تجاوز إلى المحتوى

من «المحاسن والأضداد» للجاحظ (ت ٢٥٥هـ)

أخبار الشعراء

ومنه مع الشعراء، قال: (استأذنت بنت لعبد الملك بن مروان في الحج فأذن لها، وكتب إلى الحجاج يأمره بالتقدم إلى عمر بن أبي ربيعة أن لا يذكرها في شعره، فلما بلغ عمر مقدمها، لم يكن له همة إلا أن يتهيأ بأجمل ما يقدر عليه من الحلل والثياب. وضربت لها قبة في المسجد الحرام، فكانت تكون فيها نهاراً، فإذا أمست، تحولت إلى منزلها لتنظر إليه وتجلس بازاء القبة، وقد خبر عمر بشأنها، فإذا أرادت الطواف، أمرت جواريها فيسترنها بالمطاريف، فكانت تتطلع إلى عمر كثيراً، وكانت تسأل من دخل عليها عنه، رجاء أن يكون قد قال شيئاً، فلم يفعل، حتى قضت الحج، ورحلت، ونزلت من مكة على أميال، فأقبل راكب من مكة، فسألته: من أين أقبلت؟ قال: من مكة، قالت: عليك وعليّ قرية أنت منها، لعنة الله. قال: ولم يا ابنة عبد الملك؟ قالت: قدمنا مكة فأقمنا أشهراً، فما استطاع الفاسق عمر بن أبي ربيعة أن يزودنا من شعره أبياتاً، كنا نلهو بها في سفرنا هذا. قال: فلعله قد فعل، قالت:

فاذهب إليه واسأله، ولك في كل بيت يأتني به منه عشرة دنانير.

فأقبل الرجل، وأتى عمر بن أبي ربيعة، فأخبره الخبر، فقال له: قد فعلت، ولكن أحب أن تكتم علي. قال: أفعل، ثم أنشده

راع الفؤاد تفرق الأحبابيوم الرحيل فهاج لي أطرابي
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «راع الفؤاد تفرق الأحباب»
فظللت مكتئباً أكفكف عبرةًسحاً يفيض كوابل الأسراب
لما تنادوا للرحيل وقربوابزل الجمال لطيةٍ وذهاب
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «راع الفؤاد تفرق الأحباب»
كاد الأسى يقضي عليك صبابةًوالوجه منك لبين إلفك كابي
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «راع الفؤاد تفرق الأحباب»
قالت سعيدة، والدموع ذوارفٌمنها على الخدين والجلباب
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ردع الفؤاد تذكر الأطراب»
ليت المغيريّ الذي لم نجزهفيما أطال تصيدي وطلابي
كانت تردّ لنا المنى أيّامناإذا لا نلام على هوى وتصابي
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ردع الفؤاد تذكر الأطراب»
أيام نكتم ودنا ونودهسراً، مخافة منطق المغتاب
أخبرت ما قالت، فبت كأنمايرمى الحشا ينوافذ النشاب
فبعثت جاريتي وقلت لها: اذهبيقولي لها في خفيةٍ وقراب
أسعيد، ما ماء الفرات وطيبهمني على ظمأ وطيب شراب
بألذ منك، وإن نأيت وقلماترعى النساء أمانة الغياب
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ردع الفؤاد تذكر الأطراب»
إن تبذلي لي نائلاً أشفي بهسقم الفؤاد، فقد أطلت عذابي
وعصيت فيك أقاربي، فتقطعتبيني وبينهم عرى الأسباب
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ردع الفؤاد تذكر الأطراب»
فبقيت كالمهريق فضله مائهفي حر هاجرةٍ للمع سراب

ثم أتى إليها بالأبيات، فأعجبت بها، وأمرت جواريها بحفظها؛ ثم وفت له بما وعدت، وسلمت إليه في كل بيت عشرة دنانير».

وقال: أخبرنا محمد بن خلف، قال: أخبرني أبوبكر العامري، قال: حدثني موسى بن أفلح، مولى فاطمة بنت الوليد بن عبد شمس بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، قال: حدثني بلال، مولى ابن أبي عتيق، قال: «قام الحارث بن عبد الله بن عباس بن أبي ربيعة من الحج، فأتاه ابن أبي عتيق، فقال: «كيف تركت أبا الخطاب» ؟ فقال: هجرت الثريا عمر، فقال:

من رسولي إلى الثريا، فإنيضقت ذرعاً بهجرها، والكتاب
سلبتني مجاجة المسك عقليفسلوها بما يحل اغتصابي
أبرزوها مثل المهاة، تهادىبين خمس كواعبٍ أتراب
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «قال لي صاحبي ليعلم ما بي»
وهي ممكورةٌ، تحير منهافي أديم الخدّين ماء الشباب
وتكنّفنها كواعب بيضٌواضحات الخدود والأقراب
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «قال لي صاحبي ليعلم ما بي»
في سخاب من القرنفل والدرنفيسٍ، واهاً له من سخاب
قلت لما ضربن بالسجف دونيليس هذا لودنا بثواب
فتبدت، حتى إذا جن قلبيحال دوني ولائدٌ بالثياب
حين شب القتول والعنق منهاحسن لونٍ يرف كالزرياب
ذكرتني ببهجة الشمس لماطلعت في دجنةٍ وسحاب
دميةٌ عند راهبٍ وقسيسٍصوروها في مذبح المحراب
فارجحنت في حسن خلقٍ عميمٍتتهادى في مشيها كالحباب
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «قال لي صاحبي ليعلم ما بي»
ثم قالوا: تحبها؟ قلت، بهراًعدد الرمل، والحصى، والتراب
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «قال لي صاحبي ليعلم ما بي»

وقال لغلامه: «انطلق بكتابي هذا إلى ابن أبي عتيق بالمدينة، فادفعه إليه، فأقبل الغلام بالكتاب، حتى دفعه إليه». فلما قرأه، قال: «والله أنا رسوله إليها». فسار، حيث قدم مكة لا يعلم به أهله؛ فأتى منزله، فوجده غائبا، فانطلق غلام إلى عمر، فقال: «إن رجلاً قدم وهو يطلبك، من شأنه وهيئته كذا»، قال: «ويحك، ذاك ابن أبي عتيق، اذهب إليه فقل له: إن مولاي يأتيك الآن».

وكان عمر على فرسخين، بل على رأس ثلاثة أميال من مكة، فأتاه الغلام فأخبره، فقال: «اسرج لي أنت برذون عمر، فإن دابتي قد تعبت وكلت». فاسرجه له، فركب وأتى الحمى، فصهل البرذون، وسمعت الثريا صهيله، فقالت لجواريها: «هذا هو بذرون الخبيث عمر». ثم دعت ببغلةٍ لها، فوضعت عليها رحلها، فخرجت، فإذا هي بابن عتيق، فقالت:

«مرحباً بعمي. ما جاء بك يا عم» قال: «أنت والفاسق جئتما بي» قالت:

«أما والله لو بغيرك تحمل علينا، ما أجبناه؛ ولكن ليس لك مدفع أمر ربنا نحوه»؛ فأقبل حتى انتهى إلى عمر، فخرج عمر إليه، وقبل يده، ثم قال: «انزل، جعلني الله فداك». فقال: «ماء مكة حرام علي حتى أخرج منها». ثم دعا ببغلته فركبها، وانصرف إلى المدينة، وخلا عمر بالثريا».

وحدث الزبير بن بكار عن أبي محرم عن إبراهيم بن قدامة، قال: قال عمر بن أبي ربيعة: «ألا أحدثك حديثاً حلواً» ؟ قال: قلت: «نعم» قال:

«بينا أنا جالسٌ، إذ جاءني خالد الخريت، فقال: يا أبا الخطاب! هل لك في هند وصواحبها، فقد خرجن إلى نزهة» ؟ قلت: «وكيف لي بذلك» ؟ قال: «تلبس لبسة أعرابي، وتعتم عمامة، وتركب مركبة كأنك ناشدٌ ضالةً».

قال: ففعلت وجئت، حتى وقفت عليهن أنشد ضالتي، فقلن:

«انزل»، فنزلت، وقعدت أحادثهن وأغازلهن؛ فلما رمت النهوض، قالت لي هند: «اجلس، لا جلست أنت. ألا ترى أنك وقفت علينا غريباً؛ ونحن، والله، وقفنا على غربتك. نحن بعثنا خالدا وخدعناه وأطعمناه في أنفسنا، حتى جاء بك». فقال خالد: «صدقن والله خدعنني وخدعنك».

فجلست وتحدثنا، فأنشدتهن فقالت هند: يا سيدي، لقد رأيتني منذ أيام، وقد أصبحت عند أهلي، فأدخلت رأسي في حبيبي، ونظرت إلى هني، فإذا هو ملء الكف ومنية المتمني فناديت: (يا عمراه، يا عمراه) ! قال عمر: فقلت: يا لبيك، يا لبيك، يا لبيك، ثلاثاً، ومددت في الثالثة صوتي، فضحكت؛ وحادثتهن ساعة، ثم ودعتهن وانصرفت، فذلك قولي:

عرفت مصيف الحي والمتربعاببطن حليّات دوارس بلقعا
إلى السفح من وادي المغمس بدلتمعالمه وبلاً، ونكباء زعزعا
لهندٍ وأتراب لهند إذ الهوىجميع، وإذا لم نخش أن يتصدعا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ألم تسأل الأطلال والمتربعا»
وإذ نحن مثل الماء كان مزاجهإذا صفق الساقي الرحيق المتشعشعا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ألم تسأل الأطلال والمتربعا»
وإذ لا نطيع الكاشحين ولا نرىلواش لدينا يطلب الصرم مطمعا

وقال عمر: ما رأيت يوماً غابت عواذله، وحضرت عواذره، بأحسن من يومنا، ولا صبوة كصبوتنا، ولا قيادة كقيادة خالد، ولا أملح؛ ولقد وصفت ذلك في شعر، فقلت في تمام ما تقدم:

أتاني رسولٌ من ثلاث حرائرٍورابعةً يزكو لها الحسن أجمعا
فقلت لمطريهن في الحسن إنماضررت، فهل تسطيع نفعاً فتنفعا
لئن كان ما حدّثت حقاً لما أرىكمثل الألى أطريت في الناس أربعا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ألم تسأل الأطلال والمتربعا»
وهيّجت قلباً كان قد ودع الصباوأشياعه، فاشفع عسى أن تشفعا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ألم تسأل الأطلال والمتربعا»
فقال: تعال انظر فقلت: فكيف ليأخاف مقاماً أن يشيع ويشنعا
فقال: اكتفل، ثم التثم وأت باغياًفسلم ولا تكثر بأن تتورعا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ألم تسأل الأطلال والمتربعا»
فإني سأخفي العين عنك ولا ترىمخافة أن يفشو الحديث فيسمعا
فأقبلت أهوي مثل ما قال صاحبيلموعده أزجي قعوداً موقعا
للشاعر عمر ابن أبي ربيعة، من قصيدة «ألم تسألِ الأطلالَ والمتربعا،»
فلما توافقنا، وسلمت، أشرقتوجوهٌ زهاها الحسن أن تتقنعا
للشاعر عمر ابن أبي ربيعة، من قصيدة «ألم تسألِ الأطلالَ والمتربعا،»
تبالهن بالعرفان لما عرفننيفقلن امرؤٌ باغٍ أضل وأوضعا
فلما تنازعن الأحاديث قلن لي:أخفت علينا أن نغر ونخدعا
للشاعر عمر ابن أبي ربيعة، من قصيدة «ألم تسألِ الأطلالَ والمتربعا،»
فما جئتنا إلا على وفق موعدعلى ملاء منا خرجنا له معا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ألم تسأل الأطلال والمتربعا»
رأينا خلاء من عيونٍ ومجلساًدميث الثرى سهل المحلة ممرعا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «ألم تسأل الأطلال والمتربعا»
وقلن: كريمٌ نال وصل كرائمٍوحقٌ له في اليوم أن يتمتعا
وفيهن هندٌ تكمل الهم والمنىوإخداع عيني كلما رمت مهجعا

قال: ولما أنشد عمر بن أبي ربيعة، ابن أبي عتيق، قصيدته التي فيها يقول:

فأتتها طبةٌ عالمةٌتخلط الجد مراراً باللعب
ترفع الصوت إذا لانت لهاوتراخي عند سورات الغضب
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «طال ليلي وتعناني الطرب»

قال ابن أبي عتيق: امرأتي طالقٌ إن لم يكن الناس في طلب مثل هذه، منذ قتل عثمان، يجعلونها خليفة، فلم يقدروا عليها، وأنت تريدها قواده. قال: ولما هجا كثيرٌ بني ضمرة، فقال:

ويحشر نور المسلمين أمامهمويحشر في أستاه ضمرة نورها

اشتدت بنو ضمرة عليه وعلى عزة، وأرادوا قتله، ووضعوا له العيون، فمكث شهراً لا يصل إليها، فالتقى جميل وكثير، فشكى أحدهما إلى صاحبه ما يلقى، فقال جميل: أنا رسولك إلى عزة، فأخبرني بما كان بينكما.

قال: آخر ما لقيتها بالطلحة، مع أتراب لها.

قال: فأتاهم جميل، وهو ينشد ذوداً له، ففطنت عزة، فقالت: تحت الطلحة التمس ذوداً هناك. فانصرف جميل، فأخبر كثيراً؛ فلما كان في بعض الليل، أتيا الطلحة، وأقبلت عزة وصاحبة لها، فتحدثا ملياً، وجعل كثير يرى عزة تنظر إلى جميل، وكان جميلاً، وكثير دميماً، فغضب كثير، وغار عليها، وقال لجميل: انطلق بنا قبل أن يصبح علينا الصبح فانطلق، فعند ذلك يقول:

رأيت ابنة الشبلي عزة أصبحت كمحتطب ما يلق بالليل يحطب

وكانت تمنينا، وتزعم أنناكبيض الأنوق في الصّفا المتغيّب

ثم قال كثير لجميل: متى عهدك ببثينة؟ قال: في أول الصف بوادي الدم، ومعها جواريها يغسلن ثياباً. فخرج كثير حتى أناخ بهم، وهو يقول:

وقلت لها يا عز أرسل صاحبيعلى بعد دارٍ، والرسول موكل
بأن تجعلي بيني وبينك موعداًوأن تأمريني بالذي فيه أفعل
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «وقلت لها ياعز أرسل صاحبي»
أما تذكرين العهد يوم لقيتكمبأسفل وادي الدم، والثّوب يغسل

فعلمت بثينة ما أراد، فصاحت: اخسأ، اخسأ، فقال عمها: ما دهاك، يا بثينة؟ قالت: إن كلباً يأتينا من وراء هذا التل، فيأكل ما يجد، ثم يرجع.

فرجع كثير، وقال لجميل: قد وعدتك التل، فدونك. فخرج جميل وكثير حتى انتهيا إلى الدومات، وقد جاءت بثينة، فلم تزل معه حتى برق الصبح، وكان كثير يقول: «ما رأيت مجلساً قط أحسن منه».

قال عمر بن شبة عن إسحق بن إبراهيم الموصلي: حدثني شيخ من خزاعة، قال: ذكرنا ذا الرمة، وعندنا عصمة بن مالك الفزاري، وهو يومئذ

ابن عشرين ومائة سنة، فقال: إياي فاسألوا عنه. كان من أظرف الناس، خفيف العارضين، آدم حلو المضحك، إذا أنشد اختصر، وأتاني يوماً فقال: «إن مية منقرية، وإن بني منقر أخبث حي، وأعلمه بأثر، فهل عندك من ناقة نزورها عليها» ؟ فقلت: «إي والله، عندي اثنتان»، قال: فسرنا، فخرجنا حتى أشرفنا على الحي وهم خلوف، فعرف النساء ذا الرمة، فعدلن بنا إلى بيت مي، وأنخنا عندها، فقلن لذي الرمة: «أنشدنا يا أبا الحارث»، فقال: «أنشدهن»، فأنشدتهن قوله:

نظرت إلى أظعان مي كأنهاذرى النخل أو أثلٌ تميد ذوائبه
فأشعلت النيران والصدر كاتمٌبمغرورقٍ تمت عليه سواكبه
بكى وامقٌ جاء الفراق ولم تجلجوائلها أسراره؟ ومعاتبه

فقالت ظريفة منهن: «ابكي اليوم»، فمررت فيها حتى انتهيت إلى قوله:

إذا سرحت من حب مي سوارحٌعلى القلب، آبته جميعاً عوازبه
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «وقفت على ربع لمية ناقتي»

فقالت الظريفة: «قتلته، قتلك الله» ! فقالت: «ما أصحه، وهنيئاً له». فتنفس ذو الرمة تنفساً كادت حرارته تساقط لحمي، ثم مررت فيها حتى انتهيت إلى قوله:

وقد حلفت بالله مية، ما الذيأقول لها إلا الذي أنا كاذبه
إذاً، فرماني الله من حيث لا أرىولا زال في أرضي عدوٌ أحاربه
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «وقفت على ربع لمية ناقتي»

فالتفتت مي إلى ذي الرمة، فقالت: «ويحك! خف عواقب الله»، ثم أنشدت إلى أن انتهيت إلى قوله:

إذا نازعتك القول مية، أو بدالك الوجه منها، أونضا الدرع سالبه
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «وقفت على ربع لمية ناقتي»
فيا لك من خد أسيلٍ ومنطقٍرخيمٍ، ومن خلقٍ يعلل جاذبه
للشاعر ذو الرمة، من قصيدة «وقفت على ربع لمية ناقتي»

فقالت تلك الظريفة: «أما القول، فقد نازعتك، والوجه فقد بدا لك. فمن لنا بأن ينضو الدرع سالبه؟ فقالت لها مي: «قاتلك الله! ما أنكر

ما تجيئين به اليوم». فتحادثنا ساعة، ثم قالت تلك الظريفة: «ما أحوج هذين إلى الخلوة، فنهضت وسائر النساء، فصرت إلى بيت قريب منهما حيث أراهما، فما ارتبت بشيء، ولا رأيت أمراً كرهته، فلبث ساعة، ثم أتاني، ومعه قارورة وثلاث قلائد، فقال: «هذا طيب زودتناه مي، وقلائد أتحفتك بها ابنة الجودي».

فكنا نختلف إليها حتى انقضى المربع، ودعانا الصيف، فرحلوا قبلنا، وأتاني ذو الرمة فقال: «قد ظعنت مي، فلم يبق إلا الديار، والنظر إلى الآثار، فاخرج بنا إلى دارها، فخرجت معه، حتى إذا وقفنا عليها، أنشأ يقول:

ألا فاسلمي يا دار مي على البلىولا زال منهلاً بجرعائك القطر

حتى أتى على آخرها، ثم انهملت عيناه بصبره. فقلت له: «ما هذا» ؟ فقال: «إني لجليد، وإن كان مني ما ترى». فما رأيت أحداً أحسن شوقاً وصبابة وعزاء منه.

وعن سليمان، رواية أبي نواس، قال: كنت مع أبي نواس أسير حتى انتهينا إلى درب القراطيس، فخرج من الدرب شيخ نصراني، وخلفه غلامٌ كأنه غصن بانٍ يتثنى كأحسن ما رأيت، فقال: «يا سليمان، أما ترى الدرة خلف البصرة» ؟ ثم قال: «هل لك أن تأخذ مني رقعة فتوصلها إليه» ؟

قلت: «بلى». فكتبها، ودفعها إلي، فأوصلتها إليه، فإذا أملح غلام وأخفه روحاً، فقال: «من صاحب الرقعة» ؟ قلت: «أبو نواس»، قال:

«أين هو» ؟ قلت: «على باب درب القراطيس». قال: «فليقف مكانه حتى أروح»، وكان في الرقعة:

تمر فأستحييك أن أتكلماويثنيك زهو الحسن عن أن تسلما
ويهتز في ثوبيك كل عشيةٍقضيبٌ من الريحان أضحى منعما!
فحسبك أن الجسم قد شفه الهوىوأن جفوني فيك قد ذرفت دما
أليس عجيباً عند كل موحدٍغزالٌ مسيحي يعذّب مسلما
فلولا دخول النار بعد تنصرٍعبدت مكان الله عيسى بن مريما

وحدثنا الجماز، قال: كنت يوماً على باب عدي الدراع، فمر بي أبو نواس شبيهاً بالمجنون، فإذا خلفه غلام كأنه مهر عربي، فقلت له:

«مالك» ؟ فقال:

إن الرزية لا رزية مثلهاعوز المكان وقد تهيا المركب

فعدلت به وبالغلام، فأقاما سائر يومهما. قال: «وكان عبيد الله بن يحيى يتعشق غلاماً من دار المتوكل، يقال له (رشيق)، فلا يصل إليه حتى طال ذلك عليه، وكان أبو الأخطل يخلفه في المركب، وينبسط إليه، فقال له أبو عبيد الله يوماً: «يا أبا الأخطل من لي برشيق» ؟ فقال: «الصفر الصفار، والبيض الصحاح». وجعل عبيد الله يلقى رشيقاً في الدار، فيخلو به ويساره، ويعطيه مائة دينار في كل لقية، إلى أن علم رشيق بما في نفس عبيد الله، وكان يتعذر عليهما الإجتماع لقضاء الوطر واللذة، فركب أمير المؤمنين يوماً، ومعه أبو الأخطل، فطلب عبيد الله، وتعمد أبو الأخطل رشيقاً، فرده إليه؛ فلما ظفر به في منزله خالياً، قضى حاجته منه، وركب يريد أمير المؤمنين مسرعاً، فوصل إلى الموكب، وقد تصبب عرقاً، فقال أبو الأخطل:

لا خير عندي في الخليل، ينام عن سهر الخليل
قولوا لأكفر من رأيت لكلّ معروف جليل
هل تشكرنّ لي الغداة تلطفي لك في الرسول
إذ نحن في صيد الجبال، وأنت في صيد السهول

ما قيل فيه من الشعر:

وتمشيت في الجميل فأسرعتوإن كنت لست تأتي جميلا
إن من مد للقيادة رجلاًلحريٌ بأن يكون نبيلا

وقال آخر:

لهواه لإتلافوملاه لاختلاف
ليس يقرا من كتابالله إلا لإيلاف

وقال آخر:

إن الرقاشي من تكرمهبلغه الله منتهى هممه
للشاعر دعبل الخزاعي، اقرأ القصيدة
يبلغ من بره ورأفتهحملان أضيافه على حرمه
للشاعر دعبل الخزاعي، اقرأ القصيدة

ومن محاسن ذلك، حدثنا علي بن الحسين بن علي بن عثمان بن علي بن الحسن، قال: كانت «ضمير» جارية مولدة لميمونة بنت الحسن بن علي بن زيد؛ فأدبتها، وعلمتها الغناء فبرعت فيه؛ وكانت من أحسن الناس وجهاً وبدناً، وأبرعهم غناء وضرباً، فأعطيت بها مولاتها عشرة آلاف دينار؛ فلما أرادت أن تبيعها، وأحضر المال، بكت وقالت: «يا سيدتي، ربيتني واتخذتني ولداً، ثم تريدين بيعي، فأتغرب عنك ولا أرى وجهك»، قالت:

«أشهد الله ومن حضر أنك حرة لوجه الله» ! فلما ماتت ميمونة، خطبها آل أبي طالب وغيرهم، فغلب عليها جعفر بن حسن بن حسين، فتزوجها وأحبها حباً شديداً، فقدم بها البصرة، فقال علي بن الحسين، وكان يجالسها ويسمع غناءها؛ فأردت الخروج إلى الرضي بخراسان، فودعت جعفراً وخرجت، فأقمت بالأهواز أياماً أتهيأ للخروج على طريق فارس، فورد علي كتاب جعفر أنه قد وقع بينه وبين «ضمير» شر، وإنها قد أغلظت له حتى تناولها ضرباً، وأنها على مفارقته، وسألني القدوم لأصلح بينهما، فقال علي بن الحسين: وكانت لي حاجة بالرضي، وكنت أرجو لذلك في وجهي منه ومن المأمون الغنى؛ فلما قرأت كتابه، لم أعط صبراً حتى انصرفت راجعاً إلى البصرة، فجئت إلى جعفر، فأوقعت به شتماً وعذلاً، ثم أرسلت إليها: أقسمت عليك بحقي ألا رجعت؛ فخرجت مرهاء، شعثة، وسخة الثياب، حتى جلست بينهما، فأقبل جعفر يعطيني من نفسها لها كل ما أريد وهي ساكتة، ثم قلت: «يا جارية، هاتي العود»؛ فأخذته، فأصلحت منه حتى تغنت وهي تبكي، ودموعها تكف:

أرتجي خالقي وأعلم حقاًأنه ما يشاء ربي كفاني
لا تلمني، وارفق خليلي بشأنيإنه ما عناك يوماً عناني

قال علي بن الحسين: فو الله ما رأيت أحسن منها، ولا أرق من غنائها بهذا الصوت، فما برحت حتى اصطلحا، وألهتني، والله، عن الغنى؛ فأقمت بالبصرة.

وعن الكلبي، قال: بينا عمر بن أبي ربيعة يطوف بالبيت في حال نسكه، فإذا هو بشاب قد دنا من شابة ظاهرة الجمال؛ فألقى إليها كلاماً، فقال له عمر: «يا عدو الله، في بلد الله الحرام، وعند بيته تصنع هذا» ؟

فقال: «يا عماه، إنها ابنة عمي، وأحب الناس إلي، وإني عندها لكذلك، وما كان بيني وبينها من سوء قط أكثر مما رأيت». قال: «ومن أنت» ؟

قال: «أنا فلان بن فلان»، قال: «أفلا تتزوجها» ؟ قال: «أبى علي أبوها»، قال: «ولم» ؟ قال: «يقول ليس لك مال»، فقال: «انصرف، والقني»، فلقيه بعد ذلك، فدعا ببغلته فركبها، ثم أتى عم الفتى في منزله، فخرج إليه فرحاً بمجيئه، ورحب وقرب، فقال: «ما حاجتك، يا أبا الخطاب» ؟ قال: لم أرك منذ أيام فاشتقت إليك، قال: «فانزل»، فأنزله وألطفه، فقال له عمر في بعض حديثه: «إني رأيت ابن أخيك، فأعجبني تحركه، وما رأيت من جماله وشبابه»، قال له: «أجل! ما يغيب عنك أفضل مما رأيت»، قال: «فهل لك من ولد» ؟ قال: «لا، إلا فلانة». قال: «فما يمنعك أن تزوجه إياها» ؟ قال: «إنه لا مال له» قال:

«فإن لم يكن له مال، فلك مال»، قال: فإني أضن به عنه، قال:

لكني لا أضن به عنه، فزوجه واحتكم، قال: مائة دينار، قال:

نعم. فدفعها عنه، وتزوجها الفتى، وانصرف عمر إلى منزله، فقامت إليه جارية من جواريه، فأخذت رداءه، وألقى نفسه على فراشها وجعل يتقلب؛ فأتته بطعام، فلم يتعرض له، فقالت: أظنك، والله، قد وجدت

بعض ما كان يعرض لك من حكم النساء، فلا تكتمها)، فقال: هاتي الدواة، فكتب:

تقول وليدتي لما رأتنيطربت، وكنت قد أقصرت حينا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «تقول وليدتي لما رأتني»
أراك اليوم قد أحدثت شوقاًوهاج لك الهوى داء دفينا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «تقول وليدتي لما رأتني»
وكنت زعمت أنك ذو عزاءإذا ما شئت فارقت القرينا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «تقول وليدتي لما رأتني»
بعيشك هل أتاك لها رسولٌيسرك أم لقيت لها خدينا
فقلت شكا إلي أخٌ محبٌكبعض زماننا إذ تعلمينا
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «تقول وليدتي لما رأتني»
وذو القلب المصاب ولو تعزىمشوقٌ حين يلقى العاشقينا
فقص علي ما يلقى بهندٍوأشبه ذاك ما كنا لقينا
فكم من خلةٍ أعرضت عنهاوكنت بودها دهراً ضنينا
أردت فراقها، فصبرت عنهاولو جن الفؤاد بها جنونا

قال: وقال عمر بن أبي ربيعة: بينا أنا خارج محرماً، إذ أتتني جارية كأنها دمية في صفاء اللجين، في ثوب قصب كقضيب على كثيب، فسلمت علي، وقالت: أنت عمر بن أبي ربيعة، فتى قريش وشاعرها؟ قلت: أنا، والله، ذاك. قالت: فهل لك أن أريك أحسن الناس وجهاً؟ قلت: ومن لي بذلك؟ قالت: أنا والله بذلك، على شريطة، قلت: وما هي؟ قالت:

أعصبك وأربط عينيك وأقودك ليلاً، قلت: لك ذاك.

قال: فاستخرجت معجراً من قصب عجرتني به، وقادتني حتى أتت مضرباً، فلما توسطته، فتحت العجارة عن عيني، فإذا أنا بمضرب ديباج أبيض مزرر بحمرة مفروش بوشي كوفي، وفي المضرب ستارة مضروبة من الديباج الأحمر، عليها تماثيل ذهب، ومن ورائها وجه لم أحسب أن الشمس وقعت على مثله حسنا وجمالاً، فقامت كالخجلة، وقعدت قبالتي، وسلمت عليّ، فخيّل بي أن الشمس تطلع من جبينها، وتغرب في شقائق خدها، قالت: أنت عمر ابن أبي ربيعة، فتى قريش وشاعرها؟ قلت: أنا ذلك، يا منتهى الجمال، قالت: أنت القائل:

بينما ينعتنني، أبصرننيدون قيد الميل، يعدو بي الأغر
قالت الكبرى: أتعرفن الفتى؟قالت الوسطى: نعم، هذا عمر
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «هيج القلب مغان وصير»
قالت الصغرى، وقد تيمتها:قد عرفناه، وهل يخفى القمر؟
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «هيج القلب مغان وصير»

قلت: أنا، والله، قائلها يا سيدتي، قالت: ومن هؤلاء؟ قلت:

يا سيدتي، ما هو عن قصد مني، ولا في جارية بعينها، ولكني رجل شاعر أحب الغزل وأقول في النساء قالت: يا عدو الله، يا فاضح الحرائر. أنت قد فشا شعرك بالحجاز، وأنشده الخليفة والأمراء، ولم يكن في جارية بعينها؟

يا جواري، أخرجنه. فخرجت الوصائف، فأخرجنني، ودفعنني إلى الجارية، فعجرتني، وقادتني إلى مضربي، فبت بليلة كانت أطول من سنة، فلما أصبحت بقيت هائماً لا أعقل ما أصنع، فما زلت أرقب الوقت؛ فلما كان وقت المساء، جاءتني الجارية، وسلمت علي، وقالت: يا عمر هل رأيت ذلك الوجه! قلت: أي والله. قالت: فتحب أن أريكه ثانية؟ قلت:

إذا تكرمت، فتكونين أعظم الناس علي منه، فقالت: على الشريطة؛ فاستخرجت المعجر، وعجرتني وقادتني، فلما توسطت المضرب، فتحت العصابة، عن وجهي، فإذا أنا بمضرب ديباج أحمر مدثر ببياض مفروش بفرش ارمني، فقعدت على نمرقة من تلك النمارق، فإذا أنا بالشمس الضاحية قد أقبلت من وراء الستر تتمايل من غير سكر، فقعدت كالخجلة، فسلمت علي، وقالت: أنت عمر بن أبي ربيعة، فتى قريش وشاعرها؟

قلت: أنا ذاك، قالت: أنت القائل:

وناهدة الثديين قلت لها: اتكيعلى الرمل في ديمومةٍ لم توسد
فقالت: على اسم الله أمرك طاعةٌوإن كنت قد كلفت ما لم أعود
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «وناهدة الثديين قلت لها اتكي»
فما زلت في ليلٍ طويلٍ ملثماًلذيذ رضاب المسك كالمتشهد
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «وناهدة الثديين قلت لها اتكي»
فلما دنا الإصباح قالت فضحتني،فقم غير مطرودٍ، وإن شئت فازدد
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «وناهدة الثديين قلت لها اتكي»
فما ازددت منها، واتشحت بمرطهاوقلت لعيني: اسفحا الدمع من غد
فقامت تعفى بالرداء مكانهاوتطلب شذراً من جمان مبدد
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «وناهدة الثديين قلت لها اتكي»

قلت: أنا قائلها. قالت: فمن الناهدة الثديين؟ قلت: يا سيدتي، قد سبق في الليلة الأولى؛ والله، ما هو مني قصد، ولا في جارية بعينها، ولكني رجل شاعر أحب الغزل وأقول في النساء. قالت: يا عدو الله، أنت قد فشا شعرك بالحجاز، ورواه الخليفة، وتزعم أنه لم يكن في جارية بعينها؟ يا جواري، ادفعنه». فوثبت الجواري، فأخرجنني ودفعنني إلى الجارية، فعجرتني، وقادتني إلى مضربي، فبت في ليلة كانت أطول من الليلة الأولى. فلما أصبحت، أمرت بخلوق، فضرب لي، وبقيت ارقب الوقت هائما؛ فلما كان وقت المساء، جاءتني الجارية، فسلمت علي وقالت: «يا عمر! هل رأيت ذلك الوجه» ؟ قلت: «أي والله»، قالت:

«أفتحب أن أريكه الثالثة» ؟ قلت: «إذن تكونين أعظم الناس علي منة».

قالت: «على الشريطة» ؟ قلت: «نعم». فاستخرجت المعجر، وعجرتني به، وقادتني حتى أتت بي المضرب، فلما توسطته، فتحت العصابة عن عيني، فإذا أنا في مضرب ديباج أخضر مدثر بحمرة، مفروش بخز أحمر، وإذا أنا بالشمس الضاحية قد أقبلت من وراء الستر كحور الجنان، فسلمت علي وقالت: «أنت عمر بن أبي ربيعة، فتى قريش، وشاعرها» ؟ قلت:

«أنا ذاك» ! قالت: أنت القائل:

نعب الغراب ببين ذات الدملجليت الغراب ببينها لم يشحج
ما زلت أتبعهم وأتبع عيسهمحتى دفعت إلى ربيبة هودج
قالت: وعيش أخي، وحرمة والديلأنبهن الحي إن لم تخرج
فلثمت فاها آخذاً بقرونهاشرب النزيف ببرد ماء الحشرج
للشاعر الراعي النميري، من قصيدة «فلثمت فاها آخذا بقرونها»
فتناولت كفي لتعرف مسهابمخضب الأطراف غير مشنج

قلت: «أنا قائلها»، قالت: «يا عدو الله، أنت الذي فضحتها ونفسك، وجهي من وجهك حرام، إن عدت إلي. يا جواري أخرجنه» ! فوثب إلي الوصائف، وأخرجنني، ودفعنني إلى الجارية، فعجرتني

وقادتني، وقد كنت عند خروجي من مضربي ضربت يدي بالخلوق، وأسدلت عليها ردائي؛ فلما صرت إلى باب مضربها، أخرجت يدي، ووضعتها على جانب المضرب وضعاً بيناً، فلما أصبحت، صحت بغلماني وعبيدي، ولي ألف عبد: «من أتاني بخبر المضرب الذي ضرب فيه بكذا وكذا، فهو حر لوجه الله». فلما كان في وقت المساء، أتتني وليدة سوداء، فقالت: «قد عرفت المضرب، وهو لرملة أخت عبد الملك بن مروان».

فأعتقتها، وأمرت لها بمائتي دينار، وأمرت بمضربي، فقلع، وضرب بحذاء مضربها، وكتب بالخبر إلى عبد الملك بن مروان، فكتب إليها بالرحيل؛ فركبت هودجها، وركبت فرسي، فزاحمتها في بعض الطريق، فأشرفت علي من هودجها، فقالت: «إليك عني، أيها الرجل» ! قلت: «خاتم أو قميص أذكرك به». فقالت لبعض جواريها: «ألقي إليه قميصاً من قمصي».

فأخذته وأنا أقول:

فلا وأبيك ما صوت الغوانيولا شرب التي هي كالفصوص
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «فلا وأبيك ما صوت الغواني»
أردت برحلتي وأريد خطاًولا أكل الدجاج، ولا الخبيص
قميصٌ ما يفارقني حياتيأنيسٌ في المقام وفي الشخوص
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «فلا وأبيك ما صوت الغواني»

وجعلت أنزل بنزولها، وأركب بركوبها، حتى كنا من الشام على ثلاث مراحل؛ فاستقبلها عبد الملك في خاصته، فدخل إليها ثم قال: «يا رملة، ألم أنهك أن تطوفي بالبيت إلا ليلاً، يحفك الجواري، ويحف الجواري الخدم، ويحف الخدم الوكلاء لئلا يراك عمر بن أبي ربيعة» ؟

قالت: «والله، وحياة أمير المؤمنين ما رآني ساعة قط»، فخرج من عندها، فبصر بمضربي، فقال: «لمن المضرب» ؟ قيل: «لعمر بن أبي ربيعة».

قال: «علي به». فأتيته بلا رداء، ولا حذاء، فدخلت عليه وسلمت عليه؛ قال: «يا عمر، ما حملك على الخروج من الحجاز من غير إذني» ؟ قلت:

«شوقاً إليك، يا أمير المؤمنين، وصبابة إلى رؤيتك». فأطرق ملياً، ينكت في الأرض بيده، ثم رفع رأسه فقال: «يا عمر، هل لك في واحدة» ؟

قلت: «وما هي، يا أمير المؤمنين» ؟ قال: «رملة أزوجكها»، قلت: «يا

أمير المؤمنين، وإن هذا لكائن»، قال: «أي، ورب السماء»، ثم قال:

«قد زوجتك، فادخل عليها من غير أن تعلم»، فدخلت عليها، فقالت:

«من أنت؟ هبلتك أمك». فقلت: «يا سيدتي، أنا المعذب في الثلاث»، فارتحلت وأنا عديلها، فأنشأت أقول:

لعمري، لقد نلت الذي كنت أرتجيوأصبحت لا أخشى الذي كنت أحذر
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «لعمري لقد نلت الذي كنت أرتجي»
فليس كمثلي اليوم كسرى وهرمزٌولا الملك النعمان مثلي، وقيصر
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «لعمري لقد نلت الذي كنت أرتجي»

فلم أزل معها بأحسن عيشة وغبطة.

النص من طبعة دار ومكتبة الهلال ببيروت (١٤٢٣هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة الناشر والحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «المحاسن والأضداد»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.