تجاوز إلى المحتوى

من «أخلاق الوزيرين» لأبي حيان التوحيدي (ت نحو ٤٠٠هـ)

أخلاق الوزيرين

الحمد لله رب العالمين، وصلواته على خير خلقه محمد وآله الطيبين.

أمتعك الله بنعمته عليك، وتولاّك بحسن معونته لك؛ وألهمك حمده، وأوزعك شكره، ومنحك صنعه وتوفيقه؛ وألبسك عفوه وعافيته، وأوصل إليك رأفته، وصرف رغبتك إلى ما خلص عندك نفعه عاجلاً، وحلَّت لك ثمرته آجلاً؛ وعرفك ما في الغيبة والفرة من الهُجنة والشناعة؛ وما في إظهار العيب والتنديد من العار والتباعة، وما في الإعراض عن أعراض الناس من السلامة والفائدة، وما في مباقاتهم ومقاربتهم والتوقير لهم من الراحة والعائدة، حتى لا تأتي ما تأتي إلاّ وأنت واثق بعاقبته ومرجوعه، ولا تدع ما تدع إلا وأنت محسوم الطمع من خيره ومردوده، وحتى لا تتكلف إلا ما في وُسعك وطاقتك، ولا تُكلّف

أحداً إلا ما له طريق إلى طاعتك وإجابتك، وعنده الحجة القوية في تقديم أمرك، والتلوِّي فيما يتحمّله لك ويتوخّى فيه مسرّتك، ويقصد به جَذَلك وغبطتك، ويصير بالصبر عليه من أوليائك وشيعتك، ولا يخرج معه إلى محادّتك ومخالفتك، لآمر يُعوز، وحادث يعرض، وعطنٍ يضيق، وبالٍ ينخزل، وطباعٍ تخور، وحاسد يطعن، وعدوّ يعترض، وجاهلٍ يتعجرف، وسفيه يتهانف، وصدرٍ يحرج، ولسانٍ يتلجلج؛ بل يتلقى أمرك بالقبول، وينشط لخدمتك بالتأميل ويرى أن ما يناله من رضاك فوق ما يبذل فيه جهده لك، وما يحرزه من ثوابك أضعاف ما يبرزه من كدحه عندك، وما ينجو به من عتبكواستزادتكيوفي على ما يتعلق بسعيه في مرادك، وما يعزّ به الثاني من إحمادك أردّ عليه مما يذل به في الأول من اقتراحك، وما يقوى به من اليقين والطمأنينة في كرامته عندك أكثر مما يضعف به من الترنّح والشك في بواره عليك.

وهذا باب يرجع إلى معرفة الأحوال إذا وردت مشتبهة مستبهمة، وعواقب الأمور إذا صدرت مستنيرة متوضّحة؛ وثمرة هذه المعرفة السّلامة في الدنيا والكرامة في الآخرة، وبهذه المعرفة يصحّ الصرف والموازنة، وتمييز ما اختُلف فيه مما اتُّفق عليه، وما ترجّح بين الاختلاف والاتفاق، ولم يقم عند الامتحان والنظر على ساق.

وهذه حال لا تستفاد إلا بقلة الرضا عن النفس، وترك الهُويني في التشاور والتخاير، ومُجانبة الوِكال كيف دار الأمر وأين بلغت الغاية.

وأنت - حفظك الله - إذا نظرت إلى الدنيا وجدتها قائمة على هذه الأركان ، جاريةً على هذه الأصول، ثابتة على هذه العادة؛ فكلّ من كان نصيبه من الكيس والحزامة أكثر، كان قسطه من النفع والعائدة أوفر، وكل من كان حظّه من العقل والتأييد أنزر، كانت تجارته فيها أخسر، وعاقبته منها أعسر.

وهذا الباب جماع المنافع والمضار، وبه يقع التفاوت بين الأخيار والأشرار، وبين السّفلة وذوي الأقدار؛ وهو باب ينتظم الصّدق

والكذب في القول، والخير والشرّ في الفعل، والحق والباطل في الاعتقاد، والعدل والجور فيما عمّ، والإخلاص واليقين فيما خصّ، والراحة والسلوان فيما بان ووضح، والقناعة والصبر فيما نأى ونزح؛ ومتى تمّت هذه المعرفة، واستحكمت هذه البصيرة، كان الإقدام على ثقةٍ بالظفر، والنكُّول عن اطلاع على الغيب.

وهذه معانٍ من أبصرها نقدها، ومن نقدها أخذ بها وأعطى، وكان فيها أنفذ من غيره وأمضى؛ وهناك يُحكم لبُعده بالغَوْر، ولصدره بالسعة، ولصيته بالطّيرورة، ولطباعه بالكرم، ولخلقه بالسهولة ولعوده بالصلابة، ولنفسه بالمُداراة، ولوجهه بالطّلاقة، ولبشاشته بالخلابة. ومتى عاشرت من هذا نعتُه وحديثُه نعِمْتَ معه، وسلِمْتَ عليه، وسعِدت به، وكرُمت لديه، وكان حظُّك من خلالته ومجاورته الغبطة به، والغنيمة بمكانه؛ وأنّى لك بمن هذا وصْفُه وخبره، ومَن لك بالمرء الذي لا بَعدَه، مع اضطراب دعائم الدُّنيا، وتساقط أركان الدين؟ والأول يقول:

وكيفَ التماسُ الدَّر والضَّرعُ يابسُ

وما لامرئٍ ممّا قضَى اللهُ مَزْحَلُ

وليسَ لرحلٍ حطَّهُ اللهُ حاملُ

إنّ البريءَ من الهَناتِ سعيدُ

وما خَيرُ سيَفٍ لم يُؤَبّد بقائمِ

تسلُّ ولكنْ أَينَ بالسَّيفِ ضاربُ

الله يَرزُقُ لا كَيْسٌ ولا حَمَقُ

والبَرُّ خيْرُ حقِيبَقةِ الرَّجُلِ

ولقد أجاد المخزوميّ أبو سعد في قوله:

اصطلحَ السائلُ والمسؤولُليسَ إلى مَكْرُمةٍ سبيلُ
للشاعر أبو سعد المخزومي، اقرأ القصيدة
غالَ بإِخوانِ الوَفاءِ غُولُكلُّ امرئٍ بشأْنِهِ مشغُولُ
للشاعر أبو سعد المخزومي، اقرأ القصيدة

وما أبعد الآخر حين يقول:

أَرى الناسَ شَتّى في النِّجارِ وإِن غَدَتخلائقُهم في اللُّؤْمِ واحدةَ النَّجْرِ
وقد زادَني عَتباً عَلَى الدّهر أنّنيعَدِمتُ الذي يُعدِي عَلَى حادِث الدَّهر

وهذا كثير، والدّاءُ فيه متفاقم، والقول عليه مُعادٌ مَمْلول.

فإن قلت: هؤلاء شعراء، والشعراء سفهاء، ليسوا علماء ولا حكماء، وإنما يقولون ما يقولون، والجشع بادٍ منهم، والطمع غالب عليهم، وعلى قدر الرّغبة والرّهبة يكون صوابهم وخطأهم؛ ومن أمكن أن يُزحزَح عن الحقّ بأدنى طمع، ويُحمَل على الباطل بأيسرِ رغبة، فليس ممَّن يكون لقوله إِتاء، أو لحكمته مَضَاء، أو لقدَرِه رِفْعة، أو في خُلُقه طهارة؛ ولهذا قال القائل:

لا تَصحبنَّ شاعراً فإِنّهيَهجوك مَجّاناً ويُطْرِي بثمَنْ

وهذا لأنه مع الريح، إن مالت به مال، يتطوّح مع أقلّ عارض، ويُجيب أوّل ناعق، ويَشيم أيَّ برقٍ لاح، ولا يُبالي في أي وادٍ طاح؛ فقد جمعَ دينه ومروئته في قَرَنٍ تهاوناً بهما، وعجزاً عن تدبيرهما؛ فهو لا يكترث كيف أجابَ سائلاً، وكيف أبطلَ مُجيباً، وكيف ذمّ كاذباً ومتحاملاً، وكيف مدحَ مُوارِباً ومُخاتلا. فلا تفعل، فداك

عمُّك، وشبّ ابنك، فإنّ رسول الله ﷺ قد قال: " إنّ من الشِّعرِ لَحُكما "، كما قال: " وإنَّ من البيانِ لَسِحْرا "، وكيف لا يكون كذلك وفيه مثل قول لبيد:

إن تَقوى ربِّنا خيرُ نَفَلوبإِذنِ الله رَيْثِي وعَجَلْ
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «إن تقوى ربنا خير نفل»

والشعر كلام وإن كان من قبيل النظم، كما أن الخطبة كلام وإن كان من قبيل النثر، والانتثار والانتظام صورتان للكلام في السَّمع، كما أن الحقّ والباطل صورتان للمعنى، وكذلك المثل في السمع، وليس الصواب مقصوراً على النّثر دون النظم، ولا الحقّ مقبولاً بالنّظم دون النّثر؛ وما رأينا أحداً أغضى على باطل النّظم واعترض على حق النّثر؛ لأنّ النّثر لا ينتقص من الحقّ شيئاً؛ وما أحسنَ ما قال القائل:

وإنّما الشعرُ لبُّ المرء يَعرِضُهعَلَى المجالس إن كَيْساً وإن حَمَقَا
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «وإنما الشعر لب المرء يعرضه»
وإنّ أَشعَرَ بيتٍ أنت قائلُهبيتٌ يُقال، إذا أَنشدتَه، صَدَقا
للشاعر حسان بن ثابت، من قصيدة «وإنما الشعر لب المرء يعرضه»

وهذا باب لا يفيد الإغراق فيه إلاّ ما يُفيد التّوسط والقصد، فلا وجه مع هذا للإطالة، ولَما يكون سبباً للملامة.

وهذه الجملة - أكرمك الله - أنت أحوجتني إليها ، وجشَّمتني صعبها حتى نَشبتُ بها قائماً وقاعداً، وتقلّبتُ في حافاتها مختاراً ومضطراً، وتصرّفتُ في فنونها مُحسناً ومُسيئاً، لما تابعت إليّ من كتابٍ بعد كتاب، تُطالبني في جميعه بنسخ أشياء من حديث ابن عبّاد وابن العميد وغيرهما ممّن أدركتُ في عصري من هؤلاء، منذ سنة خمسين وثلاثمائة إلى هذه الغاية، وزعمتَ أني قد خَبَرتُ هذين الرجلين من غمار الباقين، ووقفتُ على شأنهما، واستبنتُ دخائلهما، وعرفتُ خوافي أحوالهما، وغرائب مذاهبهما وأخلاقهما. ولَعمري قد كان أكثر ذاك، إما بالمشاهدة والصُّحبة، وإما بالسماع والرواية من البطانة والحاشية والنُّدماء وذوي المُلابسة.

وقلت: ينبغي أن تُضيف إلى ذلك ما يتعلّق به، ويدخل في طرازه ولا يخرج عن الإفادة بذكره، والاستفادة من نشره؛ فإن

ذلك يأتي على كل ما تتوق إليه النفس من كرم ولؤم، وزيادةٍ ونقص، وورع وانسلاخ، ورزانة وسُخف، وكَيْس وبَلَه، وشجاعة وجُبن، ووفاء وغدر، وسياسة وإهمال، واستعفاف ونطْف، ودهاء وغَفْلة، وبيانٍ ووعيّ، ورشادٍ وغيّ، وخطإٍ وصواب، وحِلْم وسفَه، وخلاعة وتمالُك، ونَزاهة ودَنَس، وفظاظة ورقّة، وحياء وقِحَة، ورحمة وقسوة.

وقلتَ: ولا يحلو موقع ذلك كله ولا يعذُب ورده، ولا يغزر عدُّه، ولا ينقاد السمع له، ولا يَراح القلبَ به إلا بعد أن تَدع المحاشاة وأنت مُقتدر، وتفارق المخاشاة وأنت مُنتصر، وإلا بعد أن تترك العدوَ والحاسد ينقدّان بغيظهما انقدادا، ويرتدّان على أعقابهما ارتدادا؛ فإنّ التَّقية في هذا الفنّ مَجْزعة مضْرعة، وركوب الرّدع فيه مأْثرة ومَفخَرة.

وقلتَ والعامة تقول: من جعل نفسه شاةً دقَّ عنقه الذئب، ومن صيّر نفسه نُخالةً أكله الدجاج، ومن نام على قارعة الطريق دقّته الحوافر دقّا، والكِبرُ في استيفاء الحق من غير ظلم، كالتواضع في أداء الحق من غير ذُلّ، وكما أن المنع في موضع الإعطاء حِرمان، كذلك الإعطاء في موضع المنع خذلان؛ وكما أن الكلام في موضع الصمت فضلٌ وهدر، كذلك السكوت في موضع الكلام لكنةٌ وحَصر، وكما أن القلوب جُبِلت على حُبّ من أحسن إليها، كذلك النفوس طُبعت على بُغضِ من أساء إليها؛ والجَبْلُ والطّبع وإن افترقا في اللفظ فإنهما يجتمعان في المعنى، وكما أن الحب نتيجة الإحسان، كذلك البغض نتيجة الإساءة، وكما أن المُنعم عليه لا يتهنّأ بنعمته الواصلة إليه إلا بالشُّكر لواهبها، كذلك المُساء إليه لا يجد بَرْدَ غُلَّته ولذّة حياته إلا بأن يشكو صاحب الإساءة، وإلا بأن يهجو المانع، ويذمّ المقصّر، ويثلُب الحارم ويُنادي على الخسيس الساقط، والنّذل الهابط، في كلّ سوق، وفي كل مجلس، وعند كل هزلٍ وجدّ، ومع كل شكل وضدّ؛ ميزانٌ عدْل، ووزنٌ بقسطٍ، ونصفة مقبولة، وعادةٌ جارية على وجه الدَّهر.

وقلتَ: ومَن وجع قلبه وجَعك، وألم علّته ألمك؛ وحُرم حرمانك، وخُيّب خيبتك، وجُرّع ما جُرّعته، وقُصد بما قصدت به، وعومِل بما شاع لك، قال وأطال، وكرّر وسيّر، وأعادَ وأبدى، وعرَّض وصرَّح، ومرَّض وصحّح، وقام وقعد، وقرّب وبعّد؛ وإنّ عيناً ترقد على الضّيم للعمى أحسن بها، وإن نفساً تقِرُّ على الخَسْف للموت أولى بها من حياتها.

وقلت: أما سمعت قول العاتب على ابن العميد في رسالته حين قال الحقّ له؟ قال: وليعلم المرءُ - وإن عزّ سلطانه، وعلا مكانه، وكثُرت حاشيته وغاشيته، وملَك الأعِنّة، وقاد الأزمَّة - أنه يُنْعَم له في الحمد على الحسن، والذم على القبيح، وأن المخوف يرتاب من ورائه

كما يقرَّع المأمون في وجهه، فأعلاهما حالاً أكثرهما عند التقصير وبالا.

وهذا بابٌ يعرفه من الناس مَن ساسَ الناس؛ وهذا الكاتب يُعرف بالأشَلّ.

وقلتَ أيضاً: ولست أسألك أن لا تذكر من حديثهما إلا ما كان جالباً لمقتهما، وداعياً إلى الزِّراية عليهما، وباعثاً على سوء القول والاعتقاد فيهما، بل تُضيف إلى ذلك ما قد شاع لهما وشُهر عنهما، من فضائل لم يَثْلُثهما فيها أحد في زمانهما، ولا كثير ممن تقدّمهما؛ فإنّ الفائدة المطلوبة في أمرهما وشرْح حديثهما، تأديب النفس واجتلاب الأنس، وإصلاح الخلق، وتخليص ما حُسن مما قبُح، وتسليط النظر الصحيح، مع العدل المحمود فيما أشكل واشتبه بين الحسن المطلق والقبيح المطلق، وقلتَ: ومما ينبغي أن لا تُغفله ولا تَذهب عنه، وتطالب نفسك بالتيقُّظ فيه، والتَّجمع له: باب اللفظ والمعنى في الصدق والكذب،

فإنّك إن حرّفت في هذا بعض التحريف، أو جزَّفت في ذاك بعض التجزيف، خرج معناك من أن يكون فخماً نبيلاً، ولفظُك من أن يكون حُلواً مقبولاً، لأنّ الأحوال كلها - في اصلاحها وفسادها - موضوعة دون اللفظ المُونق، والتأليف المُعجِب، وقُبل فاسد معناه لصالح لفظه! وقلتَ: وإنما نبّهتك على هذا شفقة عليك، وحرصاً على أن لا يكون لمُعْنتٍ وعائبٍ طريق إليك، وأنت - بحمد الله - مُستوصٍ لا تُحوج إلى تنبيه بعنف، وإن أحوجت إلى إذكار بلُطف؛ وقد كان البيان عزيزاً في وقت البيان، والنُّصح غريباً في وقت النُّصح، والدّين مُسترَفاً في وقت الدين، إذ الحكمة مُعانقةٌ بالصّدر والنحر، مُقبَّلة بكل شفةٍ وثغر، مخطوبة من جميع الآفاق، يُقرع من أجلها كلُّ باب، ويَحرق على فائتها كلُّ ناب، والأدب متنافس فيه، محروص على الاستكثار منه، مع شُعَبه الكثيرة وطرائقه المختلفة؛ والدين في عرض ذلك مَذبوب عنه بالقول والعمل، مرجوع إليه بالرِّضا والتسليم، مقنوع به في

الغصب والحِلم؛ فكيف اليوم وقد استحالت الحال عجماء، ومَلك الغنى والثّراء الرؤساء والعلماء، وقلّ الخائض فيما كسبَ زيادةً أو نفى نقيصة، وأورث عزّاً أو أعقب فوزاً.

وقلت:

وليكُن ذلك كله - إذا نشِطت له - مقصوراً غير مبسوط، أو بين المقصور والمبسوط، فإنه إن زاد على هذا التحديد طال، وإذا طال مُلّ، وإذا مُلَّ نُظر إلى صحيحه بعين السّقيم، وحُكم على حقّه بلسان الباطل، وتُخيّل القصدُ فيه إسرافاً، والعدلُ فيه جورا، وعند ذلك يحول عن بهجته ومائه، ورونقه وصفائه.

وجميع ما قلته - حاطك الله - وأتيت به، وسحبت ذيلك عليه، ورفلْت أعطافك فيه، قد سمعته وفهمته، وطويته في نفسي وبَسَطته، وجمعته بذهني وفرّقته، ونظمتُه عندي ونثرته؛ ولست جاهلاً به ولا ذاهلاً عنه، ولكن من لي بعتاد ذلك كله، وبالتأتّي له، وبالقدرة عليه، وبالسّلامة فيه إن فاتتني الغنيمة فيه؟ مع صدري الضيّق، وبالي المشغول ومع رُزوح الحال، وفقد النّصر، وسوء الجزع، وضَعف التوكّل؛ نعم!، ومع الأدب المدخول، واللسان المُلجلَج، والعلم

القليل، والبيان النّزر، والخوف المانع؛ وإنّي لأظنّ أن الطائع لك في هذه الخطة، والمجيب عن هذه المسألة، قليل التقّية، سيّء البقية، ضعيف البديهة والرويّة؛ لأنه يتصدّى لما لا يفي به، ولا يتسّع له، ولا يتمكّن منه؛ فإن وفى واتسّع وتمكّن لم يسلم على كثير ممن يقرأ كلامه، ويتصفّح أمره، ويقصّ أثره، ويطلب عثرته؛ لأنّ الناس في نشر المدح والذمّ، وفي بسط العذر واللّوم؛ على آراء مختلفة، ومذاهب متباينة، وأهواء مشتعلة، وعادات مُتعانِدة.

على أنّهم، بعد شدّة جدالهم وطول مِرائهم، رجلان: متعصّب لمن تذُمّه وتَعيبه وتَنثُّ القبيح عنه، فهو يغتفر له جميع ما يسمع منك، صادقاً كنت أو كاذباً، مُعرّضاً كنت أو مفصحاً.

أو مُتعصّب على من تمدحه وتُزكّيه وتُفضله وتُثني عليه، فهو يرُدّ عليك كلّ ما تدّعيه، مُحققاً كنت أو مُجزِّفاً، موضِّحاً كنتَ أو مُزخرفاً؛ ولذلك قال بعض علماء السلف الصالح: هما أمران مَثواك بينهما، راضٍ عنك فهو يمنحك أكثر مما هو لك، وساخطٌ عليك يتنقّصك من حقّك؛ فرُمَّ ما ثلَم الباغي بفضلة الراضي يعتدل بك الأمر؛

والشاعر قد فرغ من هذا المعنى وسيّره في قريضه المشهور المتداول حيث يقول:

وعينُ الرّضَا عن كل عيب كليلةٌولكنّ عينَ السُخط تُبدِي المساويا
للشاعر الإمام الشافعي، من قصيدة «وعين الرضا عن كل عيب كليلة»

على أن هذا الشاعر قد أثبت العيب وإن كان قد وصفه بكلول العين عنه، ودلّ على المَساوي وإن كان السُّخط مُبديها، وهذا لأنّ الهَوى مُقيم لابثٌ والرأي مجتاز عارض، ولا بدّ للهوى من أن يعمل عمله، ويبلغ مبلغه، وله قرار لا يطمئن دونه، وحدّ هو أبداً يتعدّاه ويتجاوزه، وله غُول تُضِلّ، وتمساحُ يبتلع، وثعبان - إذا نفخ - لا يُبقي ولا يذر، والرأي عنده غريب خامل، وناصحٌ مجهول.

وقال بعض الحكماء: فضل ما بين الرأي والهوى أن الهوَى يخُصُّ والرأي يعمّ، والهَوى في حيّز العاجل، والرأي في حيِّز الآجل، والرأي يبقى على الدّهر، والهَوى سريع البيُود كالزّهر، والرأي

من وراء حِجاب، والهَوى مُفتّح الأبواب ممدَّد الأطناب؛ ولذلك قال أيضاً بعض العرب، ويُقال هو عامر بن الظَّرِب: الرأيُ نائمٌ والهَوى يَقظان، فأرقِدوا الهوى بفظاظة، وأيقظوا الرأي بلطافة.

وقال الشاعر:

كم من أسير في يَدَي شَهواتِهِطفِر الهَوى منهُ بحَزْم ضائِع

وقال أعرابي: لم أرَ كالعقل صديقاً معقُوقاً، ولا كالهوى عدوّاً معشوقاً؛ ومن وفَّقه الله للخير جعل هواه مقْموعاً، ورأيه مرفوعاً.

وإذا كان الهوى - أبقاك الله - على ما وَصَفنا، وعلى وراء ما وصفنا مما لا نُحيط به وإن أطلنا، فمتى يخلو المادح - إذا مدح - من بعض الإفراط تقرُّباً إلى مأموله، وخِلابةً لعقله، واستدراراً لكرمه، وبَعْثاً على تنويله وتخويله؛ وهذه حال مصحوبة في الممدوح إذا كان أيضاً غائباً أو ميتاً؟ أو متى يسلَم الذامُّ - إذا ذمّ - من بعض

الإسراف تعنُّتاً لصاحبه وحملاً عليه بالإنحاء الشديد، والقول الشنيع، والنّداء الفاضح، والحديث المُخزي، وجرياً مع شفاء الغيظ وبرد الغليل؟ لأن جرعة الحرمان أمرّ من جرعة الثكل، وضياع التأميل أمضّ من الموت، وخدمة مَن لم يجعله الله لها أهلاً أشدُّ من الفقر، وإنما يُخدم من انتصب خليفة لله بين عباده بالكرم والرحمة، والتجاوز والصّفح، والجُود والنائل، وصلة العيش وبذل مادة الحياة وما يُصاب به روح الكفاية؛ وحرمان المؤمّل من الرئيس ككُفران النعمة من التّابع ورحَى الحَرْب في هذا الموضع راكدة، والقراعُ عليه قائم، والخطابة في دفعه وإثباته واسعة، والتَّمويه مع ذلك مُعترض، والإعتذار مردود، والتأويل كثير، والتَّنزيل قليل.

ولقد رأيت الجَرجائيّ - وكان في عِداد الوزراء وجلّة الرؤساء،

وإنما قتله ابن بقية لأنه نُعم له بالوزارة - يقول للحاتميّ أبي عليٍ، وهو من أدهياء الناس:

إنما تُحرَمُ لأَنك تَشْتُمُ

فقال الحاتميُّ: وإنما أشتم لأني أُحرم.

فأعاد الجَرْجائي قوله.

فأعاد الحاتمي جوابه.

فقال ثم ماذا؟ قال الحاتمي: دع الدّست قائمة، وإن شئت عملناها على الواضحة.

قال: قُل! قال الحاتمي: يقطع هذا أن لا يسمعوا مدائحهم، ولا يكترثوا بمراتبهم؛ وأن يعترفوا لنا بمزية الأدب وفضل العلم وشرف الحِكمة، كما خَذِينا لهم بعظمة الولاية، وفضل العمل، وبَسْط اليد، وعرض الجاه، والاستبداد بالتنَعُّم والطّاق والرِّواق، والأمر والنهي، والحجاب والبوّاب؛ وأن يكتبوا على أبواب دُورهم وقُصورهم: يا بني الرجاء! ابعدوا عنّا، ويا أصحاب الأمل! اقطعوا أطماعكم عن خيرنا ومَيْرِنا، وأحْمرنا وأصفرنا، ووفِّروا علينا أموالنا، فلسنا

نرتاح انثركم في رسالة تُحبِّرونها، ولا لنظمكم في قصيدة تتخيَّرونها، ولا نَعتدُّ بملازمتكم لمجالسنا، وتردُّدكم إلى أبوابنا، وصبْركم على ذُلّ حجابنا، ولا نَهَشُّ لمدحكم وقريضكم، ولا لثنائكم وتقريظكم؛ ومن فَعَل ما زَجرناه عنه ثم نَدِم فلا يلومنَّ إلا نفسه، ولا يقلعنّ إلا ضرسه، ولا يخمشنّ إلا وجهه، ولا يشُقّنّ إلا ثوبه، وإنّ من طمع في موائدنا يجب أن يصبر على أوابدنا، ومن رغب في فوائدنا نَشِبَ في مكايدنا. فأما إذا استخدمونا في مجالسهم بوصْف محاسنهم، وستر مساويهم، والاحتِجاج عنهم، والكذب لهم؛ وأن نكون ألسِنةً نفّاحةً عنهم فليُثيبوا على العمل، فإنَّ في توفيَّة العُمّال أُجورهم قوام الدنيا، وحياة الأحياء والموتى؛ فإن قصَّرنا بعد ذلك في إعادة الشكر وإبدائه، وتنميق الثّناء وإفشائه، فإنّهم من مَنْعنا في حلّ، ومن الإساءة إلينا في سعة.

فرأيت الجرجائي - حين سمع هذا الكلام النَّقي، وهذه الحجة البالغة - وَجَم ساعةً ثم قال: لَعَمري إذا جئنا إلى الحقّ، ونظرنا فيه بعين لا قَذَى بها، ونفسٍ لا لؤم فيها، فإن العطاء أولى من المنْع، والتنويل أولى من الحرمان، والخطأ في الجُود أسلم من

الصواب في البُخل، لأن الصواب في البخل خفيّ جداً، وقلَّ من يعرفه، والخطأ في الجود حُلو جداً، وقلّ من يكرهه.

وأنا أقول: قد صدق هذا الرجل الجليل في هذا الحرف صِدقاً لا تماريَ فيه.

ولقد جرى بيني وبين أبي عليّ مسْكُوَيه شيءٌ هذا موضعه.

قال مرّة: أما ترى إلى خطأ صاحبنا - وهو يعني ابن العميد - في إعطائه فلاناً ألف دينار ضربةً واحدة؟ لقد أضاع هذا المال الخطير فيمن لا يستحق.

فقلت له - بعد ما أطال الحديث وتقطّع بالأسف: أيها الشيخ! أسألك عن شيء واحد واصْدُق، فإنّه لا مَدَبّ للكذِب بيني وبينك، ولا هبوب لريح التمويه علينا؛ لو غلط صاحبك فيك بهذا العَطاء

وبأضعافه وأضعاف أضعافه، أَكنتَ تتخيّله في نفسك مُخطئاً ومُبذّراً ومفسداً وجاهلاً بحق المال؟ أو كنت تقول: ما أحسن ما فعل! ولَيْته أربى عليه؟ فإن كان ما تسمع على حقيقته، فاعلم أن الذي بدّد مالك، وردَّد مقالك إنما هو الحسد أو شيء آخر من جنسه، فأنت تدَّعي الحِكمة، وتتكلم في الأخلاق وتُزيّف منها الزائف، وتختار منها المُختار. فافطن لأمرك، واطّلع على سرّك وشرك.

هذا ذكرته - أبقاك الله - لتتبين أن الخطأ في العطاء مقبول، والنَّفس تُغضي عليه، والصّواب في المنع مردود، والنفس تقلق منه؛ ولذلك قال المأمون وهو سيّد كريم، وملك عظيم، وسائس معروف: " لأَن أُخطِئَ باذِلاً أَحبُّ إِليَّ من أن أُصيبَ مانعاً "، والشاعر يقول:

لا يَذْهب العُرْفُ بينَ اللهِ والنّاسِ

وإن كان يكفر النعمة بعض من أُنعم عليه بها، إنه ليشكرها كثير ممن لم يتلمَّظ حلاوتها، ولم يَطْعم فُتاتةً منها، ولم يُسِغ جَرْعةً من غديرها، ولم يَسْحب ذيلاً من أذيالها.

وصدر هذا الكلام شبيه بشيء لا بأس بروايته في هذا الموضع وإن لم يكن من قبيل ما طال القول فيه، وتوالى النَّفَسُ به.

قال المأمون لأبي العتاهية: إذا قال الله لعبده: لِمَ لم تُطعني، أي شيء يكون من جوابه؟ فقال: يقول: يا ربِّ لو وفَّقتني لأطعتك.

قال: فإن الله يقول: لو أطعتني لوفَّقتُك.

قال أبو العتاهية: فإن العبد يقول: لو وفقتني لأطعتك، أيكون ما يحتاج إليه العبد نَسيئةً، وما يُطالبه الله به نقّداً؟ قال المأمون: فما يقطع هذا؟ قال يا أمير المؤمنين، اضرب عنه، فإنّ الدَّست قائمة.

وأرجعُ فأقول: وما خلا الناس منذ قامت الدنيا من تقصير واجتهاد، وبلوغ الغاية، وقصور عن النهاية، وتَشارُك في المحامد والمَذامّ، والمساوي والمحاسن، والمناقب والمثالب، والفضائل والرذائل، والمكارم والملائم، والمنافع والمضارّ، والمَكاره والمسارّ؛ ومن بعض ما يكون للقائل فيه مَنْدوحه، وللشَّاغب به استراحة، وللنّاظر فيه مُتّسع، وللسّامع فيه مُستَمْتع؛ وأحسنهم حالاً، وأسعدهم جَدّاً، وأبلغهم يُمناً، وأربحهم بضاعة، من كانت محاسنه غامرة لمساويه، ومناقبه ظاهرة على مثالبه، ومادحه أكثر من هاجيه، وعاذره أنطق من عاذله، والمحتَجُّ عنه أنبَهُ من المحتجِّ عليه، والنَّافحُ عنه أصدق

من النافح فيه؛ وليس العمل على عدد هذه وهذه، ولكن على أن لا يكون مع صاحب المحاسن من الخِصال اللَّئيمة ما يَحْبِطُها ويجْتاحُها، ويخْتلعها، ويأتي عليها وإنْ صغُر حجم تلك الخلّة، وخَمل اسم تلك الخَصْلة؛ وأن يكون مع صاحب المساوي من الخلال الكريمة ما يغطّيها، ويُسبل السّتر عليها، ويُعين الذَّائد عنها، ويُبيِّض وجهَ النَّاصر لها، ويمدُّ باعَ المتطاول إليها؛ وكما وجدنا السيِّئات يَحبِطْن الحَسَنات، كذلك وجدنا الحسنات يُذهِبن السيَّئّات.

والعمود الذي عليه المعوَّل، والغاية التي إليها المَوْئل، في خصالٍ ثلاثٍ هُنَّ دعائم العالم، وأركان الحياة، وأُمهات الفضائل، وأُصول مصالح الخلق في المعاش والمعاد؛ وهنَّ: الدّين، والخُلُق، والعِلْم، بهنَّ يعتدل الحال، ويُنتهى إلى الكمال، وبِهنَّ تُمْلك الأزِمَّة، ويُنال أعزُّ ما تسمو إليه الهِمّة؛ وبهنَّ تُؤمَن الغَوائل، وتُحمد العَواقب؛ لأنّ الدّين جِماع المَراشد والمصالح، والخُلُق نظام الخيرات والمنافع، والعِلم رباطُ الجميع؛ ولأنّ الدّين بالعلم يصحّ، والخلق بالعلم يَطْهُر،

والعِلم بالعمل يكمُل؛ فمَن سَلِم دينه من الشّك واللّحاء، وسُوء الظّنّ والمِراء، وثبت على قاعدة التَّصديق بموادّ اليقين الذي أقرَّ به البُرهان، وطهُر خلُقُه من دَنَس المَلال، ولَجاج الطَّمع، وهُجنة البُخل، وكان له من البشر نصيب، ومن الطّلاقة حظ، ومن المُساهلة موضع؛ وحَظِي بالعلم الذي هو حياة الميّت، وحَلْي الحيّ، وكمال الإنسان فقد برَّز بكل فضْل، وبان بكلّ شرف، وخلا عن كل غباوة، وبَرِئَ من كلّ مَعَابة، وبلغَ النَّجد الأشرف، وصار إلى الغاية القُصوى.

ولم أذكُر لك العقل في هذا التّفصيل، وهو أوّلهنّ، وبه يتمّ آخرهنّ، وعليه مجرى جميع ما افْتَنَّ القول به؛ لأنه موهبة الله العُظمى، ومِنحته الكبرى، وباب السّعادة في الآخرة والأولى، وكان ما عداه فرعاً عليه، ومضموماً إليه؛ لأنه متى عَدِمه الإنسان الحيّ الناطق فقد سقطَ عنه التكليف، وبَطَل عليه الاختيار، وصار كبعض البهائم العامِلة، وكبعض الشخوص الماثِلة؛ وبه يُعرَف الدِّين، ويقوَّم الخلُق، ويُقتبس العلم، ويُلتمس العمل الذي هو الزُّبدة؛ وقد يعدم العمل والعقل موجود، وقد يُفقد الخلق والدين ثابت؛ فليس

الأصل كالفرع، ولا الأول كالثاني، ولا العلّة كمجلوب العِلة، ولا ما هو قائم كالجوهر، كما هو دائر كالعَرَض؛ فلهذا أضربتُ عن ذكره، وغَنِيت عن الاستظهار به؛ وإذا تمَّت فائدة الكلام فما زادَ عليه لغو، وإذا استقرَّ فيه المعنى فما أَلمَّ به فساد.

والناس - هَداك الله - من هذه الخصال التي ميّزتها والخلال التي نصَصْتُ القول فيها، على أنصباء مختلفة، وهم فيها على غايات متنازحة، بالقلة والكثرة، والضعف والقوّة، والنقصان والزيادة، ومن أجلها يُتوّخون بالحمد على الإحسان، ويخدمون بالشكر على الجميل، ويُحيون بالنصائح الخالصة، ويُحبُّون بالقلوب الصافية؛ ويُثنى عليهم بالقرائح النقيّة، والطّويات المأمونة، ويُذب عنهم بالنيات الحسنة والألسنة الفصيحة ويُعاونون عند الشدائد الحادثة، والنوائب الكارثة، والأمور الهائلة، والأسباب الغائلة، بالمال المَدخور، والنُّصح المنخول، ويُدفع عنهم بالأيدي الباطِشة، والأقدام الثابتة، والأرواح العزيزة، والأنفس الكريمة؛ وكذلك

يُوكَسُون على التّقصير باللاّئِمة، ويُجبهون على اللُّؤم بالآبدة؛ ويُذمّون على التهاون بكل فاقرة، ويُطوَّقون كل خِزيٍ ومَعَرّة، ويواجهون بكل شنعاء مُفْضِعة، ويُغتابون بكل فاحشة مُنكرة، ويُرمون بكل ساقطة ولاقطة، ويُحرقون بكل نارٍ حامية، ويُقذفون بكل مُخجلة مُندِية.

فهذا جمهور الخَبَر عن حال المُحسن إذا أحسن، وحال المُسيء إذا قصّر، وهم إذا كانوا على هذا السياق ثابتين، ولهذا المِنهاج سالكين، فإنهم يتنزَّعون إلى أصول حديثة وقديمة، وأَعراق كريمة ولئيمة، والمجدود من بينهم مَن لاثَ الله بيافوخه الخير، وعقد بناصيته البركة، وجعل يده ينبوع الإفضال والجُود، وعصم طِباعه من

الخساسة والدَّناءة، وكفاه عار البطالة والفسالة ونزّهه عن الإسفاف والنَّذالة.

وهذا كله ثمرة البصيرة الثاقبة، والنيّة الحسنة، والضمير المأمون، والغيب السّليم، والعقل المؤرب، والحق المؤثر وإن كان مُراً، والأدب الحسن وإن كان شاقاً، والعفافة التي أصلها الطّهارة، والطّهارة التي أصلها النّزاهة؛ ومن عجَن الله طينته بهذا الماء، وروّح عنه بهذا الهواء، وأطلَق نفَسه بهذا الجوّ، وقلبه على هذا البِساط، وسقاه بهذا النَّوء، فقد أيّده بروح القدس، ووصله بلطيف الصُّنع، وأكمل عليه النّعمة الجليلة، وأنابه بالشرف المحسود، وميَّزَه بالمزية التامّة، وخصّه بخيم الأنبياء، وألبسه جلباب الأصفياء، وأتاهُ ضرائب الصالحين وأحضره توفيق المهديّين المرضيّين.

وقد صحّ - حفظك الله - عندي، ووضح لي أن الذي هاجك على هذا المعنى حتى حرّكتَني له، وطالبتني به، ولم ترضَ منّي إلا بالمبالغة والاستقصاء وإلا بمباداة الأعداء. وذَوي الشَّحناء: اجتماعنا في

مجالس العلماء، وتلاقينا على أبواب الحكماء والأدباء أيام كنت أُفَكِّهُك بالحديث النادر، واللّفظ الحسن، فأُضحِك سنّك بما ملُح وحرّ، وأزيدك من خلال ذلك كله خِبرة بالدّهر وأهله، واعتباراً بالزمان وتصرّفه، وأفتح عليك باب المؤانسة، وأصف لك أخلاق الناس وما يفترقون به ويجتمعون عليه من غرائب الأمور، وطرائف الأحوال أيام كان عود الشّباب رطيباً، وورق الحياة نضيراً، وظِلّ العيش ممدوداً، ونجم الزمان مُتوقّداًومُقترح النَّفس مُواتياً، وروض المُنى خضِلاً، ودَرُّ النّعمة متّصلاً، وداعي الهوى مُشمّراً؛ أيام رأسك فَيِنان، وأنت كالصَّعدة تحت السِّنان، شطاطك معجب، وحديثك معشوق، وقُربك مُتمنَّى، والليل بك قصير، والنهار عليك مقصور، والعيون إليك طوامح، والعواذل دونك نوائح وذاك زمان مضى فانقضى، فأما غوياً وإما رشيدا؛ وكان الوقت يقتضي ذلك ويسعه، والحال تُواتيه وتحمله، والعُذر يقع لطالبه وملتمسه؛ لكني إذا

نظرت إلى أملي المتعلق بك، وطمعي الحائم عليك، ورجائي المذبذب عليك حولك؛ وحالي التي جعلك الله كافلها وراعيها، وجامعها، وناظم ما انتثر منها، ومُؤلِّف ما انتشر عنها - رأيت البدار إلى بُغيتك أدباً محموداً، وحظاً مُدركاً، والتراخي عن طاعتك حرماناً حاضراً، وعتباً مؤلماً.

وهكذا صنيع الطَّمع؛ فقل لي ما أصنع إن ردّ اعتذاري من يَسُرّه عِثاري، ويسُوءه استمراري؛ وليس إلاّ الصبر فإنه مفتاح كل باب مُرتج وبرود كل حرّان ملهج، وما زال الطمع قديماً وحديثاً وبدءاً وعوداً يُضرع الخدّ الصّقيل، ويُرغم الأنف الأشمّ، ويعفّر الوجه المفدّى، ويُغصن العارض المَنّدى، ويحني القوام المهتزّ، ويُدنّس العِرض الطاهر؛ ولحا الله الفقر فإنه جالب الطمع والطَّبَع، وكاسب الجشع والضَّرَع، وهو الحائل بين المرء ودينه، وسدٌّ دون مروءته وأدبه، وعزّة نفسه؛ ولقد صدق الأول حيث قال:

وقد يَقْصر القُلُّ الفَتَى دونَ هَمِّهوقد كانَ لولاَ القُل طَلاّعَ أَنجُدِ

وما كذب الآخر حيث يقول:

إِذ المرءُ لم يَقْنَ الحياءَ إذا رأَىمطامعَ نَيْل دنّسَتْه المطامعُ
إذا قَلَّ مالُ المرءُ قَلَّ صديقُهوأهوت علَيه بالعيوبِ الأَصابعُ

وأجاد الآخر حين قال:

أَزرى بنا أَننا شالَت نَعامتُناوالفقر يُزْري بأَحسَابٍ وأَلبابِ

وما أملح قول الأعرابي في قافيته:

ما بالُ أُمّ حُبيش لا تكلّمناإِذا افْتَقَرنا وقد نُثْرِي فنتَّفِقُ

وصدق، لأنها إذا لحقته على الفقر رغبت عنه ولم تواصله، وفركته واختارت عليه.

وما أحسن ما قال بعد هذا في وصف سيرته وحُسن عادة أهله، فإنه قال:

إِنّا إِذا حُطَمةٌ حَتّت لنا ورقاًنُمارِس العُودَ حتى يَنْبُت الوَرَقُ
للشاعر ذو الخِرَق الطُهَوي، اقرأ القصيدة

وصاحب الفقر إن مدح فرّط، وإن ذمّ أسقط، وإن عمل صالحاً أحبط، وإن ركب شيئاً خلط وخبّط؛ ولم أر شيئاً أكشف لغطاء الأديب، ولا أنشف لماء وجهه، ولا أذعر لسرب حياته منه، وإن الحُرّ الآنف، والكريم المتعيّف من مُقاساته والتجلّد عليه، لفي شغل شاغل وموتٍ مائت.

وعلى ما قدّمت من هذه الكلمات، وأطلت به هذا الباب، فقد امتثلت أمرك وسارعت إليه، وأرجو أن تهب لي فيه رضاك إن وقه موقعه الذي أمّلته، وتهديني إلى الصواب إن زلَّ عن حدّك الذي حدّدته، وما غايةُ أملي به، وقُصارى همّتي منه، إلاّ أن أكون سبباً قوياً فيما حاز لك الشكر منّي، وأوفر عليك الحمد عنّي، وأذاقك حلاوة مدحي وتمجيدي، والشاعر يقول:

العُرف أَصلٌ يُجتَنَىمِن فرعِه الثَّمَر الحَمِيدْ
يَبلَى الفَتى في قَبرِهوفَعَاله غَضٌّ جَدِيدْ

وسأجعل قصدي نحو السّلامة إذا غلبني اليأس من الغنيمة، وأُضيف إلى متن الحديث فوائد كثيرة، وأجتهد معذِراً، وأتقصّى معذوراً، وأحكم متكرِّماً، وأقول ما أقول رائياً؛ وراوياً؛ على أني لا أثق بالخاطر إذا طاش، ولا باللسان إذا هَمز، ولا بالقلم إذا استرسل، ولا بالهوى إذا اشتمل وسَوَّل؛ فإن الهوى يعمي ويُصمّ، ولعلّ الغيظ يجْرح ويُجهز.

وهذه آفات متداركة لا سبيل إلى التغاضي عنها، والسّلامة

عليها، وذاك لأن الكلام في حمد من يُحمد، وذم من يُذم، إن نُمِّق تنميقاً دَخله التزَيُّد، والمتزيّد مَقْليّ، وإن أُرسل على غراره شانه التّقصير، والمقصّر مُعجَّز؛ ولأنّ يدخله التقصير فيكون دليلاً على الإبقاء، أحبُّ إليّ من أن يدخله التزيد فيكون دليلاً على الإرباء؛ على أنّ من وصف كريماً أطرب، ومن أطرب طرِب، والطّرب خفّة وأريحية تستفزّان الطباع، وتُشبِّهان الحصيف بالسخيف؛ فأما من حدّث عن لئيم فإنّ أساس كلامه يكون على الغيظ، والغيظُ نارُ القلب، وخبث اللسان، وتشنيع القلم، فكيف الإنصاف في وصف هذين الرجُلين على هذين الحدّين، مع سَرف الهوى، ووقان الغيظ، وعادة الجوْر، وداعية الفساد، وصارفة الصّلاح؟ وهذه أعراض لا محيص منها ولا أمان من اعترائها، ولا واقي من تعاوُرها، وبعض هذا يهتك سِتر الحِلم وإن كان كثيفاً، ويفتق جيب التجمُّل وإن كان مكفوفاً، ويُخرج إلى الجهل وإن كان يُقبّحه متقدّماً.

وكنتُ هممت ببعض هذا منذ زمان، فكبح عناني عن ذلك بعض أشياخنا وقصّر إرادتي دونه، وزعم أنّ الاختيار الحسن، والأدب المرضيّ ينهيان عنه، ولا يُجوِّزان الخوض فيه؛ لأنّ الغيبة والقذع والعَضِيهة والتَّقيح والسّبّ المؤلم والكلام القاشر، والمكاشفة بالملامة والشتيمة بلا مراقبة ليست من أخلاق أهل الحِكمة، ولا من دأب ذوي الأخلاق الكريمة، وقد قال بعض الحكماء: لا تكوننّ الأرض أكتم منا للسرّ؛ ومن اعتاد الوقيعة في الأعراض، ومُباداة الناس بالسّفه، وثَلبهم بكل ما جاش في الصدر، وتذرَّع به اللسان، فليس ممن يُذكر بخير، أو يُرجى له فلاح، أو يُؤمَنَ معه عيب؛ قال: وهل الحلم إلاّ في كظم الغيظ، وفي تجرّع المضض، وفي الصبر على المرارة، وفي الإغضاء عن الهفوات؛ ومن لك بالمهذّب النّدب الذي لا يجد العيب إليه مُختطى، والأول يقول:

ولست بمُسْتَبقٍ أَخاً لا تَلُمُّهعَلى شَعَثٍ أَيُّ الرجالِ المهذَّبُ
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أتاني أبيت اللعن أنك لمتني»

وقيل: لو تكاشفتم ما تدافنتم، ولو تساويتم ما تطاوعتم؛ ولا بدّ من هَنَةٍ تُغتفر، ومن تقصيرٍ يُحتمل، والاستقصاء فُرقة، وفي المُسالمة تَحبُّب، ومن ناقش في الحساب فقد رغِب عن سجاحه الخُلُق، وحُسن المَلَكة وإيثار الكَرَم.

وهذا الذي قاله هذا الشيخ الصالح مذهب معروف، وصاحبه حميد، لا يدفعه من له مُسكةٌ من عقلٍ وسيرةٌ صالحة في الناس، وأدب موروث عن السّلف؛ وليت هذا القائل وليَ من نفسه هذه الولاية، وعاملَ غيره بهذه الوصية، وليته بدأ الكلام وما شابهه الرئيس الذي قد أخرج تابعه إلى هذا العناء والكد، وإلى هذا القيام والقُعود! لا، ولكنه رأي جانب البائس المحروم أَليَن، وعَذْلَ المنتَجع المظلوم أهوَن، وزجْر المتلذِّذ بما يَنُثُّه ويستريح به أسهل؛ فأقبل عليه واعظاً، وأعرض عن ظالمه مُحابياً.

وبعدُ فصاحب هذا القول وادع غير مُحفظ، وموفور غير منتقص، وناعم البال غير مَغيظ، وصحيح الجناح غير مهيض؛ ولو شيكَ بحدّ قتادةٍ لكنّا نقف على عريكته كيف تكون، وعلى شكيمته كيف تثبت، وكُنّا نعرف ما يأتمر عليه، وليس بَرْد العافية من حرّ البلاد في شيء.

ولما وقعت الفتنة أيام المهلّب كان أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن يُثبِّط الناس عن الوثوب مع بني المهلب في قتال أهل الشام، وقام بذلك مقاوم شقَّت على مروان بن المهلّب، فقام مروان ذات يومٍ

خطيباً، وحثّ الناس على الجدّ والإنكماش، ثم عرّض بالحسن فقال: بلغني أن هذا الشيخ الطّالح المُرائي يُثبّط الناس عن الطلب بحقّنا والله لو أنّ جاره نزَع من خُصّ داره قصبة لظلّ أنفه راعفاً، ودمعه واكفاً، وقلبُه لاهفاً، ولسانه قارفاً، ويُنكر علينا أن نطلب ما لنا، وكلاماً غير هذا غادرناه قادرين؛ لأنه لا وجه للإطالة به؛ ولا أقول إن مروان بن المهلّب، أحقّ بما قال من الحسن، ولكن الحسن تكلّم على مذهب النُّسّاك، ومروان قابل ذلك بمذهب الفُتَّاك.

وفي الجملة - أبقاك الله - ليس المضطر كالمختار، ولا المحرج كالسليم، ولا الموفور كالموتور، ولا كل حكم يلزم المتوسط في حاله يلزم المتناهي في حاله؛ ومتى كان - عافاك الله - التابع كالمتبوع، والآمل كالمأمول، والمستميح كالمُنعم، والمغبوط كالمرحوم، والمُدرك، كالمحروم؛ هذا في مُنقَطع الثَّرى، وذلك في قُلَّة المُزْن.

هذا عمرو بن بحر أبو عثمان، وهو واحد الدنيا، كتب رسالة طويلة في ذمّ أخلاق محمد بن الجهم، ومدح أخلاق ابن أبي

دُواد، وبالغ في الوصفين، وخطبَ على الرَّحْلين، ولم يترك قبيحةً إلا أعلقها محمداً، ولا حسنة إلا منحها أحمد، وحتى جعل ابن الجهم مع إبليس في نِصابٍ واحد، وابن أبي دواد مع مَلَك في نِقاب واحد؛ وهكذا " عَمَلُ منْ طَبّ لمن حَبّ " إذا غضِب فسبّ، أو رضي فمدح وأطنب. وما أحسن مادلَّ على هذا المذهب أشجعُ السُّلَمي بفحوى كلامِه، فإنه قال:

أَعَلَيَّ لَوْمٌ أَن مَدَحْتُ مَعَاشِراًخَطَبوا إِليَّ المدْحَ بالأَمْوالِ
يَتَزَحْزَحُون إذا رأَوْني مُقْبِلاًعن كلِّ مُتَّكأٍ من الإجْلالِ
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة

وإذا لم يكن عليه لوم في مدح المُحسن إليه، فكذلك لا عتب عليه في ذمّ المسيءِ إليه.

نعم، وأفاد أبو عثمان في رسالته فوائد لا يخفى مكانها على قارئها، وقام فيها مقام الخطيب المِصقَع، والسَّهم النافذ، والنّاصر المدل، والمنتقم المستأصل؛ فهل قال أحد ممن له يدٌ في الفضل، وقدَمٌ في الحكمة، وعرفان بالأمور، وقوله معدود فيما يُقال، وحُكمه مقبول فيما يُثبَت ويُزال: بئس ما صنع وساءَ ما أتى به؟ بل تهادَوْهُ وحفظوه، واستحسنوه وتأدّبوا به، وحذوا على مثاله وإن كانوا وقعوا دونه.

ولم صنّف الناس المناقب والمثالب؟ ولِمَ نشروا أحاديث الكرام واللِّئام؟ وكثيرٌ من الناس - عافاك الله - لا غيبة لهم، أو في غيبتهم أجر، وقد وقع في الخبر عن النبيّ ﷺ: " اذْكُرُوا الفَاسِقَ بما فيهِ كيْ تَحْذَرَهُ النَّاسُ ". وحدّثنا بُرهان الصوفي قال: ذمّ بِشر الحافي بخيلاً ثم قال: إن البخيل لا غيبة له، قيل: وكيف؟ قال:

لقول رسول الله ﷺ: " يَا بَنِي سَلَمَةَ مَنْ سَيِّدُكُم؟ قالوا: الجَدُّ بنُ قيس على بُخْلٍ فيه، قال: فأَيُّ دَاءٍ أَدْوَى من البُخْل ". فذكره وليس هو بالحضرة.

وهذا عيسى بن فَرُّخَانْشاه عُزِل عن الوزارة وكان مُستخِفّاً بأبي العَيْناء فوقف عليه أبو العَيْناء وقال:

الحمد لله الذي أذلّ عزّتك، وأذهب سطوتك، وأزال مقدرتك، وأعادك إلى استحقاقك ومنزلتك، فلئن أخطأت فيك النّعمة، لقد أصابن منك النّقمة، ولئن أساءت الأيام بإقبالها عليك، لقد أحسنت بإدبارها عنك؛ فلا أنفذ الله لك أمراً، ولا رفع لك قدراً، ولا أعلى لك ذكراً.

فهل قال أحدٌ بئس ما صنع؟ وليس للراضي عن المُحسن أن يطالب المساء إليه بأن يكون في مُسْكِهِ وعلى حال اعتدا له، لأنّ بينهما في الحال مسافةً لا يقطعها الجواد المُبرّ ولا الريح العَصوف.

النص من طبعة دار صادر ببيروت عن المجمع العلمي العربي بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «أخلاق الوزيرين»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.