تجاوز إلى المحتوى

من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال» لعبد القادر بن بدران (ت ١٣٤٦هـ)

صَاحب مرْآة الزَّمَان

وان لم يكن على شرطي هُنَا ليَكُون هَذَا الْقسم مَعَ الَّذِي بعده كمنضج صفيف شواء أَو قدير معجل فَأَقُول

صَاحب مرْآة الزَّمَان

هُوَ شمس الدّين أَبُو المظفر يُوسُف ابْن الْأَمِير حسام الدّين قزل بن عبد الله عَتيق الْوَزير عز الدّين بن هُبَيْرَة الْحَنْبَلِيّ وَأمه بنت جمال الدّين أبي الْفرج عبد الرَّحْمَن أبن الْجَوْزِيّ الْحَافِظ الْمَشْهُور والواعظ الَّذِي كَلَامه مأثور وَكَانَ المترجم حسن الصُّورَة طيب الصَّوْت كثير الْفَضَائِل والمصنفات قَالَه أبن كثير وَقَالَ وَله كتاب مرْآة الزَّمَان فِي عشْرين مجلدا وَهُوَ من أحسن التواريخ أَخذه من كتاب جده أبن الْجَوْزِيّ الْمُسَمّى بالمنتظم وَزَاد عَلَيْهِ وذيله إِلَى زَمَنه فجَاء غَايَة فِي بَابه وَقدم دمشق فِي حُدُود الستمائة وحظي عِنْد مُلُوك بني أَيُّوب وقدموه وأحسنوا إِلَيْهِ وَكَانَ لَهُ مجْلِس وعظ كل يَوْم سبت بكرَة النَّهَار عِنْد بَاب مشْهد عَليّ بن الْحُسَيْن فَكَانَ النَّاس يبيتُونَ لَيْلَة السبت بالجامع فِي أَيَّام الصَّيف ويتركون الْبَسَاتِين حَتَّى يسمعوا ميعاده ثمَّ يسرعون إِلَى بساتينهم وهم يتذاكرون بِمَا سَمِعُوهُ من الْفَوَائِد وَالْكَلَام الْحسن الَّذِي كَانَ يمليه على طَريقَة جده وَكَانَ الْمَشَايِخ يحْضرُون هَذَا عِنْد قبَّة يزِيد عِنْد بَاب الْبَرِيد

ويستهجنون مَا يَقُول كَمَا هِيَ عَادَتهم عِنْد سماعهم مَا لَا يعرفونه واعتقاد كل وَاحِد مِنْهُم أَن الْعلم انحصر فِيهِ وانه لَا علم إِلَّا مَا يعرفهُ من الخزعبلات والترهات والمقالات الملفقة والأساطير المنمقة المزخرفة ثمَّ تولى تدريس الْمدرسَة العزية البرانية ومدرسة الشبلية وفوضت إِلَيْهِ البدرية وَكَانَ سكنه بهَا وَبهَا توفّي سنة أَربع وَخمسين وسِتمِائَة وَحضر جنَازَته الْملك الْعَزِيز

وَأثْنى أَبُو شامة على علومه وفضائله وَحسن وعظه وَطيب صَوته ونضارة وَجهه وتواضعه وزهده وتودده وَكَانَ عَالما فَاضلا ظريفا مُنْقَطِعًا عَن النَّاس مُنْكرا على أَصْحَاب الدولة مَا هم عَلَيْهِ من الْمُنْكَرَات وَكَانَ مقتصدا فِي لِبَاسه مواظبا على المطالعة والاشتغال بِالْعلمِ وَالْجمع والتصنيف مضيفا لأهل الْعلم وَالْفضل مباينا لأهل الخزي وَالْجهل تَأتي الْمُلُوك وأرباب الدولة إِلَيْهِ زائرين قَاصِدين وَقد قضى عمره فِي جاه وأفر عِنْد الْمُلُوك والحكام والعوام فِي نَحْو خمسين سنة وَكَانَ مجْلِس وعظه مطربا وصوته فِيمَا يُورِدهُ حسنا طيبا قَالَ أبن كثير وَهُوَ مِمَّن ينشد لَهُ بعد مَوته قَول الشَّاعِر

مَا زلت تكْتب فِي التَّارِيخ مُجْتَهداحَتَّى رَأَيْتُك فِي التَّارِيخ مَذْكُورا

وَمن لطائفه أَن الْملك النَّاصِر صَاحب حلب سَأَلَهُ يَوْم عَاشُورَاء أَن يذكر للنَّاس شَيْئا من مقتل الْحُسَيْن ﵁ فامتثل وَصعد الْمِنْبَر وَجلسَ طَويلا لَا يتَكَلَّم ثمَّ وضع المنديل على وَجهه وَبكى ثمَّ أنشأ يَقُول

ويل لمن شفعاؤه خصماؤهوالصور فِي نشر الْخَلَائق ينْفخ
لَا بُد أَن ترد الْقِيَامَة فاطموقميصها بِدَم الْحُسَيْن ملطخ

ثمَّ نزل عَن الْمِنْبَر وَهُوَ يبكي وَصعد إِلَى الصالحية وَهُوَ يبكي

وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي العبر أَن للمترجم تَفْسِيرا فِي تِسْعَة وَعشْرين مجلدا وَله شرح الْجَامِع الْكَبِير وَجمع مجلدا فِي مَنَاقِب أبي حنيفَة وَكَانَ فِي شبيبته حنبليا ثمَّ انْتقل إِلَى مَذْهَب أبي حنيفَة

النص من طبعة المكتب الإسلامي ببيروت (١٩٨٥م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «منادمة الأطلال ومسامرة الخيال»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.