تجاوز إلى المحتوى

من «غرائب الاغتراب ونزهة الألباب» لشهاب الدين الألوسي (ت ١٢٧٠هـ)

خاتمة (٤)

النسبي صح للمجيب أن يقول أرفع الأجزاء ما تحت قدمي كما لا يخفى. ثم أنه لا ينافي تساوي أجزاء الأرض في نفسها كون الدحو من تحت جزءٍ مخصوص منها أعني أم القرى كما قال الناظم الشنقيطي أو البيت كما جاء في بعض الآثار. إذ بعد تسليم كون التحتية حقيقة وفي نفس الأمر يجوز أن يكون مبدأ دحو الأرض ذلك. ثم سويت وعدلت بحيث لم يبق فيها اختلاف مضر في كرويتها. وحينئذ لا يخفى ما في قوله) فلذاك (كانت أرفع الأجزاء. ويمنع الذهن أن يطوف حول دعوى أنها أرفع الأجزاء حساً جارها الطائف ونحوه. وكذا انتفاء لوازم ذلك العادية المتحققة في المواضع المرتفعة حساً من البرد ونحوه. وزعم بعضهم أن أرفع الأجزاء صخرة بيت المقدس وهي قطعة من الجبل كانت يوضع عليها تابوت التوراة وهي متصلة به لا منفصلة عنه ساكنة في الهواء كما هو الشائع عند العامة وروى فيه البرقي خبراً هو كالبرق الخلب) واستدل (على ذلك بقوله تعالى) يوم يسمعون الصيحة من مكان قريب (بناءً على أنها المرادة بالمكان القريب كما نطقت به بعض الآثار وأن المراد بالقرب القرب من السماء قال ولذا كان العروج منها. وكلا المبنيين في حيز المنع ودون صحة النقل نقل الصخور من الأوحال. إلى قلل الجبال. والإنصاف أن الحس يأبى ذلك وأنه لا يكاد يصيح خبر فيه. وأنه لو صح ينبغي تأويله صيانة للشريعة عن طعن الطاعنين. وقدح القادحين. وقد قالوا أن الخبر الصحيح متى صادم دليلاً قطعياً يجب تأويله. ومثله قولهم يؤل الدليل النقلي الصحيح. للدليل العقلي الصريح. ولذا أول من أول الآيات والأحاديث المتشابهة. وذكر غير واحد من علماء الحديث أن من جملة ما يستدل به على وضع الحديث كونه مصادماً لبداهةٍ أو حسٍ صحيح ولا يمكن تأويله. ومثل ما قيل في الأرفع قيل في الأخفض وهو بزعم بعض الناس أرض الأبلة. واستدل بما ذكره ابن جرير الطبري في تفسيره من أن أبعد الأرض من السماء أرض الأبلة التي هي عند بعض القرية المذكورة في قوله تعالى) حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها (وفيه أن الخبر المأمول أو موضوع. والحق أن كثيراً مما يذكره القصاص في أمر الأرض وكذا أمر السماء لا يعول عليه. ومنه بعض ما ذكره الجلال السيوطي في كتابة الهيئة السنية وهو في جمعه ذلك على جلالته كالواقدي حاطب ليل. وخابط سيل. لم يشمر عن ذيل. فلا تكسل عن طلب الحق وسلوك سننه. وعليك باستماع القول واتباع أحسنه.

) ومنها (ما جرى في قولهم) ما وراء محدد الجهات وهو الفلك الأطلس وفلك الأفلاك بلسان الفلسفة والعرش بلسان الشرع على ما يزعمه بعض الخلفيين لا خلاء ولا ملاء (وذلك أنه أورد عليه أن لو فرض ثاقب للمحدد فأما أن لا يصادف مانعاً فيخرج. وأما أن يصادف ذلك فلا يخرج وعلى الأول يلزم الخلاء وعلى الثاني يلزم الملاء. فقال سلمه الله تعالى أنهم اختاروا في الجواب الشق الأول ومنعوا لزوم الملاء بجواز كون المانع في المحدب نفسه وهو السطح الأعلى المحدد. فقلت ونحو هذا ما قيل في الاعتراض أنه لو فرض شخص عند منتهى العالم فأراد أن يمد يده مثلاً فيلزم الخلاء وأما أن لا تمتد لمانع يصادمها فيلزم الملاء. وما قيل في الجواب من اختيار عدم الامتداد والتزام أن النقد الشرط لا لوجود المانع الصادم. وأن من الناس من اعترض على قولهم ذلك بأنه يلزم عليه عجزه ﷾ عن توسيع هذا العالم أو خلق عالم مثله مع بقائه وهو باطل. فلا بد من القول بأن وراء هذا العالم بعداً غير متناهٍ يصلح لأن يوسع العالم فيه أو يخلق ﷿ فيه ما لا يتناهى من العوالم. لكن على نحو عدم تناهي مراتب الأعداد الذي لا يأباه برهان التطبيق وغيره من البراهين المقامة على امتناع وجود ما لا يتناهى بالفعل. وهذا الخلاء من حيث الصلاحية للخلق فيه نحو الخلاء والبعد الذي خلق فيه هذا العالم) وأجيب (بأنه قد قام الدليل على امتناع الخلاء وذلك على تقدير عدم الخلاء محال. وهو لا يصلح متعلقاً للقدرة ليلزم العجز. ومثل ذلك خلق عالم فيما شغله هذا العالم بل خلق بعوضة في هذا العالم مع بقاء جميع أجزائه على حالها. فإنه أيضاً محال للزوم تداخل الجواهر المبرهن على محاليته فلا تتعلق به قدرته ﷿. ولا يلزم من ذلك عجزه تعالى عن ذلك علواً كبيراً) والحاصل (أن ما ذكره المعترض من لزوم عجزه تعالى ممنوع. ثم قلت يا مولاي أنا بعد هذا كله لا أرى محذوراً في القول بأن وراء العالم مثل ما العالم فيه. إلا أنه خالفه في سعته وعدم تناهيه. وأدلة استحالة الخلاء. مدخولة عند محققي العلماء. بل لا يبدو وقوعه في هذا العالم إذا وضع جسم ذو سطح صقيل مستوٍ استواءً حقيقياً على آخر مثله بحيث لا يتخللهما هواء ثم رفع الفوقاني دفعةً. فإن الوسط يبقى خالياً إلى أن يصل إليه الهواء من الجوانب تدريجياً حسب ما تقتضيه الحركة. وكلما كان الجسمان المذكوران متسعين كانت مدة بقاء الخلاء أطول لطول زمن الوصول إلى الوسط. وبلغني أن بعض الطبيعيين من الفلاسفة المحدثين يخرجون الهواء من بعض الظروف كقارورة كبيرة ببعض الآلات بحيث إذا ألقوا فيه رصاصة وريشة مثلاً معاً يصلان إلى المقر في آن واحد. وهو ظاهر في الخلاء دون بقاء هواء تلطف وانتشر حتى ملأ الظرف وإلا لعاق الريشة عوقاً ما فلم يتحد آن الوصول. وإن لم يسلم شيء من ذلك كفانا إن أدلة استحالة الخلاء. أوهن من بيت عنكبوت في خلاء. ويفهم من كلام بعض الأجلة السلفيين إن الله تعالى شأنه لم يخلق العالم يوم خلقه في ذاته بأن جعل ذاته محلاً له ولا أنه سبحانه كان فيه ككون الصورة في الهيولي ولا أنه خلقه عليه جل وعلا بأن جعل نسبته إليه نسبة خيمة الملك إلى الملك. وتعالى الله أن يكون كدودة القز تبني على نفسها ما يحيط بها من القز بل كأن عز شأنه لا في مكان وخلق العالم دونه وبقي هو على ما كان فما وراء العالم لا العالم) الرحمن على العرش استوى (.) أأمنتم من في السماء (.) إليه يصعد الكلم الطيب (.) ذو المعارج تعرج الملائكة والروح إليه (فهو جل شأنه. وعز سلطانه. في جهة العلو على الوجه اللائق به مع نفي اللوازم المستحيلة عليه ﷾. وأدلة كونه تعالى كذلك من الآيات والأحاديث والآثار أكثر من أن تحصى. وأوفر من أن تستقصى. وفيما يجده كل أحد في نفسه من الميل الطبيعي الضروري إلى جهة العلو في الاستمداد حالتي الرغبة والرهبة شاهد قوي لذلك. حتى قيل أن الفخر الرازي لما أورد عليه ذلك الهمداني بعد أن فرغ من تقرير الأدلة العقلية على نفي الجهة قام من مجلسه وهو يقول حيرني الهمداني حيرني الهمداني. ولم يزل يقولها حتى دخل بيته. فعلى هذا يصح أن يقال ما وراء العالم لا خلاء ولا ملاء. لكن بغير المعنى الذي أراده الحكماء. ويجامع ذلك القدرة على توسعة هذا العالم وعلى خلق عوالم مثله أما عظم منه

مع بقاءه. وسبحان من ليس كمثله شيء. فافهم وتأمل. سائلاً منه تعالى العصمة عن الخطأ والخطل.

) ومنها (ما جرى في أمر نور الفجر. فأنى ذكرت له لا زال شيخ العصر. إن الفخر الرازي ادعى في تفسيره عند الكلام على قوله تعالى) فالق الإصباح (أن نور الفجر ليس من ضياء الشمس وإنما هو نور يخلقه الله تعالى ابتداءً وأنه رد ما قاله أهل الهيئة من أنه من ضيائها حين تقرب من الأفق الشرقي نحو سبع عشرة أو ثماني عشرة درجة) بما حاصله (على ما يخطر لي أنه لو كان ذلك من ضياء الشمس لزم أن يظهر بعيد نصف الليل لكل الناس وليس فليس) وبيان ذلك (أن كرة الأرض في كل وقت مستضيئ من الشمس أكثر من نصفها على ما اقتضاه برهانهم فيما إذا استضاءت كرة صغيرة من كرة كبيرة. وإن دائرة أفق كل قوم يجوز أن تكون دائرة نصف النهار لآخرين فمتى زالت الشمس عن دائرة نصف نهار قوم من جهة سمت القدم ويكون ذلك بعيد نصف ليلهم لزم بمقتضى ما قالوا من لزوم استضاءة النصف وأكثر أن يظهر الضوء من جهة الشرق ولا أقل من أن يستضيء من الأرض في تلك الجهة ما يتم به مع ما تحت الأفق النصف منها وحيث لم يكن كذلك علمنا أن الأمر في الفجر ليس على ما زعموه. فاستغرب ذلك سلمه الله تعالى جداً حيث أن كون نور الفجر من ضياء الشمس أظهر من الشمس في رابعة النهار وإنكار ذلك كإنكارها. فأحضر التفسير الكبير. فأخرجت البحث وقرأته في مجلسه الخطير. وقبل أن يتجلى نور فجره. عرضت عمائم الغوائل فطوينا البحث على غره.) وأنا أقول الآن (ليرتاح من يرتاح. مستعيناً بالله ﷿ فالق الإصباح. أنه لا يلزم من وجوب استضاءة نصف الأرض وزوال الشمس عن دائرة نصف نهار قوم. من جهة سمت القدم رؤية أولئك القوم ضوء الشمس. لأنهم لا يرون نصف الأرض وكذا لا يرون نصف ما غشاهم وخيم عليهم من ظلمة ظل الأرض وطي المنتهى إلى فلك الزهرة وإنما يرونه لو كانوا عند نقطة مركز حجم الأرض. على أنه لو فرض رؤيتهم نصف الأرض وهم على سطحها لا يلزم رؤيتهم الضوء أيضاً بناءاً على ما قيل أن كثافة الهواء المظلم في البين مانعة عنها فالضوء الذي يظهر بمقتضى ما قرره بعيد نصف الليل إنما يرى في بلد يزيد طوله على طول بلد أولئك القوم بكثير. وهذا مما لا دليل على نفيه. بل لا يبعد أن يكون واقعاً لاختلاف أوقات الفجر في البلدان حسب اختلاف الأطوال والأوضاع. ففجر البلد الشرقي. قبل فجر البلد الغربي كما أن مغرب البلد الغربي بعد مغرب البلد الشرقي. ومثل اختلاف الفجر والمغرب اختلاف الزوال ونحوه. والكل ظاهر ظهور اختلاف عدد ساعات النهار الأطول وعدد ساعات الليل الأطول في البلدان. ولحلول الشمس في البروج الشمالية والبروج الجنوبية مدخل في بعض الاختلافات. وإنكار اختلاف المطالع أظهر مكابرة من إنكار اختلاف الأصابع. وفي الحديث أن الشمس لتغرب عن قوم وتطلع على آخرين) نعم (اختلف في اعتبار ذلك الاختلاف شرعاً في نحو الصوم فذهب كثير من الحنفية مع إقرارهم بوجوده إلى عدم اعتباره. فيلزم عندهم أهل المغرب الصوم برؤية أهل المشرق هلال شهر رمضان. والحق اعتباره) والحاصل (أنه إن أراد أنه يلزم حسب ما ذكره أهل الهيئة على تقدير كون الفجر من الشمس طلوع الفجر بعيد نصف الليل في كل بلد بحيث يراه أهله فهو ممنوع. وإنما يلزم ذلك لو كان كل بلد بحيث يرى فيه نصف كرة الأرض والحال ليس كذلك. وإن أراد أنه يلزم طلوع الفجر في كل بلدٍ بعيد نصف الليل في بلد آخر فسيكون وقت واحد فجراً لقوم ونصف ليل لآخرين فهو مسلم ولا محذور في هذا اللازم بل لا يبعد أن يكون واقعاً. وقد صح أن في بعض العروض ما قوس ليله في بعض الأوقات أقل من ثلاث أو ست وثلاثين درجة. فهنالك يطلع الفجر قبل أن يغيب الشفق ولا شك أن وقت طلوع الفجر هناك ليل في أكثر المعمورة وأغرب من هذا حال عرض تسعين حيث تتحد دائرة المعدل مع دائرة الأفق فتكون هي الأفق فإن السنة هناك نصفها ليل ونصفها نهار إذ لا طلوع ولا غروب للشمس في ذلك العرض إلا بحركتها الخاصة) ومن هنا (يقال للرازي كما لا يلزم من طلوع الشمس. وجود النهار في موضع طلوعها ووجوده في كل موضع كذلك لا يلزم من طلوع الفجر في موضع طلوعه في كل موضع فمتى كانت الشمس طالعة ومرئية في بعض المواضع وهي غير طالعة ومرئية في بعض آخر. فليكن أثرها وهو الفجر كذلك. ولكون هذا في عرض تسعين ظاهراً جداً بنينا الأمر عليه فلا تغفل. واعجب من إنكار الرازي كون نور الفجر من ضياء

الشمس إنكار الجلال السيوطي كون هذا الضياء المشاهد في النهار من طلوع الشمس إلى غروبها من الشمس. وكم له عفا الله تعالى عنه من هذه العجائب التي أطلقت ألسنة الملحدين. بالطعن والعياذ بالله في الدين. وفي تفسيرنا روح المعاني ما يتعلق بأمر الفجر والجواب عن الشبهة التي سمعتها عن الفخر بكنه جواب غير واضح وضوح ما ذكرناه الآن. فإنه فيما أرى أوضح من نور الفجر الصادق للعيان. وما هو إلا من شمس التوفيق. لا زالت مشرقة علينا بأنوار التحقيق والتدقيق. فافهم وتأمل. فلعل الله تعالى يوفق لك ما هو أجلى وأجل.

) ومنها (ما جرى من محكم الكلام في أمر المتشابه. فأحسست أن له ميلاً إلى مذهب السلف الذي تمذهب أكثر المحققين به. فشكرت ربي. وكاد يطير من مزيد الفرح قلبي. فقلت يا مولاي يشهد لحقية مذهب السلف في المتشابهات وهو إجراؤها على ظواهرها مع التنزيه) ليس كمثله شيء (إجماع القرون الثلاثة الذين شهد بخيرتهم خير البشر صلى الله تعالى عليه وسلم وهو يدل على أن الشارع أراد بها ذلك. والجزم بصدقه دليل على عدم المعارض العقلي في نفس الأمر وأن توهمه العاقل في طور النظر والفكر وكذا خلوه عن القول في الله تعالى بحسب الظن اللازم بحسب الظاهر لمذهب المؤولين) وإن الظن لا يغني من الحق شيئاً (ولجلالة شأن ذلك المذهب ذهب إليه غير واحد عن أجلة الخلف.) منهم (إمام الحرمين قال في الرسالة النظامية) اختلف مسالك العلماء في هذه الظواهر فرأى بعضهم تأويلها والتزم ذلك في آي الكتاب وما يصح من السنن. وذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل وإجلاء الظواهر على مواردها وتفويض معانيها إلى الله ﷿. والذي نرتضيه رأياً وندين الله تعالى به عقيدة اتباع سلف الأمة. للدليل القاطع على أن إجماع الأمة حجة. فلو كان تأويل هذه الظواهر حتماً لأوشك أن يكون اهتمامهم به فوق اهتمامهم بفروع الشريعة. وإذا انصرم عصر الصحابة والتابعين على الإضراب عن التأويل كان ذلك هو الوجه المنيع انتهى (. والاقتصار على الصحابة والتابعين بناءً على المشهور. وإلا فقد ذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري أن أهل العصر الثالث وهم فقهاء الأمصار كالثوري والأوزاعي ومالك والليث ومن عاصرهم وكذا من أخذ عنهم من الأئمة على ذلك أيضاً.) ومنهم (الإمام أبو الحسن الأشعري فإن آخر أمره الرجوع إلى ذلك المذهب الجليل بل الرجوع إلى ما عليه السلف في جميع المعتقدات. قال في كتابه الإبانة الذي هو آخر مؤلفاته بعد كلام طويل) الذي نقول به وديانتنا التي ندين بها التمسك بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث ونحن بذلك معتصمون. وبما كان عليه أحمد بن حنبل نصر الله تعالى وجهه قائلون. ولمن خالف قوله مجانبون. انتهى (وهو ظاهر في أنه سلفي العقيدة. وكيف لا والإمام أحمد علم في ذلك ولهذا نغص لميه من بين أئمة الحديث. ويعلم من هذا أن ما عليه الأشاعرة غير ما رجع إليه أمامهم في آخر أمره من اتباع السلف الصالح فليتهم رجعوا كما رجع. واتبعوا ما اتبع. وإلى ذلك أيضاً ذهب السادة الصوفية. كما لا يخفى على من تتبع آثارهم. واستقرأ أخبارهم.) ومن ذلك (ما حكاه عن الشيخ الأكبر محيي الدين قدس سره تلميذه الشرف إسماعيل بن سودكين في شرح التجليات) ونصه (لا يجوز للعبد أن يتأول ما جاء من أخبار السمع لكونها لا تطابق دليله العقلي كأخبار النزول وغيره لأنه لو خرج الخطاب عما وضع له لكان بالخطاب فائدة. وقد علمنا أنه عليه الصلوة والسلام أرسل ليبين للناس ما أنزل إليهم. ثم رأينا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مع فصاحته وسعة علمه وكشفه لم يقل لنا أنه ينزل رحمته ومن قال ينزل رحمته فقد حمل الخطاب على الأدلة العقلية والحق تعالى ذاته مجهولة فلا يصح الحكم عليه بوصف مقيد معين والعرب تفهم نسبة النزول مطلقاً فلا تقيده بحكم دون حكم خصوصاً وقد تقرر عندها أنه) ليس كمثله شيء (فيحصل لها المعنى مطلقاً منزهاً. وربما يقال لك هذا يحيله العقل فقل الشأن هذا إذا صح أن يكون الحق من مدركات العقول حتى تمضي عليه سبحانه أحكامها انتهى.) وفي الغنية (للقطب الرباني. والهيكل الصمداني. سيد الشيخ عبد القادر الكيلاني. قدس سره. غنية في هذا المقام. عن سرد لصوص أولئك السادة الفخام.) ثم قلت (يا مولاي قد تلخص لي من تتبع كلام المحققين كالعلامة ابن حجر الهيتمي في كتابه التعرف. في الأصلين والتصوف. أن في المتشابهات ثلاثة مذاهب) الأول (التأويل أي الصرف عن الظاهر وتعيين المراد فيقال في الاستواء مثلاً ليس المراد به ظاهره بل المراد به الاستيلاء.) الثاني (ترك التأويل بمعنى ترك تعيين المراد وتفويضه إلى الله تعالى مع الجزم بأن الظاهر غير مراد. فيقال في ذاك مثلاً ليس المراد به معناه الظاهر والله تعالى أعلم بمراده منه. ومع هذا فالظاهر على ما قيل أنهم يجزمون بأن ذلك المعنى الذي فوضوا تعيينه إليه سبحانه

معنى مجازي أو كنائي لائق به جل شأنه.) وكان (شيخنا علاء الدين علي أفندي يقول أن في هذا تأويلاً لكنه دون التأويل في الأول. وفيه بحث لأنا لا نسلم أن التأويل إخراج الكلام عن ظاهره مطلقاً بل إخراجه إلى معنى معين معلوم كما يقال الاستواء مثلاً بمعنى الاستيلاء.) الثالث (الإبقاء على الظاهر مع نفي اللوازم وهو معنى قول بعضهم القول بالظاهر مع اعتقاد التنزيه وأن ليس كمثله ﷿ شيء فيقال في ذاك المراد ظاهره مع نفي لوازمه الدالة على الجسمية ويرجع ذلك إلى دعوى أنها لوازم لاستواء الخلق لا لاستواء الخالق أيضاً وهو نظير قول الأشاعرة والماتريدية في رؤية الله تعالى في الآخرة فأنها تكون مع نفي لوازمها من المقالة والجسمية ونحوهما مما هو من لوازم الرؤية في الشاهد. قيل هو مراد مالك وغيره من قولهم الاستواء معلوم والكيف مجهول. أي الاستواء معلوم المعنى ووجه نسبته إلى الحق تعالى المجامع للتنزيه مجهول لأن الصفات تنسب إلى كل ذات بما يليق بتلك الذات وذات الحق ليس كمثله شيء فنسبة الصفات المتشابهة إليه تعالى ليست كنسبتها إلى غيره ﷿ لأن كنه ذات الحق ليس من مدركات العقول لتكون صفته من مدركاتها. والصوفية على هذا المذهب كما يدل عليه كلام الكوراني في تنبيه العقول. على تنزيه الصوفية عن اعتقاد التجسيم والعينية والاتحاد والحلول. وجعلوا من ذلك ظهوره تعالى شأنه في المظاهر وقالوا إنه طور ما وراء طور العقل وغيرهم من القائلين بهذا المذهب يقولون كل ما سمع عن الصادق المعصوم فعلى العين والرأس. وليس المقام مقام الاجتهاد والقياس. ثم إن كلا المذهبين أحسن من مذهب الخلف النافين للظاهر المعينين للمراد لما فيه من اتباع الظن ظاهراً. ولا أقول كما قال ابن القيم) لام الأشعرية كنون اليهودية (فأولئك قيل لهم قولوا حطة فزادوا نوناً وقالوا حنطة وهؤلاء قيل لهم الرحمن على العرش استوى فزادوا لاماً. وقالوا استولى. نعم أقول ليتهم فوضوا وتركوا التأويل ولم يتعرضوا. وليتهم إذ أولوا ذكروا المراد على سبيل الاحتمال. ولم يجزموا بأن ما ذكروه هو مراد الملك المتعال. ثم أنه أبخر الكلام إلى ابن تيمية. فقال إنه قائل بالجسمية. فقلت حاشاه ومذهبه في المجسم. إنه مطلقاً غير مسلم. فقال إنه يقول العرش قديم نوعاً. فقلت لم نجد لنسبته إليه من غير الدواني نقلاً يليق أن يمنح سمعاً. فقال له مخالفة للأئمة الأربعة في بعض المسائل الفقهية. فقلت شبهته في تلك المخالفة بحسب الظاهر قوية. وله في بعض ذلك سلف. كما يعرفه من تتبع المذاهب ووقف. وقد مدحه غير واحد من العلماء الأعلام. وقد سمعت من شيخي أنه رأى كتاباً في ترجمة من لقبه بشيخ الإسلام. فقال قد ذمه العلامة السبكي. فقلت كم من جليل غدا من ذم عصريه يبكي. فآه من أكثر المعاصرين. فيهم بأيدي ظلعهم لحبات القلوب عاصرين. ثم استطردنا أبحاثاً أخر. إلى أن حضر من حضر.) ثم إني أقول الآن (مستعيناً بمن لا يدخل تحت حيطة الأذهان. إنهم يطلقون المتشابه على ألم وحم وكهيعص وحمعسق ونحوها من أوائل السور المعروفة كما يطلقونه على الاستواء والنزول والوجه والعين واليد ونحوها مما يسمونه بالصفات السمعية وفينا ما يشاركه في إطلاق اللفظ) وهذا الثاني (هو الذي افترق السلف فيه إلى فرقتين فرقة تفوض أصل معناه إلى علم الله ﷿. وأخرى تقول بمعناه الظاهر مجرداً عن لوازمه التي لا تنفك عنه فيناً مجامعاً للتنزيه الصادع به قوله تعالى) ليس كمثله شيء (وأما الأول فلم أقف على افتراقهم فيه كذلك. بل هم فيه فرقة واحدة قائلة الله تعالى أعلم بمراده منه. ويقابلها فرقة الخلف التي تزعم العلم بمراده ﷿ منه مع اختلافها في تعيينه. إلى ما شاء تعالى من الأقوال. فمن أطاق القول بأن الناس في المتشابه ثلاث فرق كمن أطلق القول بأنهم فيه فرقتان لم يصب المحز. بل هم في بعضٍ ثلاث وفي بعضٍ آخر اثنتان بل من تتبع كتب السلفيين كالحنابلة وقف على أن منهم من يؤول على حد تأويل الخلف بعض المتشابهات من الصفات السمعية كالفراغ في قوله تعالى) سنفرغ لكم أيها الثقلان (إن فسر بمعنى التخلي عن الشاغل. أو فسر بالقصد إلى الشيء وقلنا إن القصد لا ينسب إليه تعالى. وبكلا المعنيين فسر في حديث أبي بكر افرغ إلى أضيافك. وكالحسرة في قوله تعالى) يا حسرتا على العباد (بناءً

على أن الألف منقلبة عن ياء المتكلم. وكاليمين في قوله عليه الصلوة والسلام) الحجر الأسود يمين الله في الأرض (وفي نهاية ابن الأثير هذا كلام تمثيل وتخييل وأصله أن الملك إذا صافح رجلاً قبل الرجل يده فكان الحجر الأسود لله تعالى بمنزلة اليمين للملك حيث يستلم ويلثم انتهى.

بل ووقف أيضاً على أن منهم من يؤول مع ذلك ما حف بالقرائن الدالة على المراد منه كالمعية في بعض الآيات المبتدأة بالعلم المختتمة به. والصوفية قدست أسرارهم لا يؤولون شيئاً من ذلك. وقالوا إن كل ذلك من باب التجلي في المظاهر مع بقاء التنزيه الذاتي والغناء المطلق. وبذلك يتم لهم القول بوحدة الوجود التي هي وراء طور العقل من طريق الفكر) وأنا أختار (فيما شاع بين العرب في معنى غير معناه اللغوي حمله عليه دون إبقاءه على معناه اللغوي مع نفي اللوازم أو تفويض العلم بالمراد على علام الغيوب ﷻ. وهو عندي نظراً إلى ذلك المعنى الشائع في حكم المحكم. فإن القرآن نزل بلغة العرب وعلى استعمالهم وهم أول من خوطب به فلا يعدل في معناه عما تعارفوه فيه بينهم. ومثل ذلك المتشابه في الحديث. وكذا اختار التأويل كالخلف في نحو قوله عليه الصلوة والسلام) الحجر الأسود يمين الله تعالى في الأرض (وإن أعدل عنه قلت كإحدى فرقتي السلف ليس المراد معناه اللغوي بل معنى آخر يليق به سبحانه الله تعالى أعلم به. ولا أكاد أقول المعنى المراد اللغوي مجرداً عن لوازمه. ولا أظن الصوفي القائل بوحدة الوجود يقول ذلك أيضاً. وقد سمعت شيخي علاء الدين علي أفندي عليه الرحمة أن المتشابه عند السلف لا يراد منه معناه اللغوي جزماً لما يلزمه من المحال عليه تعالى) بل المراد معنى لائق به تعالى هو سبحانه يعلمه ولا جزم له بكون ذلك المعنى مجازياً أو كنائياً بل يحتمل عنده أن يكون أمراً آخر ليس بينه وبين المعنى الحقيقي مناسبة ما أصلاً. حتى أنه يجوز أن يكون المراد بالوجه في قوله تعالى) ويبقى وجه ربك (وقوله سبحانه) كل شيء هالك إلا وجهه (من لا يصعق عند النفخ المستثنى في قوله تعالى) فصعق من في السماوات ومن في الأرض (الآية وإن يكون المراد باليمين في الحديث المذكور آنفاً الدرة مثلاً والإضافة للتشريف كما في بيت الله وناقة الله. وهذا من الغرابة بمكان. ولم أر أحداً ذكره. وقد اعترضته يوم سمعته بأن المعنى معين في علم الله تعالى ولا بد ومتى كان ذلك المعنى ليس بينه وبين المعنى الظاهر مناسبة ما كان إرادته منه دون إرادة آخر مثله في عدم المناسبة ترجيحاً بلا مرجح. ويلزم ذلك أيضاً في إرادته من اللفظ المعين دون إرادته من آخر ليس بينه وبينه مناسبة أيضاً. فقال رحمه الله تعالى يلزم مثل ذلك في وضع لفظٍ لمعنى ليس مناسباً له. بناءً على الصحيح من أنه لا يشترط مناسبة اللفظ للمعنى في وضعه له. فوضع الحجر لمسماه ليس بأولى من وضع الذهب أو الشجر أو الفرس أو السرج لذلك المسمى) والجواب عن كل ذلك (بأنه كفي بالإرادة مرجحةً أو بأن هناك مرجحاً غيرها استأثر الله تعالى بعلمه. ويحتمل أن تكون المناسبة بوجه لا نعلمه ونفي المناسبة إنما هو بحسب علمنا. فقلت ماذا يقال للفظ بالنظر إلى ذلك المراد أحقيقة أم مجاز. فقال لا ولا. إن كان الاستعمال المأخوذ في تعريفي الحقيقة والمجاز بالنسبة إلينا وحقيقة إن كان أعم من ذلك مما هو بالنسبة إليه ﷿. وكان استعماله تعالى اللفظ فيه ابتداء. ومجاز إن كان الاستعمال أعم وكان استعماله تعالى بوضع ثان لعلاقة لكن استأثر الله تعالى بعلمها ويجوز أن يقال له منقول إن كان الاستعمال كما ذكر إلا أنه لا علاقة في نفس الأمر) ثم قلت (على احتمال كون مراده تعالى معنىً مجازياً يلزم القرينة فحيث لا قرينة لا مكان لذلك الاحتمال. فقال اشتراط القرينة غير مجمع عليه فالأصوليون من الشافعية يقولون المجاز اللفظ المستعمل بوضع ثان. لعلاقةٍ ولا يزيدون مع قرينة. ومن هنا صح لهم القول بجواز أن يراد باللفظ الواحد حقيقته ومجازه معاً في وقت واحد. على أن من أزاد في تعريفه كالبيانين القرينة قيدها بالمانعة عن إرادة المعنى الموضوع له اللفظ أولاً. ولم يطلقها بحيث تعم القرينة المانعة عن إرادة ذلك والقرينة المعينة للمراد. والقرينة المانعة ليست منحصرة عندهم في اللفظية بل تعم العقلية وهي متحققة في المتشابه فقلت بناءً على ما ذكرت من مذهبهم فيه يحتمل أن يكون اللفظ مشتركاً بين معنى حقيقي. عندنا وآخر حقيقي عنده ﷿. وقد قالوا باحتياج استعمال المشترك في أحد معنييه إلى قرينة تعينه. فقال لأبدية القرينة في ذلك ممنوعة فقد يذكر المشترك مراداً منه معنى معين في نفس الأمر خالياً عن

قرينة تعينه كما في المجمل فتركت السؤال. حين طال) وأنت تعلم (أن القول بالظواهر مع التنزيه خال عن ذلك إلا أن تفويض العلم بالمراد فيه إلى الله تعالى لا يخلو عن خفاءٍ لما أن فيه الجزم بأن المراد هو الظاهر. غاية ما في الباب أنه مجرد عن اللوازم كرؤيته تعالى مصدر المبني للفاعل ومصدر المبني للمفعول فإن لوازمها بالمعنيين في المشاهد منفية فيه سبحانه) وحيث أني من المفوضين أقول فيما عدا ما سمعت بالتفويض على حد ما عليه جمهور السلف إلا أني أعد الظاهر الذي جزموا كما أشار إليه الجلال المحلي وغيره بأنه غير مراد هو المعنى المستدعى للوازم. فأقول في الاستواء مثلاً ليس المراد به المعنى الحقيقي بلوازمه قطعاً لأباء قوله تعالى) ليس كمثله شيء (مع الدليل العقلي عنه. بل المراد معنى لائق به ﷿ لا أعلمه وهو ﷾ يعلمه وأقطع بذلك من غير تعيين) نعم أقول (هو محتمل لأن يكون المعنى المجرد عن اللوازم ومحتمل لأن يكون غيره مما يليق به جل شأنه. وعز سلطانه. وربما أرجح الأول من الاحتمالين بأن عليه جملة من السلف الصالح. وطائفة عظيمة من الصوفية الذين لا يؤثر بعلو شأنهم قدح قادح. لكن لا أجزم بأنه مراد الله تعالى كما أجزم بأن الظاهر بلوازمه غير مراد له تعالى فأنا والحمد لله تعالى مؤمن بما ورد في الله تعالى على المعنى الذي أراده ﷻ. ومن أين لعنكبوت العقل العروج بلعابه. إلى رفيع قدس العرش وما هواه أدنى من ذرةْ بالنسبة إلى جنابه. وأقول بالوقف على إلا الله فقد حكاه محيي السنة البغوي ف المعالم وغيره في غيره عن أكثر الصحابة والتابعين والنحويين. رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وقال الأستاذ أبو منصور أنه الأصح. وبالغ ابن السمعاني وغيره من الأجلة في نصرته. ولا يثنيني عن ذلك حكاية إمام الحرمين في البرهان الوقف على العلم عن أكثر القراء والنحاة ولا نقله ذلك فيه عن ابن عباس وابن مسعود رضي الله تعالى عنهم أولاً مبالغة في تأييده في التخليص حتى قال إن مقابله قول باطل لما أنه خلاف مقتضى ما دان الله تعالى به في الرسالة النظامية كما قدمناه لك. وهي بعد البرهان تأليفاً وخلاف مقتضى ما نقله الألوف عن ابن عباس وغيره من الصحابة والتابعين. وقد أخرج عبد الرزاق في تفسيره والحاكم في المستدرك عن ابن عباس أنه كان يقرأ) وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون في العلم.. آمنا به (وحكى الفراء مثله عن أبي بن كعب. وأخرج ابن أبي داود في المصاحف من طريق الأعمش عن ابن مسعود أنه كان يقرأ) وإن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به (وكذا لا يثنيني قول النووي عليه الرحمة في شرح مسلم أنه الأصح لأنه يبعد أن يخاطب الله تعالى عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته فإنه خلاف مقتضى ما ذهب إليه الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه مما أخرجه ابن أبي حاتم في مناقبه عن يونس بن عبد الأعلى عنه ونقله العلامة الكوراني في تنبيه العقول. والبعد الذي ذكره ممنوع حيث كان الخطاب بذلك للابتلاء. وقد ابتلى سبحانه عباده بتكاليف كثيرة. وعبادات وفيرة. لم يعرف أحد السر فيها. والسر في هذا الابتلاء قص جناح العقل وكسر سورة الفكر وإذهاب عجب طاووس النفس. ليتوجه القلب بشراشره تجاه كعبة العبودية. ويخضع تحت سرادقات الربوبية. ويعترف بالقصور. ويقر بالعجز عن الوصول إلى الحور القصورات في هاتيك القصور. وفي ذلك غاية التربية. ونهاية المصلحة. وكذا لا ينبغي وجوه ذكرها الخلف في ترجيح الوقف على العلم. فقد رددتها والحمد لله تعالى في تفسيري روح المعاني. وذكرت مما يرجح الوقف على إلا الله. ما فيه مقنع لمن أوتي قلباً سليماً. وفهماً مستقيماً) بقي شيء (وهو أن ابن السبكي قال في جمع الجوامع) ما نصه (ولا يجوز ورود ما لا معنى له في الكتاب والسنة خلافاً للحشوية انتهى. وكتب عليه شيخ الإسلام) ما نصه (والمراد بما لا معنى له ما يتعذر التوصل إلى معناه ليصبح محلاً للنزاع إذا لم يقل أحد بظاهر ذلك انتهى. فيلزم من ذلك وكون السلف قائلين أن المتشابه ما يتعذر الوصول إلى معناه. كما أفصح به تعريف الحنفية إياه. بما ستأثر الله تعالى بعلمه. دون ما لم يتضح معناه كما عرفه به معظم الشافعية. مخالفين لمقتضى ما روي عنه من قوله إن علم ذلك لا يدرك بالعقل ولا الروية والفكر

كون أولئك الأجلة. الذين هم سادات الملة. كالحشوية الذين قال الحسن البصري لما وجد قولهم ساقطاً. وكانوا يجلسون في حلقته أمامه) ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة (أي جانبها. أو الطعن في الحسن البصري الذي هو أفضل التابعين عند أهل البصرة حيث رأى سقوط قولٍ هو عين قول السلف. ولم يرض أن يقعد قائله تجاهه مع أنه هو نفسه قائلاً به. فقد صح أنه من السلف القائلين بقولهم. وقد أخرج كما قال الحافظ ابن حجر في شرح صحيح البخاري أبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة من طريقه عن أمه. عن أم سلمة أنها قالت الاستواء غير مجهول. والكيف غير معقول. والإقرار به إيمان. والجحود به كفر.) وقد كنت (سألت الشيخ رحمه الله تعالى عن ذلك أثناء الدرس فقال الفرق بين مذهب السلف ومذهب الحشوية أن مذهب الحشوية ورود ما يتعذر التوصل إلى معناه مطلقاً سواءً كان مراد اً أو غير مراد. ومذهب السلف ورود ما يتعذر التوصل إلى معناه المراد. فالاستواء مثلاً عندهم له معنى يتوصل إليه بمجرد سماعه كل من يعرف المدلولات اللغوية إلا أنه غير مراد لأنه خلاف ما يقتضيه دليل العقل والنقل. ومعنى آخر يليق به تعالى لا يعلمه إلا هو ﷿. وقد يقال الأولى في الجواب إبقاء كلام ابن السبكي على ظاهره وعدم الالتفات إلى كلام شيخ الإسلام. وقوله) إنه لم يقل به أحد (فالمثبت لا سيما إذا كان كابن السبكي الإمام بن الإمام. مقدم على النافي ولو كان كشيخ الإسلام. فتأمل جميع ما تلوناه عليك. وهو يغنيك عن مراجعة كثير من الكتب إن أخذت العناية بيديك. وبقيت في هذا المقام أبحاث كثيرة يضيق عنها نطاق الكلام. وفي كتب الحنابلة من ذاك ما يجلو غياهب الأوهام. ويروي الغلل ويبري العلل والأسقام. فمتى أشكل عليك أمر. فارجع إليها ينشرح بإذن الله تعالى منك الصدر.

) ومنها (ما جرى في اعتراض الحموي على قول الرضي الأسترابادي. الذي لم يزل علم الهدى للنحويين في كل نادي.) إن العلم قد يقصد تنكيره. وذلك إذا أضيف إليه كل نحو زيد عالم فإن كلاً لا تدخل إلا على نكرة (.) وحاصل الاعتراض (أنهم صرحوا بأن كلاً اسم موضوع لاستغراق أفراد المنكر نحو) كل نفسٍ ذائقة الموت (والمعروف أن المجموع نحو) كلهم آتية (وأجزاء المفرد المعرف نحو كل زيد حسن. وهو نص في أنها تضاف إلى المعرفة والنكرة. فكيف قال الرضى أن كلا لا تدخل إلا على نكرة.) ثم قال (وقد عرضت ذلك على شيخنا الخفاجي فنظر فيه كثيراً. ولم يتكلم بشيء جليلاً كان أو حقيراً.) فقلت (يا مولاي لعل مراده بكلٍ كل التي يراد بها استغراق الأفراد بقرينة المثال. وظهور الحال حتى على الأطفال. وكيف يتصور من الرضى. وهو العالم المرتضى أن يريد بها الأعم مع ظهور الأمر) ظهور نار القرى ليلاً على علم (. فقال قد أجاب بنحو ذلك شيخ الإسلام عطاء الله أفندي. وها تحريره في ذلك عندي. فأراني الجواب. مكتوباً بخطه في حاشية الكتاب.) ثم قال وأنا أقول (إن كلا مطلقاً داخله على نكرة. ومن أمعن نظراً لا يجد سبيلاً لأن ينكره. لأن نحو وكلهم آتية في تقدير وكل فرد آتية ونحو كل زيد حسن في تقدير كل جزء من أجزاء زيد حسن. فقلت يا مولاي هذا تقدير معنى لا تقدير إعراب. وفرق ظاهر بينهما عند ذوي الألباب. ومتى اعتبر ذلك كانت لاستغراق الأفراد. كما لا يخفى على المحققين الأمجاد. فإن اعتبر لزم الاعتراض على كل نحوي. وإذا لم يعتبر وقلنا بتعيينه في الجواب. بقي الاعتراض على الفاضل الرضي. وكدت يا مولاي أجيب بما ذكرتم من الجواب. لكن خطر لي هذا الاعتراض فوكأت فم الجراب. فقال هذا جواب لا تصل إليه أذهان علماء بغداد. فقلت) نعم (ولا علماء سائر البلاد. وكان في المجلس فاضل الروم اليوم يحيى أفندي. فوافقني في الجواب أولاً ثم عاد لا يعيد ولا يبدي. فلزمت الأدب. ورأيت السكوت أصوب.

) ومنها (ما جرى في جواب لخاتمة المتأخرين. الشيخ محمد أمين بن عابدين. عن إشكال للدماميني أورده في أول شرحه الكبير على المغني عند قول ابن هشام) وقد كنت في عام تسعة وأربعين وسبعمائة (وذلك أن الدماميني قال عند ذلك) ما نصه (كثيراً ما يقع هذا التركيب وهو مشكل وذلك أن المراد من قولك وقع كذا في عام أربعين مثلاً هو العام الواقع بعد تسعة وثلاثين. وتقدير الإضافة فيه باعتبار هذا المعنى غير ظاهر إذ ليست فيه إلا بمعنى اللام ضرورة أن المضاف إليه ليس جنساً للمضاف ولا ظرفاً له فيكون معنى نسبة العام إلى أربعين كونه جزءاً منها كما في يد زيد وهذا لا يؤدي المعنى المقصود إذ يصدق بعامٍ ما منها سواء كان الأخير أو غيره وهو خلاف الغرض. ويمكن أن يقال قرينة الحال معينة لأن المراد الجزء الأخير وذلك لأن فائدة التاريخ ضبط الحادثة المؤرخة بتعيين زمانها ولو كان المراد ما يعطيه ظاهر اللفظ من كون العام المؤرخ واحداً من أربعين بحيث يصدق على أي عام فرض لم يكن لتخصيص الأربعين مثلاً معنى يحصل به كمال التمييز للمقصود ولكن قرينة إرادة الضبط بتعيين الوقت تقتضي أن يكون هذا العام هو مكمل عدة الأربعين. أو يقال حذف مضاف لهذه القرينة والتقدير في عام آخر أربعين والإضافة بيانية أي في عام هو آخر أربعين فتأمله انتهى. ثم تعقبه ذلك الفاضل فقال) وأقول يظهر لي أنه لا حاجة إلى تقدير المضاف بعد جعل الإضافة بيانية فإن الأربعين كما تطلق على مجموعها. تطلق على الجزء الأخير منها. وهكذا غيرها من الأعداد بدليل أنك تقول هذا واحد هذا اثنان الخ. فتطلق الاثنين على الثاني والثلاثة على الثالث وعلى مجموع الاثنين ومجموع الثلاثة فتأمل انتهى (. فذكر لي حضرة المولى أنه اعترض هذا الجواب بما أرسله إلى المجيب. وأنه أجاب بما تحقق عنده أنه فيه غير مصيب. فقلت الإنصاف أنه لا يخلو عن شيءٍ. ويخطر لي أن ظاهر قوله) فإن الأربعين كما تطلق على مجموعها تطلق على الجزء الأخير منها الخ (. إن كلا الإطلاقين حقيقة. وفيه منع ظاهر. على أن في نفس تحقق هذين الإطلاقين عن العرب كلاماً. وورود ما ذكره في الدليل من هذا واحد هذا اثنان الخ عنهم. متعيناً فيه كون المشار إليه الثاني والثالث والرابع الخ. دون المعدود المشاهد مما لا يكاد يسلم. وإثباته أصعب من خرط القتاد. وورود الاثنين اسماً لثاني أيام الأسبوع بناءً على ما اختاره غير واحدٍ من أن أولها الأحد. لا ينفع في هذا الباب. كما لا يخفى على ذوي الألباب. وإن أراد فإن الأربعين كما تطلق على مجموعها حقيقةً تطلق على الجزء الأخير منها مجازاً فهو وجه أشار إليه البدر الدماميني بقوله ويمكن أن يقال الخ. وزاد عليه وجهاً آخر في قوله أو يقال الخ.) وحاصل ما ذكره (أن هناك مجازاً أما في الذكر وهو المجاز المشهور أو في الحذف. وعلى هذا لا يظهر حسن التعقيب بقوله أقول يظهر الخ. وكأنه أشار إلى ما في كلامه من النظر بالأمر بالتأمل. وربما يقال أن الأولى في توجيه ذلك ونحوه أن يدعي أن الأربعين في نحو قولك كتبته عام أربعين مراد بها متم وهو في معنى الجزء الأخير منها وكذا الاثنان والثلاثة والأربعة الخ. في قولك هذا واحد هذا اثنان هذا ثلاثة الخ. يراد به المتم وهو الجزء الأخير مجازاً. وإرادة الجزء من الكل طريق مهيع فلا ينبغي التوقف في قبولها لا سيما إذا كان ذلك الجزء مما يتم به الكل ويكون به موجوداً بالفعل. وقرائن إرادة ذلك متفاوتة وكثيراً ما تكون حاليةً والقرائن الحالية للمجاز أكثر من أن تحصى. وربما يدعي فيما نحن فيه البلوغ في الشهرة فيما أريد به مبلغ الحقيقة حتى كاد يستغني عن القرينة التي يحتاج إليها المجاز فافهم. والله تعالى أعلم.

) ومنها (ما جرى في الكلام على قوله تعالى) ذواتا أفنان (حيث يتوهم أن ذواتا فيه تثنية ذوات جمعاً وقد ذكرت ذلك لحضرة المولى فأحضر أبقاه الله تعالى إعراب القرآن لأبي البقاء. وإعراب القرآن لمكي وغيره. فاقتطفنا من أفنان هاتيك الكتب ثمار الصواب. ولم يبق لنا في تحقيق الحق ارتياب) وفي تفسيرنا روح المعاني (ذواتا أفنان صفة لجنان وما بينهما اعتراض وسط بينهما تنبيهاً على أن تكذيب كل من الموصوف والصفة موجب للإنكار والتوبيخ. وجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي هما ذواتا. وأياً ما كان فهو تثنية ذات بمعنى صاحبة فإنه إذا أثنى فيه لغتان ذاتاً على لفظه وهو الأقيس كما يثنى مذكره ذو. والأخرى ذواتا برده إلى أصله فإن التثنية ترد الأشياء إلى أصولها وقد قالوا أصل ذات ذوات لكن حذفت الواو تخفيفاً وفرقاً بين الواحد والجمع ودلت التثنية ورجوع الواو فيها على أصل الواحد وليس هو تثنية الجمع كما يتوهم. وتفصيله في باب التثنية من شرح التسهيل انتهى.) وأقول (ربما يقال ما السر في العدول عن الأقيس. فيقال في الجواب لعله الرمز إلى أن الموصوف خارج عن دائرة القياس. وغراس تينك الجنتين ليس على سياق ما تعورف من الغراس. ومع ذا إيهام الجمع لا يخلو عن مدح فتأمل ما به. والله تعالى أعلم بأسرار كتابه.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «غرائب الاغتراب ونزهة الألباب»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.