من «النكت العصرية في أخبار الوزراء المصرية» لعمارة اليمني (ت ٥٦٩هـ)
النكت العصرية
قال عمارة بن أبي الحسن اليمنّى الحمد الله الذي فضّل الإنسان بعقله ونطقه، ووعد الصادق أن يسأله عن صدقه، وصلى الله على محمد المختار من خلقه، المخصوص بثناه الله على المعظم من خلْقه، وعلى آله وصحبه الذين جلّوا وصلّوا في مضمار سبقه، صلاةً تقضى فرض حقّهم بعد حقّه، وبد فهذا مجموع لم أقصد به شيئاً مخصوصاً، ولا فنّاً ربّ يسّر برحمتك اخبرنا الشيخ الأجل الفاضل الرحيم البارع الأمين نبيه الدين أبو الطاهر اسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد الأنصاري الكاتب غفر الله له ورضي عنه في شّوال سنة إحدى عشرة وسمائه بمصر قال القاضي الفقيه الأرشد أبو محمد عمارة بن أبي الحسن الحكمي ثم اليمنى وسمعت ذلك منه في شهر
منصوصاً بل ذكرت فيه نبذاً من الأخبار مختلفة المقاصد، متباينة المراصد، ولم أورد فيه إلا ما أملأه الخاطر، أو رواه من أقيمه في الصدق مقام الناظر، وبالله التوفيق وأشرت فيه إلى النكت العصرية، أي أخبار الوزراء المصرية، ومادام الليل والنهار دائمين، والشمس والقمر دائبين، فالعجائب المتولدة صيود، والتواريخ لها قيود، وما يخلو الإنسان من بداية مهده إلى غاية لحده، من الوقوع إما في حسن أحوال، أو قبح أهوال، وإذا لم تؤرخ النوازل، عفّى النسيان آثارها، وطمس الإهمال أنوارها، وتجنبت سجع المتكلّفين وفارقت ذلّه المتخلفين، وأطلقت أعنّة الكلام، وسامحت أسنّة الأقلام، فلا في سهل الهزالة أنا حاطب، ولا في حزن الجزالة أنا خاطب، وأشرت فيه إلى ما شاهدتّه من العجائب العصرية، في أخبرا الوزراء المصرية، من غير إفراط في أوصافهم، ولا تفريط في إنصافهم، وإن تخلل ذلك شيء ليس منه لا بالغرض، والحديث كما قيل شجون، والجدُّ قد
يخلط بالمجون وعسى أن يقول من وقع في يده هذا المجموع خبرتنا عن غيرك فمن تكون وغلى أي عشّ ترجع من الوكون، وأنا اقتصر واختصر واذكر من مولدي ووطني ونسبي طرفا أبني عليه حالي، وآخر مآلي، فقد قيل الإنسان من حيث يولد يوجد، ومن حيث يُنبت، يُثَبت، ولم تزل العرب تعدّ من أفضل أحسابها، ذكرها لأنسابها ومن عرف الشرف لقديمه، لم ينكر صحّة أديمه، فإما جرثومة النسب فقحطان ثم الحكم ابن سعد العشيرة المذحجي وإما الوطن فمن تهامة باليمن مدينة يقال لها مرطان من وادي وساع وبعدها من مكّة مهب الجنوب أحد عشر يوماً وبها المولد والمربي وأهلها وبقية العرب في تهامة لأنهم لا يساكنهم حضري ولا يناكحونه ولا يجيرون شهادته ولا يرضون بقتله قوداً بأحد منهم ولذلك سلمت لغتهم من الفساد وكانت رئاستهم وسياستهم تنتهي إلى المثيب بن
سليمان وهو جدي من جهة الوالدة وإلى زيدان بن أحمد وهو جدي لأبي وهما ابنا عم وكان زيدان يقول أنا أعدّ من أسلافي أحد عشر جدّاً ما منهم إلا عالم مصنّف في عدّة علوم ولقد أدركت عمّى على بن زيدان وخالي محمد بن المثيب ورئاسة حكم بن سعد العشيرة تقف عليهما وتنتهي إليهما وما أعرف فيمن رأيته أحد يشبه على بن زيدان في الودد وهذه اللفظة وهي السودد يدخل تحتها كلّ ما يوصف به سادات أشرف العرب من كل فضيلة. حدثني أخي يحيى بن أبي الحسن وكان عالماً بأيام الناس وكان عهدي بهذا يحيى ومشايخنا مثل خالي محمد وأبي ونظرائهما يمشون إلى منزل هذا يحيى ولا يردون ولا يصدرون إلا عن رأيه ومشورته.
قال لي لو كان عمّك على بن زيدان في زمن نبي لكان حواريّاً له أو صدّيقاً لفرط سودده وحدّثني الفقيه محمّد بن حسين الأوقص وكان صالحاً قال والله لو كان على بن زيدان قرشيّاً ودعانا إلى
بيعته لمتنا تحت راية لاجتماع شروط الخلافة فيه ما عدا النسب فإن النبي عم يقول الأئمة من قريش وقلت لأخي يحيى يوماً يا هذا إنّ الناس يلهجون بتفضيل جدّيك المثيب بن سليمان وزيدان بن أحمد على كثير من أسلافهما وأراكم تفضّلون عمّك عليّا عليهما فقال هما كما يحكى لك عنهما ولكن والله ما يعشران عليّا في خصلة من خصال أشراف العرب وذلك أن علينا لم يكن يغضب ولا يقذع في القول ولا يجبن ولا يبخل ولا يضرب مملوكاً أبداً ولا يردّ سائلاً ولا عصى الله تعالى بقول ولا فعل وهذه همّة الملوك وأخلاق الصدّيقين وحسبك أنّه حجّ أربعين حجّة وزار النبي ﷺ عشر زيارات ورأى النبي ﷺ في النوم خمس مرّات وأخبره بأمور لم يُخرم منها شيء وقلت لأخي يحيى يوماً من القائل في جدّيك المثيب بن سليمان وزيدان بن أحمد.
إذا طرقتك أحداث اللياليولم يوجد لعلّتها طبيبُ
وأعوز من يُجيرك من سطاهافزيدانٌ يجيرك والمثيبُ
هما ردّاً على شتيت ملكيووجه الدهر من رغمٍ قطوب
وقاما عند خذلاني بنصريقياماً تستكين به الخطوبُ
فقال هو السلطان على بن حبابة الفرودي كان قومه قد أخرجوه من ملكه وافقروه من ملكه وولوا عليهم أخاه سلامة فنزل بهما فسارا معه في جموع قومهما حتى عزلا سلامة ووليّا عليا وأصلحا له قومه وكان له قومه وكان الذي وصل إليه من برّهما وأنفقاه على الجيش في نصرته وحملا إليه من خيل من إبل وما ينيف على خمسين ألفاً من الذهب قال يحيى وفي أبي وخالي يقول مدبرٌ الشاعر الحكمي من قصيدة طويلة.
أبواكما ردّاً على ابن حبابةملكاً تبدد شمله تبديداً
كفل المثيب عن الحسام بعودهمذ صال زيدان به فأعيدا
وبنيتما ما شيّدا من سوددٍقدما فأشبه والدٌ مولوداً
قلت ليحيى فهل لعمّك علي مثل هذه النقبة العظيمة قال أنت صبي جاهل بل والله أمثالٌ في فنون لسودد ومكارم في سبيلي الدين والدنيا لا يصبر على احتمالها أحد سواه وحدّثني أبي قال مرض عمّك علي مرضاً أشرف فيه على الموت ثم أبل منه
فأنشدته لرجل من بني الحارث يدعى سلم بن شافع كان قد وفد عليه يستعينه في ديّة قتيل لزمته فلمّا شغلنا بمرض صاحبنا ارتحل الحارثي إلى قومه وأرسل إلي بقصيدة منها
إذا أودى ابن زيدانٍ عليٌّفلا طلعتْ نجومُك يا سماءٌ
ولا اشتمل النساءُ على حَنينولا روّى الثّرى للسحب ماءٌ
على الدنيا وساكنِها جميعاًإذ أودي أبو الحسن العفاءُ
قال: فبكى عمّك وأمرني بإحضار الحارثي ودفع له ألف دينار وساق عنه الديّة بعد ستّة أشهر وكان إذا رآه أكرمه ورفع مجلسه وأخبرني خالي محمّد بن المثيب وكان في أخوالي بنى الخطّاب مثل والدي في بني زيدان بن أحمد قال أجدب الناس في بعض السنوات وهلكت المواشي وانقطعت الخضر من نبات الأرض فلا تعلم ومرّت علينا فرقاناتٌ سيّارةٌ وكان بعضها لعلي بن زيدان فأخذ منها مائتي ناقةٍ لبونٍ أربع مائة بقرةٍ ففرّقهما على المقلّين من الناس على جهة المنحة
دون التمليك والمنحة عند العرب عاريّة الحيوان اللبون والإباحة لدرّها دون ملكها فلمّا أخصب الناس واستغنوا شرعوا في ردّها إليه فوهب لكل إنسان ما كان منها في يده وأذكر وأنا طفل عمري ثماني سنين أن معلّمي واسمه عطيّة بن محمد بن محمد حرام بعثني إلى عمي علي ومعي لوح في إصرافه وتسمّى عندنا في اليمن الرّفعة وقال امض إلى الشيخ بهذا اللوح فلعله يدفع لنا بقرة لبونا فلمّا وصلت إليه ضمّني وأجلسني في حجره وتصفّح اللوح وكان فيه سورة ص ثم قال كم ندفع للأديب يا أبا حمزة قلت بقرة لبوناً فضحك ثم أمر له بمائة بقرة لبون معها أولادها ووهب له غلّة أرض زراعة سمسم حصل له منها ما ينيف على ألفي أردب من السمسم خاصة. وأما سعة أمواله فلم تكن تدخل تحت حصر بل كان الفارس يمشي من صلاة الصبح إلى آخر الساعة الثانية في فرقانات من الأنعام الثلاثة الإبل والبقر والغنم كلّها له وكان يسكن في مدينة منفردة من
البلد الكبير وأمر الناس مردود إلى والدي وخالي فأدركت الناس يقفون قياماً بين أيديهما فإذا حضر عمّي علي كانا من جملة من يقف بين يديه وينطمس أمرهما بحضوره فلا يذكران ولا غيرهما حتى ركب مشياً بين يديه وفي ركابه حتى يأمرهما بالركوب وكانت له حلّة كبيرة تسمّى حلة الصدقة يعزل فيها زكاة المواشي وقرية أخرى يخزن فيها غلال الزكاة الواجبة عليه وتسمّى قرية الزكاة وسمعت أبي وغيره يقول ما كان الفريك ينقطع عن علي بن زيدان في كل شهر طول السنة بل في كل شهر زرع وحصاد وذلك لكثرة ما يزرعه من بلاده وأما حماسته وشدّة بأسه فيضرب بها المثل وهي شيء يزيد على ما اعتاده الناس بنوع من التأييد وذلك أنه لم يكن أحد يقدر أن يجرّ قوسه وكان إذا رمى السهم أقسم أن سهمه لا يخطئ إلا أن ينكسر فوقه أو القوس أو ينقطع الوتر وكان سهمه ينفذ من الدرقة ومن الإنسان الذي تحتها ولم يكن الزّرد المدفون
بالخفاتين يحرز من سهمه ولا يمسكه وحجّ في بعض السنوات فاجتاز بعرب من جرش فحلفوا عليه وأضافوا فلما عاد من مكة وافق وصوله إليهم غارةً من عرب آخرين عليهم اجاحوهم وسبوا النساء وساقوا المواشي بعد أن قتلوا الرجال وكان لا يحجّ إلا وسلاحه كله محمول على بعير آخر وربّما حجّ من خيله بأفراس يجنبها إذ ليس بيننا وبين مكة غير تسعة أيام فنظر إلى ثنيّه بين جبلين لا طريق لهم غيرها وكانوا زهاء مائة فارس ومائتي من الرجالة وقاتلهم فنصره الله عليهم وخذلهم وأوسع الجرحى والقتلى فيهم فانهزموا واسترد المال والنساء فقالت له امرأة من جرش.
أبا حسن اعتقت بالسيف نسوةًتجرُّ بأيدي العائثين شعورها
وانقذت سعدى من يد ابن مقرّبٍوما في البدور التمّ إلا نظيرهما
أتخت لها يوم الثنية ناصراًوليس لها من قومها من يجيرها
وحين عاد إلى الثاية أمر بدفن القتلى وتعلّق النساء به فارتحل بهنّ وبالمواشي حتّى قدم بهن إلى بلده فزوّجهن لقومه وكانت فيهن خمسة عشر امرأة من العقائل المعدومات ومنهن المياسة ابنة ثابت بن عرفجة وهو رئيس قومها وأدركتها ولا يحسن الوصف أن يأتي على محاسنها وتزوجها رجل من قومها دميم الخلقة وكان الناس يعجبون من جمالها ودمامته وحسنها وقبحه فاذكر ليلة أنّهما تخاصما إلى والدي فقال زوجها إني فد عجزت عن الاحتمال والصبر على ما اسمعه من كثرة الإعجاب وقولها لست من رجالي ولا أنا من نسائك فإن أجرتني منها أجبتها قال له الشيخ لست لأجير عليها إلا بأمرها قالت أجره ليقل ما أراد قال زوجها فإني خير منك لأني أبول فيك قال الشيخ فلا والله ما انقطعت ولا خجلت بل قالت له على الفور من غير رويّة إنك لم تأت بشيء ولا أفلحت وإنما افتخرت بأستين يلتقيان وأستك أوّل منهزم منهما فضحك الناس من
فصاحتها وحسن جوابها الذي ردّ الفضيلة رذيلة، والغنيمة هزيمة وهذه المادة من حسن العبارة وفضيلة البلاغة شيء خصّ الله به أمة العرب دون سائر الأمم وكان الناس في أشهر القيظ يسرحون أموالهم قبل الفجر إلى واد معشب مخصب مسبع بعيد من البلد يقال له وفيه من عبيد الحكميين طوائف متغلبة نحو من ثلاثة ألف راجل قد حموا ذلك الوادي وما جاوره بالسيف ومن ظفروا به من مواليهم نهبوه وقتلوه وهم معتصمون في شعفات الجبال وصياصيها لا يقدرون عليهم وكان العدد الذي يحرس المال ويسرّح معه في كل يوم خمس مائة قوس ومائة فارس تحرسه من العبيد المتغلبة فشكا الناس إلى علي بن زيدان أنّ فيهم من قد طالت شعره وانقطع حذاؤه ووتره وسألوه أن ينظر لهم في من ينوب عنهم يوماً واحداً ليصلحوا أحوالهم فنادى مناديه بالليل من أراد أن يقعد فليقعد فقد كفى
ثم أمر الرعاء فسرّحوا على عاداتهم وركب وحده فرساً له نجديّاً من كرام الخيل سبقاً وأدباً وجنّب حجراً له تسمى الحرية لا تخجل الريح إذا سبقتها، ولا البروق إن لحقتها فما هو إلا أن وردت الأنعام ذلك الوادي حتى خرج عليه العبيد المتغلبون فاستاقوها وقتلوا من الراء تسعة رجال وركب الرجل فأدرك العبيد وهم سبع مائة راجل أبطالٌ فقال لهم ردّوا المال وإلا فإنا علي بن زيدان فتسرّعوا إليه فكان لا يضيع سهماً إلا بقتيل منهم حتى إذا ضايقوه اندفع عنهم غير بعيد فإذا ولّوا كرذ عليهم فنال منهم ما يريد ولم يزل دأبه دأبهم حتّى قتل منهم خمسة وتسعين رجلاً فطلب الباقون أمانة ففعل وأمرهم أن يدير بعضهم كتاف بعض ففعلوا وأخذ جميع أسلحة الأحياء والقتلاء فحملها بعمائمهم على ظهور الإبل وعاد والعبيد بين يديه أساري وقد كان بعض الرعاء هرب في أول النهار فنعاه إلى الناس وأنّه قتل فخرج الناس أرسالاً حتى لقوه عند صلاة العصر.
خارجاً من الوادي والمواشي سالمة والعبيد أسارى قال لي أبي أذكر أنّا لم نصل تلك الليلة صحبة عمذك إلى المدينة حتى كسرت العرب على باب دارى ألف سيف حين قيل لهم أن عليّا قتل وامتد الخبر إلى نبي الحارث وكانوا خلفاً فأصبح في منازلهم سبعون فرساً معقورة وثلاثمائة قوس مكسورة والعرب تفعل ذلك إذا قتلت أشرافها وولاة أمرها ثم اصطنع العبيد واعتقهم وردّ عليهم أسلحتهم وثيابهم وتكلّفوا له أمن البلاد من عشائرهم ولم يكن منهم بعد ذلك مكروه إلى أحد من بلاده وكان السفهاء والشباب منّا ومن أخوالي لا يزالون يجني بعضهم على بعض جنايات تنتقل من الصغائر إلى الكبائر وربّما كثر فيها الجرحى ثم القتلى وبين منازلهم ومنازلهم ميدان واسع يلتقى الناس فيه فأي الفريقين غلب ملك الميدان فأذكر عشيّة أن القوم هزمونا حتى أدخلونا البيوت وهم في تلك الحال حتى قيل لهم هذا علي قد اقبل فنهزموا حتى مات منهم تحت أرجل الناس ثلاثة رجال ولمّا جاز علي ذلك النيدان نزل عن فرسه فجلس فيه ثم أرسل إلى خالي محمّد فخرج إليه
فأصلح بين الناس ولم تمض إلا أيام قلائل حتى ثارت الفتنة بينهم وكان لخالي محمّد تسع بنات وله ابن واحد اسمه العاطف وكان الناس يضربون به المثل في السودد والكرم ولشجاعة حتّى بلغ من حبّ عمّي علي بن زيدان في العاطف أنه جهّز ابنة له يقال لها زينب بمال كثير جزيل ثم دعا العاطف إلى مجلس الدخول فعقد به عليها وأدخله إليها من ساعته ولم يكلفه درهماً واحداً ولا كان عنده من ذلك علم ولا أعلم أباه بذلك ولا أبي حتى كان من قتال هؤلاء وقعة أخرى أجلت للسفهاء عن العاطف قتيلاً بين أبياتنا فحمل إلى منزل والدي وكان والده محمّد بن المثيب غائباً فقدم في تلك الليلة وفي كل دار من منازلنا ومنازل أخوالي متاحة على ابنه العاطف فجّر بين الناس ذمّة وأماناً تلك الليلة ودفن العاطف في مقبرنا فلمّا أصبح الناس نادى مناديه إني قد أهدرت دم ابني فلا يحمان
أحد سلاحاً وانصرف الناس من جنازته والذي كان تولى قتله هو ابن عمّي يسمى حمزة بن حسين وكان بطلاً من الأبطال لا يصطلى بناره وكان عمّي علي يقول إذا غبت عن حرب يحضرها حمزة فلم أغب ولما كان بعد ثلاثة أيام ظفر عمّي علي بهذا حمزة فأدار كتافه ومشى به إلى قبر العاطف فضرب رقبته ثم تمثّل وهو يبكي عليه بقول الشاعر.
أبكيك ملء مدامعي متحرّقاًوأقول لا شلّت يمين القاتل
فلم يقاتل أحد أحداً منهم بعد ذلك ومات علي بن زيدان سنة ست وعشرين وخمسمائة وتبعه خالي محمد سنة ثمان وكان أبي يتمثّل بعدهما بقول الشاعر.
ومن الشقاء تفرّدي بالسود
وتماسكت احوال الناس بوالدي إلى سنة تسع وعشرين وفيها أدركت الحلم ثم أراد الله إنفاذ قدره فيهم فمنعنا الغيث سنة
كاملة وبعض أخرى حتى هلك الحرث والنسل ومات الناس في بيوتهم فلم يجدوا من يدفنهم وعمّت قطيفة البلوى فخرجت عنذا سنة ثلاثين وخمسمائة ونحن من أشبه الناس حالاً وفينا بعض التماسك بسبب مال كانت والدتي ورثته عن أبيها المثيب بن سليمان واستغنت عنه حتى احتاجت إليه في وقت الشدّة.
وفي سنة إحدى وثلاثين دفعت لي والدتي مصوّغاً لها لألف دينار ودفع لي أبي أربع مائة دينار وسبعين وقالا لي تمضي مع الوزير مسلم بن سخت إلى زبيد وتنفق هذا المال عليك ولا ترجع إلينا حتى تفلح فقد احتسباك عند الله وصبرنا عنك وكان بينا وبين زبيد في مهبّ الجنوب تسعة أيام فانزلي الوزير في داره مع أولاده ولازمت الطلب فأقمت أربع سنين لا أخرج من المدرسة إلا لصلاة يوم الجمعة ثم زرت الوالدين في
السنة الخامسة ورددت ذلك المصوغ إلى الوالدة ولم احتج إليه هذه إشارة إلى ما كنت ذكرته من التعريف بحالي وطناً ونسباً على جهة الاختصار وتخفيفاً عن كل سمع فقير من النسب والحسب ممن لعلّه أن يغتاظ من نبذة يسيرة أوردتها وأنا في إيرادها كما روى عن بعض ولاة خرسان حين خطب الناس فقال إن الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أشهر فقيل له هذا إنما قال في ستة أيام فقال أمرأته طالق لقد قلت ستة أشهر وأنا مستحي منكم أن تكذبوني، ودخل بعض الهاشميين من ولد العباس على أبي جعفر المنصور فأكثر الهاشمي ذكر والده والترح ذم عليه فزبره الربيع وقال لا يترح
ذم على أحد بحضرة أمير المؤمنين فقال الهاشمي للربيع أنت معذور لأنك لم تذق لذّة الآباء ولم تعرف لهم شرفاً وإنما أنت لقيط ثم نهض.
فصل في ذكر الطاف الله ﷿ وحسن ما صنعه لي في تقلّبات الأيام وتغاير الأحوال بي فمن أول ما صنعه الله
تعالى ذكره معي وله الحمد على نعمة التي لا تحصي ولا تعد وألطافه التي لا تحدّ أنّي تفقّهت وقال الله تعالى فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم وقال عم من يرد الله به خيرا يفقه في الدين وأقمت في زبيد ثلاث سنين وجماعة من الطلبة يقرؤون عندي مذهب الشافعي والفرائض في المواريث ولي في الفرائض مصنّف يقرأ في اليمن ولما كان في سنة تسع وثلاثين زارني والدي وخمسة من أخوتي إلى زبيد وأنشدته شيئاً من شعري فاستحسنه ثم قال تعلّم والله أنّ الأدب نعمة من نعم الله عليك فلا تكفرها بذم الناس واستحلفني أن لا أهجوا مسلماً قط ببيت شعر فأقسم الصالح على أن أجيبه ففعلت متأولاً
لقول الله ﷿ ولمن بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل وقوله تعالى فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ولم يكن شيئاً غير هذا.
فصل ومن الطاف الله التي يجب شكرها، ويحسن ذكرها أنني حججت مع الملكة الحرّة أم فاتك ملك زبيد وكانت تقوم لأمير الحركين بجميع ما يتناوله من حاجّ اليمن برّاً وبحراً وبجميع خفرات الطريق والأدلاء ومقدِّمي العربان والأشراف ومبلغ ذلك جملة كبيرة فربما حجّ معها أهل اليمن في أربعة ألف بعير أو خمسة ويسافر الرجل منهم بجريمة وأولاده والمواشي التي
يذبحون منها ويحلبون درذها ومعهم المطابخ والاسرة وجميع ما يحتاجونه وكأنهم خارجون في نزهة فاذكر ليلة وقد سئمت ركوب المحمل أنّي ركبت جملاً نجيباً وحين تهوّر الليل أنست عن يميني حسّاً فعدلت إليه فوجدت هودجاً مفرداً والبعير يرتعي فناديت مراراً كثيرة يا أهل الجمل يا جمّال فلم يكلّمني أحد فدنوت فإذا امرأتان نائمتان في الهودج وأرجلهما خارجة عنه ولكل واحدة منها زوج خلخال من الذهب فسلبت الزوجين من أرجلها وهما لا يعقلان فأخذت بخطام الجمل حتى أبركته في المحجّة العظمى وعقلته وبعدت عنه بحيث أشاهد حتّى قد مرت قافلة من آخر الناس فانشطوا عقال البعير وساقوه معهم فلما أصبح الناس وإذا صائح ينشد الضالّة ويبذل لمن ردّها مائة مثقال وإذا هما أمرأتان لبعض أكابر أهل زبيد نام الجمّال عنهما فعدل البعير عن الطريق وكانت عادة الحرّة أن تمشي في ساقة الناس ولا يمشي بعدها أحد فمن نام أيقظته ومن انقطع حملته وكانت لها مائة بعير برسم حمل المنقطعين وحين تنصّف الليلة الثانية تأخرت حتى مرّ بي محملها فتبادر الغلمان إلي قالوا ألك
حاجة قلت الحديث مع الحرّة في خلوة ففعلوا ذلك وأخرجت رأسها إلى من سجف الهودج فناولتها الوجين الخلاخل وبلغني أن وزنها ألف مثقال فقالت ما اسمك ومن تكون فقد وجب حقّك فاعلمتها بذلك وبصورة الحال التي وجدت الأمرأتين عليهما ويا سبحان الله فما كان أبركها من ساعة لأني حصل لي منها جانب قوي وصورة جميلة وشفاعة مقبولة، ووجاهة مبذولة وتقدّم على الأكابر من الفقهاء وأعيان الخواص وتسهيل الوصول إليها أي وقت شئت والاستظهار بي على التوسيط فيما بين الناس ومن صحبتي لها ومعرفتي بها حصل لي معرفة الوزير القائد أبي محمد سرور الفاتكي وهو القائم بدواتها ودولة فاتك صاحب زبيد وبمعرفتها كسبت مالاً جزيل وذلك أن الشيخ السعيد بلال بن جرير الداعي بعدن غزا أسطوله سواحل زبيد فقتل ونهب وأحرق فانقطع الناس عن السفر من زبيد إلى عدن ومن عدن إلى زبيد مدّة ثلاث سنين فقضى ذلك برخص بضائع كل بلد منهما وغلائها في البلد
الأخرى حتّى صار ما يسوى دينار بربع دينار وما يسوى ديناراً في البلد الأخرى بأربعة دنانير فأذنت لي الحرة هي والقائد سرور في السفر إلى عدن دون الأسود والأحمر ودفع لي كل واحد منهما ألوف من المال وتذكرة بما يشتري من عدن فقال اشترِ بهذا المال من البضائع الرخيصة بزبيد وما حصل فيه في عدن من فائدة فهي لك واتبع لنا برأس المال من عدن ما في التذكرة فحصل لي من المال ما لا مزيد عله وحصلت لي صحبة أهل عدن ووصلت من مودتهم إلى غاية من الاختصاص والمساهمة فإما الصلات الغامرة، والخلع الفاخره، والهدايا الجزيلة والتحف المذخورة فشيء يكثر وصفه وامتد هذا الشوط من سنة ثماني وثلاثين إلى سنة ثماني وأربعين ما من أهل دولتي زبيد إلا من يغار على نصيبه من مجالستي ومؤانستي ويطلقون ما وصل من البضائع باسمي من الهند ومن
عدن ومن زبيد ومن مكة ومن عيذاب برّاً وبحراً فقضى ذلك باتساع الحال وذهاب الصيت حتى كان القاضي أبو عبد الله محمد بن أبي عقامة الحفائلي وهو رأس أهل العلم والأدب بزبيد يقول لي: أنت خارجي هذا الوقت وسهيده لأنك أصبحت تعد من جملة أكابر التجّار وأهل الثروة ومن أعيان الفقهاء الذين أفتوا ودرسوا غيرهم ومن أفضل أهل الأدب منزلة وأفصحهم عارضة فإما الوجاهة عند أهل الدول المتباعدة ونعمة خدّك بالطيب واللباس وكثرة السراري فوالله ما أعرف من يعشرك فيه فهنيئاً لك فكأن والله بهذا القول نعي إلي حالي وذهاب مالي وذلك أن كتاب الداعي محمد بن سبأ صاحب عدن جاني من ذي جبلة يستدعي وصولي إليه فاستأذنت أهل زبيد فأذنوا لي على غش ودخلٍ من فساد الباطن وكانت للداعي بيدي خمسة آلاف مثقال سيرها معي أبتاع له بها أمتعة من مكة وزبيد فلمّا قدمت إلى ذي جبلة وجدته خارجاً عنها
في حصن ومستنزه يقال له الضربجان وقد دخل فيه
عروساً على ابنة السلطان عبد الله بن أسعد بن وائل مذ ثلاثة أيام ولم يصل إليه أحد وكانت جماعة التجار واعيان من أماثل الناس مثل بركات بن المقرى وحسن بن الحمار ومرجّي الحراني وأبي الحسن علي بن محمد النيلي والفقيه أبي الحسن علي بن المهدي القائم الذي قام باليمن أزال دولة أهل زبيد وغيرهم وكان الجميع قد سبقوني بمدة ولم يوصلهم الداعي إليه فلمّا وصلت إلى ذي جبلة كنيت إليه قول المتنبي.
كن حيث شئت تصل إليك ركابُنافالأرض واحدة وأنت الأوحدُ
ثم تبعت ذلك برقعة مضمونها طلب الأذن في الاجتماع به فكتب بخطه على ظهر رقعتي ما مثاله.
مرحباً مرحباً قدومك بالسعد فقد أشرقت بك الآفاقُ
لو فرشنا الأحداق تطأهنن لقلت في حقك الأحداق
وكان هذان البيتان مما حفظه عن جارية مغنيّة كنت أهديتها إليه واتفق أن الرقعة وصلت مفتوحة بيد غلام جاهل فلم تقع في يدي حتى وقفت الجماعة وركبت إليه فأقمت عنده في المستنزه أربعة أيام بلياليها فما من الجماعة إلا من كتب إلى أهل زبيد بما يوجب سفك دمي ولا علم لي حسداً منهم وبغياً مما تمّموا به المكيدة علي ونبوه إلى أن علي بن مهدي صاحب الدولة اليوم باليمن التمس من الداعي محمد بن سبأ أن ينصره على أهل زبيد فسألني الداعي أن أعتذر عنه إلى علي بن مهدي لما كان بيني وبين ابن مهدي من أكيد الصحبة والاختصاص في مبادئ أمره لأني لم أفارقه إلا بعد أن استفحل أمره وكشف القناع في عداوة أهل زبيد فتركته خوفاً على مالي وأولادي لأني مقيم بينهم وحين رجعت إلى زبيد من تلك السفرة وجدت أولئك القوم قد كتبوا إلى أهل زبيد في أمري كتباً مضمونها إن فلاناً كان الواسطة بين الداعي وبين ابن مهدي وقد انعقد الأمر بينهما بوساطته على
حربكم وزوال دولتكم فاقتلوه فحدّثني الشيخ جيّاش بن اسماعيل قال أجمع رأي أهل زبيد على قتلك في بكرة يوم الجمعة الثاني من شهر ربيع الآخر سنة ثماني وأربعين فلما كان آخر الليل جاءهم خبر محمد بن أبي الأغر ونفاقه وخروج الراجل معه وزحفه إلى تهامة فأزعجهم ذلك واشتغلوا عني مدة سبعة عشر يوماً وحين عادوا إلى زبيد ذكرهم بي رجل كنت أحسنت إليه وإنما حاسد النعمة لا يرضيه إلا زوالها بي القائد اسماعيل بم محمد جليس الملك فاتك فقال سلام عليكم وهو راكب مجتاز لم يقف ثم قرأ قوله تعالى يا موسى إنّ الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين فلم ينتصف الليل حتى خرج الملك فاتك وعساكره إلى وادي حيس في نصرة القائد علي بن مسعود على البارزة والنوبة فمكثوا شهراً وعادوا فحملت إلى رجل منهم يقال له العريف كثيرٍ ملاً مثل اسمه كثيراً حتى أجارني ريث ما خرجت حاجّا بل هاجّا إلى مكة سنة تسع وأربعين وخمس مائة وفي موسم هذه السنة مات أمير
الحرمين هاشم بن فلتيه وولي الحرمين ولده قاسم بن هاشم فالزمني السفارة عنه والرسالة منه إلى الدولة المصرية فقدمتها في شهر ربيع الأول سنة خمسين وخمس مائة والخليفة بها يومئذ الإمام الفائز بن الظافر والوزير له الملك الصالح طلائع ابن رزيك فلما أحضر للسلام عليهما في قاعة الذهب في قصر الخليفة أنشدتهما قصيدة أولها.
الحمد للعيس بعد العزم والهممِحمدا يقوم بما أولتْ من النّعمِ
لا أجحدُ الحقَّ عندي للركاب يدٌتمنّتِ اللخمُ فيها رتبةَ الخطمِ
قربنَ بُعدَ مزار العزّ من نظريّحتى رأيتُ إمامَ العصر من أممِ
ورحنَ من كعبةِ البطحاء والحرمِوفدا إلى كعبة المعوف والكرمِ
فهل درى البيتُ أني بعد فرقتهما سرتُ من حرمٍ إلا إلى حرمِ
حيث الخلافةُ مضروب سرادقُهابين النقيضينِ من عفوِ ومن نقمِ
وللإمامة أنوار مقدّسةتجلو البغيضينِ من ظلمٍ ومن ظُلَمِ
وللنبوة آيات تنصُّ لناعلى الخفيينِ من حُكمِ ومن حِكمِ
وللمكارم أعلام تعلّمُنامدح الجزيلينِ من بأس ومن كرمِ
وللعلى ألسنُ تثني محامدهاعلى الحميدين من فعلٍ ومن شيمٍ
ورايةُ الشرف البذاخ ترفعهايد الرفيعينِ من مجدٍ ومن هِممِ
أقسمت بالفائز المعصوم معتقافوزَ النجاة وأجرَ البرّ في القسمِ
لقد حمى الدينَ والدنيا وأهلهماوزيره الصالح الفرّاجُ للغمم
اللابس الفجر لم تنسج غلائلهإلا يد الصنعين السيف والقلمِ
وجوده أوجد الأيام ما اقترحتْوجوده أعدم الثاكينَ للعدمِ
قد ملكتْه العوالي رقّ مملكةٍتعير أنف الثريذا عزةَ الشّممِ
أرى مقاماً عظيم الشأن أوهمنيفي يقظتي أنها من جملة الحلمِ
يوم من العمر لم يخطر على أمليولا ترقّت إليه رغبةُ الهممِ
ليت الكواكب تدنو لي فأنظمهاعقود مدحٍ فما أرضى لكم كلمي
ترى الوزارة فيه وهي باذلةٌعند الخلافة نصحا غير متّهمِ
عواطف علمتنا أن بينهماقرابة من جميل الرأي لا الرّحمِ
خليفة ووزير مدّ عدلهماظلاً على مفرق الإسلام والأممِ
زيادة النيل نقصٌ عند فيضهافما عسى يتعاطى منه الديمِ
وعهدي بالصالح وهو يستعيدها في حال النشيد مراراً والأستاذون وأعيان الأمراء والكبراء يذهبون في الاستحسان كل مذهب ثم أفيضت على خلع من ثياب الخلافة مذهّبة ودفع لي الصالح خمس مائة دينار وإذا بعض الأستاذين قد أخرج لي من عند السيدة الشريفة بنت الإمام الحافظ خمس مائة دينار أخرى وحمل المال معي إلى منزلي وأطلقت لي من دار الضيافة رسوم لم تطاق لأحد من قبلي وتهادتني أمراء الدولة إلى منازلهم للولائم واستحضرني الصالح للمجالسة ونظمني في سلك أهل المؤانسة وأنثالت على صلاته وغمرني برّه ووجدتُ بحضرته من أعيان أهل الأدب الشيخ الجليس أبا المعاني ابن الحباب والموفق ابن
الخلال صاحب ديوان الإنشاء وأبا الفتح محمود بن قادوس والمهذّب أبا محمد الحسن بن الزبير وما من هذه الحلبة أحد إلا ويضرب في الفضائل النفسانيّة، والرئاسة الإنسانية، بأوفر نصيب، ويرمي شاكلة الإشكال فيصيب، وما زلت أحذو على طرائقتهم، وأعرض جذعى في سوابقهم، حتى أثبتوني في جرائدهم ونظموني في سلك فرائدهم، هؤلاء جلساؤهم من أهل الأقلام وأما أهل السيوف والأعلام فمنهم مجد الإسلام ولده وصهره سيف الدين حسين وإخزان فارس المسلمين بدر بن رزيك وعز الدين حسام قريبه وهؤلاء هم أهله فإما غيرهم من أمراء دولته المختصين بمجالسته في أكثر أوقاته فمنهم ضرغام ونال الوزارة ومنهم على بن الزّبد ويحيى بن الخياط ورضوان بن جلب راغب وعلي هوشات ومحمد بن شمس الخلافة وعهدي بالصالح وقد أنشدته يوماً وهو في القبو من دار الوزارة قصيدة أقول منها
دعوا كلّ برق شمتمُ غير بارقيلوح على الفسطاط صادقَ بشرهِ
وزوروا المقام الصالحي فكلُّ منعلى الأرض ينسى ذكرهُ عند ذكرهِ
ولا تجعلوا مقصودكم طلب الغنيفتجنّوا على مجد المقام وفخرهِ
ولكن سلوا منه العلى تظفروا بهافكل أمرئ يرجى على قدر قدرهِ
رمى الخريطة إلي فوجدت مائة دينار وخمسين رباعياً ومدحته في شعبان سنة خمسين وخمس مائة بقصيدة منها.
قصدتك من أرض الحطيم قصائديحادي سراها سنّةٌ وكتابُ
إن تسئلا عمّا لقيت فإننيلا مخفقٌ أملي ولا كذابُ
لم أنتجع ثمد النطاف ولم أقفْبمذانب وقفت بها الأذنابُ
لكن وردتُّ قرارة العزّ التيتغدو عبيداً عندها الأربابُ
عثرت به قدمُ الشتاء ولا لعاإن لم يقلها رفعة وثوابُ
فألقى إلى الخريطة فوجدت فيها ثلاثة وسبعين ديناراً وودّعت الخليفة والوزير بقصيدة جاء منها في ذكر الرجوع إلى مكّة واليمن قولي.
قصدتك من أرض الحطيم قصائديحادي سراها سنّةُ وكتابُ
إن تسئلا عمّا لقيتُ فإننيلا مخفقٌ أملي ولا كذّابُ
لم أنتجع ثمن النطاف ولم أقفْبمذانبٍ وقفتْ بها الأذنابُ
لكن وردت قرارة العزّ التيتغدو عبيداً عندها الأربابُ
عثرتْ به قدمُ الثناء ولا لعاإن لم يقلها رفعة وثوابُ
فألقى إلى الخريطة فوجدت فيها ثلاثة وسبعين ديناراً وودعتُ الخليفة والوزير بقصيدة جاء منها في ذكر الرجوع إلى مكّة واليمن قولي.
من لي بأن تردَ الحجازَ وغيرهاأخبار طيبِ مواردي ومصادري
زارت بي الآمالُ أكرمَ ساحةٍفوق الثّرى فغدوتُ أكرم زائرِ
ووفدتُ ألتمس الكرامة والغنىفرجعت من كلٍ بحظٍ وافرٍ
فكأنّ مكة قال صادقُ فألهاسافرْ تعدْ نحوي بوجهٍ سافرٍ
فأوسعني إكراماً توقيراً وإنعاماً توفيراً وعهدي بسيف الدين حسين وهو بقول للتوزرىّ وكان يتولى الرسالة عن الخليفة إلى الوزير ثلاثمائة دينار تسفير له من الخليفة قليل فاستحملوا من الرجلُ فما جاءكم مثله وزيدوه مائتي دينار تكون الوفادة خمس مائة دينار والتسفير خمس مائة ففعلت السيدة الشريفة ست القصور ذلك ومما ودّعت به الصالح في دار الوزارة قصيدة منها.
قد قلت للآمال وهي مسيرةٌعزّا يخاف مذلة المسترزقِ
ومنها:
وتيقّني أن قد وقفتِ بموقفٍأدنى مواهبه العُلى وتحقّقي
أعزيزَ مصرٍ دعوةً من واثقٍنفّستَ عنه خناقَ حظ موثَقِ
اعتقه من رقّ الزمان وخلّهوقف الثناءَ على ولاءِ المُعتقِ
واسمع محاسن لفظه لا حفظهكالدرّ بل أنقى من الدرّ النقي
من كل ناطقةِ المحاسن حرةٍأجرت عليها الرقَ حرُّ المنطقِ
راحت شرود الذكر ينشر طيّهاكرماً يقيد بالثناء المطلقِ
ماشانَ عقد نطاقها ضيقٌ ولاأزرتْ عليها عقدةٌ من منطقِِ
إن أحسنت فلاجل إحسان سرتآمالها في ضوءه المتألّقِ
لولا ندى ماء السماحة ماغداماء الفصاحة مهرقاً في مهرقِ
فكتب لي على يدي كتاباً فلمّا عله صاحبُ عدن اسقط عنّي الآلاف الثلاثة وأبرأني منها فكتبتُ إلى الملك الصالح من عدن إلى مصر أشكره على ذلك قصيدة أولها.
لياليّ بالفسطاط من شاطئي مصرِسقى عهدك الماضي عهاداً من القطرِ
منها في شكر الصالح ومدحه
لقد غمرتني من نداه مواهبٌأضافت إلى عزّ الغنى شرفَ القدرِ
قصدتُ الجناب الصالحي تفاؤلاًوقد فسدت حالي فأصلحني دهري
ولم يرض لي معروفه دون جاههفسيّر كتباً كالكتائب في أمري
كأن يدي في جانبي عدنِ بهاتهزّ على الأيام ألوية النصرِ
وما فارقتني نعمةٌ صالحيّةكأني من مصرٍ رحلتُ إلى مصرِ
فلما وصلت إليه هذه القصيدة قال قد فرّطنا فيه حين تركناه يخرج من عندنا وقد كان الواجب للخدمة والصحبة وأعود إلى تأريخ انفصالي عنه سنة خمسين ثم سافرت من مصر في شوّال سنة خمسين وأدركت الحجّ والزيارة في بقيّة سنة خمسين وورد أمر الخليفة ببغداد وهو المقتفي إلى أمير الحرمين قاسم بن هاشم يأمره أن يركب على باب الكعبة المكرّمة الشريفة باب ساج جديد قد ألبس جميع خشبه فضّةً وطلي بذهب وأن يأخذ أمير الحرمين حلية الباب القديم لنفسه وأن يسير إليه خشب الباب القديم مجردّاً ليجعله تابوتاً يدفن فيه عند موته فلمّا قدمت من الزيارة سألني أمير الحرمين أن أبيع له الفضّة التي أخذها من على الباب في اليمن ومبلغ وزنها خمسة عشر ألف درهم فتوجهت إلى زبيد وعدن من مكّة حرسها الله تعالى في صفر سنة إحدى وخمسين وحججتُ في الموسم منها فدفعت لأمير الحرمين ماله وهممت بالرجوع إلى اليمن فالزمني
أمير الحرمين بالترسل عنه إلى الملك الصالح بسبب جناية جناها خدمه علي حاج مصر والشأم وهو مال أخذ منهم بمكة فخرج الأمر من عند الصالح إلى الوالي بقّوص أن يعوقني بقوص ولا يأذن لي في الرجوع ولا في القدوم إلى باب السلطان حتى يرد أمير الحرمين ما أخذ من مال التجار وقيل ذلك ما نقل إلى الصالح عني أني طعنت في مذهب الإمامية وكان المتشدد في ذلك صهره الأمير سيف الدين حسين بن أبي الهيجان ثم أذن لي الصالح في القدوم إلى الباب فكتبت إليه من مصر.
ولي تحت دار الملك يومان لم تلحلعيني علامات الكرامة والبشرِ
وقد أخذت أيام قوصَ نصيبهافهل نقلتْ تلك السجايا إلى مصرِ
فخرج أمره بإنزالي وإكرامي وأيصالي إليه فأنشدتّه عند السلام عليه قصيدة أصف فيها وقعة العريش مع الإفرنج وأشرت فيها إلى البراءة مما نسب إلى من القول في مذهبه منها.
فأعلمْ وأنت بما أريدُ مقالهمنّى ومن كل البرية أعلمُ
إني حُسدت على كرامتك التيمن أجلها في كل ارض أكرمُ
وبدون ما أسديته من نعمةسدَّىً الرجالُ الحاسدون وألحموا
إن كان ما قالوا وليس بكائنفأنا امرؤ ممن سعى بي آلامُ
عذرٌ كما اختار الحسود وموقفٌألزمتُ نفسي فيه ما لا يلزمُ
كذبٌ وحقك لو حلمتُ بذكرهأقسمتُ أني بعده لا أحلمُ
راجعْ جميلَ الرأي في بنظرةتُضحى عواطفها تسحُّ وتسجمُ
فالليلُ إن أقبلتَ صبحٌ مسفرٌوالصجُ إن أعرضتَ ليلٌ مظلمُ
بدأتْ صنائعُك الجميلُ ومثلُهابأجلَّ من تلك البداية تختمُ
فزال ما كان عنده وعاد إلى أفضل عوائده وأمر لي بمائة دينار وخرج أمره إلى الأمير عز الدين حسام باستخراج ما تأخر لي من رسوم الضيافة من بيت المال ففعل وأمني بملازمة الخدمة في المجالسة والمواكلة والمدح له وتأكدت الحرمة وتضاعفت المزية والاختصاص وكانت تجرى بحضرته مسائل ومذاكرات
ويأمرني بالخوض مع الجماعة فيها وأنا بمعزل عن ذلك أنطق بحرف واحد حتى جرى من بعض الأمراء الحاضرين في مجلس السمر من ذكر السلف ما اعتمدت عند ذكره وسماعه قول الله ﷿ فلا تقعد معهم حتى يخوضوا في حديث غيره ونهضت فخرجت فادركوني وانقطعت في منزلي أياماً ثلاثة ورسوله في كل يوم والطبيب معه ثم ركبت بت النهار فوجدته في البستان المعروف بالمختص في خلوة من الجلساء فاستوحش من غيبتي وقال خيراً فقلت إني لم يكن بس وجع وإنما كرهت ما جرى في حق السلف وأنا حاضر فإن أمر السلطان بقطع ذلك حضرت وإلا فلا وكان لي في الأرض سعة وفي الملوك كثرة فعجب من هذا وقال سألتك بالله ما الذي تعتقده في أبي بكر وعمر قلت اعتقد أنه لولا هما لم يبق الإسلام علينا ولا عليكم وأنه ما من مسلم إلا ومحبتهما واجبة عليه ثم قرأت قول الله
تعالى ومن يرغب عن ملذة ابراهيم إلا من سغنه نفسه فضحك وكان مرتاضاً حصيفاً قد لقى في ولاياته فقهاء السنّة وسمع كلامهم ومما يلتحق بهذا الفصل أني لم أشعر في بعض الأيام حتى جاءتني منه رقعة فيها أبيات بخطّه ومعها ثلاثة أكياس ذهباً والأبيات قوله.
قل للفقيه عمارةٍ يا خير منأضحى يؤلف خطبةً وخطابَا
أقبلْ نصيحةَ من دعاك إلى الهدىْقل حطةُ زادخلْ إلينا البابا
تلقَ الأئمة شافعين ولا تجدإلا لدينا سنة وكتابَا
وعلى أن يعلو محلك في الورىوإذا شفعتَ إلى كنتَ مجابَا
وتعجلَّ الآلاف وهي ثلاثةصلةٌ وحقِكَ لا تُعدُ ثوابَا
فأجبته مع رسوله بهذه الأبيات
حاشاك من هذا الخطاب خطاباًيا خير أملاك الزمان نصاباً
لكن إذا ما أفسدت علماؤكممعمور معتقدي وصار خراباً
ودعوتم فكري إلى أقوالكممن بعد ذاك أطاعكم وأجابا
فأشدد يديك على صفا محبّتيوأمنن على وسدّ هذا البابا
وهذه نكت من مواقع استحسانه لجيد الشعر نافق بهرام الغزي أحد غلمانه وتوجّه يد الصعيدي فأدركه العسكر فقتل أخوه وجماعة من الغزّ ودخل بهرام أسيراً على جمل ومن معه من الغزّ وخليهم قلائع مجنوبه تحت الجمال وكان الصالح يكرر استحسانه بيت قلته من قصيدة ثابتة في الديوان وهو قولي.
تسموا إبلاً تتلو قلائعهمياعزة السرج ذرقى ذلّة القتيبِ
وكان يستحسن قولي في طرخان سليطٍ حين صلب
وأتى دليل الحق أقوالهمودعوت فكري عند ذاك أجابا
أراد عل منزلة وقدرفأصبح فوق جذع وهو عالِ
ومدّ على صليب الجذه منهيميناً لا تطول على الشمالِ
ونكّس رأسه لعتاب قلبٍدعاه إلى الغواية والضلالِ
ويستحسن
ولو لم يكن أدرى بما جهل الورىمن الفضل لم تنفق عليه الفضائلُ
لئن كان منّا قاب قوسٍ فبيننافراسخ من إجلاله ومراحلُ
ومن هذا النمط
أزال حجابه عني وعينيتراه من الجلالة في حجابِ
وقربني تفضّله ولكنبعدتُ مهابةً عند اقترابي
وهو شيء كثير في الديوان ولم تكن مجالس أنسه تنقطع
إلا بالمذاكرة في انواع من العلوم الشرعية والادبية وفي مذاكرة وقائع الحروب مع أمراء دولته وكانت أحواله طوراً له وتارة عليه فمّما هو عليه فرط العصبية في المذهب ولو شرحت هذه الواحدة لكثرت وطالت واتسعت وعالت ومنها جمع المال واحتجانه وهذه هي غرامه وأشجانه ومنها الميل على جانب الجند وأضعافهم والقصّ من أطرافهم وأما التي له فكانت مرتاضاً قد شمّ أطراف المعارك وتميز على أجلاف الملوك الذين ليس عندهم إلا خشونة مجرّدة وكان شاعراً محب الأدب وأهله ويكرم جليسه ويبسط أنيسه. وكان كرمه أقرب إلى الجزيل من الهزيل، ودخلت إليه ليلة السادس عشر من شهر رمضان سنة ست وخمسين وخمس مائة قبل أن يموت بثلاث ليال بعد قيامه من السماط ولم أكن رأيته من أول الشهر بليل فأمر لي بذهب وقال لا تبرح ودخل ثم خرج إلى وفى يده قرطاس قد كتب
النص من طبعة مرسو بشالون (١٨٩٧م)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع