من «البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)
الجزء الثاني (٣)
دخل محمد بن كعب القرظي على سليمان بن عبد الملك في ثياب رئة، فقال له سليمان: ما يحملك على لبس هذا؟ قال: أكره أن أقول الزهد فأطري نفسي، أو أقول الفقر فأشكو ربي.
نظر أعرابي إلى رجل جيد الكدنة فقال له: يا هذا إني لأرى عليك قطيفة من نسج أضراسك محكمة.
يقال: حصب في الأرض إذا ذهب.
العرب تقول: شر النساء الحميراء المحياض، والسويداء الممراض.
يقال: ليس على مختف قطع، أي ليس على النباش قطع، يقال خفاه واختفاه إذا أظهره، فكأنه يظهر الكفن، كذا قيل. السمهري: الرمح الشديد، يقال اسمهر الأمر إذا اشتد، وكذلك ازمهر، ويقال ازمهر الحر أيضاً. المذلق: المحدد، وفلان ذليق اللسان وذلق كما قالوا: رهيف اللسان، ويشار بذلاقة اللسان إلى استمرار اللفظ، ويشار بها أيضاً إلى شدة الجواب وإصابته. والربل: نبت، ويقال ربل القوم إذا كثر مالهم وهي الربالة. إناء روي: إذا كان يروي من يشربه، وماء روي ورواء إذا كان لا ينزح؛ جفالة الضائنة: صوفها، وجفالة الناقة: وبرها.
قيل لأعرابي: أي الناس أشد؟ قال: الأعجف الضخم،
يعني الذي فيه عبالة، خفيف. هذا كله من كلام ابن السكيت في كتب مختلفة.
قيل لفيلسوف: أي الأشياء ينبغي أن تعلم الصبيان؟ فقال: الأشياء التي إذا صاروا رجالاً استعملوها.
قيل للإسكندر إن داراً قد عبأ جيشاً فيه ثلاثون ألف مقاتل وهو على أن يستقبلك به، قال: إن القصاب لا تهوله الغنم وإن كثرت.
قال فيلسوف: الحساد منهم مناشير لأنفسهم.
قال أرسطاطاليس: محبة المال وتد الشر كله، لأن الشر كله متعلق به.
قال فيلسوف: من القبيح أن يتولى امتحان الصناع من ليس بصانع.
رأى ديوجانس - وكان محمقاً في اليونانيين - زنجياً يأكل خبزاً أبيض محوراً، فقال: يا قوم انظروا إلى الليل كيف يأكل النهار.
رأى ديوجانس رجلاً في الحمام حوله جماعة يخدمونه ويدلكونه ويصبون عليه الماء وهو لا يتحرك، فقال: إني لأعجب كيف لم تعد من يدخل الأبزن مكانك.
ورأى رجلاً حسن الوجه كثير الشر، فقال: أما البيت فحسن، وأما الساكن فيه فخبيث.
ورأى امرأة قد حملها الماء فقال: على هذا جرى المثل: دع الشر يغسله الشر.
ورأى ديوجانس قملة تدب على رأس أصلع فقال: انظروا إلى اللص كيف يروم القطع في قفر.
وقيل له: ما المرأة؟ قال: مسح وخسران.
قال ديوجانس: من أراد أن يكون مذهبه جيداً فلتكن طريقته على ضد طريقة أكثر الناس.
وقال جالينوس: من أصابه قولنج فليأت كلباً نائماً، وليثره عن موضعه وليبل فيه.
قال جعفر بن محمد: من أنصف من نفسه، رضي به حكماً لغيره.
العرب تقول: شر الجيران من عينه تراك، وقلبه يرعاك، إن رأى حسنة سترها، وإن سمع سيئة نشرها.
لأعرابية في زوجها:
يحب النكاح أبو مسهروليس يطاوعه أيره
وقد أمسك البخل من كفهفأصبح لا يرتجى خيره
فيا ليت ما بحري في آستهويملكني رجل غيره
قيل لأعرابية: ما للبرق البعيد أشوق من القريب؟ قالت: لأن القريب أرجى، والبعيد أيأس.
قال ابن الكلبي: الأقوال والأقيال من العرب: الملوك، والقمامسة: الأشراف، الواحد قمس، والبطارقة من الروم، الواحد بطريق، والمرازبة من الفرس، والطراخنة من الترك، والتكاكرة من السند والهند، الواحد تكرك، والأقاصرة - كذا قال، والسماع القياصرة - ملوك الروم،
والأكاسرة مملوك الفرس، والتبايعة ملوك اليمن.
قال الحارث بن كلدة: إذا أردت أن تحبل منك المرأة فمشها في عرصة الدار عشرة أشواط، فإن رحمها ينزل ولا تكاد تخلف.
سمعت أشياخاً يقولون: من أمثال الفرس: ما دخل مع اللبن لا يخرج إلا مع الروح، والعرب تقول: آطبع الطين ما دام رطباً، واغرس العود ما كان لدناً قيل لأعرابي: ما اللذة؟ قال: قبلة على غفلة.
قيل لملك: فيم لذتك؟ قال: في ظفر، بعد دور، وليالي سمر.
وقيل لطفيلي: فيم لذتك؟ قال: في مائدة منصوبة، ونفقة غير محسوبة، عند رجل لا يضيق صدره من البلع، ولا تجيش نفسه من الجرع.
وقيل لتاجر: فيم لذتك؟ قال: في ربح على السوم، ونقد في اليوم.
وقيل لعالم: فيم لذتك؟ قال: في حجة تنبختر اتضاحاً، وشبهة تتضاءل افتضاحاً.
وقيل لراع: فيم لذتك؟ قال: في واد عشيب، ولبن حليب.
وقيل لأبي مزاحم الصوفي: فيم لذتك؟ قال: في سياحة البلاد، وطي البواد، وحضور النواد، ومفاكهة الأنداد، ومنافرة الأضداد.
وقيل لعابد: فيم لذتك؟ قال: في عمل يخلص، ورياء ينقص، وقلب عن الدنيا يسلو، وهمة إلى الله ﷿ تعلو.
وقيل لكاتب: فيم لذتك؟ قال: في معنى أنهيته، وكلام أنشيته.
وقيل لغاز: فيم سرورك؟ قال: في سرية مقبلة، وغنيمة مستقبلة.
وقيل لفقير: فيم لذتك؟ قال: في إزاحة العلل، وقضاء الوطر عللاً بعد نهل.
ساوم أشعب بقوس بندق، فقيل له: هي بدينار، فقال: والله لو كنت إذا رميت عنها الطائر سقط مشوياً بين رغيفين ما اشتريتها بدينار.
قال رجل لصاحب منزله: أصلح خشب هذا السقف فإنه
يقرقع، قال: لا تخف إنما هو يسبح، فقال: أخاف أن تدركه رقة فيسجد.
صعد مخنث جبل لكام ليتعبد، فلما صعد فيه أعيا فقال: واشماتتي بك يوم أراك كالعهن المنفوش.
العرب تقول: كان كراعاً فصار ذراعاً، إذا ارتفع.
قال الأصمعي: رؤي أعرابي في حزيران على شاطىء نهر يغوص غوصة ثم يخرج فيعقد عقدة في حبل، فقيل له: ما هذا؟ قال: جنابات الشتاء أقضيها في الصيف.
قال صعصعة: أكلت عند معاوية لقمة فقام بها خطيباً، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: كنت آكل معه فهيأ لقمة ليأكلها وأغفلها، فأخذتها، فسمعته بعد ذلك يقول في خطبته: أيها الناس أجملوا في الطلب، فرب رافع لقمة إلى فيه تناولها غيره.
العرب تقول: زج نضوك يبلغ بك.
دخلت جارية على راشد لتسأله عن مولاتها، فرأت حماراً أدلى، فشغلت بالنظر إليه فقالت: تقول لكم مولاني: كيف أير حماركم؟ فقال لها راشد: قائم والحمد لله.
قال طفيلي لرجل على المائدة: ما ألأمك! فقال الرجل - وكان صاحب المائدة -: سب النفس أهون من وقع الضرس.
قالت جارية عمرو بن العاص للأحنف: ما بال أستاه الرجال ينبت عليها الشعر وأستاه النساء لا ينبت عليها؟ فقال: أستاه ارجال حمى، وأستاه النساء مرعى.
العرب تقول في أمثالها: ويله كيلاً بلا ثمن لو أن له وعاء.
قال الجماز: أردت أن أتزوج جارية بصرية فقالت لرسولي: أريد أن أسمع كلامه، فقعدت قريباً منها فقالت لي: اذكر ما عندك، قلت: عندي دنانير ودراهم وثياب، قالت: ما سألتك عن هذا، إنما سألتك عن
الفراش، قلت: واحدة في أول الليل، وأخرى في السحر، قالت: قم رحمك الله، فإنك إلى قبر أحوج منك إلى امرأة.
جازت امرأة بشيخ مؤذن وهو يمرس أيره بيده، فقال له: يا شيخ خله من يدك وعلي ضمانه.
العرب تقول: من احمر قرقر.
قال أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل: كانت لنا جارية مغنية فاحتضرت فقلت لها: قولي لا إله إلا الله، فقالت:
حضر الرحيل وشدت الأحداجوحدا بهن مشمر مزعاج
يقال: الأيكة من الأراك، والعيص من السدر، والغيطلة
من الشجر، والعضهة من الطرفاء، والأجمة من القصب، والوشيجة من القنا، والغيصة من العشب، والوهط من العوسج.
يقال: فلان شديد العارضة وفلان شديد الأبهر إذا كان شديد الظهر، وشديد الأخدع إذا كان شديد العنق، وشديد النسا إذا كان شديد الساق.
لما توفي النبي ﷺ ارتفعت الواعية بمكة، فقال أبو قحافة: ما هذا؟ قالوا: توفي رسول الله ﷺ، قال: خطب جلل، فمن الخليفة بعده؟ قالوا: ابنك، قال: أرضيت بذلك بنو أمية وبنو المغيرة؟ قالوا: نعم، قال: سبحان الله! يعارضون النبوة ويسلمون الخلافة، إن هذا لأمر يراد.
قال رسول الله ﷺ: إن الرجل ليكون من أهل الصلاة والزكاة والحج والعمرة، وما يجزى يوم القيامة إلا بمقدار عقله، وفي رواية الطبراني لنا: إلا بمقدار عقله.
وقال أبو الدرداء: قال النبي ﷺ: قال الله تعالى: إني والإنس في نبأ عظيم، أخلق ويعبد غيري، وأرزق ويشكر غيري.
قال الشعبي: الكبائر: الإشراك بالله، واليمين الغموس، وعقوق الوالدين، وقتل النفيس.
قال أحمد بن حابط: ابتدأ الله ﷿ الخلق جملة في دار غير هذه الدار، وأسبغ عليهم نعمه، ولم يكلفهم فيها شكره، ثم نقلهم إلى دار أخرى فوجاً بعد فوج، يأمرهم فيها ويختبرهم، فمن أطاعه فيها ولم يعصه رده إلى تلك الدار، ومن عصاه ولم يطعه رده إلى دار العقاب وهي جهنم، ومن عصاه في بعض وأطاعه في بعض أخرجه إلى هذه الدار.
قال الإسكافي وأبو عيسى الوراق: يجوز أن يكون الإنسان قاعدا قائماً، ومتحركاً ساكناً؛ هكذا حكى الكعبي وهو ثقة، وهذا من شنيع القول وفاحش الأعتقاد.
وما أدري ما أقول في هذه الطائفة التي تبعت آراء مشوبة، وأهواء فاسدة، وخواطر لم تختمر، وفروعاً لم يؤسس لها أصول، وأصولاً لم تشرع على محصول، لا جرم اتسع الخرق على الراقع، واشتبه الأمر على المستبصر، وخاست بضائع العلماء، وعاد الأمر إلى الهزل المقوى بجد، والباطل المزين بحق، وذهب التقى، وسقط الورع، وهجر التورع والتخرج، وصار الجواب في كل مسألة دقت أو جلت، أو اتضحت أو أشكلت، لا أو نعم، كأنهم لا يعلمون أنهم لا يعلمون كل شيء، ولا يحيطون بكل شيء، وأن الدين مشروع
على التسليم والتعظيم والعمل الصالح، واعتقاد ما عري من الرأي المنقوص والعقل المنقوص، وأن رسول الله ﷺ لم يجب في كل شيء، ولا أثار ما لم يكن مأموراً بإثارته، وأنه أمر بالكف والسكوت إلا فيما عم نفعه، وشملت عائدته، وأمنت عاقبته، بذلك بعث، وعليه حث وحث. إلى الله ﷿ أشكو عصرنا وعلماءنا، وطالبي العلم منا، فإنه قد دب فيهم داء الحمية، واستولى عليهم فساد العصبية، حتى صار الغي متبوعاً، والرشد مقموعاً، والهوى معبوداً، والحق منبوذاً، كل يزخرف بالحيلة ولا ينصف، ويموه عليه بالخداع ولا يعرف.
ولقد رأيت شيخاً من أبناء ستين سنة وهو يقول: ما ناظرت قط في إثبات الرؤية من ينفيها إلا انقطعت، ولا أتيت بحجة إلا زوحمت، ولا عولت على أصل إلا نوزعت، وما أمدي في ذلك إلا هواي في أني أحب إثبات الرؤية، وأستوحش من نفيها، فأنا أتبع ما يقوى في نفسي، لأن الله ﷿ قاذف تلك المحبة في نفسي، ومتوليها دوني، ولو كان العمل على بيان الخصم واحتجاج النظير وشواهد المناظر، لقد كنت تحولت في ألف مقالة، فإني لا أسمع خطبة مقالة، ولا ألحظ ظاهر نحلة، إلا وأرى له من البهاء والحلاوة والحسن والشارة ما لا أجد لغيره، فإن ذهبت إلى تكافؤ الأدلة قهرت العقل، وفارقت
المحجة، وإن ملت إلى تخليص الحجة من عوارض الشبهة رمت كؤوداً، ورهقت صعوداً، لكني مع ما ألقي في روعي لأني واثق به، وذلك أني لم أجلبه ولم أكسبه، وإنما هو شيء سبق إلي سوقاً، وشوقت إليه شوقاً، ولأن أكون مع هذه الدواعي أحب إلي من أن أطيل المنازعة وأكثر البحث، فإن آفة المنازعة ثوران الطباع وهيج النفس وعصبية الهوى، وآفة البحث التردد بين الاستيحاش والتحير على غير يقين يمسك الفؤاد، ولا عمل يزود إلى المعاد.
هذا كلام هذا الرجل، ولعل فتنته فيما ذهب إليه، وعقد إصبعه عليه، أخف من فتنة غيره، وإذا كان بعض ما يعتري خائض هذا العمر، وراكب هذا البر، فما نقول بأمور أدق من هذا وأخفى؟! ولهذا قال بندار بن الحسين، وكان شيخ فارس علماً وفضلاً ونبلاً: ما نظرت في الكلام قط إلا رأيت في قلبي منه قسوة، وعلى لساني منه سطوة، وفي أخلاقي مع خصومي جفوة.
وكان أبو زيد المروزي يقول - وشاهدته بمكة سنة ثلاث وخمسين وثلاثمائة -: كنت أقرأ علم الكلام على الأشعري أيام حداثتي بالبصرة،
فرأيت في المنام كأني قد فقدت عيني جميعاً، فأستعبرت حاذقاً بعلم الرؤيا فقال لي: لعل هذا الرائي قد سلخ دينه، وفارق حقاً كان عليه، فإن أوضح دلائل البصر على الدين والعقيدة. قال: فأستوحشت من هذه العبارة، وأنقبضت عن المجلس، فسأل عني وجد في تعرف خبري وألح على نظرائي، فلم أرتح ولم أهتز، فبينا أنا على انقباضي إذ جمعني وإياه طريق، فبدأني بالسلام، وأطال طرف الحديث، وشهد تعسري في الإجابة، وأستيحاشي من الطريقة، فقال لي عند آخر كلامه: إن كنت تنفر من مقالتنا التي شاهدناها ونصرناها، فاحضر واقرأ أي مقالة أحببت فإني أدرسها لك. قال أبو زيد: فأزددت في نفسي نفوراً، وكان سبب إلحافه وتشدده أني كنت حديث السن، وكان للعين في مجال، ثم ثبتني الله تعالى على هجران هذا الفن، وأقبل بي على الحق والفقه، وبلغني هذه الحال التي أسأل الله ﷿ تمامها وخير عاقبتها.
هذا نص ما حفظته عنه، وإن كنت قدمت بعض اللفظ وأخرت، فإني لم أحرف المعنى، ولم أزد فيه من عندي شيئاً، ولقد سمع هذا ابن المرزبان الشافعي سنة تسع وخمسين مع أصحابه بعد أن عاد أبو زيد من الحجاز والشام إلى مدينة السلام قاصداً إلى خراسان.
قامت امرأة تصلي بلا سراويل، فرآها ماجن، فانتظر بها حتى
سجدت ثم وثب عليها وألقى ذيلها وحشا يطنها وهي لا تتحرك، فلما صب وقام أقبلت عليه وقالت: يا جاهل، قدرت أني أقطع صلاتي بسببك؟! قال رجل لجارية أراد أن يشتريها: لا يريبنك هذا الشيب فإني قوي على النيك، فقالت: يا هذا، حدثني: أيسرك أن تبتلى بعجوز مغتلمة؟! قال المقتدر لجارية عرضت عليه: أتشتهين أن أشتريك؟ قالت: إن اشتهيت أن تنيك! فاستظرفها واشتراها.
قال فيلسوف: لا تغتر بحسن الكلام إذا كان الغرض الذي يقصد به ضاراً، فإن الذين يسمون الناس إنما يقدمونه في ألذ طعام، ولا تستجفين الكلام الغليظ إذا كان الغرض سليماً نافعاً، فإن أكثر الأدوية الجالبة للصحة يشعة.
قال فيلسوف في رجل: عنف الناصح به أرضى عنده من ملق الكاشح.
وأنشد لمنصور التميمي المصري:
ليس إلا مستنيلأو منيل مستطيل
أو مباه لمباهأو مجاز أو بخيل
قال أعرابي: أحسن الغناء ما أفهم السامع وأطرب الخاشع.
وقال أعرابي: إياك أن تكون صاحي اللسان سكران العقل.
لمنصور الفقيه:
ومغفل ذكر الأجلسما به طول الأمل
فما ارتقى حتى نزلمستكرهاً؛ ولم يقل
قط لشيء قد كملوقد تناهى واعتدل
إلا تبينت الميلوالنقص فيه والخلل
بعقب ما قيل؛ وهلينجي من الله الحيل
والله ما شاء فعلسبحانه ﷿
أصبح للناس مثلوعبرة لمن عقل
من نال من عز الدولما لم ينل قط رجل
كان إذا قيل رحلنحو بلاد وفصل
تطأطأت كل المللولم تزل على وجل
حتى يقال قد قفلأمسى منيفاً كالجبل
ثم تلاشى واضمحلكأنه نجم أفل
قال فيلسوف - وهو زينون - لفتى رآه يتلهف على الدنيا: أحسب أنها بأسرها لك وأنت في لجة البحر قد أشرفت على الغرق، أكانت غايتك إلا النجاة بنفسك؟ قال: نعم، قال: فكذلك لو كنت ملكاً فنازعك في ملكك من يريد قتلك هل كنت تريد غير النجاة شيئاً؟ قال: نعم، قال له: فأنت الملك وأنت الغني، إلا أنك قد نجوت بنفسك وربحت لذة ما فاتك، ويبقى طلب ما إذا نلته كان سبيله هذا السبيل.
وقال زيتون: لا تخف موت البدن، ولكن خف موت النفس، فقيل له: لم قلت: خافوا موت النفس والنفس الناطقة عندك لا تموت؟ فقال: إذا انتقلت النفس الناطقة من حد النطق إلى الحد البهيمي، وإن كان جوهرها لا يبطل فإنها قد ماتت من العيش العقلي.
قال فيلسوف آخر: يا هذا لا بقليل تقنع، ولا بكثير تشبع.
قال كشاجم في كتاب النديم: واللحن عندهم يتخون
الجمال، كما أن الفصاحة تعفي على القبح؛ وقال، قال النبي ﷺ للعباس عمه وسمع منه كلاماً فصيحاً: بارك الله ﷿ لك يا عم في جمالك، أي في فصاحتك. قال: وكذلك الحديث الحسن تقبله النفس أولاً وتكرهه معادا؛ قال: وأقول أيضاً: كما أن الألحان أشرف المنطق كذلك نفس الطروب والمستخف لها أشرف النفوس.
وقال أيضاً: كتبت إلى صديق لي:
إن كنت تنكر أن في الألحان فائدة ونفعا
فأنظر إلى الإبل التيهي ويك أغلظ منك طبعا
تصغي لأصوات الحداة فتقطع الفلوات قطعا
ومن العجائب أنهميظمونها خمساً وربعا
فإذا توردت الحياض وحاولت في الماء كرعا
وتشوفت للصوت منحاد تصيخ إليه سمعا
ذهلت عن الماء الذيتلتذه برداً ونقعا
شوقاً إلى النغم التيأطربنها لحناً وسمعا
قال فيلسوف: إذا لم تكن كما تريد فلا تبال كيف كنت.
وقال أعرابي: إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون.
يقال في العربية: أرادني بكل ريدة: والفرق بين المريد والرائد أن المريد قد تتوجه إرادته نحو ما لا يصح له ولا يدنو منه، والرائد هو الذي قد نال مراده وتمكن، ومنه راد الفرس، ومرود الفرس، وهذا مراد المال لأنه يريده أي سرح فيه؛ يقال: سرحته وسرح هو فأنسرح، وهو المنسرح في العروض، وفي قول الله ﷿ " وحين تسرحون " النحل: أي ترعون ما لكم؛ قيل لمملوك في العرب يرعى إبلاً: أنت راعيها، قال: الله راعيها وأنا مرعيها؛ هكذا حكاه الأصمعي.
والإرادة في الإنسان مركبة من شهوة وحاجة وأمل، والإنسان وعاء القوى، وظرف المعاني، وطينة الصور، ومعدن الآثار، وهدف
الأغراض، وكل شيء له فيه نصيب، ومن كل شيء عنده حيلة، وله إلى كل شيء مسلك، وبينه وبين كل شيء نسبة ومشاكلة، وهو جملة أشياء لا تنفصل، وتفصيل حقائق لا تتصل، وهو أب العالم المتوسط بين العالمين، وله نزاع إلى الطرفين: إلى ما ينحط عنه بالشوق إلى الكمال، وإلى ما يعلو عليه بالتنزه عن النقصان؛ وهو مرتهن بالأسباب العالية والدانية، وتابع للغالب، ومنجذب مع الجاذب، وفاعل فيما علا عليه وقبل أثره، وقابل مما أنحط عنه وسرى إليه أثره.
وهذا فن لا يتسع القول فيه لضيق حدوده وإشكال حقائقه، وإنما نثرت ها هنا ما علق بقلبي من خلصان هذا العلم، وأفاضل هذا الشأن، وما نصيبي منه إلا كنصيب من حكى لغة لا دربة له بها، ولا عادة له في استعمالها، ولا أنس له بفهم اصطلاح أهلها، ولولا أني قد شرطت أن أصرف القول تصريفاً، حاكياً وقائلاً، لما أعرت هذا النمط من نفسي فراغاً، ولا قصدت فيه بلاغاً، فإن فيما جل عن هذا غنى عما دق من هذا.
هذا كتاب الله ﷿، وهو المقنع والمفزع، وفيه الشفاء والبيان، والهدى والنور، وإليه مرد كل مشكل، وعليه معرج كل حيران: مجمله كاف للقلوب السليمة، ومفصله شاف للصدور السقيمة، وظاهره داعيك بما أوضح لك إلى تسليم ما بطن عنك، وباطنه مناجيك بما أشار إليه لتقف مع ما ظهر
لك؛ هذا إن عرفت فرق ما بين الإلهية والعبودية، فأما وأنت مترجح بين الشبهة والبهتان، وبين الحجة والرهان، لا تميز جدب هذا من خصب هذا، ولا تفرق بين حقيقة هذا من تمويه هذا، فما أخوفني على ركنك أن ينثلم، وعلى وجهك أن يتوقح، وعلى نفسك أن تمرض، وعلى عاقبتك أن تكون خسراً.
اللهم فلا تكلنا إلى عجز يقطعنا عنك، ولا تقطعنا عن قوة تصلنا بك، ولا تحجبنا بإملائك لنا عن عادة إحسانك إلينا، فإن الطريق إليك وعر إلا إذا نهجته، والقلب عنك ساه إلا إذا هيجته، والتوكل عليك صعب إلا إذا سهلته، والقول فيك مشوب إلا إذا خلصته، فبك قوام كل شيء ونظامه، وإليك مصيره وانسياقه، ومنك فزعه وفرقه، ولك ذله وخشوعه، وعلى قدرتك دلالته، وإلى وحدانيتك إشارته، وعن إلهيتك نطقه وعبارته، وفي غيب ملكوتك تيهه وحيرته، ولبعده عنك غرارته وخسارته، ولقربه منك علامته وأمارته، ذلك لأنك أول كل شيء وآخره، وباطنه وظاهره، ومالكه وقاهره، فلك الحمد يا مظهر الكون، ويا قديم العين، ويا علياً عنا بلا كيف وأين.
العرب تقول: اعتلج الرجلان، إذا اصطرعا، ومن كلامهم: سوء الأستمساك خير من حسن الصرعة، والصراع: المصارعة، مثل الدفاع المدافعة والخصام المخاصمة، فأما الصراع - بضم الصاد - فداء من خاه ثائر يهيج بالإنسان فيصرعه. والمماغثة: الممارسة.
والشفا: حرف، مقصور، والحرف: جانب وطرف، ويقال: المريض على شفا أي قريب من الهلك والهلاك، والأشفية: الأدوية، وأشفى فلان أي قرب من المحذور، وبعض القبائل يقول: أشاف، فأما شاف فمعناه جلا أي نقى.
وفلان ذو أسرة كريمة أي أهل بيت، كأن أسرة الرجل ما هو مأسور به، أي مشدود به، لأن الرحم والقرابة يضمان على الإنسان ويشدانه، والأسر: الشد، ومن أجله قيل للأسير أسير لأنه مأسور، أي مشدود بالإسار، أي بالقد، واستأسر فلان: أي انقاد حتى شد، واستأسر فلان فلاناً أي أخذه أسيراً، وقول الله ﷿ " وشددنا أسرهم " الدهر: أي أحكمنا خلقهم؛ هذا كله محفوظ.
والطعنة النجلاء هي الواسعة.
ومرد فلان الغصن إذا خرطه ورمى بما عليه من الورق، وكأن الأمرد من ذلك إذ الشعر في عارضيه نظير الورق على الغصن.
ورجل هاع لاع: أي جبان خوار.
ويقال: وقع في أسنانه القادح، أي الفساد.
والمتمطر: السريع، وهو أيضاً المتعرض للمطر أي الطالب له حتى يصيبه.
ويقال: صدر فلان أي اشتكى صدره، ولا يرفع صدره لأن الرجل اشتكاه، فأما الصدر فما اشتكي؛ هكذا قال الناشىء؛ والمصدور: الذي قد أصيب صدره، لأنك تقول بطنته فهو مبطون أي ضربت بطنه، كذلك تقول: صدرته فهو مصدور، والمصدور أيضاً الذي بصدره علة، وفي المثل: لا بد للمصدور أن ينفث، شبه المهموم الذي قد حرج بما كتمه وضاق ذرعاً بما طواه بمن أصاب صدره ما أنفثه، يقال: نفث ينفث إذا ألقى ما أجتمع في صدره، فكأن المهموم يطلب الراحة بإذاعة ما تجنه أضالعه، كما يجد المصدور الراحة بإلقاء ما قد اكتن في صدره.
ويقال: في صدره همهمة أي حشرجة، وهي النخس العارض، ومنه البيت لحاتم وتمثلت به عائشة ﵂ حين احتضر أبوها وشاهدت العلز وأيقنت بالفراق:
أماوي ما يغني الثراء عن الفتىإذا حشرجت يوماً وضاق بها الصدر
فقال أبو بكر: لا تقولي هذا، ولكن قولي " وجاءت سكرة الموت بالحق " ق: ويقال: سكرة الحق بالموت، هكذا قرأته، والصوفية تزعم أن هذه القراءة فيها إشارة لطيفة بتقديم الحق على الموت، وكان أبو حامد المروروذي يقول: لعله قرأه هكذا لما غمره من معالجة الموت، فإن اللسان قد يذهب في مثل تلك الحالة عن مذهب الصواب، وكيف يجوز أن يكون النبي ﷺ قد قرأ بخلاف ذلك ولقنته الصحابة عنه، وسيرته في جزيرة العرب، وقد سمعه أبو بكر أيضاً في جملة الناس، ثم ينفرد عنهم بقراءة تخالف قراءة من نزل القرآن عليه، وأرسل جبريل إليه، إن هذا لعجيب! قال: وما أقول هذا كله بسبب هذا الحرف، ولكن يذكرني هذا أيضاً ما أنفرد به ابن مسعود وغيره، وإن كان بعض هذا ليوحش النفس ويوغر الصدر ويثير سوء الظن. وكنا إذا طال
سماعنا منه هذا وأشباهه نقول: أيها القاضي، فكيف الوجه؟ فيقول: لعل الرواية في هذا الباب فاسدة، والإسناد إلى هؤلاء الفاضلين ضعيف، والأمر منظوم الأول والآخر، صحيح الباطن والظاهر، ولولا تكلف من تكلف، واعتراض من اعترض، لكان الأختلاف ساقطاً بواحدة، والوحشة منتفية دفعة، ولكن كثر الدخلاء في الدين، فاضطرب بهم حبل اليقين، وحجب الناس عن الصواب بالخطإ، واشتد المراء بين الجهال.
قال بختيشوع: الصفراء كالصبي، ترضيه التمرة، وتسخطه اللطمة، والسوداء كالحية في الجحر إذا هاجت نكت، والبلغم كالأسد لا ينشب مخالبه في شيء إلا هتك، والدم كالشرطي يغدو مع كل أحد من أسباب السلطان، وكذلك هو في ميله مع كل مائل.
وحدث أبو هفان وابن ماسويه حاضر أن جعفر بن محمد قال:
الطبائع أربع: الدم وهو عبد، وربما قتل العبد سيده، والبلغم وهو عدو، إن سددت له باباً أتاك من آخر، والريح وهو ملك يدارى، والمرة وهي الأرض، إذا رجفت ترجف بمن عليها، فقال: أعد علي هذا، فو الله ما يحسن جالينوس أن يرصف هذا الترصيف.
قال أعرابي: كا امرىء يعمل في حظه.
ويقال في المثل: كل امرىء في شأنه ساع.
ويقال: أعشبت فأنزل وأوسعت فآبن: وجدت عشباً وسعة.
قال علي رضوان الله عليه: الصوت للحلق، والحروف للسان، والقلب للعقل، والكبد للحزن، والرأي للكليتين.
قال أعرابي لرجل أطعمه: أطعمك الله ﷿ الذي أطعمتني له، فقد أحييتني بقتل جوعي، ورفعت عني سوء الظن بيومي، فحفظك الله على كل جنب، وفرج عنك كل كرب، وغفر لك كل ذنب.
شاعر:
ما بات مذ عقدت كفاه مئزرهقبيصة بن هلال وهو موتور
لا تقرب اللفظة العوراء مجلسهولا يذوق طعاماً وهو مستور
قال ثعلب، قال أبو عمرو الشيباني: يقال للعين العذبة عيلم، وللعين المالحة يقال كذلك.
قال يونس: الجنة واحدها جني وجمع الجمع جن.
قال الزيادي، سمعت الأصمعي يقول: بيض الدجاج وبيظ النمل.
العرب تقول: المرء بكده، والفرس بشده، والسيف بحده؛ لو فطن لقيل في كل هذه بجده.
أنشد الناجم الشاعر:
رب نديم كلذيذ الغمضأعذب من ماء الحياة المحض
عاطيته ما بين نور غضصافية كالكوكب المنقض
قال ثعلب، قال ابن الأعرابي: العرب تقول: ساعات آخر النهار في الصيف أطول من ساعات غدواتها، وساعات غدوات الشتاء أطول من ساعات عشياتها، فلذلك قال الشاعر:
ألا ليت حظي من زيارة ميةعشيات قيظ لا عشيات أشتيه
هكذا قال ثعلب، وأشتية في جمع الشتاء غريب، وإن كان كثير النظير، وباب الجمع لا أساس له ولا قياس عليه.
أنشد الناجم لأعرابي:
سقاك وإن سقيتني جرع الأسىمن الغيث أنفاس غيوث هواطل
سحائب في جو السماء إذا انتحتفهن لبطن الأرض منها مناهل
بكين فأضحكن الثرى عن زخارفمن الروض عنهن الثرى متخايل
كأن عيوناً وكلت ببروقهاإذا ابتسمت تنهل منها هوامل
تلقحها الأنواء ليلاً بريقهافتصبح أبكاراً وهن حوامل
قال أبو عثمان النهدي: أتت علي مائة وثلاثون سنة وما شيء أنكرته إلا أملي، فإنه يزيد.
قال السكري عن الزيادي والتوزي قالا: أخبرنا الأصمعي قال، قال أبو عمرو: تقول العرب: المبلسم، ولا تقول المبرسم إلا لما يلف عليه الإبريسم.
وقال السكري عن الرياشي عن الأصمعي قال: قال أبو عمرو: إذا غطي الشيء ليدرك نحو البسر والبطيخ والموز قيل: مغمول، ولا يقال: مغموم.
وقال أبو عمرو: إذا ضرب البعير الناقة قيل: قاع، فإذا قرع قيل: قعا.
قال أبو عمرو أيضاً: تقول العرب: امرأة مهيرة أي حرة.
والعرب تقول: الاتفاق بعد الأختيار، والفراق بعد الأختيار.
أنشد لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر:
سقتني في ليل سبيه بشعرهاشبيهة خديها بغير رقيب
فأمسيت في ليلين بالشعر والدجىوصبحين من كأس ووجه حبيب
ليم أعرابي على لؤم المكتسب فقال: الأدب ما لم يكن له حلب بمنزلة الحارد من النوق التي لا ينتفع منها بمخض حقين، ولا قارص دفين.
وقال أعرابي: الأدب ما لم يجتلب قوتاً كالأرض الجدبة التي لا يمته عطشاها، ولا يخصب غرثاها.
لما مات مسلمة بن عبد الملك أوصى بثلث ماله إلى أهل الأدب
وقال: هي صناعة مجفو أهلها.
قال المنصور لرجل: ما مالك؟ قال: ما يكف وجهي، ويعجز عن بر الصديق، قال: لقد لطفت في المسألة.
قالت عزة: كنت أحسن من الصلاء في الشتاء.
كان عمارة بن حمزة يمضي على خطئه أنفاً من الرجوع ويقول: نقض وإبرام في ساعة واحدة؟ الخطأ أهون من هذا.
هذا والله الكبر الصادر عن الجهل، كأنه ما سمع قول عمر ﵁ وهو غرة الحكماء: الرجوع إلى الحق أولى من التمادي في الباطل؛ وما في نقض وإبرام في ساعة واحدة لمن لا يعلم الغيب، ولا يعدم العيب، والخطأ منه عادة، والصواب منه هفوة؟ إنه لو عرف نفسه لعلم نقصه.
أنشد داود بن علي في خطبته بعد أن قال: نفعل ونصنع ثم أنشد:
حتى تبيد قبيلة وقبيلةويعض كل مهند بالهام
ويقمن ربات الخدور حواسراًيمسحن عرض ذوائب الأيتام
قال الربيع بن زياد: من أراد النجابة فعليه بالمق الطوال، ومن أراد التلذذ فعليه بالقصار، فإنهن كنائن الجماع.
يقال: إذا طال ساعد المرأة وساقها وعنقها أنجبت.
يقال: ما قرن شيء إلى شيء أحسن من علم إلى حلم، ومن عفو إلى ظلم.
العرب تقول: من مل اعتل، ومن جنى تجنى.
شاعر:
أما ترى الأرض قد أعطتك عذرتهامخضرة واكتسى بالنور عاريها
فللسماء بكاء في حدائقهاوللربيع ابتسام في حواشيها
يقال: من فضل الناطق على الصامت أن الناطق يهدي ضالاً ويرشد غاوياً ويعلم جاهلاً.
قال هشام بن الحكم: ما شهد النبي ﷺ أحد إلا أقربه من الوجه الذي جحده به، وذلك بقولهم: شاعر، فعلمنا أنه قال ما لم يعرفوه، وقال قوم: إنه ساحر، فعلمنا أنه قد أراهم الأعاجيب، وقالوا: كاهن، فعلمنا أنه قد ساحر، فعلمنا أنه قد أراهم الأعاجيب، وقالوا: كاهن، فعلمنا أنه قد أخبرهم بما يكون في غد.
قال بعض السلف: كلوا اللحم فإنه يزيد السمع والبصر، وما تركه امرؤ أربعين صباحاً إلا ساء خلقه.
قال عمر ﵁ لابنه: كل يوماً لحماً، ويوماً سمناً، ويوماً لبناً، ويوماً زيتاً، ويوماً قفاراً.
القفار: هو البحت كأنه أخذ من القفر، وهو المكان العاري من النبات.
قال معاوية: إلصاق كلمة إلى كلمة أشد من وقع عصا على عصا؛ عصا: مقصورة، وإياك أن تقول عصاة.
قال الحارث: رأيت علياً يخطب قاعداً كقائم، ومحارباً كمسالم؛
يريد بهذا تمكنه ومضيه، وأنه لا احتفال عنده ولا تصنع، وأنه بخلاف المتصنع. ولعمري إن التصنع لبئس الخلق، والمفتضح به أكثر من المفتضح بالأسترسال لأن الله تعالى يقي المسترسل على قدر ما يكل المحتفل.
مضغت أعرابية علكاً، فقيل لها: كيف ترينه؟ قالت: فيه تعب الأضراس وخيبة الحنجرة.
منصور الفيه:
الموت أسهل عنديبين القنا والأسنه
والخيل تجري سراعاًمقطعات الأعنه
من أن يكون لنذلعلي فضل ومنه
كاتب: وكان مثلي مع هذا الطبل المخرق، والدف الممزق، وصاحب الأكمام الفيوجية، والشوابر المجونية، والطاق والرواق، المتحلي بحلية أهل الغش والعيارة، التي تلحقه بأهل الخسارة، ما قال القائل:
والحزم إن ضيعتهفآبشر بطول التعب
ذم أعرابي آخر فقال: إن الناس يأكلون أماناتهم لقماً، وإن
فلانا يحسوها حسواً، وما ميراثه من آدم إلا أنه يسمى آدمياً، ولو نازعته الخنازير لشبهه بها لقضي به لها.
قال سهل بن هارون: تزيوا بزي الكتاب، فإن فيهم أدب الملوك وتواضع السوقة.
وقع ذو الرياستين: إني آئتمنتك على ديني، وأشركتك في أمانتي، ووضعتك موضع الثقة، فقولك مقبول، وكتابك المعتمد عليه فيه تدبير أمور ناحيتك، فأعرف عظيم الخطر الذي أصبحت فيه، وأد أمانة الله ﷿ فيما أنت بسبيله، تسعد في العاجل والآجل إن شاء الله تعالى.
ووقع ذو الرياستين أيضاً: نعم الشفيع في بقاء النعمة عليك حسن سيرتك، واعتماد الصيانة والعفاف، فدم على هذه الطريقة تبق لك النعمة إن شاء الله تعالى.
ووقع أيضاً: إن أسرع النيران التهاباً أسرعها خموداً، فتأن في أمرك إن شاء الله تعالى.
ووقع ذو الرياستين أيضاً: لا تجعلن توليتي إياك نظراً مني لك دون رجائي فيك للكفاية والغناء والنصيحة، فتنزل بك قدم تورثك الندم.
ووقع أيضاً: استدم بالشكر بقاء النعمة، وبالطاعة علو المنزلة، وإياك أن يورطك هواك فيما لا بقيا معه عليك، إن شاء الله تعالى.
لمنصور الفقيه:
قل لمصر إذا ترحلت عنها مودعا
يا حمى ما خطا به الليث إلا مروعا
قل لنا ما الذي أعادك للذئب مرتعا
أهلاك الحماة أمعجزهم أم هما معا
قال حكيم: من أمسك عن الفضول، عدلت رأيه أهل العقول.
وقع ذو الرياستين: أجمل في الطلب تكف كالمقادير ما هو كائن، فما كان لك أتاك على ضعفك، وما كان عليك لم تدفعه بقولك.
الحرص - أيدك الله - طباع الخلق، للعجز العارض في أصل البنية، ومما ينبهك على ذلك أنك لو فاتحت الأمة البلهاء، والمرأة الوراء، والشيخ المنجذ، والشاب الغرير، والبدوي القح، الفارسي الأعجم، والهندي الأبكم، والرومي المستغلق، والكيس الذكي، والفطن والغبي، لوجدت في أثناء حديثهم، وأعراض كلمهم، تسليماً إلى غيرهم، وتفويضاً إلى سواهم، وانقطاعاً عن إصابتهم باستطاعتهم، ول ذاناً بمن يجدون المراد بتسهيله عليهم،
وهذا الذي هو أصل في الجوهر، وأول في الكون. فأما ادعاء القوة، وضمان الدرك، والأستبداد بالقدرة، والأستغناء عن تقلب القلب، وتصرف النفس، فما لا يقدم عليه إلا من ساء نظره لنفسه، وقل اعتباره في غيره، وحسن ظنه بما أعير من طاقته وتصرفه، ولو أنعم النظر، أو لو أعين بالتوفيق، لعلم أنه ملك أمراً ثم ملك عليه، وولي شأناً ثم استولي عليه، وأن الذي عرض له، وسيق حوه، لا يخلص بعلمه المحتاج إلى تأييده، ونظره الفقير إلى توفيقه.
سئل سقراط: ما الفرق بين من له أدب وبين من لا أدب له؟ قال: كالفرق بين الحيوان الناطق، وبين الحيوان الذي هو غير ناطق.
قال أرمانوس الملك - وكان من اليونانيين - إخوانه: إن عاملتموني كما يعامل الملك، عاملتكم كما تعامل الإخوة، وإن عاملتموني كما يعامل الأخ، عاملتكم كما يعامل الملك.
رأى فيلسوف رجلاً يعظ سكران ويقول له: أما تستحي أن تكون سكران؟ فقال له الفيلسوف: وأنت فلا تستحي أن تعظ سكران؟ قال موزون السوفسطائي: شيخوخة البدن هي منتهى النفس.
فيلسوف ظلمه إنسان فشد عليه فعضه، فقيل له: فعلت ما تفعله النساء، فقال: لا، بل ما يفعله الأسد.
قال رجل لفيلسوف: إنه لعظيم أن ينال الإنسان ما يشتهيه، فقال: أعظم من ذلك أن يشتهي ما لا ينبغي.
دعا بطلميوس، وكان ملكاً، حكيماً إلى المصير إليه، فأستعفى الحكيم من المصير إليه وقال: إن الملوك يعرض لهم كما يعرض لمن بصر بصورة، فإنه ما دام يراها من بعد فهو يتعجب، فإذا دنا منها لم ير موضع تعجب.
سئل مولون - وكان طباخاً من سقلية وقد فرغ من الألوان: إلى ماذا تحتاج؟ قال: إلى قوم جياع.
فيلسوف أتاه إنسان فقال له: إن ابنك قد قتل في حرب، فقال: ذاك لنسبته مني، وأتاه آخر فقال: إنه لم يقتل ولكن سبي، قال: ذاك لنسبته إلى أمه.
قال أفلاطون: ينبغي إذا عوتب الحدث أن يترك له موضع الجحود لئلا يحمله المراء على المكابرة.
وقع ذو الرياستين إلى طاهر بن الحسين في أمر أنكره عليه: يا نصف إنسان، والله لئن أمرت لأنفذن، ولئن أنفذت لأبرمن، ولئن أبرمت لأبالغن. فأجابه طاهر: أنا أعزك الله كالأمة السوداء، إن حمل عليها دمدمت، وإن رفه عنها أشرت، فإن عوقبت فباستحقاق، وإن غفر لها فبإحسان.
شاعر:
غصن من البان في وشاحركب في مغرس رداح
تهتز ليناً بغير ريحوالغصن يهتز بالرياح
غصن ولكنه فتاةبديعة الملح في الملاح
كأنما فرعها عليهاقناع ليل على صباح
ترنو بطرف لها مريضبين جفون لها صحاح
تزهو بخد لها رقيقيكاد يدمى بلا جراح
قال شيخ من المشرق في عصر ذي الرياستين لأحداث كانوا يقتبسون الأدب من مجلسه: اعشقوا وإياكم والحرام، فإن العشق يطلق لسان العبي، ويفتح جبلة البليد، ويسخي قلب البخيل، ويبعث على التنظف وتحسين الملبوس وتطييب المطعم، ويدعو إلى الحركة والذكاء وشرف الهمة.
شاعر:
مزجت بخمرة ريقها أكواسهافسقتك من يدها حياة الأنفس
فكأنما قمر سقاك بكفهشمساً تحساها النديم المحتسي
كتبت جارية للمتوكل على جبهتها: هذا ما عمل في طراز الله فتنة لعباد الله.
وكتبت ماجن - وهي جارية -: افتضحنا فأسترحنا.
وكتبت جارية البرمكي: لذتي في حل تكتي.
وكتبت غنج جارية الخزاعي: لا كنت إن خنت.
قيل لابنة الخس: كيف زنيت وأنت عاقلة لبيبة؟ فقالت: طول السواد، وقرب الوساد؛ قال ابن محارب القمي، وكان فيلسوفا: لو زادت: وحب السفاد لكانت قد تممت عذرها.
وقفت أعرابية على قوم فقالت: تيسروا للقاء الله تعالى فإن هذه الأيام تدرجنا إدراجا.
خرج أبو عمرو الأعرج مع نوفل بن عمارة المخزومي أخي الأسود بن عمارة إلى مكة، وكان بخيلاً، فقيل لأبي عمرو: كيف وجدت صحبته؟ فقال: امرأتي طالق إن لم يكن ظن بظني أنه ضربت عنقي، وذلك أنه كان يمكث ثلاثا لا يدخل في فيه شيء.
كانت أم زنين دلالة بالمدينة، وكانت عندها جارية مولدة فارهة تصنعها ترجو بها الرغائب، فلم تعلم إلا وقد أحبلها زنين ابنها، فشقت ثوبها ونتفت شعرها وصاحت، فقال لها زنين: ويلك! الذي حل بها أعظم من الذي حل بك، لأنها كانت ترجو أن تحبل من خليفة أو ابن خليفة فحبلت من ابن أم زنين القوادة.
سأل أعرابي قوماً، فقال رجل منهم: اللهم إن هذا سائلنا ونحن سؤالك، وأنت بالمغفرة أجود منا بالعطية، ثم أعطاه.
وقع بين رجل وامرأته كلام فتهاجرا أياماً، ثم إنه وثب عليها فأخذ برجليها، فلما فرغ قالت له: أخزاك الله، كلما وقع بيني وبينك شيء جئتني بشفيع لا أقدر على رده! قالت عجوز لزوجها: أما تستحيي أن تزني ولك حلال طيب؟! فقال: أما حلال فنعم، وأما طيب فلا.
قال أعرابي: من لم يكن له عند السوء صبر، لم يكن له عند الحسنى شكر.
قيل لحنيف الحناتم من بني الحارث بن تيم اللات بن ثعلبة: ما
النشر؟ فقال: ندى الشمال في قصب الوسمي، يستأخر المطر بعد الوسمي فييبس البقل حتى تتحسحس جوانبه وتلتوي عروقه ويمصح ماء البقل وتذوي نورته، ثم إن الله ﷿ يرتاح له بمطر السماك فيصبح وقد أعد وتزهو نوره زرقاً، سوى النورة الأولة، فيزراق وتنتفخ عروقه، ويعرف النشر منه، بل يرى أخضر في عرض يابس، فيكون الأخضر فوق الأبيض، فيطرد الناس عنه أموالهم مخافة السهام.
قيل لابنة الخس: ما آية البرد؟ قالت: الريح تحت الغفار.
الآية: العلامة، والغفار: السحاب؛ هكذا قيل، وكأن الغفار من الغفر، والغفر: الإلباس والتغطية، ومنه غفر الله له، كأن الذنب يستر، ويقال: اصبغ الثوب فإنه أغفر للوسخ.
شاعر:
وريان من ماء الشباب يعيرهمراح الصبا نفي الحيا المتلبد
تزودت منه نظرة فكأنهاإذا خطرت بالقلب وقع مهند
عوتب الكسائي في ترك التزويج فقال: مكابدة العفة عنهن أيسر من الأحتيال لمصلحتهن؛ وقد سمعت هذا الجواب للعتابي، وهو به أليق.
قال الأحنف: نزلت هذه الآية في الثقلاء " فإذا طعمتم فانتشروا " الأحزاب:.
وكان علي يقول: أنا للعاقل المدبر أرجى مني للأحمق المقبل.
يقال إن أفلاطون مات مبرسماً، وأرسطاطاليس مات مجدوراً - ويقال أيضاً مات بالسل - وأبقراط مات مفلوجاً، وجالينوس مات مبطوناً.
يقال إن أول من عمل الصابون سليمان بن داود، وأول من عمل القراطيس يوسف، وأول من كتب في القراطيس الحجاج بن يوسف،
وأول من عمل السويق ذو القرنين، وأول من خبز له الرقاق نمرود بن كنعان، وأول من لبس الخفاف الساذجة والكتان زياد.
قال أبو عبيدة: قال لي أبو مهدية: أتشرب هذا النبيذ؟ قلت: لا، قال: ولم؟ قلت: إنه يذهب بعقلي، قال: ويحك! إن ذهب اليوم عاد غداً.
قيل لأعرابي: ألا تمزجها؟ قال: حسبها ما شربت في كرمها.
كتب طاهر إلى أبيه رقعة يستزيده فيها ويلومه في تقديم أخيه عليه - وكان أسن منه - فوقع أبوه في ظهر رقعته: أكلت خراك بعود أراك، ليت أباك أشبه أخاك.
لمنصور التميمي الفقيه:
ربما نال وادعحظوة الطالب الملط
وله أيضاً:
لا والذي جعل الدنيا مغيرةالشر مجتنباً والخير متبعا
ما ساءني هجر من لم يرع سالفةولم أكن بدنوي منه منتفعا
العرب تقول: وازنتني بفلان فرجحت عليه. وضع فلان على فلان أي مال. وتباين الأمر أي تباعد، وكذلك تشاخس. ومشى فلان إذا لان بطنه. والأصمعان: القلب الذكي والرأي العازم، أي المعزوم به، أو المعزوم عليه، كذا سمع. والأسودان: التمر والماء، والأيهمان: السيل والجمل الهائج، وهما الأعميان أيضاً.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع