من «البصائر والذخائر» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)
الجزء الرابع
اللهم، عليك أتوكل وبك أستعين، وفيك أوالي، وإليك أنتسب، ومنك أفرق، ومعك أستأنس، ولك أمجد، وإياك أسأل لساناً سمحاً بالصدق، وصدراً قد ملئ بالحق، وأملاً منقطعاً عن الخلق، وحالاً مكنونها يبوئ الجنة، وظاهرها يحقق النعمة والمنة، وعاقبة تنسي ما سلف، وتتصل بما يتمنىن ويتوكف.
وأسألك اللهم كبداً رجوفاً خوفاً منك، ودمعاً نطوفاً شوقاً إليك، ونفساً عزوفاً إذعاناً لك، وسراً ناقعاً ببرد الإيمان بك، ونهاراً مشتملاً على ما كسب مرضاتك، وليلاً حاوياً لما أزلف لديك.
أشكو إليك اللهم تلهفي على ما يفوتني من الدنيا، وانقيادس في طاعة الهوى، جاهلاً بحقك، ساهياً عن واجبك، ناسياً لما تكرر من وعظك
وإرشادك، وبيانك وتنبيهك، حتى كأن حلاوة وعدك لم تلج أذني، ولم تباشر فؤادي، وحتى كأن مرارة عتابك ولائمتك لم تهتك حجابي، ولم تعرض كل أوصابي. إلهي، إليك المفر من دار منهومها لا يشبع، ومسهومها لا ينقع، وطالبها لا يرتع، وواجدها لا يقنع، فالعيش عندك رقيق، والأمل فيك تحقيق.
اللهم كما ابتليت بحكمتك الخفية التي أشكلت على العقول، وحارت معها البصائر، فعاف برحمتك اللطيفة التي تطاولت إليها الأعناق، وتشوفت نحوها السرائر. اللهم واجعل طريقنا إليك أمماً، ونجنا من الشيطان الرجيم، وخذ معنا بالفضل الذي هو إليك منسوب، وعنك مطلوب، وافطم نفوسنا من رضاع الدنيا، والطف بنا بما أنت له أهل، إنك على كل شيء قدير.
اللهم قدنا بأزمة التوحيد إلى محاضر طاعتك، واخلطنا بزمرة المخلصين لذكرك، واجعل إجابتك لنا من فضل ما تفضل بكرم عفوك، ولا تجعل خيبتنا عليك من قبل جهلنا بقدرك، وإضرابنا عن أمرك، فلا سائل أفقر منا، ولا مسؤول أجود منك. اللهم احجز بيننا وبين كل ما دل على غيرك بلسانك،
ودعا إلى سواك ببرهانك. اللهم انقلنا عن مواطن العجز مرقياً إلى شرفات العز، فقد استحوذ الشيطان، وخبثت النفس، وساءت العادة، وكثر الصادون عنك، وقل الداعون إليك، وذهب الراعون لأمرك، وفقد الواقفون عند حدودك، وخلت ديار الحق من سكانها، وبيع دينك بيع الخلق، واستخزئ بناصر مجدك، وأقصي المتوسل بك.
اللهم فأعد نضارة دينك، وأفض بين خلقك بركات إحسانك، وامدد عليهم ظل توفيقك، واقمع ذوي الاعتراض عليك، واخسف بالمقتحمين في دقائق غيبك، واهتك أستار الهاتكين لستر دينك، والقارعين أبواب سرك، والقائسين بينك وبين خلقك.
أسألك اللهم أن تخصني بإلهام أقتبس الحق منه، وتوفيق يصحبني وأصحبه، ولطف لا يغيب عني ولا اإيب عنه، حتى أقول إذا قلت لوجهك، وأسكت إذا سكت بإذنك، وأسأل إذا سألت بأمرك، وأبين إذا بينت بحجتك، وأقرب إذا قربت يتأنيسك، وأبعد إذا بعدت بإجلالك، وأعبد إذا عبدت مخلصاً لك، وأموت إذا مت منتقلاً غليك. اللهم فلا تكلني إلى غيرك، ولا تؤيسنس من خيرك.
هذا - أبقاك الله - الجزء الرابع، وبالله ألوذ من شيء آتيه مجتهداً في نيل مدحك، ثم أستحق به غاية خجرك. وإنما رققت هذه الرقة لأن هذا الجزء قد
استهدفت فيه لثلب الثالب، وعتب العاتب، لما فيه من النوادر الملهية، والألفاظ السخيفة، والمعاني المهجورة، وإن كان في أثناء ذلك وخلاله، من الحكم البالغة، والحجج الدامغة، والألفاظ الحرة، والمرامي البعيدة، ما يلزمك معه أن تهب إساءتي لإحساني، وتتغمد خطائي لصوابي؛ ولئن كانت السيئات يحبطن الحسنات، إن الحسنات يذهبن السيئات. فهذا عذري وهذاك عتبك، ومتى تجاذبنا أهدابهما، وتنازعنا أسبابهما، كان لنا مقال ومجال، لتصرف التأويل بين دعواي وبينتك، واعتراض الاحتمال عن شبهتي وحجتك. على أني لو رأيت للبيان سوقاً، وللعلم أهلاً، وللحكمة طلاباً، وللأدب محبين، وللعلم مقتبسين، أنفت من هذا الاعتذار، وانصرفت عن هذا التزوير، لأني ما جمعت لك في هذا الكتاب إلا ما اجتناه من عقله أكبر من عقلي، واختياره أبلغ من اختياري، ونقده أحسن من نقدي، وذيله في التجارب أطول من ذيلي، وإنما لي ما تلقطته من أقوالهم بعد التحرير والتقرير، وبين التكرير والتفسير، ولم أنفرد فيه إلا برسالة أشرت بها على تقصيري عند من إن كان أكثر أدباً مني فإنه يوفيني حقي، ثم يأخذ بيدي متفضلاً علي.
وإنما مددت جناح هذا الفصل لأنني سمعت بعض من ليس له من العلم إلا الدعوى يقول: وما في جمع ملح الناس ونوادرهم من علامة الفضل، ودلالة الأدب، وصواب الاختيار حتى يقال: ما قصر أبو حيان في كتاب البصائر:
نقد واختار، ونقل وامتار، واعترض وطالب، ودعا ورقق، واعتذر وقرب، واحتج وانتصر، ومن هذا الذي يعجز عن مثل هذا، بل من هذا الذي لا يزيد عليه ولا يأتي بخير منه؟
واعلم - فديتك - أن هذا الكلام لا يولده إلا حسد بعد معرفة بحسن العيب، أو جهل قبل استشفاف الغيب، وأي ذلك كان، فما لي في ورده أرب، ولا لي على فاعله سلطان. بلى، أسأل المنصفين من الأدباء، والمبقين على الإخوان، أن يذكروني بصواب ما أصبت فيه منه قبل أن يذكروني بخطأ ما أخطأت فيه. ولعلهم إذا افتحوا هذا الباب، وتتبعوا هذه المعاملة، أن يشغلهم الأول عن الثاني، ويحملهم على حسن الضمير، وجميل القول، ولسان الصدق، ومحمود الثناء؛ على أن الخصم متى كان الهوى مركبه، والعناد مطلبه، فلن تفلح معه، ولو خرجت اليد بيضاء وانقلبت العصا حية؛ وإذا كنت عندك أيها القارئ المنصف، والناظر المتعرف على ما يحسن بك، فما أبالي أن يفوتني ما أحبه لنفسي، لأن هواي يخدم هواك، وطاعتي تطلب رضاك، ومن واصل حبيبه أين يجد العاذل فيه موقعاً؟ وبعد، فاعلم - أي على رغم الحاسد - أن هذا الجزء قد اجتمع على
محاسن تهليك عن السماء إذا ازدانت بمصابيحها، وعن الأرض إذا اقتانت بقيصومها وشيحها، فإنها مواريث عقل ممدود الشعاع على الأولين والآخرين، والعقل به يصح الصحيح ويسقم السقيم، وبمفارقته يهلك الهالك ويجور السائر، فإن كان قد امتزج بهذه المحاسن ما خالف منوال العقل، ونسيج الحق، فذاك لتتبين به حسن الحسن، وقد قيل: والشيء يظهر حسنه الضد؛ وهذا كله، وإن كان منظوماً في سلك واحد، فإن العاقل يميز الطيب من الخبيث، والحق من الباطل، والهزيل من الجد، ويتحلى بالأحسن، ويتخلى من الأقبح، ولو لم يكن جمهوره معروضاً عليه، ولا جمعه مسوقاً إليه، لخيف أن يكل مع أحد الضربين، ويثقل مع أحد الحزبين، فقد لوطف هذا الإنسان وهو لا يدري، وقد يرضى المرء وهو كاره، ويصنع للإنسان وهو عائب، وهل لرضى أنشأه التجني مدى يبلغ، أو غاية تدرك، أو آخر يعلم؟ دع - أيدك الله - هذا كله، فلو هديت لرشدي ما أطعت الهوى وخضت في هذه الخطبة التي لا عائدة لها ولا فائدة فيها، وخذ فيما أخصك به مرشداً، وألقيه إليك ناصحاً، وأباثك به متعللاً: اعلم أنا في دهر الإحسان فيه من الإنسان زلة، والجميل غريب، والخير بدعة، والشفقة ملق، والدعاء حيلة، والثناء خداع، والأدب مسألة، والعلم شبكة، والدين تلبيس، والإخلاص رياء، والحكمة سفه، والقول هذر، والإطراق ترقب، والسكوت نفاق، والبذل مكافأة، والمنع حزم، والإنفاق
تبذير. فانج بنفسك إلى الله الذي يحرسك وأنت حالم، ويستأنيك وانت ظالم، ويدعوك إلى حظك وأنت شامس، ويعطفك على مصلحتك وأنت حائس، ويطلف بك وأنت عائف، ويؤمنك وأنت خائف، ويهديك وقد ضللت، وينعضك وقد زللت، ويقويك وقد كللت، وينشطك وقد مللت، أفيجحد من هذا إحسانه، أم يجفى من هذا نظره، أم يهرب عمن هذا عطاؤه، أم يستزاد من هذا ابتداؤه، أم تعشق الدنيا جهلاً بمن هذا معروفة؟ لا والله، ولكن لج بهذا الإنسان طغيانه، وأرخة في يده عنانه، فجرى طلق الجموح، ثم أن أنين المجروح، حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً.
فخذ أيها السامع حذرك، واعلم أن ربك بالمرصاد، وأنت منه على ميعاد، واعلم أن أخذه أليم شديد، وإنما يملي لك لتزداد إثماً، ويستدرجك من حيث لا تعلم. وإذا ولج هذا الكلام سمعك، ووقر في صدرك، وتغلغل في فؤادك، وبلغ حاشية روحك، فاندب نفسك، وابك أيامك، وتلهف على ماضي عمرك، وكفكف عبرات عينك، واخل بشجوك وأشجانك، وأبك على تفريطك، فإذا قضيت من ذلك كله وطرك، فعسى الله أن يراك فيعذرك.
ثم ابدأ قبل كل دقيقة وجليلة بطي الأمل وتقصيره، واقمع غربة بحلول الأجل وتكديره، واعلم أنك متى ظفرت من أملك بالقصور، انتظم أمرك، ورجي خيرك، وكان الله كافلك وناصرك؛ ثم ثن تقصير الأمل ببعض الدنيا، ومقت ما زينها في عينك، وحلاها في نفسك، وخبل عليها سلطان عقلك، وغض دونها طرف يقينك؛ ثم ثلث بهجران المتشاغلين عن مهلك، والمزينين لشهوتك، والمتناولين في مرادك، فإن الناس لم يؤتوا في دنياهم إلا من الناس، إن الناس شر من الأفاعي والجرارات والعقارب والسباع. ومتى أحببت أن تعرف
حقيقة ما أقول، عرفت عن كثب بلا تعب. ولقد ذكرت في هذا المكان مسألة جرت بحضرة فاضل حضرته فوعيتها، ولعلها تقتضي مكانها من هذا الموضع، فتعلم أن السلامة من السباع الضارية والأفاعي العادية أكثر:
رأيت رجلاً سأل أبا عبد الله الطبري عن الحكمة في خلق الله تعالى الحية والعقرب والأسد، مع ما فيها من الضرر الظاهر والأذى القاهر، فقال أبو عبد الله: حدثني أيها الرجل مذ كم لسعتك عقرب أو لدغتك حية أو افترسك أسد؟ قال: ما أذكر شيئاً من هذا مذ كنت، قال: فمتى عهدك بمن عابك واغتابك، وسبعك وكتم محسانك، ونشر إساءتك، وسعى في هلاكك، وعزم في تلفك، وبذل على فنائك، وسهر في عطبك؟ قال: أقرب عهد، قال: فإن كنت عرفت الحكمة هناك فسقها إلى مسألتك، وإن كنت جهلتها هناك وسلمتها لخالقك فاجهلها هنا وسلم لخالقك. ثم اقبل على السائل فقال له: الدين النصيحة؛ إياك أن تقول فيما بث الله في العالم، وخزنه في هذا الفلك، وطواه من هذا الخلق: لم وكيف؟ فإنك توكل فيه إلى نفسك، وتعجز عن حقيقة ما استأثر به العالم بك؛ فسكت الرجل.
أتيت بهذا الحديث توكيداً لما سلف في ضمن الكتاب، فانتبه لما أوعيتك وأوحيت إليك؛ نعم، واعلم أن الرابعة فيها تمام الوصية: الزم العلم على هدي الصالحين، فلن يخليك الله من يده، ولا أخلاك من رفده إن شاء الله.
قال سيبويه: زعم الخليل أن الذين قالوا: الحسن والحارث والعباس إنما أرادوا أن يجعلوا هو الشيء بعينه، ولم يجعلوه سمي به، ولكنهم جعلوه كأنه وصف له غلب عليه، ومن قال: حارث وعباس فهو يجريه مجرى زيد، وأما ما لزمته الألف واللام ولم يسقطا منه فإنما جعل الشيء الذي يلزمه ما يلزم كل واحد من أمته؛ فأما الدبران والسماك والعيوق وهذا النحو فإنما يلزم الألف واللام من قبل أنه عندهم هو الشيء بعينه. فإن قال قائل: أيقال لكل شيء صار خلف شيء دبران، ولكل شيء عاق عن شيء عيوق، ولكل شيء سمك وارتفع سماك؟ فإنك قائل له: لا، ولكن هذا بمزلة العدل والعديل، فالعديل ما عادلك من الناس، والعدل لا يكون إلا للمتاع وغيره، ولكنهم فرقوا بين البناءين ليفصلوا بين المتاع وغيره، ومثل ذلك: بناء حصين وامرأة حصان، فرقوا بينالبناء والمرأة، وإنما أرادوا أن يخبروا أن البناء محرز لم لجأ إليه، وأن المرأة محرزة لفرجها. ومثله الرزين من الحجارة والحديد، والمرأة رزان، فرقوا بين اما يحمل وبين ما ثقل في مجلسه فلم يخف، وهذا أكثر من أن أصفه لك في كلام العرب. وقد يكون الأسمان مشتقين من شيء والمعنى فيهما واحد، وبناؤهما مختلف، فيكون أحد البنائين مختصاً بشيء دون شيء ليفرق بينهما، فكذلك هذه النجوم اختصت
بهذه الأسماء وكل شيء جاء قد لزمه الألف واللام فهو بهذه المنزلة، وإن كان عربياً نعرفه ولا نعرف الذي اشتق منه؛ وإنما قلنا ذلك لأنا جهلنا ما علم غيرنا، أو يكون الآخر لم يصل إليه علم وصل إلى الأول المسمي؛ وبمنزلة هذه النجوم الأربعاء والثلاثاء، وإنما يريد الرابع والثالث، ولكها أخبارها كأخبار زيدوعمرو.
لما نزل بهشام بن عبد الملك الموت جعل ولده يبكون حوله فقال: جاد هشام عليكم بالدنيا وجدتم عليه بالبكاء، وترك لكم ما جمع وتركتم عليه ما اكتسب، ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر الله له!! قال يحيى بن اليمان؟ رأيت رجلاً بات أسود الرأس واللحية شاباً ملء العين، فنام ليلة فرأى في منامه الناس قد حشروا، وإذا بنهر من لهب النار، وإذا بجسر يجوز الناس عليه يدعون بأسمائهم، فإذا نودي الرجل أجاب فنجا أو هلك؛ قال: فدعي باسمي فدخلت في الجسر، فإذا كحد السيف يمور بي يميناً وشمالاً، قالك فأصبحت أبيض الرأس واللحية.
قال بعض السلف: الحسن الخلق قريب عند البعيد، والسيء الخلق بعيد عند أهله.
قال بزرجمهر: في البطيخ عشر خصال: هو ريحان، وتحية، وفاكهة، وأدم مقنع، وخبيص مهيأ، ودواء للمثانة، وغسل للغمر والزهومة، ومذهب لرائحة النورة عند الاستحمام، وكوز لمن عسر عليه آله الشراب، وهاضوم للثقيل من الطعام.
قال عبد الرحمن بن سمرة: كنا عند النبي ﷺ فقال: رأيت البارحة عجباً، رأيت رجلاً من أمتي أتاه ملك الموت ﵇ ليقبض روحه فجاءه بره بوالديه فمنعه منه؛ ورأيت رجلاً من أمتي قد سلط عليه
عذاب القبر فجاء ضوءه فمنعه منه؛ ورأيت رجلاً من أمتي قد احتوشته الشياطين، فجاءه ذكر الله تعالى فخلصه منهم؛ ورأيت رجلاً من أمتي يلهث عطشاً، كلما ورد حوضاً منع منه، فجاءه صيام رمضان فأرواه منه؛ ورأيت رجلاً من أمتي، والنبيوت حلقة حلقة، كلما أتى حلقة طرد، فجاءه اغتساله من الجنابة فأخذ بيده وأجلسه إلى جنبي؛ ورأيت رجلاً من أمتي بين يديه ظلمة ومن خلفه ظلمة وعن يمينه ظلمة وعن شماله ظلمة وهو يتسكع في الظلمة، فجاءه حجه وعمرته فأخرجاه من الظلمة وأدخلاه النور؛ ورأيت رجلاً من أمتي يكلم المؤمنين ولا يكلمونه، فجاءت صلة الرحم فقالت: يا معشر المؤمنين كلموه، كان واصلاً لرحمه، فكلمه المؤمنون وصافحوه فكان معهم؛ ورأيترجلاً من أمتي يتقي النار وشررها بيده ووجهه، فجاءته صدقته فكانت ظللاً على رأسه، وستراً على وجهه؛ ورأيت رجلاً من أمتي قد أخذته الزبانية من مكان، فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر فخلصانه من بينهم، وجعلاه مع ملائكة الرحمن؛ ورأيت رجلاً من أمتي جاثياً على ركبتيه، بينه وبين الله تعالى حجاب، فجاءه حسن خلقه فأخذ بيده وأدخله على الله ﷿؛ ورأيت رجلاً من أمتي قد هوت صحيفته قبل شماله، فجاءه خوفه من الله ﷿ فأخذ صحيفته فجعلها في يمينه؛ ورأيت رجلاً من أمتي قد خفت مزازينه، فجاء القرآن فثقل موازيته؛ ورأيت رجلاً من أمتي قائماً على شفير جهنم، فجاءه رجاء الله فاستنقذه؛ ورأيت رجلاً من أمتي قائماً على الصراط يرعد كما ترعد السعفة في
يوم ريح عاصف، فجاءه حسن ظنه بالله ﷿ فسكنت رعدته ومضى على الصراط؛ ورأيت رجلاً من أمتي يزحف أحياناً ويحبو أحياناً ويتعلق أحياناً، فجاءت صلاتهفأقامته على قدميه ومضى على الصراط؛ ورأيت رجلاً من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة، كلما انتهى إلى باب منها أغلق دونه، فجاءت الشهادة - شهادة أن لا إله إلا الله - صادقاً من نفسه ففتحت له الأبواب فدخل فيها.
هكذا أصبت هذا الحديث والثقة رواه لي، وما أحي لأحد أن يسرع لرد مثل هذا، فإن العقل لا يأباه والتأويل لا يعجز عنه، وهو محمول على المثل، وفي المثل إيضاح المعاني في النفس، وأفشارة إليها بقوة الحدس، ومتى أحب السامع أن ينتفع به لم يضره وهي الإسناد وتهمة الرواة، وإنما عليك قبول ما لا ينتفي من العقل، ويستمر على حكم العدل، ويلائم أساس الشريعة ومبنى الدين. ألهمنا الله تعالى الحق، واستعملنا بالصالح من العلم، إنه قدير منان.
شاعر هجا ابن الزيات فقال:
ألم تر كيف استدار الفلكفبعض تعالى وبعض هلك
فأضحى نجاح به عالياًوأخزى الإله ابن عبد الملك
بكى الزيت والرطل حزناً لهوكانا يتيهان لما ملك
يقال إن معلم أنو شروان ضربه يوماً بلا ذنب، وكان يأخذه بأن
يمسك الثلج في يده حتى تكاد كفه تسقط، فآلى أنو شروان إن ملك ليقتلنه، فلما ملك هرب مؤدبه، فجعل له الأمان، فأتاه فقال: لم ضربتين ظلماً؟ قالك لتعرف حقد المظلوم إذا ظلمته، قال: أحسنت، فالثلج الذي كنت تعذبني به؟ قال: ستعرف ذلك. فغزا أنوشروان بلنجر فأصبحوا في غداة باردة فلم يقدر أصحابه على توتير قسيهم، فوترها لهم وقاتل وظهر، فعرف ما أراد مؤدبه.
قال كشاجم في كتاب أدب النديم: كان ينادم إساحاق بن إبراهيم جوهري من جلة التجار ووجوههم، حتى خص به ولطفت منزلته عنده، ولم يكن احد يتجاوزه، وكانت فيه آلة ومعه أدب يستحق به الحظوة؛ قالك وإنه لمعه ذات يوم والكأس محثوثة والستارة منصوبة، إذ وصف للمتوكل فص كبير جليل القدر منقطع الشبيه كان قد وقع إلى هذا الجوهري، فورد توقيعه إل إسحاق بإحضار الرجل ومطالبته بالفص ومناظرته بالثمن. فلما نظر في التوقيع دعا بالجلادين والسياط، وأمر بتجريد الرجل فقال: أيها الأمير ما قصتي؟ فلم يذكر شيئاً حتى نصبه بين العقابين، فكاد السوط أن يأخذه، فلما علم انه قد رهب، ولحقه من الرعب والهيبة ما أنساه
الدالة والندام قال له: فص عندك من حاله وقصته كيت وكيت، قال: أحضره، فليأمر الأمير بإطلاقي حتى آتي به، قال: لا سبيل إلى ذلك، فدعا بداوة وقرطاس وكتب هو في احال إلى ثقته في منزله، وتقدم إليه بالتوجيه بالفص، فأحضره، وجعله إسحاق في منديل، وختم عليه وانفذهخ، ثم قام بنفسه إلى الرجل فتولى حل وثاقه بيده واعتنقه، وخلع عليه من فاخر كسوته وقالك لم يكن يجب في حق السلطان إلا ما رأيت، ولو لم أفعل ما فعلته لما أمنت دالتك، ولا كنت أراك تخرجمثل هذه العقدة النفسية، وكان يلحقني من إنكار أمير المؤمنين ما يفسد حالي وحالك، فسكن الرجل إلى عذره وقبله، وجرى معه على أجمل عادته.
قال العتبي عن ابنعيينة: كثل أصحاب رسول الله ﷺ مثل العيون، ودواء العيون ترك مسها.
قال عبد المهيمن بن عباس بن سهل عن أبيه عن جده قال: كان أبو بكر وعمر ﵄ حلتي رسول الله ﷺ يتزين بهما في يوم عيد أو وفد إن قدم عليه: أبو بكر عن يمينه، وعمر عن شماله، ﵄.
قال أبو حازم، قيل لعلي بن الحسين ﵄: كيف كانت منزلة أبي بكر وعمر ﵄ من رسول الله ﷺ؟ قال: كمنزلتهما اليوم وهما ضجيعاه.
قال أبو العيناء: حدثني حجاج بن نصير قال: سمعت إبراهيم بن عبد الله بن حسن في يوم عيد يخطب فقال: اللهم إن هذا يوم أنت ذاكر فيه آباء بأبناء بآباء، فاذكرنا عندك بمحمد ﷺ.
سمعت الناشئ سنة ثمان وخمسين وثلاثمائة وقد قيل له: ما تقول فيما ترويه الناصبة من قول علي ﵁ أنه قال على منبر الكوفة: خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر، فقال: الخبر صحيح، فاشرأب الناس إليه، وتريثت أنا أيضاً متعجباً، فقال الناس: زد ي البيان، قال: نعم، إنما أشار إلى هذه الأمة الضالة الفاسقة المرتدة، وكان أبو بكر خير هؤلاء ولم يكن خير من
عرفتم، فاستحسن أصحابه هذا التأويل وهشوا له.
لعن الله من سب أصحاب محمد رسول الله ﷺ.
قال عمرو بن مسعدة لابن سماعة التيمي: صف لي أصحابك، قال: ولا تغضب؟ قال: لا، قالك كانوا يغارون على أفخوان كما تغارون على القيان.
وقال أبو العيناء، حدثنا أبو زيد عبد الرحمن بن سليم عن أبه عن جده قال: قدم عمر بن الخطاب ﵁ الشام ومعه عبد الرحمن ابنعوف أو عبيدة وهما على حمارتين قريبتين من الأرض، فتلقاهما معاوية في كبكبة حسناء، فثنى وركه فنزل وسلم بالخلافة، فلم يرد عليه، فقال عبد الرحمن أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين أحضرت الفتى فلو كلمته، قالك إنك لصاحب الجيش الذي الذي يقدمك؟ قالك نعم، قالك مع شدة احتجابك ووقوف ذوي الحوائج ببابك؟ قال: أجل، قال: ولم ويلك؟ قال: لأنا
ببلاد يكثر فيها جواسيس العدو، فإن لم نتخذ العدو والعديد استخف بنا وهجم على عورتنا، وأنا بعد عاملك فإن وقفتني وقفت، وإن استزدتنس زدت، وإن استنقصتني نقصت، قال: والله لئن كنت كاذباً إنه لرأي أريب، ولئن كنت صادقاً إنه لتدبير مصيب؛ ما سألتك عن شيء قط إلا تركتني في أضيق من رواجب الفرس؛ لا آمرك ولاأنهاك. فلما انصرف قال أبو عبيدة أو عبد الرحمن: لقد أحسن الفتى في إصداره إصدار ما أوردت عليه، قال: لحسن إصداره وإيراده جشمناه.
قال العتبي: سمعت أبي يقول: سئل شريك عن النبيذ، فقال: اشرب منه ما وافقك، ودع ما جنى عليك، وذمه إذا ذم الناس، ولا تنصره فبئس المنصور والله.
قال ابو العيناء، حدثنا محمد بن عائشة عن أبيه عن ابن عباس أنه قال: كانت ضربات علي مبتكرات ليس فيهن عوان.
وقال العتيبي: تحدث شريك بن عبد الله يوماص في دار المهدي
بفضائل علي بن أبي طالب ﵁ فأكثر، فلما قام قال له رجل من الكوفيين: يا أبا عبد الله، جئت اليوم بالدر بهذه الأحاديث، قال: وكيف لا أحدث عن رجل كان يشبه بعمر بن الخطاب ﵁؟ فقال الكوفي: عجبت أن تأتي بخير.
قال كشاجم: كان عيسى بن جعفر الهاشمي يطيب نفسه بشيء قبل مواكلة الرشيد، فكان الرشيد يلسه عليه ويذمه منه ويبكته به، فمن ذلك أنه قال في بعض العشيات لجماعة من جلسائه: قد اشتهيت أن آكل في صبحة غد هريسة، وتقدمت باتخاذها وألا يختلط بها غيرها، فاعلموا على البكور، وأجمواشهواتكم ووفروها على الهريسة. وكان بعضهم ملازماً لعيسى خاصاً به، فغلس إلى منزله ليركب معه، ولم يكن يحجب، فتنكر له الحاجب ورام محاجزته عن الدخول، فدفع في صدره ودخل، فألفى عيسى جالساً بن يديه بقية من شمعة قد ملأ سيلانها الطست، وطبق كبير عليه طيفوريتان عظيمتان إحجاهما مملوءة من الهريسة وفي الأخرى ثلاث غضارات صينية فيها مري ودار صيني وفلفل ورقاق ملطف لا يفضل عن الكف، وهو يأخذ الرقاقة فيملؤها ثم يمرها على تلك الغضارات ويزدردها؛ قال، فقلت
له: أنسيت - أعزك الله - ما اتفقنا عليهعند أمير المؤمنين؟! قال: لا تعجب فهذه الطيفورية الثالثة؛ فأمسكت يده وجذبت الطبق فاخرته، وأجبرته على غسل يده، وركبنا فوافينا الرشيد على حصيرة الصلاة حين انثنى من صلاته وهو يستتم تسبيحه، وروائح الهريسة قد ملأت الدار، فقال: لقد أبطأتما، ودعا بالطعام فأحضر، فاندفع عيسى يأكل كأنه لم يأكل شيئاً منذ أيام، فلم أتمالكأن ضحكت، فقال أمير المؤمنين: مم ضحكت؟ فقلت: لخبر عيسى، فقال: هاته، فقلت: كان منأمره كيت وكيت، قال: أتراني أشك في أنه يفعل ذلك؟ لو لم يأكل قبلنا لأكلني وأكلك.
وقال كشاجم: وأخبرت عن قاضيين ظريفين من آل حماد، وكانا متجاورين، أن أحدهما وجه إلى الآخر في غداة باردة يدعوه إلى أكل الهريسة ويقول: إنها قد أحكمت ف التنور منالليل، فرد الرسول وقال: قل له قد عققتني ولم ترد بري لأن حكم الهريسة ان يدعى إليها من الليل، فرجع الرسول فقال: ارجع فقل له: قد ذهب عليك الصواب، ليس كل الهوايس يسلم ويجي طيباً فلم أدعك إلا بعد أن تبينت طيبها وصلاحها، فنهض إليه.
وقال كشاجم: وحدثني رجل م أقاربي أنه كان يقوم في مجلس
الواثق في رسم نديم، وكان صغير السن دوين المراهق، فلم يكن لذلك يلحق فيالجلوس بمراتب ذوي الأسنان، وكان ذكياً مأذوناً له في الإفاضة مع الجلساء في كل شأن يخوضون فيه، ويتكلم بك لما سنح ويعتلج في صدره من مثل سائر وجواب مسرع، فقال الواثق يوماً - وكان من شدة الشهوة للطعام والنهم على الحالة المشهورة المتعالمة -: ما يختار من النقل؟ فبعض قال: نبات السكر، وبعض قال: رمان، وبعض قال: تفاح، وبعض قال: قصب السكر ينضح بماء الورد ويمص، وقال آخر وقد أخرجته الفلسفة إلى البغض: ملح نفطي، وقال آخر: صبر، تحققاً بمذاهب النبيذيين وتجلداً على سورة الشراب ومرارة النقل، فقال: ما صنعتم شيئاً، فما تقول أنت يا غلام؟ فقال: خشكنانج مشبر، فوافق ذلك إرادته وقرع به ما كان في قلبه، فقال له الواثق: أصبت وأحسنت، بارك الله عليك، فكان ذلك أول جلوسه.
قال أعرابي: الحرب مأيمة، أي تؤيم النسا، أي تجعلن أيامي. والأيم من النساء امراة لا زوج لها، وكذلك من الرجال: من لا امرأة له؛ فأما الأيم: الحية؛ وأما الأيام - مخففة - فالدخان على بيت النحل. وفي الدعاء: ما له آم وعام أي جعله الله تعالى بلا امرأة وأحوجه إلى اللبن، ويقال: عمتإلى اللبن أي اشتهيته؛ فأما عمت فمعناه سبحت.
قال شيخ م أهل الأدب: الاسم ينقسم ثلاثين قسماً، وهذه الأقسام خمسة عشر جنساً، كل جنس له ضد، وتعدادها انه ينقسم إلى: معرب ومبني، وظاهر ومكني، ومعرفة ونكرة، وإنسي ومبهم، وعربي
وعجمي، وذكر وأنثى، وممدود ومقصور، وعامل وغير عامل، ومشتق وغير مشتق، ومضارع وغير مضارع، ومعتل وصحيح، وزائد وناقص، ومنصف وغير منصرف، ومفرد ومضاف، ومدعم ومظهر؛ فهذه أقسام الأسم.
أنشدنا أبو سعيد السيرافي قال: أنشدنا أبو علي ابن الأعرابي لنفسه:
إذا كان الززير أبا الجمالومحتسب البلاد الدانيالي
عن الأيام عد فعن قليلترى اليام في صور الليالي
وأنشدنا أبو سعيد، قال أنشدنا أبو حفص ابن حمدون لابن عمه أب محمد ابن حمدون النديم: الوفار
خذوا مال التجار وسوفوهمإلى وقت فإنهم لئام
وليس عليكم في ذاك إثملأن جميع ما جمعوا حرام
وقال لنا أبو سعيد: كان ابن السراج يملي في مجلس كانت له في أيام الآحاد كتاباً أسماه المواصلات، فانتهى إلى ابب فيه ذم التجار، فأنشدته أنا بيتاص كنت سمعته من غيره وهو:
ما للتجار وللسخاء وإنمانبتت لحومهم على القيراط
فكتبه وجعله في الكتاب؛ هذا لفظ أبي سعيد.
قال محمد بن زكريا الطبيب في كتاب له: هل يكون حكيماً من وجد طريقين فسلك أبعدهما وأوعرهما؟ مع كلام طويل، وهذا إنما يشير به إلى ما فعل الله ﷿ بخلقه في هذه الدنيا بالتكليف والأخطار والتعريض، فأبجابه الحارث الوراق في كتاب أفرده لمناقضته بأن قال: نعم يجوز ذلك، ومثاله أنا قد نجد الحكيمما بيننا إذا كان ذا نعمة واسعة ومال كثير وقد يكون له الولد الذي لا يملك غيره والذي ليس له أحد أعز عليه من فيسلمه إلى التجار ليتعلم البيع والشراء، ويسلمه في الصرف ليتعلم النقد، في غير ذلك من الصناعات، فيلقحه في ذلك من النصب والتعب ما يجل عن الوصف، ويتجاوز حد المقدار، يريد بذلك ان يعلم ولده حفظ المال والقيام به لئلا يضيعه متى ملكه إياه فيفتقر، فإذا تعلم وتخرج فوض إليه أمره، ودفع إليهماله، وقد كان قادراً أن يدفع إليه المال من غير أ، يؤدبه ويخرجه ويتعهب ويؤدي، غير أنه يخاف أن دفعه إليه قبل التأديب ان يضيعه ويتلفه، ورجا أن يكون إذا دفعه إليه بعد التأديب ان يحفظه فيزول الفقر عنه، وتتسع عليه نعمته، فسلك به أوعر الطريقين وأطولهما وأشدهما شمقة، فكان بذلك حكيماً
غير سفيه، ومصيباً غير مخطئ، وهذا بين والحمد لله. هذا - أيدك الله - لفظ الحارث الوراق.
واعلم ان ابن زكريا والحارث الوراق جميعاً قد خبطا خبط عشواء، ودلاً على قلة المعرفة بأسرار افلهية وأحكام العبودية: أما ابن زكريا فمعترض، والعبد أحقر من أن يعترض على مولاه، وأما الحارث فمتكلف ما حط الله عنه؛ وبيان ما أقول أن الحارث أوضح المعنى الذي أدلى به خصمه بالمثال الذي نصبه، والمثال مردود الأوصل فاسد الأساس، لأن الوالد إنما سلك بودله أوعر الطريقين لعجزه عن سلوك الطريق السهل به، فكان الحزم عنده هذه يقتضيه عقله والنظر له بطباع رحمته أن يبلغ في اجتلاب مصلحته واكتساب منفعته غاية ما يقدر عليه، ويجد سبيلاً إليه، وليس هكذا الأمر في الله ﷿ وعبده، لأن الله ﷿ قادر على إيصال المنافع والمصالح إلى عبده من حيث لا ينصب عبده ولا يخاطر بنفسه، فإن توهم أنه لا يقدر فهذا هو الكفر الصريح، وإن قيل هذا مقدار ما يملكه وغاية ما أصلح العبد به صار العيان جاحداً لهذه الدعوى، والضرورة دافعة لهذه الحجة، فقد جاء م هذا التنقير ا، الوالد بحكم الشفقة بما تجد نفسه من الرقة في باب ولده لا يجد مزيداً على ما أقدم عليه، وما هكذا ربك، فإنه مالك كل شيء وقائم على كل شيء؛ فإذا كان اعتراض ابن زكرياتحكماً بمن استأثر بأحكامه واستبد بأسراره وأعمى عين القلب عن إدراك ما علا عليه وأحاط به، فقد باء بسخط من الله ومأواه جهنم، إلا أن ينزع عن هذه العقيدة، ويطمئن إلى الله ﷿ في صلاح ما جهله، وإتقان ما أشكل عليه؛ وهكذا يقال للحارث الوراق: أنت من أين لك أن أفعال الله الذي خلق الخلق مقيسة إلى أفعال الخلق؟ وأن الذي يستحيل ها هنا يستحيل هناك؟ ومتى أوحي إليك بأن تمثيلك وقيايك ونظرك ميزانت بين الله تعالى وبينك تزن به جميع
ما يبدو من إلهك وخالقك ومصورك ورزازقك؟ وإنما وهي ركن الدين وكثرت سنة المبتدعين بأمثالك الذين بسطوا ألسنتهم فيما طوى الله ﷿ عن ملائكته وأنبيائه وأوصياء أنبيائه وعن أحبابه وأصفيائ؛ إنك أيها الحارث لو ذقت حلاوة مناجاة إليهك، أو لو عرفت هول المطلع الغائب عنك، أو لو هبت سلطان ربك، لما فرغت نفسك للهذيان، ولا أعملت علمك بالظنون، ولا وقفت مع قال وقيل، إن لهذا لهو الإفك المبين والضلال القديم. خف الله ﷿ خوفاً يشغلك بتلافي ما سلف من سيئاتك، وإصلاح ما فسد من عمر، ودع عنك فإن كان كذا كان كذا، ولو جاز كذا جاز كذا؛ إن ابن زكريا لا ينهزم بتبكيتك، وإنك لا تصير إلى ما تهدى به في وجهك، فارجع عنه إذن إلى الله ﷿ الذي لو ناقشك الحساب، لا ستحققت العذاب، ودع محمد بن زكريا وضرباءه في غوايتهم فسيعلم الكفار لمن عقبى الدار.
قال أعرابي بفطرته وعنجهيته: لما كان الله تعالى عن حلى خلقه عاطلاً، كان القياس إليه باطلاً؛ صدق والله.
قال عبيد الله بن قيس الرقيات:
شطت رقية عن بلادك فالهوى متشاعب
وعدت نوى عنها شطون في البلاد وجانب
واستبدلت بي خلتيإن النساء خوالب
ولقد تبدلنا بهاحيا فأنعم راغب
إن البلاد معارفومصارف ومذاهب
دعها وقل في ما عناك وللخطوب نوائب
هل يبلغن بني ربيعة عن أخيهم راكب
ناج على قطريةهادي التعسف دائب
إني وفي الدهر الجديد عجائب وتجارب
بدلت بعد بني ربيعة والزمان يعاقب
جيران سوء بينهمشطر الزمان عقارب
يستأسدون على الصديق وللعدو ثعالب
وكذلك الأبدان منها نازح مقارب
والدهر فيه لمن تفكر عبرة وعجائب
إن يستطيوا يأكلوك وهم لديك أقارب
حاشا رجال فيهملأذى الصديق تحانب
إني امرؤ لايطبيودي الخليل الكاذب
حسن الخليقة والسجية ما استقام الصاحب
وهنأته سلمي وأعلم بعد كيف أحارب
نحن الصريح إذا قريش قام فيها الناسب
من سرها وأرومهاإذ للأروم مراتب
عندي لجام للرجال وعدة وكلالب
من ألقه في رأسهيلحح عليه القاتب
ويلن له ويسق إليهـ كما يساق الجالب
قال المبرد: كنت عند عيسى بن شيخ فاستأذنته فقال: حدثني بحديث حتى آذن لك فقلت: حدثنا شعيب بن صالح قالك تزوج رجل امرأة كسلانة، فكانت لا تنتف شعرتها ولا تحلقها كسلاً، وكانت تمسح يدها من كل شيء بشعرتها، فعجنت مرة عجيناً رقيقاً ومسحت يدها بشعرتها ونامت وشمت الفرأة رائحة العجين فجاءت فجعلت تأكل ما على شعرتها من العجين حتى شبعت ثم ذهبت، فلقيها الجرذ فقال لها: من أين جئت؟ قالت: يا أبا الأغر، من بيت الرخاء، قال: وما القصة؟ قالت: نام الطحان فأكلت من العجين حتى شبعت، قالك فدليني على الطريق، قالت: الزم هذه المحجة، فإلى أن بلغ الجرذ جف العجين على شعرتها، فجاء الجرذ ليأكل من الجعين فنتف منها شعرة، فضرطت، فولى الجرذ هارباً، فلقيته الفرأة فقالت: ما خبرك؟ قال: ويحك انتبه الطحان فرماني بالقفيز فكاد يدق ظهري، فضحك
عيسى وخلع عليه وضحكن جواريه خلف الستارة وقلن: اكتب يا أبا العباس حديث الطحان.
قيل لسائل كان يقرأ القرآن: ألا تستحي تسأل بالقرآن؟ قال: اسكتوا فوالله لو جتم كما أجوع لبعتم جبرائيل وميكائيل فضلاً عن القرآن.
وقف سائل على باب فقال: يا أهل الدار، فبادر صاحب الدار قبل أن يتم السائل كلامه فقال: صنع اله لك، فقال السائل: يا ابن اللخماء، أكنت تسمع كلامي عسى جئت أدعوك إلى دعوة.
وقف سائل على باب دار فقال: يا أهل الدار الصالحين، فقال صاحب الدار: أولئك بطرسوس، فقال السائل: يا طالبي ما عند الله، فقال صاحب الدار: أولئك خرجوا إلى مكة، فقال السائل: فمن أنتم يا بني القحاب؟! وقف أعرابي على باب فسأله فأجابه رجل: ليس هناك أحد، فقال السائل: إنك لأحد لو جعل الله فيك بركة.
قال الجماز: سمعت سائلاً يقول: من يعطيني قطعة حباً لهند حماة النبي ﷺ؟
قال، وكان آخر يقولك من يعطيني قطعة حباً للأمينين جبريل ومعاوية؟ قال ابن الروانيد: اختلف الناس في السماع، فأباحه قوم وحظره آخرون، وأنا أخالف الفريقين وأقول: هو واجب.
قال إسحاق الموصلي: مدار الدنيا على أربعة أشياء: على البناء والنساء والطلاء والغناء، وما سوى ذلك باطل.
سمع فيلسوف صوت مغن فاسد الضرب، خارج من الإيقاع، فقال لتلميذ له: يا بني، يزعم أهل الكهانة أن صوت البومة يدل على موت إنسان، فإن كان ما ذكروا حقاً فإن صوت هذا المغني يدل على موت البومة.
خرج بعض السكارى م مجلس ومشى في طريق فسقط وترع، فجاء كلب وجعل يلحس فمه وشفتيه والسكران يقول: خدمك بنوك ولا عدموك، ثم رفع الكلب رجله فبال على وجهه، فجعل يقول: وماء حار؟ بارك الله عليك.
روى أبو زيد في محالة لشاعر:
وإني لنار عند زينة أوقدتعلى ما بعيني من عشى لبصير
لقد زادني حباً لزينة أنهامقوت لأخلاق اللئام قذور
تقول بمعروف الحديث وإن تردسوى ذاك تذعر منك وهي ذعور
وقال أبو زيد: شربت سويقاً عفيراً أي غير ملتوت.
وأنشد أبو زيد:
وما أراك على أرجاء مهلكهتسائل المعشرالأعداء ما صنعا
وما رميت على خصم بفارقةإلا رميت بخصم فر لي جذعا
ما سد من مطلع ضاقت ثنيتهإلا وجدت سواء الصبر مطلعا
يقال: زبط أمر فلان إذا تضعضع ويقال: إني عنك لفي غفل وغفول عن هذا.
قال ابن عون: كنت إذا سمعت الحجاج يقرأ علمت أنه طالما درس كتاب الله تعالى.
وقال الشعبي: الذي يقرأ القرآن إنما يحدث عن ربه.
أنشد الأصمعي:
النصح أرخص ما باع الرجال فلاتردد على ناصح نصحاً ولا تلم
إن النصائح لا تفخى مناهجهاعلى الرجال ذوي الألباب والفهم
أنشد الأصمعي ليهودي:
إذا لم أزر إلا لآكل أكلهفلا رفعت كفي إلي طعامي
فما أكلة إن نلتها بغنيمةولا جوعة إن جعتها بغرام
قال الأصمعي: قال الحارث بن عوف بن أبي حارثة للنبي ﷺ: أجرني م لسان حسان، فلو مزج البحر لامتزج فحدثت به ابن عائشة فقال: يا ابن أخي، أوجعه قوله:
وأمانة المري حيث لقيتهمثل الزجاجة صدعها لا يجبر
قال المختار لرجل: ضع لي حديثاً عن رسول الله ﷺ أني كائن بعده خليفة ولك عشرة آلاف درهم، فقال الرجل: أما عن النبي ﷺ فلا، ولكن عن بعض الصحابة وأحطك في السعر.
ولم يذكر الأصمعي من هذا الرجل؛ ومن الطريف أنه استجاز الكذب على بعض الصحابة، ولو كان امتناعه من الحذب على غيره. وما أدري ما أقول ف هذا الفن من الناس، فقد ولله شانوا وجه الدين لأنك لا ترى إلا من أغرق في طلب النيا إمال بسيف قد سله، أو بلسان قد أطاله، أو رياء قد احتجنه، أو خبيئة قد اشتمل عليها؛ نسأل الله العياذ فقد عم البلاء.
قال القحذمي، قال ابن العرق: رأيت المختار مشتور العين
فقلت: من فعل هذا بك قطع الله يده؟ قال: ابن الفاعلة عبيد الله بن زياد، والله لأقطعن أنامله وأباجله، ولأقتلن بالحسين بن علي ﵄ عدد من قتل بيحيى بن زكريا عليهما سلام الله؛ ثم قال: يا ابن العرق، إن الفتنة قد ألقت خطامها وخبطت وشمست، ثم قال:
ورافعة ذيلهابدجلة أو حولها
قال الأصمعي: قيل لابن مضاء: فلان رأى في المنام كأنه يخطب على المنبر خصي، فقال: يقدم عليكم أميرعفيف الفرج.
وقال الأصمعي: كنت أسمع بهذا المثل: وعلى ألافها الطير تقع، فلم أفهمه حتى رأيت غرباناً تقع: البقع مع البقع، والسود معالسود، إلى ان رأيت أعرج قد سقط فجاءه آخر كسير الجناح فوقع إلى جنبه، فعلمت أن المثل ما ضاع.
قال الأصمعي: العرب تقول: الحسن أحمر.
وقالت أعرابية وهي تتحدث: والله لو رأيتني في شبيبتي لرأيتني أحسن من النار الموقدة.
وقال أبو العالية الشامي وذكر امرأة أخرجت إليه فقال: كا، ها والله نطفة عذبة في شن خلق ينظر غليها الظمآن فيالهاجرة.
قال فيلسوف: كما ا، البهيمة إنما تحسن من الذهب والفضة والجوهر بثقلها فقط ولا تحس بنفاستها، كذلك الكسلام إنما يحسن من أمر الحكمة بثقل التعب عليه ولا يحس بشرفها في نفسه.
قال الجماز: مررت بنجاد في قنطرة بردان، طويل اللحية وامرأة تطالبه بشيء لها عنده وهو يقولك يرحمك الله، متاعك جاف ويحتاج إلى حشو كثير، وأنت من العجلة تمشين على أربع.
قال جراب الدولة: كان بجوزجان إنسان طويل اللحية أصلع، فقال له ظريف من الظرفاء: ما أطول لحيتك!! قال: نعم إن ما ماءنا يكثر نبات الشعر ويقويه، قال: فلم لم يكن ذلك الماء مؤثراً في صلعتك؟ خذ يا هذا كفا واحداً واجعله على صلعتك.
ودخل حمصي على قحبة ومعه أرعبة دراهم، فسألها ان تترك عليه منها درهماً واحداً، فما فعلت فأعطاها وفجر بها، فلما خرج رأىمقلى في الدار فأخذها بيده وخرج، فصاحت المراة: ياأحمق، سخرتن بك ومل تضرني بشيء، فالتفت وقال لها: حين تقلين تدرين.
قال طفيل بن الأخرم:
فإن خف ما لي ازددت في خمتي غنىعن الناس والغاني بما نال قانع
وفي الصبر عما لم تنل لك راحةوفي اليأس مه للضراعة قاطع
ومن لا يزل يستتبع العين ما ترىلدى غيره يلق الردى وهو ضارع
وقال جراب الدولة: كان عندنا شيخ بسجستان معلم سخيف،
اجتزت به يوماً وهو يقول لصبي بين يده: اقرأ ياابن الزانية، فأخذت أوبخه فقالك اسكت قد نكت أمه مراراً.
قال: واجتزت به يوماً آخر وإذا هو يضرط للصبيان وهم يضحكون، قلت: ما هذا؟ قال: هؤلاء صبيان وقد ضاقت صدورهم من القراءة أضرط لهم قليلاً وأفرحهم ساعة.
قال الشاعر:
ألم تر سعد أننا فوق شاهديظل لأعنان السماء مناغيا
هذا البيت رويته بسبب أعنان السماء كأنه جمع عنن، فأما العنان فسحيبة متدلية دون السماء، ويقال أيضاً أعناء السماء أي نواحيها، كانه جمع عنو، كما تقول أحناء وحنو، وما سمعت العنو، وأما العنن فالمعارضة، والاعتنان الاعتراض، والعنان - بكسر العين - معروف: عنان الدابة؛ يقال: تشاركا شركة عنان، أي فيما عن لهما أي عرض؛ وأما العنة فحظيرة الشاء، والفقهاء يقولون العنة إذا أرادوا مصدر العنين، ذاك يقال فيه التعنين، وما أعرف مضارعته للباب الأول؛ فأما قول العامة المتشبهين بالخاصة: عن دابته فمردود ليس من كلام العرب، بلى، الذي يقال: عننت الدابة وأعنتها إذا جعلت لها عناناً.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤٠٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع