من «المحاسن والأضداد» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)
أحاديث الجنس
الدبيب: قال الأصمعي: «أخبرني رجل من بني أسد أنه خرج في طلب إبل قد ضلت؛ فبينا هو يسير في بلاء وتعب، وقد أمسى في عشية باردة، إذ رفعت له أعلام، قال: فقصدت بيتاً منها، فإذا أنا بامرأة جميلة ذات جزالة، فسلمت فردت علي السلام، ثم قالت: أدخل، فدخلت، فبسطت لي، ومهدت، وإذا في حرجها صبي أطيب ما يكون من الولدان.
فبينا هي تقبّله، إذا أقبل رجل أمام الإبل، دميم المنظر، ضئيل الجسم، كأنه بعرةٌ دمامةً واحتقاراً، فلما بصر به الصبي، هش إليه وعدا في تلقائه، فاحتمله وجعل يقبله ويفديه، فقلت في نفسي: أظنه عبداً لها. فجاءني ووقف بباب الخيمة وسلم، فرددت ﵇؛ فقال: «من ضيفكم هذا» ؟ فأخبرته، فجلس إلى جانبها، وجعل يداعبها، فطفقت أنظر إليها تارةً، وإليه أخرى، أتعجب من اختلافهما، كأنها الشمس حسناً، وكأنه القرد قبحا، ففطن لنظري، وقال: «يا أخا بن أسدٍ، أترى عجباً» ؟ قال:
«تقول أحسن الناس وجهاً، وأقبح الناس وجهاً، فليت شعري كيف جمع بينهما؟ أخبرك كيف كان ذلك» ؟! قلت: «ما أحوجني إلى ذلك» ! قال: «كنت سابع أخوتي كلهم، لو رأيتني معهم ظننتني عبداً لهم وكان أبي وأخوتي كلهم أصحاب إبل وخيل، وكنت من
بينهم مطروحاً لكل عمل دنيء، للعبودية تارة، ولرعي الإبل أخرى؛ فبينا أنا ذات يوم تعب مكتئب، إذا ضل لنا بعير، فتوجه أخوتي كلهم في بغائه، فلم يقدروا عليه، فأتوا أبي وقالوا: «ابعث فلاناً ينشد لنا هذا البعير»، فدعاني أبي وقال: «أخرج فانشد هذا البعير». فقلت: «والله ما أنصفتني ولا بنوك. أما إذا الإبل درت ألبانها، وطارت ركوبها، فأنتم جماعة أهل البيت أربابها، وإذا ندت ضلالها فأنا باغيها». فقال: «قم، يا لكع، فإني أراه آخر يومك».
فغدوت مقهوراً، خلق الثياب، حتى أتيت بلاداً لا أنيس بها، فطفقت يومي ذلك أجول في القفر، فلما أمسيت، رفعت لي أبيات، فقصدت أعظم بيت منها، فإذا امرأة جميلة مخيلة للسؤدد والجزالة، فبدأتني بالتحية وقالت: «انزل عن الفرس، وأرح نفسك». فأتتني بعشاء، فتعشيت، وأقبلت هذه تسخر مني وتقول: «ما رأيت كالعشية أطيب ريحاً منك، ولا أنظف ثوباً، ولا أجمل وجهاً».
فقلت: «يا هذه دعيني وما أنا فيه، فإني عنك في شغل شاغل»، فأبت علي وقالت: «هل لك أن تلج على السجف إذا نام الناس» ؟
فأغراني- والله- الشيطان؛ فلما شبعت من القرى، وجاء أبوها وأخوتها، فضجعوا أمام الخيمة، قمت ووكزته برجلي. قالت: «ومن أنت» ؟ قلت:
«الضيف». قالت: «لا حياك الله، أخرج، عليك لعنة الله»؛ فعلمت أني لست في شيء من أمرها؛ فوليت راجعاً، فواثبني كلب كأنه السبع لا يطاق، فأراد أكلي، فأنشب أنيابه في مدرعة صوف كانت علي، وجعل يمزقني، فردني القهقرى، وتعذر علي الخلاص، فأهويت أنا والكلب من قبل عقبي في بئر أحسن الله إليّ أنه لا ماء فيه؛ فلما سمعت المرأة الواغية، أتت بحبلٍ فأدلته، وقالت: «إرتق، لعنك الله؛ فو الله لولا أنه يقتص أثري غداً، لوددت أنها قبرك».
فاعتنقت الحبل، فلما كدت أن أتناول يدها، قضي أن تهور ما تحت قدميها، فإذا أنا، وهي، والكلب في قرارة البئر؛ بئر أيما بئر؟ إنما هي حفرة لا طي لها، ولا مرقاة، كأشد بلية بنا عضاً: الكلب ينبح من ناحية، وهي تدعي بالويل والثبور من ناحية، وأنا منقبع قد برد جلدي على القتل من ناحية.
فلما أصبحت أمها، فقدتها، فلما لم ترها، أتت أباها، فقالت: «يا شيخ، أتعلم أن ابنتك ليس لها أثر يحس» ؟ وكأن ابوها عالماً بالآثار، فلما وقف على شفير البئر، ولى راجعاً، فقال لولده: «يا بني! أتعلمون أن أختكم وضيفكم وكلبكم في البئر» ؟ فبادروا كالسباع، فمن بين آخذٍ حجراً، وآخذٍ سيفاً أو عصاً، وهم يومئذ يريدون أن يجعلوا البئر قبري وقبرها؛ فلما وقفوا على شفير البئر، قال أبوهم: «إن قتلتم هذا الرجل، طولبتم بدمه، وإن تركتموه افتضحتم. وقد رأيت أن أزوجها إياه، فو الله ما يقدح لها في نسب ولا في حسب». ثم قال لي: «أفيك خير» ؟ فلما شممت روح الحياة، وثاب إلي عقلي، قلت: «وهل الخير كله إلا في؟ فهات أحتكم». فقال: «مائة بكرة وبكرة، وجارية وعبد»، فقلت: «لك ذلك، وإن شئت فازدد».
فأخرجت أولاً، والكلب ثانياً، وأخرجت ثالثاً، فأتيت أبي، فقال:
«لا أفلحت، فأين البعير» ؟ قلت: «أربع عليك، أيها الشيخ، فإنه كان من القصة كيت وكيت» قال: «أفعل، والله، ولا أخذلك». فدعا بالإبل، فعد منها مائة بكرة وبكرة، وسقناها مع جارية وعبد وأخذت منه هذه غرة نفسها.
قال: «والله كذلك، وجعلت تصدف عن حديث زوجها صدوف المهرة العربية سمعت لجامها، وربما قالت: «لا أطاب الله خبرك».
وضده، قال: وقيل لخراش الأعرابي: حدثنا ببعض هناتك. قال خرجت في بغاء ذود لي، فدفعت في عشية شاتية إلى أخبية كثيرة، فضافوا وحيوا ورحبوا، فلما أدرت النوم، أقاموا فتاة لهم من موضع مبيتها،
وجعلوني مكانها لئلاً أتأذى بالغنم.
وإني لمضطجع، إذا أنا بيد إنسان يجامشني، ويريد في الظلمة مؤاتاتي؛ فقعدت، فإذا أنا برجل يمد يده، ومعه علبة فيها أرنب مشوية، فأخذتها وجعلتها في شيء كان معي. ثم مد يده ثانياً، فناولته يدي، فأقتبضني على غرمول كمثل الوتد، فلم أنفر منه، ولم أره وحشة؛ وجررت ما عندي، وتناولت يده، فأقبضته على مثل ما أقبضني عليه، ففطن، ورمى بملحفة خز كانت عليه، ووثب مذعوراً، فنفرت الإبل، وهاجت الغنم، وكدت أغشى لما بي من الضحك، وأخفيت ما بي وكتمته.
فلما أصبحت، ركبت راحلتي، ومعي الملحفة والأرنب. امتد الضحى، إذا أنا بإبل فأخذت نحوها، فإذا شابٌ حسن الهيئة؛ فسلمت عليه، فرد السلام ثم قال: «إن كان معك ما نأكل مصب من هذا الوطب».
فأخرجت العلبة، فلما رآها عرفها، وقال:
«إنك هو» ؟ قلت: «وما هو» ؟ قال: «صاحب البارحة» ؟ قلت:
«نعم، إن كنت إياه» قال: «الحمد لله الذي أتى بك، لو لم تأت لظننت أني أوسوس وذلك أني لصاحبة الستر عاشق؛ وتعلم ما فعلت وما فعلت البارحة، ولا تطيّق حتى ابتلاني الله بك البارحة، وجعلت أقول حين أقبضتني عليه: أتراها تحولت رجلاً؟ وإني لفي شك من أمري حتى أتاني الله بك». فأكلت أنا وهو، الأرنب، وشربنا من اللبن، وصرنا أصدقاء.
قال الأصمعي: أتى خالد بن عبد الله أعرابي، فأضافه وأحسن إليه وبذل له صحن الدار؛ فلما كان في بعض الليل، اشرف عليه يتعاهد منه ما كان يتعاهد من ضيفه، فإذا هو قد دب على جارية، وهو على بطنها، فأعرض عنه؛ فما لبث الإعرابي أن فرغ وقام يمسح فيشلته، فضربته عقرب، فصاح واستغاث، وأشرف خالد عليه وهو يقول:
وداري إذا نام سكانهاتقيم الحدود بها العقرب
إذا غفل الناس عن دينهمفإن عقاربنا تغضب!!
قال: وكان أعرابي ضيفاً لقومٍ، فنظر إلى جارية جميلة، فدب إليها، فإذا عجوز في صحن الدار تصلي، فعاد إلى فراشه، ثم عاودها فنبح الكلب، ثم عاد إليها، فإذا القمر قد طلع، فأنشأ يقول:
لم يخلق الله خلقاً كنت أكرههإلا العجوز وعين الكلب والقمر
هذا يصيح وهذا يستضاء بهوهذه شيخةٌ قوامة السحر
وقال: وشرب سعيد بن حميد البصري عند راشد، فدب على غلامه، فكتب إليه سعيد:
ما سمعنا من قبلها بأديبٍبارع الظرف، ماجدٍ، قمقام
ضل عنه، وهو المهذب علماًفتكات الكؤوس بالأحلام
أين ما جاء من حديث رسول الله مولاي سيد الأحكام
ما على مثقلٍ من النوم، والسكران عيبٌ فيما أتى من أثام
ثم أين الذي به حكم المأمون في الظرف منه، والإسلام
أيما ماجد أراد سروراًباجتماعٍ من معشر الندام،
فعليه طي البساط بما قدسنة السكر من قبيحٍ وذام
حلت بيني وبين عقلي بأرطالك، والمترعات من كل جام
ثم وكلت في العسوف رشيقاًفسقاني بظرفه والمدام،
ثم باكرتني بعتبك واللوم، لقد حدت عن سبيل الكرام
وتغضبت أنني قدت عمراًثم ثنيت، بعده، بغرام
هل رأيت الإله يأخذ مجنوناً بسكرٍ، أو حالما في منام
لن تراني معاشراً لك ما عشت، ولو دمت عائشاً ألف عام
أو ترى تائا، وتستغفر اللهـ، لما كان من شنيع الكلام
فأجابه راشد، فقال:
يا أبا جعفرٍ، سليل المعاليونجيب الأخوال والأعمام
إن يكن قد أتاك عني مزحلم يكن عن حقيقةٍ في الكلام
أو أكن فيه كالذي كان يغدوبملامٍ عليك في اللوام
إنني عالمٌ بأنك لم تأت قبيحاً ولا ارتكاب الأثام
هو ذنب المدام لا ذنب خلٍلم يزل حافظاً لعهد الذّمام
ثم ذنب العيون يابن حميدٍفله الذنب بعد إست غرام
قعدا في طريق أيرك حتىعرضاه للظن والإتهام
فتغمد أخاك بالصفح فالصفح دليلٌ على سجايا الكرام
إنّني تائب واستغفر الّهـ لما كان من شنيع الكلام
ما قيل في ذلك من الشعر:
فما أعينٌ عشر على ساق نرجسٍتضاحك عين الشمس بالمقل الصفر
بأحسن ممن زارني بعد هجعةٍيميس هوينا في الظلام على ذعر
قال: ودب رجل على قينةٍ في مجلس، فغنت:
ماذا يشوش طرتييا قوم في وقت السحر
ماذا يعالج تكتيويلاه عذبني السهر
وقال علي بن حمزة:
متورد الخدين من خجلمتخاذل الأعضاء من كسل
خاض الدجى، والشوق يحملهوأتاك يمشي غير منتعل
ما راعني إلا تدافعهكالغصن بين الصدر والكفل
وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي:
قالت، وأبثثتها سري وبحت به:«قد كنت عندي تحب السّتر، فاستتر
ألست تبصر من حولي؟» فقلت لها:«غطى هواك، وما ألقى، على بصري
الباه: حكي عن عالج، جارية مكشوح، أنها حدثت مولاتها أنها كانت تغتسل كل يوم. فسألتها عن ذلك، فقالت: «يا هذه! إنه يجب على المرأة ما يجب على الرجل بعد احتلامه». قالت: «أو تحتلمين» ؟ قالت:
«إنه لا تأتي علي ليلة لا أجامع فيها إلا وأحتلم». قالت: «فكيف يكون ذلك» ؟ قالت: «أرى كأن رجلاً يجامعني. ولقد رأيت ليلة كأني مررت بد كان أبي مالك الطحان وبغل له واقف قد أدلى، ورماني تحته، وأولجه، فاحتلمت؛ ثم انتبهت، وأنا أجد معكة في مراق بطني، ولذة في سويداء قلبي. وكان هذا البغل إذا أدلى، حك الأرض برأس أيره، وضرب به في بطنه، فترى الغبار يتطاير عن يمينه وشماله».
قال: وكانت مهدية بنت جبير التغلبية تقول: «ما في بطن الرجل بضعة أحب إلى المرأة من بضعة تناط بعقد الحالبين، ومنفرج الرجلين».
حدثني جهمٌ قال. قلت لامرأة من كلب: «ما أحب الأشياء من الرجال إلى النساء» ؟ قالت: «ما يكثر الأعداد، ويزيد في الأولاد، حربة في غلاف تناط بحقوي رجل جاف، إذا غامس أوهى، وإذا جامع أنجى».
قال: وقال أبو ثمامة لامرأة من زبيد، وهي تبكي عند قبر من الميت:
لم تبكين؟ قالت: كان يجمع بين حاجبي والساق، ويهزني هز الصارم الأعناق، والله لولا ما ذكرته لك، ما استهلت بالدموع عيناي، وقد كذبتك امرأة تبكي على زوجها لغير ما أعلمتك». قال: وركب الرشيد حماراً مصرياً، وطاف على جواريه، فقالت له واحدة: «يا مولاي، ما أكثر ما تركب هذا الحمار» ! قال: «لأنه يسب طيغور»، قالت: «فمن يسب طيغور يركب» ؟ قال: نعم. قالت: «ففي حر أم طيغور». قال: فنزل ووقعها. وأنشد في مثله:
نظرت إليها حين مرت كأنهاعلى ظهر عادي فتاةٌ من الجن
ولي نظرٌ لو كان يحبل، ناظرٌبنظرته أنثى، لقد حبلت مني
العنين: قال بعضهم: تزوج العجاج امرأة يقال لها الدهناء بنت مسحل، فلم يقدر عليها، فشكت ذلك إلى أهلها، فسألوه فراقها، فأبى، وقال لأبيها، «تطلب لابنتك الباه» ؟ قال: «نعم، عسى أن ترزق ولداً، فإن مات كان فرطاً، وإن عاش كان قرة عين». فقدموه إلى السلطان، فأجله شهراً ثم قال:
قد ظنّت الدّهنا وظنّ مسحلالأمير بالقضاء يعجل
عن كسلاتي والحصان يكسلعن السفاد وهو طرفٌ هيكل
ثم أقبل على امرأته، فضمها إلى صدره، فقالت:
تنح لن تملكني بضمولا بتقبيل ولا بشم
إلّا بزعزاع يسلّي همّييقط منه فتحي في كمي
يطير منه حزني وغمي
(وروى) ابن أبي الدنيا أن إعرابياً أخبره أن امرأة منهم زفت إلى رجل، فعجز عنها، فتذاكر الحي أمر الضعفاء من الأزواج عن الباه، وامرأة الأعرابي تسمع. فتكلمت بكلام ليس في الأرض أعف منه، ولا أدل على عجز الرجل عن النساء، فقالت متمثلة:
تبيت المطايا حائداتٍ عن الهدىإذا ما المطايا لم تجد من يقيمها
قال الرقاشي: حدثني أبو عبيدة، قال: سمعت ناساً من الحجاز يقولون: تزوج رجل منا امرأة، فعجز عنها، إلا أنه إذا لامسها، ابتأر فيها، فقضي أن حملت، وما مكثت إلا أن رأس ولدها، فجلس في المجلس، فقال له قائل: «لقد جئت من بلل قليل»، قال: «جئت من بلل لو أصاب مغيض أمك لكان كما قال الشاعر:
رطب الطباع إذا حركت جوهرهوجدت أعضاءه غرقى من البلل
ولم أهجنه إلا أنه رجلٌقلت سلامته من جانب الكفل
قال الهلالي»
: رأيت وافر بن عصام يساير المهدي، فحدثه بحديث فضحك، فقلت له: «ما لهن عندي إلا حديث ابن حرم»، قال: «وما حديثه» ؟ قلت: «عمر حتى بلغ الثمانين، فتزوج ابنة عم له، فلما أهديت إليه، قعد بين شقيها، فأكسل، وأراق على بطنها، فأقبل عليها كالمعتذر، فقال: «هذا خير من الزناء»، قالت: «كل ذلك لا خير فيه».
قال: وشكت امرأة زوجها، وأخبرت عن عجزه إنه إذا سقط عليها انطبق، والنساء يكرهن وقوع الرجل على صدورهن، فقالت: «زوجي عياياء، طباقاء، وكل داء له دواء». وقيل في ذلك:
جزاك الله شراً من رفيقٍإذ بلغت من ركب النساء
رماك الله من عرق بأفعىولا عافاك من جهد البلاء
أجبنا في الكريهة حين تلقىونفطا حين تغبر في الخلاء؟!
النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع