام في هذا المقام طويل. وعالم فاس لم يأت منه إلا بالقليل. ومع ذا فهو وإن جل. قد اختصر المقال وأخل. وقبل أن أتم المرام. جاء بعض الوزراء الفخام. فانقطع البحث. ولم يصدر مني سمين ولا غث. فإن أردت أن يكون لك نوع بصيرة في هذا المقام. فاسمع ما نتلوه عليك من الكلام. وهو بعض مما ذكرناه في تفسيرنا روح المعاني. في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني. فأقول آخذاً له. من كلام الأجلة ممن لا ينكر أحد فضله. ظاهر سوق الآية أعني قوله تعالى) يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما (إنه لا يجاب اقتدائنا به تعالى فيناسب اتحاد المعنى مع اتحاد اللفظ وقراءة ابن مسعود صلوا عليه كما صلى عليه. وكذا قراءة الحس فصلوا عليه أظهر فيما ذكر فيبعد تفسير صلوا عليه يقولوا اللهم صلي على النبي أو نحوه ومن فسره بذلك أراد أن المراد بالتعظيم المأمور به ما يكون بهذا اللفظ ونحوه مما يدل على طلب التعظيم لشأنه عليه الصلوة والسلام من الله ﷿ لقصور وسع المؤمنين عن أداء حقه صلى الله تعالى عليه وسلم وما جاء في الأخبار إرشاد إلى كيفية ذلك وصفة لا أنه تفسير للفظ صلوا وجاء ذلك على عدة أوجه والجميع ظاهر أخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والإمام أحمد وعبد بن حيد والشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن مردويه عن كعب بن عجعرة رضي الله تعالى عنه قال قال رجل يا رسول الله أما السلام عليك فقد علمنا فكيف الصلوة عليك قال قل اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد. وأخرج الإمامان مالك وأحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن أبي حميد الساعدي أنهم قالوا يا رسول الله كيف تصلي عليك فقال رسول الله ﷺ قولوا اللهم صل على محمد وأزواجه وذريته كما صليت على آل إبراهيم الحديث وأخرج الإمام أحمد والبخاري والنسائي وابن ماجه وغيرهم عن أبي سعيد الحذري قلنا يا رسول الله هذا السلام عليك قد علمنا فكيف الصلوة عليك فقال قولوا اللهم صل على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم الحديث. وأخرج النسائي وغيره عن أبي هريرة أنهم سألوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كيف نصلي عليك قال قولوا اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد الحديث. وفي آخره والسلام كما قد علمتم إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة. والظاهر من السؤال أنه سؤال عن الصفة كما أشرنا إليه قبل وهو الذي رجحه الباجي وغيره وجزم به القرطبي. وقيل إنه سؤال عن معنى الصلاة وبأي لفظ تؤدى والحامل لهم على السؤال على هذا أن السلام لما ورد في التشهد بلفظ مخصوص فهموا أن الصلوة أيضاً تقع بلفظ مخصوص ولم يفروا إلى القياس ليتيسر الوقوف على النص سيما والإذكار يراعى فيها اللفظ ما أمكن فوقع الأمر كما فهموه فإنه عليه الصلوة والسلام لم يقل كالسلام بل علمهم صفة أخرى كذا قيل. ويقال على الأول أنهم لما سمعوا الأمر بالصلاة بعد سماع أن الله وملائكته يصلون عليه عليه الصلوة والسلام وفهموا أن الصلوة منه ﷿. من ملائكته نوع من التعظيم. لائق بشأن ذلك النبي الكريم. عليه من الله تعالى أفضل الصلوة وأكمل التسليم. لم يدروا ما اللائق منهم من كيفيات تعظيم ذلك الجناب. وسيد ذوي الألباب. صلى الله تعالى عليه وسلم

صلاة وسلاماً يستغرقان الحساب. فسألوا عن كيفية ذلك التعظيم. فأرشدهم عليه الصلوة والسلام إلى ما علم أنه أولى أنواعه وهو بهم رؤوف رحيم. فقال لهم قولوا اللهم صل الخ. وفيه إيماء إلى إنكم عاجزون عن التعظيم اللائق بي فاطلبوه من الله ﷿ لي ومن هنا يعلم أن الآتي بما أمر به من طلب الصلوة له صلى الله تعالى عليه وسلم من الله ﷿ آتٍ بأعظم أنواع التعظيم لتضمنه الإقرار بالعجز عن التعظيم اللائق) والعجز عن درك الإدراك إدراك (ويقرب في الجملة. لما ذكرنا قول بعض الأجلة. ونقله أبو اليمن ابن عساكر وحسنه لما أمرنا الله تعالى بالصلاة على نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم لم نبلغ معرفة فضلها ولم ندرك حقيقة مراد الله تعالى فيه فأحلنا ذلك إلى الله ﷿ فقلنا اللهم صل أنت على رسولك لأنك أعلم بما يليق به وبما أردته له صلى الله تعالى وسلم انتهى.

ولعل ما ذكرناه ألطف منه ومقتضى ظاهر إرشاده صلى الله تعالى عليه وسلم إياهم إلى طلب الصلاة عليه من الله تعالى أنه لا يحصل امتثال الأمر إلا بما فيه طلب ذلك منه ﷿ ويكفي اللهم صل على محمد لأنه الذي اتفقت عليه الروايات في بيان الكيفية وكان خصوصية الإنشاء لفظاً ومعنى غير لازمة ولذا قال بعض من أوجبها في الصلاة أنه كما يكفي اللهم صل على محمد يكفي صلى الله على محمد على الأصح بخلاف الصلوة على رسول الله فإنه لا يجزي اتفاقاً لأنه ليس فيه إسناد الصلوة إلى الله تعالى فليس في معنى الوارد. وفي تحفة ابن حجر يكفي الصلوة على محمد أن نوى بها الدعاء فيما يظهر وقال النيسابوري لا يكفي صليت على محمد لأن مرتبة العبد تقصر عن ذلك بل يسأل ربه سبحانه أن يصلي عليه عليه الصلوة والسلام) وح (فالمصلي عليه حقيقة هو الله تعالى وتسمية العبد مصلياً مجاز عن سؤال الصلاة فتأمله. وذكروا أن الإتيان بصيغة الطلب أفضل من الإتيان بصيغة الخبر) وأجيب (عن إطباق المحدثين على الإتيان بها بأنه مما أمرنا به من تحديث الناس بما يعرفون إذ كتب الحديث يجتمع عند قراءتها كثير من العوام فخيف أن يفهموا من صيغة الطلب أن الصلوة منه تعالى لم توجد بعد وإلا لما طلبنا حصولها منه تعالى له عليه الصلوة والسلام فأتى بصيغة يتبادر إلى إفهامهم منها الحصول وهي مع إبعادها إياهم من هذه الورطة متضمنة للطلب الذي أمرنا به انتهى. ولا يخفى ضعفه فالأولى أن يقال أن ذلك لأن تصليتهم في الأغلب أثناء الكلام الخبري نحو قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كذا وفعل صلى الله تعالى عليه وسلم كذا فأحبوا أن لا يكثر الفصل وأن لا يكون الكلام على أسلوبين لما في ذلك من الخروج عن الجادة المعروفة إذ قلما تجد في الفصيح توسط جملة دعائية إلا وهي خبرية لفظاً مع احتمال تشوش ذهن السامع وبطء فهمه وحسن الإفهام مما تحسن مراعاته فتدبر. والظاهر أنه لا يحصل الامتثال باللهم عظم محمداً التعظيم اللائق به ونحوه مما ليس فيه مشتق من الصلوة كصل وصلى فإنا لم نسمع أحداً عد قائل ذلك مصلياً عليه ﷺ وذلك في غاية الظهور إذا كان قولوا صل على محمد في الأخبار تفسير لقوله تعالى صلوا عليه انتهى. إذا علمت ذلك تمكنت من تقرير السؤال هكذا إنا أمرنا بالصلوة عليه صلى الله تعالى عليه وسلم وهي أما بمعنى التعظيم والدعاء بخير أو العطف أو نحو ذلك مما لا يتعين معه طلبنا إياها من الله ﷿ فلم يعين فيها كما دلت الأخبار الصحيحة. والآثار الصحيحة. الطلب لفظاً أو معنى كما في الجملة الخبرية التي قصد بها الطلب والإنشاء ولم يكف التعظيم بفعل أو قول لم يتضمن ذلك وكذا لم يكف ما يدل على العطف بنوع من أنواع الدلالة ولا ما يدل على الدعاء بخيرٍ ما من الخيور وعلى هذا لا يصادف كلام شيخ الإسلام المحز بل يحتاج إلى الجواب الذي نقل عن بعض الحنفية أو نحوه مما تضمنه كلامنا السابق. كما لا يخفى على من ألف النظر في الحقائق والدقائق. بقي أن بعض المعاصرين ناقش بغير ما أشرنا إليه في كلام شيخ الإسلام. وقد تركنا ذكر ذلك مع جوابه لذوي الإفهام والأفهام. وبحر الكلام في هذا المقام مديد. ويكفي من القلادة ما أحاط بالجيد. فتأمل ذلك. والله تعالى الهادي إلى أقوم المسالك.

) ومنها (ما جرى في قوله تعالى) من يشفع شفاعةً حسنةً يكن له نصيب منها ومن يشفع شفاعةً سيئةً يكن له كفل منها (فإنه حكي لييوماً ما جرى له في ذلك. وناولني ورقة كتب فيها ما قرره هنالك.) ونصه (:

) سألني (بعض النجباء. من جحاجح الأولياء. عن نكتة تغيير التعبير. في قوله تعالى عن الشبيه والنظير) من يشفع شفاعةً حسنةً (الآية. فأجبته بما كتبته أن الحسنة حظ ثابت لصاحبها ينتفع بها فلا يزول عنه أبداً وإن أذنب وأما حبط الأعمال. والعياذ بالله المتعال. فلا عبرة به لأنه مبني على انهدام الأصل فناسب فيها التعبير بالنصيب لأنه كثيراً ما يستعمل في الحظوظ الواقعة الثابتة كما يقال هذا نصيب فلان من القدر وهذا نصيب فلان الفقير من الصدقة. والسيئة ليس لها قرار بل هي عرضة للزوال ومنتظر فيها لأنها تزول بالتوبة فناسب فيها التعبير بالكفل المشتق من الكفالة اشتقاقاً كبيراً إشارة إلى أن كسب السيئة كالكفل المأخوذ فكما أن المديون إذا أدى دينه زال كفيله كذلك المسيء إذا تاب محيت عنه سيئته. واعترض عليه. بعض من اجتمعت الفضائل لديه. بأن الحسنة أيضاً تزول كما ورد في الحديث) إن الكلام في المسجد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب (فدفعته بأن هذا مخصوص بالكلام الدنيوي بقرائن ما روي لنا في الآثار من وقوع الكلام في الأمور الأخروية في المساجد كالوعظ والنصح والتذكير. وقبول غير واحد من الأماجد بلا نكير. وكثيراً ما ينجر الاجتماع على الكلام الدنيوي إلى ترتب حقوق الناس في الذمة من الغيبة والاستهزاء وغير ذلك. فهذه الحقوق تأكل الحسنات بطريق إعطائها لأرباب الحقوق كما هو في كتب العقائد. وإعطاء مال المديون لدائنه قهراً لا يوجب عدم ثبوت ملكه فيه عند الأماجد. فيكون إسناد الأكل إلى الكلام. من قبيل إسناد الحكم إلى سببه حسب المقام. هذا ما خطر بالبال. بعون الملك المتعال. والعلم لديه. والمعول عليه. تعالى الله علواً كبيراً. وأحاط بكل شيء علماً ولم يزل عليماً خبيراً. اه.

فقلت يا مولاي هذا الفرق عجيب. ولم أقف على من فرق به بين الكفل والنصيب. وعليه كان الأوفق ببلاغة القرآن وعلو رتبته أن يعبر بنصيبين بدل كفلين في قوله تعالى) يؤتكم كفلين من رحمته (فطال الكلام. وكان نصيبي آخر الأمر إن كسوت فمي من السكوت أضفي لثام.) وأقول الآن (وعلى الله تعالى التكلان. إن إثبات الفرق المذكور. أصعب من خرط القتاد. ولم أجد فيه نقلاً عن أحد من علماء اللغة الأمجاد. وقوله هذا نصيب فلان من القدر لم أسمعه عن أحد ممن غبر. وأنه لا يثبت الفرق الذي أشار إليه ولو سمع ممن جميع البشر. ونوقش في دعواه اشتقاق الكفل من الكفالة الاشتقاق الكبير. بما لا يخفى على كبير ومتوسط وصغير) واعترض (ما ذكر في إعطاء الحسنات أرباب الحقوق أعني قوله وإعطاء مال المديون الخ بأنه يشعر بأن الحسنة بعد إعطاءها لأرباب الحقوق يوم القيمة باقية على ملك صاحبها وفيه ما فيه. وأيضاً في أن إعطاء مال المديون لدائنه قهراً لا يوجب عدم ثبوت ملكه فيه بحثاً بناء على أن من الفقهاء من نص على أن للدائن أن يسرق من مال مديونه المنكر ولا بينة عليه بقدر ماله عليه وجنسه ويحل تصرفه به كما شاء بل صرح بعض الشافعية بحل سرقة غير الجنس وأخذه خفية من غير رضاه) نعم (قالوا أنه إذا أخذ جارية المديون من غير رضىً لا يحل له وطؤها) وأجاب بعضهم (بأن مراد حضرة شيخ الإسلام أن ذلك لا يوجب عدم ثبوت ملك المديون في ذلك المعطى قبل الإعطاء وهو كما ترى هذا) وقد اختلف المفسرون (في توجيه نكتة تغييراً لتعبير فقيل غير للتفنن بناء على أن أكثر اللغويين لا يفرقون بين الكفل والنصيب. وهو طريق مهيع لفصحاء العرب كما يشهد به السمع. وكون التعليل به عكاز أعمى عند البصير في حيز المنع. وقيل أن النصيب يشمل الزيادة. والكفل هو المثل المساوي فاختيار النصيب أولاً لأن جزاء الحسنة يضاعف. والكفل ثانياً لأن من جاء بالسيئة لا يجزى إلا مثلها. ففي الآية إشارة إلى لطف الله تعالى بعباده) واعترض (بأنه يخدش ما ذكر من الفرق التعبير بالكفل في قوله تعالى) كفلين من رحمته (فأن الأوفق بالترغيب نظراً إلى ذلك نصيبين) وأجيب (بأن المساواة بين كل كفل وكفل لا بين ذلك وما كان هو جزاء له ومترتباً عليه بل ذلك باقٍ على احتمال الزيادة. أو يقال أن الثنية أغنت عما يشمل الزيادة لا سيما على القول بأنها كالثنية في لبيك وسعديك فارجع البصر كرتين فتأمل) وقيل (أن الكفل وإن كان بمعنى النصيب إلا أنه غلب في الشر وندر في غيره كقوله تعالى) يؤتكم كفلين من رحمته (فلذا خص بالسيئة وتضمن ذلك التطرية وترك التكرار أيضاً) وفي مفردات الراغب (الكفل الحظ الذي فيه الكفاية كأنه يكفل بأمره والكفل الكفيل قال تعالى) يؤتكم كفلين من رحمته (وأما قوله) ومن يشفع شفاعةً سيئةً (الآية فإن الكفل ههنا ليس بمعنى الأول بل هو مستعار من الكفل وهو الشيء الردئ واشتقاقه من الكفل وهو أن الكفل لما كان مركباً ينوء براكبه صار متعارفاً في كل شدة كالسيساء وهو العظم الناتئ في ظهر الحمار فيقال لأحملنك على الكفل وعلى السيساء ولأركبنك الحسري الردايا. وقيل الكفل الكفيل ومنه) إن من تحرى شراً فإن من له كفيلاً يسلمه (كما قيل) من ظلم فقد أقام كفيلاً بظلمه (تنبيهاً أنه لا يمكنه التخلص من عقوبته انتهى. فتمسك بما به. والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.

) ومنها (ما جرى في خبر) ما خير صلى الله تعالى عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لك يكن إثماً (وهو أن ظاهره أنه عليه الصلوة والسلام قد يخيره الله تعالى بين أمرين أحدهما إثم وذلك مما لا يكاد يتصور منه ﷿. وذكر حفظه الله تعالى أنه كتب في جواب ذلك ما كتب. بعد أن سأل عنه غير واحد فما أتى بشيءٍ من علماء الروم والعرب.

فقلت يا مولاي لا يتعين كون المخير له عليه الصلوة والسلام هو الله ﷿ بل يجوز أن يكون المخير من العباد. وحينئذٍ لا إشكال ولا فساد. وذلك المخير يجوز أن يكون مؤمناً غير مطلع على الإثمية ويجوز أن يكون كافراً غير مطلع عليها أو مطلقاً غير مؤمن بها. وقد يدفع الإشكال. على تقدير كون المخير هو الله الملك المتعال. بأن يجعل يكن بمعنى يصير. وجوز بعض أجلة المعاصرين إبقاء يكن على المعنى المشهور ما لم يكن فيما مضى إثماً أما في شريعة من الشرائع السالفة أو في شريعته عليه الصلوة والسلام ويلزم عليه أن لا يختار عليه الصلوة والسلام النسخ إلى أسهل أصلاً مع أن الأغلب النسخ إليه. بل اختلف في النسخ إلى أثقل. والجمهور على جوانبه بل قووعه كنسخ التخيير بين صوم رمضان والفدية بتعيين الصوم قال تعالى) وعلى الذين يطيقونه فدية (الآية وقال تعالى نسخاً لذلك) ومن شهد منكم الشهر (الخ وكنسخ وجوب الكف عن الكفار الثابت بقوله تعالى) واصبر على ما يقولون واهجرهم هجراً جميلا (بإيجاب القتال الثابت بآيات كثيرة ولا شك في أنه أثقل. وقال بعض المعتزلة لا يجوز إذ لا مصلحة في الانتقال من سهل إلى عسر. ومنع بأنا لا نسلم ذلك بعد تسليم رعاية المصلحة. ولقائل أن يقول أنه لا يلزم من أغلبية النسخ إلى الأسهل أن يكون بعد التخيير والاختيار. لجواز أن يكون قد وقع ابتداءً من الفاعل المختار. فتدبر وقيل إن ما لم يكن إثماً قيد الجميع ما قبله فيكون مفهوم المخالفة أنه إذا كان إثماً لا يختار وهو كما ترى. وقيل غير ذلك فليتأمل.

) ومنها (ما جرى فيما نقله لي من اعتراض الجلال الدواني. على قول الإمام الرافعي وهو الشافعي الثاني) المتوضي إذا نوى رفع غير حدثه إن ناسياً صحت نيته وإن عامداً لم تصح (وحاصله إن هذه النية من التصور المحال بالوصف لا من تصور المجال بالإضافة فليسن هذا من الفرضيات التي يذكرها الفقهاء لأن كلاً منها أمر محكم وإن كان الواقع خلافه.

) فقلت (يا مولاي كأن الجلال على جلالته. وكونه شافعياً في ديانته. لم يصب في فهم كلام الإمام الرافعي. ولم يع مراده ولو تأمل لكان يعي. وكأنه توهم أن المراد بغير الحدث الذي نوى المتوضي رفعه بالطهارة ونية رفعها بالوضوء المشروع لرفع ضدها كالجمع بين الضدين. وهذا نهاية ما يخطر لي في توجيه جعله ذلك من التصور المحال. وأنت تعلم أن الظاهر عليه أن يقال) إذا نوى المتوضي رفع طهارته (فإنه أخصر وأظهر في ذلك المراد. فقال فما تقول أنت في مراده. فقلت إن حدث المتوضي قد يكون من خروج ريح وقد يكون من خروج بول. إلى غير ذلك مما يغني العلم به عن تكثير القول. فيمكن أن يكون مراده) إن من كان حدثه من خروج بول مثلاً إذا نوى رفع الحدث من غيره فإن كان ناسياً صحت نيته وإن كان عامداً لا تصح لظهور تلاعبه (ولا محالية في النية على الوجهين كما لا يخفى. وعليه فلا إشكال. ولا قيل ولا قال. وكان في ذلك المجلس العلي. وكيل الدرس مصطفى أفندي الودين لي. فأنصق ووافق وقرر ما قررته تركيا وطابق. فقال المولى وأنا أيضاً لم أرتض اعتراض الجلال. ودفعته على غير هذا المنوال) وحاصله (بأنه قد تكون تلك النية. من بعض جهلة القلندرية الوجودية. فينوي أحدهم لو توضى رفع حدث زيد أو عمرو. أو بشر أو بكر. حيث أنه لا يقول بوجود الأغيار. وليس في الدار على زعمه غير الوجود المطلق ديار. ومن هنا قال قائلهم.

وتلتذان مرت على جسدي يديإلا أني في التحقيق لست سواه

وهم الذين رفعوا الاعتبارات. ثم رفعوا لذلك التكليفات) وأنت تعلم (أن هذا الدفع يقتضي أنه حمل نية رفع غير حدثه على نية رفع حدث غيره) وحينئذ (يقال لو كان المراد ذلك لعبر به لأنه الأظهر. ثم أنه لا بد أن يراد بالغير عليه من هو غير في نفس الأمر أو في عين المحجوبين في زعم ذلك القلندري المتوضي. وإلا فلا غير عنده بل هو في رأيه عين زيد مثلاً الذي نوى رفع حدثه. بل هو وكذا لحيته عين عذرته وروثه. فتأمل. ولا تغفل.

) ومنها (أنه حضر يوماً في المجلس أمين الفتوى لا زال رفيق التوفيق والتقوى. في العلانية والسر والنجوى. وكان في البين شرح العلامة القهستاني. غمره الله تعالى بلطفه الصمداني. فقلت إن هذا الفاضل. قال في قول الماتن الكامل وسننه البداية بالتسمية وبغسل يديه إلى رسغها ثلاثاً للمستيقظ. إن المستيقظ هنا بفتح القاف لا بكسرها كما قيل لدلالة الحديث على ذلك ولأن التصريح بعد الكناية لا يخلو عن شيء انتهى (. فليتغرب ذلك. وقال هو ومن حضر أنه غير ظاهر المسالك. فروجع الكتاب. وتامل الأمين في العبارة فلم يظهر الجواب. وعلم في القاموس فلم يجد فيه تعدي الاستيقاظ. وقال المسألة لغوية لا يفتي فيها مفت برأيه ولا يقضي قاض. فقلت ومع هذا في بالي أن الكرماتي صرح بأنه لازم. وهو كما لا يخفى فاضل عالم. فعرض من مقتضيات المجلس وأمره. ما طوبنا له البحث على غره.) وأقول الآن (هذه العبارة ذائعة. وبين مستعملي ذلك الكتاب شائعة. وقد كتب عليها علماء أعلام. واشتغلوا فيها بنقض وإبرام. فكتب الشيخ الطرابلسي ما نصه) المراد من الحديث الموافق إذا استيقظ أحدكم من منامه الحديث. ووجه موافقة المستيقظ بفتح القاف أنه يكون حينئذٍ مصدراً ميمياً واللام فيه للوقت فيفيد أن سنة غسل اليدين في وقت الاستيقاظ من النوم كإفادة الحديث لذلك. وقوله ولأن الخ علة آنية لمخالفة المشهور ووجه التعليل أن التصريح أي الإتيان بالاسم الصريح الظاهر بعد الضمير المسمى بالكناية الواقع في يديه ورسغيه. لا يخلو عن شيء أي عن نكتة حاملة له على العدول عن الإضمار إلى الإظهار وتلك النكتة هي إفادة الموافقة وأنها لا تكون على زعمه إلا بفتح القاف المخالف للمشهور. وهذا ما وصل إليه الفهم الموصوف بالفتور. وفي كل من الوجهين نظر إذ الموافقة للحديث حاصلة مع الموافقة للمشهور أما بجعل اللام في المستيقظ للعهد والمعهود هو الأحد المذكور في الحديث وأما بأن المراد أول زمان الاتصاف بهذه الصفة. وما ذكره علة للعدول. يجري فيما ذكرناه من غير نكول. انتهى (وكتب معاف زادة ما نصه) قوله لدلالة الحديث (يعني قوله ﵊ إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً فإنه لا يدري أين باتت يده والموافقة أما باعتبار تعليق الغسل فإن الاستيقاظ في الحديث لكونه مصدراً باذا الدالة على اختصاص الحكم بزمان مدخولها وكون المستيقظ بمعنى الزمان واللام للاختصاص والمعنى اختص سنية البداية بغل اليدين بزمان الاستيقاظ وأما باعتبار العلية في الحديث من حيث التعليق بالمشتق الدال على علية المأخذ وفي المتن لكون المستيقظ على معناه المصدري واللام أجلية والمعنى سن البداية بغسل اليدين لأجل الاستيقاظ. وقوله) ولأن هذا التصريح (تعليل ثانٍ للفتح ووجهه أن ضمير يديه راجع إلى الشخص المتوضئ والمستيقظ بالكسر عبارة عن الشخص المنتبه المتوضئ. ففيه نوع تكرار. بالإظهار بعد الإضمار وبالفتح يسلم منه انتهى. وهو غاية ما يقال. في توجيه ذلك المقال. وهو أولى مما تقدم. فتأمل وافهم. وكتب غيره من كتب. وبما ذكر يحصل إن شاء الله الإرب.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «غرائب الاغتراب ونزهة الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.