تجاوز إلى المحتوى

من «الهفوات النادرة» لغرس النعمة الصابئ (ت ٤٨٠هـ)

الهفوات النادرة (٣)

وحكى أبو حاتم قال: أنبأنا أبو عبيدة قال: كان سليمان ابن عبد الملك أقام بدابق أياماً سأل عن أخبار جش من المسلمين بالروم، قال: فقال المفضل بن المهلب: فدخلت إليه يوم الجمعة، وقد دعا بثياب فاخرة، ثم اعتم وأخذ المرآة، فلم تعجبه الثياب، فدعا بثياب خضرٍ كان بعث بها إليه يزيد بن المهلب، فلبسها واعتم ونظر في المرآة فأعجبه نفسه، فقال: إيه يا بن المهلب أأعجبتك؟ فقلت: إي والله يا أمير المؤمنين، ومثلك أعجب قال: فحسر عن ذراعيه وقال: أنا الملك الشاب! ثم خرج فصلى الجمعة، وما صلى بعدها، وكان سبب موته أنه أتخم، أكل زملين: أحدهما تين والآخر بيض، ثم أكل صفحة مملوءة مخاً، فقال بعض شعراء كلب:

أعوذ بربِّ الناس من شرِّ أكلةٍيكونُ كوؤسَ الموت صرفاً كفاؤها
كدأبُ سليمانُ الذي كانَ داؤهردة أكلةٍ كان الحمامَ دواؤها
ولم ضمَّ بطنُ الفيلِ ما ضمَّ بطنهلفضت ضلوعٌ وانفرت حاوياؤها
وما ضمَّت في الأرضِ حتى تفتَّقتْحواياه واستولى على الترُّب ماؤها
فيا نهماً أردى سليمانَ إنَّماهدمت العلا فارفضَّ منها بناؤها
فليتَ الذي أهدى فداك بنفسهفسيقَ إليها حتفها وفناؤها

فلما بلغت هذه الأبيات بني أمية قالوا: والله ما ندري أهجاه أم رثاه!.

وحدث أبو الحسن أحمد بن محمد بن المدبر قال: كان بدء خروجي إلى الشام أن المتوكل خرج يتنزه بالمحمدية، ونخلا به الكتاب هناك فأحكموا أمري معه وأنا لا أعلم، ثم بعثا إلى وأنا لا أدري لم أحضرت، فصرت إليهم وهم مجتمعون، فلخما وصلت قالوا لي: إن أمير المؤمنين قد أمر أن تخرج إلى الرقة، فكم تحتاج إلى نفقتك؟ قلت: إلى ثلاثين ألف درهم، فما برحت حتى سلموها إليَّ وقالوا: تخرج الساعة! قلت: أودع أمير المؤمنين، قالوا: ما إلى ذاك من سبيل! قلت: فأصلح أمري مدة ثلاثة أيام، قالوا: ولا إلى ذاك، ووكلوني وخرجت وأنا في حالة المتولين المنصرفين، لا المتولين المتصرفين، وحثوني لفي السير، وأنا رجل خائف مستشعر، فلما قاربت الرقة أردت الدخول إليها فأدركت الليل، وإذا بإعرابي ناحية عنا، ومعه إبل يحدوها، فتفاءلت بقوله فأصغيت إليه فإذا به يقول:

كم كرَّةٍ حفَّت بكَ المكارهُخارَ لكَ اللهُ وأنتَ كارهُ

ولم يزل يكررها، فقويت نفسي وزال شغل قلبي، ودخلت الرقة، فما أقمت بها أياماً حتى ورود علي كتاب المتوكل بالخروج إلى الشام للتعديل، وأجرى علي مائتي ألف درهم، ويقول: إنَّ هذا ش كان المأمون نهض فيه بنفسه لجلالته وعظم خطره، وأنه قد رآني أهلاً له! فخرجت من الرقة إلى الشام، ورأيت كل ما أحببت، حتى لو بذلت لي العراق بأسرها عوض ذاك لما طبت نفساً!

وقال أبو علي القنائي: حدثن جدي قال: بكرت يوماً إلى موسى بن عبد الملك، وحضر داود بن الجراح فوقف إلى جانبي فقال: كان لي أمس خبر طريف: انصرفت من ها هنا فوجدت في منزلي امرأة من شرائف النسا، فشكت موسى بن عبد الملك إلى وقالت: قد حاول أن يأخذ ضيعتي الفلانية، وأنت تعلم أنها عمدتي في معيشتي، وأن في عنقي صبية أيتاماً، فأي شي تدبر في أمري: أبيعها له وأصبر على أذاه إلى أن يفرج الله تعالى منه؟ فقلت لها: أما التدبير في أمرك فما لي حيلة، وأما المشورة فقد قال النبطي: "لا تبع أرضك لأجل الشرير الردي، فإنه يموت والأرض تبقي" فدعت لي وانصرفت، واتفق لي وهي تحدثني بذاك أن موسى وراء الباب الذي نحن قعود عليه، فسمع الحديث، ثم خرج وقال لداود: يا أبا سليمان، لا تبع أرضك من أجل الشرير الرديء فإنه يموت والأرض تبقى؟ ومشى ومشينا وراءه فقال لي داود: هذا والله هو اتفاق الهلاك! إلى أين أهرب! أين أقصد؟ كيف أتخلص؟ أفكر لي وأشر علي قبل أن تنفد طريقنا وقبل نزولنا معه إلى الديوان!.

فقلت: والله ما أدري! فرفع يده إلى السماء وقال: اللهم! اكفني شره وضره فإنك عالم بقصتي وأني ما زلت إلا الخير! واشتد قلقه وكثر بكاؤه ودعاؤه، وقربنا ن الديوان، فقال موسى: متى حدث هذا الجبل الأسود في طريقنا!! ومال عن سرجه حتى سقط وأسكت، فحمل إلى منزله وكان آخر العهد به.

وكتب عامل للمنصور وعلى فلسطين يذكر أن بعض أهلها وثب عليه، واستغوى جماعة منهم، وعاث في العمل، فكتب إليه المنصور: "دمك ومرتهن به إن لم تنفذه إليَّ! " فصمد له العامل حتى أخذه، ووجه به إليه، فلما مثل بين يديه قال له: أنت المتوثب على عاملنا! لأنثرن من لحمك أكثر مما يبقى منه عظمك .. وكان شيخاً كبيراً ضئيل الصوت، فقال:

أتروض عرسكَ بعدما هرمتْومن العناء رياضةُ الهرمِ

فلم يفهم المنصور جوابه، وقال للربيع: ما قال؟ فقال الربيع: قال:

العبدُ عبدكمُ والمالُ مالكمُفهل عذابك عني اليومَ مصروف

فقال: يا ربيع قد عفوت عنه، فخل سبيله، واحتفظ به، وأحسن غليه، قال الربيع: ولما خرج الرجل قصدني وخدمني، فشرحت له القصة، وكاد يموت فرقاً.

وحكى أن عبيد الله بن زياد لما ربني البصرة داره البيضاء بعد قتل الحسين بن علي ﵉ صور على بابها رؤوساً مقطعة، وفي دهليزها أسداً وكبشاً وكلباً، وقال تفاؤلاً: أسد كالح وكبش ناطح وكلب نابح، فمر بالباب إعرابي فقال: أما إن صاحب هذه الدار لا يسكنها إلا ليلة واحدة! فرفع الخبر إلى عبيد الله بن زياد، فأمر بالأعرابي فضرب وحبس، فما أمسى حتى قدم رسول ابن الزبير إلى قيس ابن السكن، ووجوه أهل البصرة لفي أخذ البيعة له، ودعا الناس إلى طاعته فأجابوه، وراسل بعضهم بعضاً في الوثوب على عبيد الله من ليلتهم، فأنذره قوم منهم، وهرب في ليلته تلك التي انتقل إلى الدار في يومها، واستجار بالأزد فأجاروه، ووقعت الحرب المشهورة بينهم وبين تميم بسببه، حتى أخرجوه فألحقوا بالشام، وكسر الحبس، وأخرج الإعرابي ولم يعد ابن زياد إلى البصرة، وقتل في وقعة الخازر.

وروى الحرمازي قال: خرج أبو العباس السفاح ذات يوم بعد فراغ مدينته التي بالأنبار متنزهاً نحو الخورنق في بعض أيام الربيع، ومعه جماعة عمومته وسائر مواليه وخاصته، فدعا بغدائه، فبيناهم على طعامهم وانبساطهم وأنسهم إذ طلع عليهم أعرابي، فوقف بإزائهم، وأشار بالسلام، فأومأ إليه أبو العباس، فدنا، فلم يزل يدنيه حتى قرب منه، وأمر بغسل يده فغسلت، وأحضره الطعام فأكل أكل نهم إلى أن انتهى، قم أقبل على السفاح فقال: بأي أنت وأمي، ما أحسن وجهك وأكرم فعلك! انتسب لي أعرفك، فتبسم وقال: رجل من اليمن، ثم من بني عبد المدان! فقال: شريف ولكني أشرف منه! فقال السفاح: فانتسب لي أعرفك! فقال: أنا رجل من قيس عيلان، ثم من بني عامر بن صعصعة، فقال السفاح: أنت لعمري شريف، ولكني اشرف منك! فقال: لا ورب الكعبة، ما بنو الحارث بن كعب اشرف من بني عامر، إلا أن تكون عارضتني في نسبك! فقال له: ما عارضتك، وإنهم لأحد طرفي، قال له: فعرفني بأبي أنت وأمي الطرف الآخر لأثبتك! قال: رجل من بني هاشم! قال: بخ بخ رهط رسول الله ﷺ فما قرابة بينك وبين هذا الملك؟ قال: قرابة قريبة! قال: بأبي أنت، وهو الشروي الحميمي؟ قال: نعم هو هو?! قال: يا بني اكتم علي حديثاً أحدثك عنه? قال: أفعل فقل منبسطاً، فلا عين عليك، قال: بأبي أنت، لقد رأيته وهو غليم يفعة يرمي في غرض بالحميمة، فيجمع في كنانته بعض سهامه ثم يرمي الطائر فيصيبه ثم يقربه إلى نار بالقرب منه، فحين يظن أن النار قد عملت فيه يبادر فيخرجه خوفاً أن يغلبه أحد عليه حتى ينتهشه فيأتي عليه مع لحمه وفحمه، ولا يشركه فيه عشير ولا أجير? فصاح به داود بن علي عم السفاح: اسكت فض اله فاك وأسكت نأمتك، أتدري من تخاطب؟ إنما تخاطب أمير المؤمنين: فقال السفاح: مه يا عم، ما هذه المعاشرة الفظة، رجل تكلم على الأنس والانبساط، مأذون له، مستدعى ذلك منه، بعد أن تحرم بنا رعيته وأزعجته وقطعته عن حديثه! ثم أقبل على الأعرابي فقال: تكلم عافاك الله، فلما سمع الإعرابي وما كان من داود بن علي ثاب إليه عقله وأدركه ذهنه، واستيقظ من غفلته، وانتبه لهفوته، فقال له: لقد كنت أرى في هذا الملك أمارات الخير ودلائل العلو، وأنه سيملك ما بين بيتها، لفضحك السفاح وقال له: وما تلك الدلائل؟ قال: بهد الهمة وشرف الطبيعة ولين الجانب وبذل النائل والصفح عن الجاهل يعني نفسه مع مركبه الكريم ومحتده الشريف العظيم وموضعه من النبوة، فازداد تعجب السفاح من فصاحته وحسنة بيانه، وأمر له بعشرة آلاف درهم، وكساه وحمله، ثم قال: يا أخا بني عامر، إن كنت رأيت ما رألأيت إذ ذاك فكان يومئذٍ الموجود، وهذا أوان الجود!.

وحكي أن الحجاج انفرد يوماً من عسكره في سواد واسط، فمر ببستاني يسقي ضيعته، فوقف معه وقال: يا بستاني، كيف حالكم مع الحجاج؟ فقال: لعنه الله، المبيد المبير، الحقود الحسود، وعاء النقمة، سافك الدماء غير حلها، المفرق بين الحبيبة ونخلها، جاعل النسا أيامى والولدان يتامى، والروح شيئاً معدوماً، والمال إرثاً مقسوماً، عجل الله منه بالانتقام، وصرف معرته ومضرته عن المسلمين والإسلام! فقال له الحجاج: أتعرفني؟ قتال: لا، قال: فأنا الحجاج! فرأى البستاني دمه طائحاً وموته لائحاً، فرفع عصاً كانت بيده عليه وقال: أتعرفني، أنا أبو ثور المجنون، وهذا يوم صرعي! وأزبد وأرغى وهاج وعدا، وأراد أن يضرب رأسه بالعصا، فضحك الحجاج منه ومضى.

وقيل لما قلد السفاح يحي أخاه الموصل ونواحيها، وكان مقداماً ناقص العقل، متخلفاً في جميع أمورهن وكان يفعل أشياء غير مشاكلة لشرفه وأبوته، فوجه معه السفاح بجماعة مع مشايخ الدعوة، ويقومون أمره ويسددونه، ويكاتبون الناس عنه، وكان يحيى مشتهراً بالشراب وحب المخنثين، لا يختار عليهم غيرهم، فتقدم إلى رجل بالموصل حاذقٍ بصنعة الطبول باتخاذ عدد منها، واستعمله على تقديم عملها، فتهيأ أن فرغ من واد في يوم جمعة عند النداء بالأذان، فصار به إلى يحيى في دار الإمارة وهي بقرب الجامع، وبينها وبين الجامع باب في ممر طويل قد فرش بلاط، فصادف يحيى وقد ركب بغلة محرمة، وهو ماض في الممر إلى الجامع، وعليه سواده وشايته فقال له: ابن تلك الحاجة؟ فقال: معي منها واحد فقال: هاته، فلما رآه استفزه السرور به إلى أن جعله في عنقه، ووقع عليه بيده ليذوقه بزعمه ويعرف صفاء صوته، فساعة سمعت البغلة سوته حملت به نحو الجامع، ومع المكبرون وقع حافر البغلة على ذلك البلاط فرفعوا الستر، واقتحمت به البغلة إلى وسط الناس على حالة القبيحة، فنظر الناس منه إلى منظر لم يكن في الإسلام مثله، فمن بين متعجب وضاحك وقاذف، وأخذه الحصى من جميع المسجد، فما أفلت إلا بحشاشة نفسه! وشغل الناس به عن صلاتهم، وكتب إلى السفاح بذلك فاستعظمه وصرفه ولم يستعن به مدة أيامه.

وحدث أبو العباس المبرد قال: دخل خالد بن صفوان علي أبي العباس السفاح، فوجده خالياً، فقال: يا أمير المؤمنين أنا أترقب منذ تقلدت الخلافة أن أجدك خالياً، فألقي إليك ما أريده، قال: فاذكر حاجتك، قال: يا أمير المؤمنين إني فكرت في أمرك فلم أرد ذا حالة في مثل قدرك أقل استماعاً بالنساء ولا أضيق فيهن عيشاً منك، لأنك قد ملكت على نفسك امرأة واحدة، واقتصرت عليه، فإن مرضت مرضت، وإن غابت غبت، وإن غضبت حرمت! إنما التلذذ باستطراف الجواري ومعرفة اختلاف أحوالهن والاستمتاع بهن، فلو رأيت يا أمير المؤمنين الطويلة البيضاء والسمراء اللفاء والصفراء العجزاء والغنجة الكحلا والمولدات من المدنيات والملاح من القندهاريات، ذوات الألسن العذبة والقدود المهفهفة والأصداغ المزرفنة والذي المحققة! وجعل خالد بعذوبة لفظه واقتدار تعلى وصفه يزيد في قوله، فلما فرع من كلامه قال له: واله يا خالد ما سلك شمعي قط كلام أحن من هذا، فأعد علي قولك، فقد حرك مني ساكناً، فأعاد سمعي قط كلام أحسن من هذا! فأعد علي قولك، وبقي السفاح مفكراً عامة نهاره إذ دخلت عليه أم سلمة المخزومية زوجته، فلكما رأته دائم التفكير كثير السهو قليل النشاط ارتعت له؟ فقال لها: لم يكن من ذلك شي، قالت: فما قصتك؟ فجعل يوري عنها، فلم تزل به حتى حدثه، قال: فما قلت لابن الفاعلة؟ قال لها: سبحان الله؟ رجل نصحني تسبينه، فخرجت من عنده متميزة غضباً، وأرسلت إلى خالد بجماعة من مواليها وغلمانها العجم ومعهم الكافر كوبات، وأمرتهم ألا يتركوا فيه عضواً صحيحاً، قال خالد: وانصرفت وأنا على غاية السرور بما رأيت السفاح عليه من إعجابه بما ألقيته إليه، فقعدت على بابي أتوقع صلته، فلم أشعر إلا بالغلمان، وتحققت مجيئهم بالجائزة، حتى وقفوا على رأسي، وسألوني غني فقلت: هأنذا، فبقي بعضهم بهراوته فأهوى بها إلي، فوثبت ودخلت داري، وغلقت بابي واستترت وعرفت هفوت وزلتي في فعلتي وكلمتي، وعلمت من حيث أتيت، ومكثت أياماً مستتراً، فلم أشعر ذات يوم إلى بجماعة من خدم السفاح قد هجموا علي فقالوا: أجب أمير المؤمنين، فأيقنت بالهلكة، فركبت معهم وأنا بلا دم، فلما دخلت عليه وسلمت فرد علي سكنت نفسي بعض السكون، وأومأ إلي بالجلوس فجلست، ونظرت فإذا خلف ظهره باب عليه ستور قد أرخيت، وأحسست بحركة خلفه، فقال لي: يا خالد لم أرك منذ أيام فاعتللت عليه، فقال لي: ويحك إنك وصفت لي آخر يوم كنت عندي فيه من أمر النسا والجواري ما لم يخرق سمعي قط مثله، فأعده عليَّ!.

قلت: نعم يا أمير للمؤمنين، أعلمتك أن العرب اشتقت اسم الضرتين من الضر، وأن أحدهم لم يكن عنده من النسا أكثر من واحدة إلا كان في جهد وكد، وقال له السفاح: ويحك لم يكن هذا في كلامك! قال: قلت له بلى، والله لقد أخبرتك أن الثلاث من النساء كأثافى القدر تغلي عليهن! قال السفاح: برئت من قرابتي من رسول الله ﷺ إن كنت سمعت هذا منك في حديث! قلت: بلى وأخبرتك أن الأربع من النساء شر مجموع لمن كن عنده، إنهن يهرمنه وينغصن عليه عيشه ويشيبنه قبل حينه! قال: ويلك والله ما سمعت هذا قط منك ولا من غيرك! قلت: بلى يا أمير المؤمنين لقد قلت؟ قال: ويلك تكذبني؟ قلت: يا أمير المؤمنين فتريد قتلي؟ قال: مر في حديثك .. قلت: وأخبرتك أن أبكار الجواري كالرجال، ولا لا خصي لهن، قال: فسمعت ضحكاً شديداً وراء الستر، قلت: نعم يا أمير المؤمنين، وأعلمتك أن عندك ريحانة قريش وأنه لا يجب أن تطمح نفسك إلى شي من النساء غيرها! قال خالد: فسمعت من وراء الستر: "صدقت واله يا عماه ولكن أمير المؤمنين غير وبدل ونطق عن لسانك بغير ما ذكرته له! " فقال السفاح: مالك قاتلك اله، فما رأيت قط أبهت منك! قال: فخرجت من حرضته فلم أصل إلى منزلي حتى وجهت إلى أم سلمة ثلاثة تخوت فيها أنواع الثياب، وخمسة آلاف درهم.

وذكر أبو القاسم الإيادي قال: قال لي أبي أن أبا العباس السفاح لما دخل عليه مشايخ بني أمية، وكان الغمر بن يزيد بن هشام رئيسهم، فلما نظر إليه السفاح قال الغمر:

عبدُ شمسٍ أبوكَ وهوَ أبونالا نناديكَ من مكانٍ بعيدِ
للشاعر ابن الرومي، من قصيدة «أيها السيد الذي ورث السؤدد»
والقراباتُ بيننا وأشجاتٌمحكمات القوى بعقدٍ وكيدِ

فأعده على سرير ملكه ثم قال له: إني أحب أن أخلطكم بنفس، وأقعدهم يميناً وشمالاً، إذ دخل عليه سد ف بن ميمون، فأنشده: عمر الدينُ فاستنارَ مليا فلما أتى على آخر القصيدة قال السفاح: يا بن هشام وكيف ترى شاعرنا؟ قال لنحينه وإدبار بني أمية إن شاعرك وإن شاعرنا لشاعر! قال: وما قال شاعركم، قال: قال:

شمسُ العداوةِ حتى يستقادُ لهمْوأعظمُ النَّاسِ أحلاماً إذا قدروا
للشاعر الأخطل، من قصيدة «خف القطين فراحوا منك أو بكروا»

فهاج من أبي العباس عرقٌ كان قد سكن، وقال: وما قال شاعركم أيضاً؟ قال: قال:

لو تحملُ السُّحبُ والأجبالُ مثقلةًأحلامهم تركت عقري الأباهيرِ
لا يعبثونَ إذا لجَّت مخاصرهمزينُ المجالسِ فرسانُ المنابيرِ

فدر عرق بين عيني السفاح، واحمرت عيناه، ثم ضرب بيده على فخذ الغمر وقال:

طعمت أميَّةُ أن تجاوزَ هاشمٌعنها ويذهبَ زيدها وحسينها
كلاّ وربِّ مُحمدٍ ومليكهِحتَّى يبيدَ كفورها وخؤونُها
فتذلَّ ذلَّ حليلةٍ لحليلهابالمشرفي وتستقصَّ ديونها

ثم قال لهم: قوموا! فقاموا إلى مقصورة كانوا نزلوها، ثم دعا ثلاثة وسبعين رجلاً من أهل خراسان فأعطاهم الخشب وقال: أشدخوهم، فشدخوهم، قال سديف: فوالله ما خرجت من الأنبار حتى رأيتهم منكبين لعراقيبهم، وقد نهشت الكلاب رؤوسهم.

ولما حاصر عبد الله بن علي دمشق لم يقدر عليها حتى وقع الخلف بين اليمانية والمضرة من أهلها، واختلفوا وتلاعنوا في المساجد، واقتتلوا بالأيدي والنعال، فآل ذاك إلى فتحها له، وفي مدة ذلك الخلف نصبوا في الجامع قبلتين: هؤلاء يخطبون لبني هاشم ويصلون، وأولئك يخطبون لبني أمية ويصلون، فأقاموا شيخاً لهم يوماً فقالوا له: قم واخطب وعير الناس بالفرقة، وحثهم على الجماعة والألفة، وذكرهم بالله تعالى والإسلام وصلة الرحم، وكمان الشيخ مغفلاً، فقام فخطبهم وحض على الألفة والصلح والجماعة، ثم قال: فأصبحتم كمنا قال الله تعالى: "فريقٌ في الجنَّةِ وفَريقٌ في السَّعيرِ" فتضاحكوا منه تفرقوا عنه.

وحدث أبو العباس ثعلب قال: حدثنا الزبير بن بكار عن أبي عثمان بن عمر التيمي قاضي مروان بن محمد قال: رأيت في منامي كأن عاتكة بنت عبد الله بن يزيد بن معاوية ناشرة شعرها وهي واقفة على مرقاتين من مراقي منبر الرسول الله ﷺ وهي تنشد بيتين من قصيدة الأحوص التي أولها:

يا بيتَ عاتكة الذي أتغزَّلُحذرَ العدا وبهِ الفؤادُ موكَّلُ
أين الشبابُ وعشنا اللذُ الذيكنّا به زمناً نرُّ ونجذلُ
ذهبت بشاشته واصبحَ ذكرهحزناً يعلُّ الفؤادُ وينهلُ
للشاعر الأحوص الأنصاري، من قصيدة «يا بيت عاتكة الذي أتعزل»

قال أبو عثمان التيمي: فلم يكن بين ذلك وبين الحادثة على بني أمية إلا أقل من شهر.

ووجدتن بخط محمد بن سعد قال: كان الحزار يقول: من أعجب أحاديث مروان بن محمد رواه المدائني قال: لما حاصر مروان تجمر فظفر بها وهدم سورها، أفضى إلى جرن طويل، فلم يشك مروان والحاضرون أن تحت كنزاً، فنبشوه، وإذا امرأة مسجاة عظيمة الخل على قفاها، فوق سرير من حجارة، عليها سبعون حلة منسوجة بالذهب جرباناتها، ووجد لها غدائر من رأسها إلى رجليها، فذرع قدمها فكانت كعظم الذراع، وكان طولها سبعة أذرع، وغذ عند رأسها صفيحة من نحاس مكتوب عليها بالحميرية، فطلب من يقرؤه، فإذا فيه: "أنا تجمر بنت حسان بن أذينة بن السميدع بن هرمزة العماليقي، من دخل على بيتي هذا فأزعجني منه حتى يراني أدخل الله عليه المهانة والذل والصغار! ". فلما قرء الكتاب على مروان عظم عليه، وندم على ما كان منه، وتطير بذلك، وجعل يسترجع، ثم أمر بطبق الجرن، وأن يرد إلى موضعه، وما كان ذلك بين الظفر به وزوال الملك عنه وقتله واستباحة حريمه وحرمه إلا شهور!

ولما آمن المنصور ابن هبيرة حضر عنده وأقام في معسكره، فقال يوماً للمنصور وهو يحاوره: "إيها لله أنت! " ثم قال: أستغفر الله، فرب العهد والله بالإمارة أنساني ما صرت إليهن وكانت هذه كلمته يقولها كثيراً، فغلط فخاطب بها المنصور، ثم استرجع.

ودخل عيى بن عل على أبي العباس السفاح ف علته التي توفي فيها فقال له: يا أمير المؤمنين قد اصبح وجهك مسفراً ومنتك قوية! فقال: لا تقل هذا فإني أصبحت وقد استشعرت الموت، وما أراني أعيش بعد يومي هذا إلا أربع ليال، فقال: أعيذك بالله! قال: هو والله ما قلت لك، قال: وما السبب في ذلك؟ قال: لأني رأيت البارحة في منامي كان آتياً فقال انزع عنك ثيابك فإن المرض قد دنها، قلت: فإن المريض يلبس الثياب الدنسة، قال: لم أرد الثياب إنما أردت الخلافة! قال فهتف به هاتف سمعت صوته ولم أره فقال: لا تعجل، اتركها عليه أربعاً ثم خذه بنزعها، فقال: أربع ماذا؟ فقال: أربع ليال، قال له: فإلي من أدفعها، قال: إلى عبد الله الطويل، فإنه قد استحق لبسها، قال عيسى: فجزعت من قوله، وذهبت لأشجع نفسي وأقوي قلبه، فقال لي: اله عن هذا فقد استيقنت أني لا أعيش أكثر من هذه المدة! وجدد البيعة لأخيه، ومات بعد أربع ليال.

وحدث أبو محمد بن عبد اله بن الحسن عن أبي خثيمة قال: نظر أبو العباس السفاح يوماً وجهه في المرآة، وكانت له وفرة تبلغ شحمة أذنه، وكمان من أحمد الناس وجهاً، فأعجب بنفسه وقال: الله عمرني في طاعتك طويلاً ممتعاً بالعافية، فسمع غلاماً يخاطب آخر في شي كان بينهما فقال له: ميعادك إلى شهرين، وهو آخر ما بيني وبينك! فتطير السفاح من ذلك وجزع جزعاً شديداً وقال: اللهم إنه لا حول ولا قوة لي إلا بك! فيقال إنه لم تمض عليه أيام حتى مرض، وكان موته بعد شهرين من نظره في المرآة.

ووجد بخط إسحق بن سعيد قال: حدثنا عمر بن شبه قال: لما فرغ السفاح من بناء مدينته بالأنبار، وذلك في ذي القعدة سنة أربع وثلاثين ومائة قال لأبي محمد عبد الله بن حسن بن حسن: يا أبا محمد ألا تحب أن ترىمدينتنا هذه؟ ثم أخذ بيده يماشيه ويطوف معه فيها، فلما توسطها أنشد عبد الله بن حسن متمثلاً:

بيننا يوسّع في الدنيا مدينتَهقاسوا له جدثاً ضنكاً بمقياس

فأنكر ذلك أبو العبا، وتطير من إنشاده وتغير له وجهه، وعرف عبد الله خطأه فجعل يتنصل إليه ويحلف أنه ما تعمد ذلك، ولكنه رمي به على لسانه، فقبل ذلك منه قبول كاره جزعٍ.

وقال المنصور: صحبت رجلاً ضريراً إلى الشام وهو يريد مروان بن محمد بشعر مدحه به، فسألته أن ينشدنيه فأنشد:

ليتَ شعري أفاحَ رائحةُ الطِّيبِ وما إنْ إخال بالخيف إنْسي
حين غابت بنو أميةَ عنهُوالبهاليلُ من بني عبدِ شمسِ
للشاعر أبو العباس الأعمى، اقرأ القصيدة
خطبهُ على المنابر فرسانٌ عليها وقالةٌ غيرُ خرسِ
لا يعابونَ صامتينَ وإن قالوا أصابوا ولم يعابوا بلبسِ
بحلومٍ إذا الحلوم ستخفتووجوه مثل الدنانير ملسِ

قال: فو الله ما فرغ من إنشاده حتى ظنت أن العمر قد أدركني، وحججت في سنة إحدى وأربعين ومائة، وأنا خليفة، فنزلت عن الجيزة أمشي في جبلي زرود لنذر كان علي، فإذا أنا بالضرير، فأومأت إلى من معي أن تأخروا، وتقدمت إليه فسلمت عليه، وأخذت بيده، فقال: من أنت جعلني الله فداك، قلت: رفيقك إلى الشام وأنت تريد مروان بن ممد، فسلم علي وأنشأ قول:

آمتْ نساءُ بني أميَّةَ بعدهموبناتهم بمضيعةٍ أيتامُ
نامتْ جدودهمُ وأسقطَ نجمهموالنَّجمُ يسقطُ والجدودُ تنامُ
للشاعر السيد الحميري، اقرأ القصيدة
خلتِ المنابرُ والأسرَّة منهمُفعليهم حتَّى المماتِ سلامُ
للشاعر أبو العباس الأعمى، اقرأ القصيدة

قلت له: كم كان مروان أعطاك؟ قال: أغناني فلا اسأل أحداً بعده، أعطاني أربعة آلاف دينار، وملكني الجواري والغلمان، قلت: وأين ذاك؟ قال: بالبصرة، قال المنصور: فهممت به ثم ذكرت حرمة الصحبة، فقلت له: أتعرفني؟ قال: ما أثبتك من معرفة ولا أنكرك من سوء، قلت: أنا المنصور أمير المؤمنين، فوقع عليه الرعدة ثم قال: يا أمير المؤمنين أقلني عثرتي فإن القلوب جبلت على حب من أحسن إليها، وبغضِ من أساء إليها! فانصرفت عنه، فلما نزلت المنزل بدا لي في مسامرة الضرير، فتقدمت بطلبه فلم يُر.

وقيل إن رجلاً وقف على شيرويه بن أبرويز، وقد رجع من المياد، فأراد مدحه والدعاء له والتقرب إليه فقال: الحمد لله الذي قتل أبرويز على يدك، وملكك ما كنت أحق به منه وأراح آل سلسان من جبريته وعتوه وبخله وكبره، فإنه كان يأخذ الأجنة، ويقتل بالظن ويخيف البريء ويعمل بالهوى! فقال شيرويه لبعض حجابه: احمله إلي، فحمله، فقال: كم كان رزقك في حياة أبرويز؟ قال: رزقي الآن لم يزد ولم بنقص، قال: فهل ترك أبرويز فانتصرت منه بما سمعت من كلامك الآن، قال: لا والله، قال: فما دعاك إلى الوقوع فيه ولم يكن له إليك ما يقتضيه؟ قال: أردت أيها الملك شكرك والثناء عليك، فأخذني لساني بما سمعت وجذبني إلى ما رأيت! فقال: انزعوا لسانه من قفاه، ففعل به ذاك، وقال شيرويه: لحق ما يقال: إن الخرس خير من البيان بما لا يجب!.

وحدثني الوزير فخر الدولة أبو نصر بن جهير قال: قصدت ملك الروم، في رسالة زعيم الدولة أبي كامل بركة بن المقلد أمير بني عقيل، فرأيت ابن بطلان الطبيب هناك، فأنس بي وخدمني وأكرمني فقلت، له يوماً: اجتزت بطرسوس فرأيت قبر المأمون شعثاً دراساً، فغمني ذاك، فلو أمر الملك فيه بالعمارة لكان له فيه الجمال وحسن الأحدوثة! فقال لي: أحدثك بشيء ط ريف، رأيت القبر عند قصدي لهذا الملك وأردت أن أحثه على هذه المكرمة، واعتزمت يوماً على ذاك، وابتدأت لأذكر محاسن المأمون وآثاره الجميلة التي تحث مثل هذا الملك على ما رمته منه في معنى قبره، فلم تق خطيئة أو غلطة أو نادرة، من قبيح المأمون إلا أوردتها، وهو يضحك ويستهزئ، فتعذر علي ما أردته من قصدي، وأمسكت على ذاك، ولم يبق لي سبيل إلى ما أردته فيه، ورأيت في منامي في تلك الليلة كان المأمون يقول لي: لا أحسن الله جزاك عني، محاسني وأفعالي الجميلة قد طبقت الأرض فما ظفرت منها بحكاية ولا خبر ولا حديث قبحك الله! فانتبهت منزعجاً، وبقيت مما اتفق لي متعجباً!.

قال الوزير: فحصل ذاك في نفسي، فاتفق أن حضرت يوماً عند الملك وقد جلس فيه للمظالم، فحكم وأمر وأنصف وعدل، وفعل كل فعل جميل مليح استحسنه منه حسدته عليه، وحضرت امرأة تدعي ضيعة غصبها ولده عليها، فحكم لها بها عليه، وانتزعت الضيعة منه وردها إليها، فذكرت خبر المأمون والعباس ابنه مع المرأة التي شكت من اغتصابه ضيعتها وحكمه لها بها وأخذها منه وإعادتها، فأوردته عليه فحين سمعه طرب له وأعجب به، وقال للبطارقة ومن كان حوله: أما ترون إلى اتفاق فعلي وفعل صاحبهم، وزاد في استحسان ذلك وفي ذكره، فقلت: أيها الملك، وداك الإمام في جوارك، وقبره دارس، ولو تقدمت بعمارته لكن لك فيه الجمال الأكبر والذكر الأزهر! فلم يجيبني عن ذاك، وجاء الشتاء فلم يمكنني الرحيل، وأقمت إلى الربيع وانتجزت حوائجي، وخرجت عائداً إلى العراق، فتبعني بعض أصحابه في الطريق، فلما انتهينا إلى مرحلة من طرسوس قال لي: تدخل إلى طرسوس وتشاهدها؟ قلت: ليست طريقنا، ولا بي حاجة إلى تكلف مرحلتين مضياً وعوداً حتى أراها! فأعاد القول، فامتنعت، فقال: الملك أنفذني معك لذلك، ولابد منه! قلت: هذا لا دفع له، ودخلت طرسوس، وحملني إلى قبر المأمون، وقد عمل عليه مشهد وقبة كبيرة، وأنفق على ذلك جملة، فدعوت للملك وشكرته، وعدت إلى طريقي.

لما بنى ابن زياد بيضاء البصرة أمر أصحابه أن يسمعوا من أفواه الناس ما قولون، فأتى برجل وقيل إنه لما رآها تلا: "أتبنونَ بكلِّ ريعٍ آيةً تعبثونً، وتتخذونَ مصانعَ لكم لعلَّكمْ تخلدون،" فقال زياد: ما حملك على ما قلت؟ قال: لم يكن أيها الأمير عن قصد وإنما آية خطت على قلبي فقرأها لساني، لا روية لي فيها ولا نية، قال: فو الله لأعلمن فيك بالآية الثالثة، "وإذا بطشتمْ بطشتمْ جبارينَ"، وأمر به فبنى ركنٌ من أركان القصر عليه!.

وكانت الأكاسرة إذا امتحنت الواحد من أصحابها وخف على قل الملك، وكان عالماً بالحكمة موضعاً للأمانة في الدماء والفروج والأموال على ظاهره، وأحبوا أن يمتحنوا باطنه، أمر أحدهم بأن يحول الرجل إلى دار الملك وأن يفرد له حجرة يقيم بها مه غيره أن يفسح له في تحويل حرمه إليها، ويقول له: إني أريد الأنس بك في نهاري وليل، ومتى كان معك حرمة قطعتك عني، فاجعل منصرفك إلى منزلك في كل خمس ليال ليلة، فإذا تحول الرجل أنس به وخلا معه، وكان آخر من ينصرف من عنده، فيدعه على هذه الحال شهراً، ثم يمتحنه بالنسا: فامتحن أبرويز يوماً رجلاً من خاصته بهذه المحنة، ودس إليه جارية من جواريه ووجه معها إليه بألطاف وأمرها ألا تقعد عنده، ففعلت وانصرفت أنفذها في المرة الثانية بمثل ذلك، وأمرها أن تقعد بعد تسليم الهدية هنيهة، ففعلت، ولاحها الرجل وتملها وانصرفت، فلما كانت المرة الثالثة أمرها أن تطيل القعود عنده وأن تحدثه، فإنه أرادها على الزيادة في المحادثة أجابته إليها، وجعل الرجل يحد النظر إليها يسر بمحادثتها، ومن شأن، النفس أن تطلب الغرض بعد ذلك، فأبدى شيئاً كمن ذلك لها، فقالت: أخاف أن يعثر علينا، ولكن دعني حتى أدبر في هذا ما يتم به الأمر بيننا من غير أن يشعر بنا! وانصرفت فأخبرت الملك بكل ما جرى بينهما، فوجه غيرها من خواص جواريه، واعتمدت مثل ذلك، فلما جاءته المرة الأولى قال لها: ما فعلت فلانة؟. قالت: عليلة، فاربد لونه، وفعلت الثانية ما فعلت الجارية في المرة الأولى وفي الثالثة دعاها إلى ما دعا تلك الأولى فقالت: إنك من الملك قريب على خطىً يسيرة ومعه في دار واحدة، ولكن الملك يمضي بعد ثلاث إلى بستانه الفلاني فيقيم هناك، فإن أرادك على الذهاب معه فأظهر له أنك عليل، وتمارض فإن خيرك بين الانصراف إلى دور نسائك أو المقام هاهنا فاختر المقام ها هنا، وأخبره أنك لا تقدر على الحركة، فإن أجابك إلى ذلك جئت إليك كل ليلة، وأقمت عندك إلى آخر النهار، ما دما الملك غائباً عن داره، فسكن إلى قولها، وانصرفت، فأخبرت الملك بذلك، فلما كمان بعد ثلاث دعاه الملك فقال للرسول: أخبره أني عليل، فلما عاد الرسول بذلك تبسم أبرويز وقال: هذا أول الشر! فوجه غليه خفة حمل فيها غليه، وهو معصب الرأس، فلما بصر أبرويز به قال: والمحفة شر ثانٍ، وتبين العصابة فقال: والعصابة شر ثالث، فلما دنا من الملك سجد، فقال له: متى حدثت هذه العلة. قال: في هذه الميلة، قال له: فأي الأمرين أحب إليك، الانصراف إلى نسائك لتمريضك أو المقام هاهنا إلى وقت رجوعي؟ قال: المقام هاهنا أيها الملك أرفق بي لقلة الحركة، فتبسم وقال: ما صدقت، حركتك هاهنا إن تركت أكثر من حركتك إلى منزلك؟ ثم أمر له بعصا الزناة التي كان يوسم بها من زنى، فأيقن الرد بالشر، وأمر أن يكتب ما كان من أمره حرفاً حرفاً، فيقرأ على الناس إذا حضروا، وأن ينفي إلى أقصى المملكة، وتجعل العصا في رأس رمح يكون معه أين كان، ليحذر منه من لا يعرفه، فلما نفى من المدائن أخذ من بعض الموكلين به مدة كانت معه فجب بها ذكره، وقال من أطاع عضواً صغيراً من أعضائه فسد عليه جميع أعضائه، ومات من ساعته.

وأخطأ بعض خاصة أنوشروان في ذلك بتعريضه لحرمة لأنوشروان، واطلع أنوشروان على ذلك فلم يدر كيف يقتله، غذ ليس بأمر ظاهر الحكم فيه، ولا وجوب القتل عليه، ولم يطب نفساً بالإمساك عنه والسلو عن الانتقام منه ولم يستحسن أن يكشف ذنبه لما في ذاك من الوهن عليه وعلى الملك والسياسة والتدبير، فدعا بالرجل من بعد سنةِ من خطيئته، وخلا به وقال له: حز بني أمر من أسرار ملك الروم، وبي حلاجة إلى عملها، وما أجدني أسكن إلى أحد سكوني إليك إذ حللت من لبي المحل الذي أنت به، وقد رأست أن تحمل مالاً إلى هاك للتجارة وتدخل إلى بلاد ملك الروم فتقيم بها، وإذا بعت ما معك حملت مما في بلادهم معك إلى هاهنا، كما يفعل التجار في تجارتهم، وفي خلال ذاك تصغي إلى أخبارهم وتطلع على أسرارهم، وتأتيني بجميع ما تتمكن منه في ذاك، فقال: السمع والطاعة لأمر الملك، فأمر له بمنال، وتجهز وخرج بتجارته إلى بلاد الروم، وأقام بها باع واشترى، وفهم لغتهم وكلامهم، واطلع به على بعض أسرار ملكهم، وانصرف إلى أنوشروان بذاك، فأظهر له الاستبشار بفعله وزاد في بره، ورده وأمره بالمقام والتربص بالتجارة ففعل حتى عرف واستفاض أمره بينهم، فلم تزل تلك حالة ست سنين حتى إذا كانت السابعة أمر الملك أن تصور صورة الرجل في جام من جاماته الذهب التي يشرب فيها، وتجعل صورته بإزاء صورة أنوشروان مخاطباً له ومستمعاً منه ومدنياً رأسه من رأسه في تلك الصورة، كأنه يسر إليه، ووهب لجام لبعض خدمه وقال له: إن الملوك يرغبون في مثل هذا الجام فادفعه إلى فلان إذا خرج إلى بلد الروم بتجارته ليبيعه لك من الملك نفسه ويجيئك من ثمنه بما يكون غناك وغنى عقبك، فحمل الخادم الجام إلى الرجل، وقد شد رحله ووضع رجله في الركاب، فسأله أن يبيع له الجام من الملك نفسه، فقال له: السمع والطاعة، وأمر بدفع الجام إلى الخازن، وقال له: احفظه فإذا صرت ملك الروم فاحمله في جملة ما تحمل للعرض عليهن ففعل، فلما وقع الجام في يد ملك الروم نظر إليهن ونظر إلى صورة أنوشروان في الجام وصورة الرجل، وكان الصانع قد أحسن التشبيه، فقال الرجل: خبرني هل يصور مع صورة ملككم صورة رجل خسيس، قال: لا، قال: فهل في داره اثنان يتشبهان شهاً لا يفرق به بينهما؟ قال: ما أعلم ذاك، قال له: قم قائماً، فقام، فوجد صورته في الجام، ثم قال: أدبر، فأدبر، فتأمل الصورة فلم يختلفا عليه، ولم يحسر التاجر أن يسأل الملك عن ضحكه، ثم قال: الشاة أعقل من الإنسان إذا كانت تخفي مديتها وتدفنه، وقد أهديت إلينا هذا مديتك بيدك? ثم قال له تغديت؟ قال: لا، قال فقربوا إليه طعاماً، فقال: أيها الملك أنا عبدٌ والعبد لا يأكل ين يدي مولاه، فقال له: أنت عبد ما دمت عند ملك الروم مطلعاً على أموره مستنبطاً لأسراره، وملك إذا قدمت بلاد فارس ونديم ملكها، أطعموه، فأطعم وقد أحس بالشر، إلا أنه لا يفهم، معنى ما يخاطب به، وأمر بأن يسقى، فسقي الخمر حتى إذا ثمل قال له: إن يقتل لا جائعً ولا عطشان، وأمر فأصعد إلى سطح كان يشرف منه على كل من في المدينة إذا صعد إليه فضرب عنقه هناك، وألقيت جيفته من السطح، ونصب رأسه الناس، فلما بلغ كسرى ذلك أمر صاحب الجرس أن يضرب بأجراس الذهب ويمر على دور نسائه وجواريه ويقول كل نفس ذائقة الموت إذا وجب عليها القتل، وفي الأرض يقتل، إلا من تعرض لحرمة الملك فإنه يقتل في السماء فلم يدر أحد من الناس ما أراد بذلك.

عن سندي بن شاهك قال: إني على رأس المنصور وهو يتغدى، ومعه يزيد بن أسيد فبيناهما يأكلان وكان يزيد فأفاءً شديداً إذ قال له المنصور: كم ولدك، ففأفأ له ساء ثم قال: فلان وفلان، وبدرت من فيه قطرة وقعت في صحفة المنصور، فامتقع لونه وزال عقله، ورأى المنصور ما به، فأدخل يده في الصحفة وأكل منها لقمة أو لقمتين، فو الله ما رأيت صنيعاً أشرف ولا أجمل منه.

وحكى حماد بن إسحق ن إبراهيم الموصلي عن أبيه قال: بعث إلي إبراهيم بن المهدي يوم دجن، فلما دخلت عليه ألقيته لا يعقل خماراً، فقال: إسحق، قلت: لبيك أيها الأمير، قال: أما ترى طيب هذا اليوم؟ قلت: قد رأيت فما حق مثله، قال: الصبوح وكيف لي به، أنا على ما ترى! قلت: يدعو الأمير بالطعام فنأكل بحضرته فلعله ينشط، قال: ذاك، فأحض الطعام، وجعلت آكل ولقمة، فأكل على كره، فلما غسلنا أيدنا قال: ويحك قد أكلت على كره، فكيف لي بالشراب، قلت: أيها الأمير يحضر الشراب فنشرب بحضرتك فلعلك تنشط، قال: وذاك فدعا الشراب فشربنا بحضرته، وعللته حتى شرب، فلما دارت الأقداح قال: يا إسحق، قلت: لبيك، قال: أريد أن أخصك فأسمعك غناء لم تسمع مثله، قلت: وكيف لي بذاك؟ قال: يا غلام أخرج شارية ومعمعة، فخرجت صبيتان لم أر أحسن منهما، فغنتا فلم أسمع بأطيب منهما، فشرب وشربنا حتى عمل فيه النبيذ، فقال: يا إسحق كم تساوي شارية؟ فقلت: وأنا أظن أنه أكثر من أثمان الجواري، مائة ألف درهم، فدارت عيناه في رأسه وحذفني بقضيب كان في يده وقال: يا بن الفاعلة تقول هذا لشارية وتضع من قدرها، خذوا برجب ابن الفاعلة، فخرجت مطروداً محروماً.

ومضت الأيام على ذلك، وقعد المعتصم للشرب، فانحصر الملهين والندماء فحضرت وقد عددت عشرة أصوات في عشرة ألحان، وأجهدت نفسي فيها، وظننت أني أنال بها الغاية القصوى فلما دخلت رأيت بين يديه عشر جامات فضة، في كل جام مائة مثقال مسك وخمسمائة دينار جدد، فقال: من غناني فأطربني فله جام، فقلت في نفسي: أنا والله صاحب العشر وشددت حيازيمي وغنيت بصوت من الأصوات التي كنت أعددتها، فطرب طرباً شديداً وقال: أحسنت والله يا إسحق.

وقد كان إبراهيم بن المهدي تخلف في ذلك اليوم فقضى أن جاء في ذلك الوقت، فدخل بغير إذن، وسلم وقعد في أخريات الناس، فغلظ على المعتصم فعله وقال: هاهنا يا عم! قال: لا أقعد إلا حيث انتهى بي المجلس، قال: وكيف تقول ذاك؟ قال: لأنك تفردت بقصفك ولم ترسل إلي! قال: والله أبقيت إلا عليك، فلم يزل به حتى ترضاه وأقعده إلى جانبه، وقال: يا عم أما ترى هذا الخبيث قد أقام القيامة، قال: بماذا يا أمير المؤمنين! قال: غناني فأطربني، قال: يعيد الصوت، فأعدته، فسمع حتى عرف طريقته، ثم قال: ما عمل شيئاً، إن شئت غنيتك في هذه الطريقة عشرة أصوات كلها أطيب من هذا؟ قال: يا عم فأخذ العود فتغنى فكان والله غناؤه أطيب، فقل: أحسنت والله، يا غلام ضع الجام بين يدي عمي، فقلت في نفسي: ذهبت والله واحدة، وغنيت صوتاً آخر قطعت فيه أوداجي، فطرب وقال: أحسنت يا إسحق، ما التفت إلى إبراهيم فقال: أما ترى! قال: يا أمير المؤمنين إن شئت غنيتم في هذه الطريقة عشر أصوات كلها أطيب من هذا؟ قال: وذاك، فغنى وأجاد فطرب المعتصم وأمر الغلام أن يترك بين يدي إبراهيم جاماً أخرى، فلنم تزال والله تلك حالي وحاله حتى أخذ الجميع، وخرجت أخيب الناس حتى صرت بالباب، فلحقني إبراهيم وضربني وقال: هيه كم تساوي شارية؟ فقبلت رجله وقلت: يا سيدي والله العظيم ما ظننت أن ثمناً يكون أكثر من مائة ألف درهم، وما العيب في ذاك عليها، وإنما هو نقصان عقل وعلم مني، فأقلني أيها الأمير فهي تساوي ألف ألف دينار، فضحك وقال: الحقني إلى المنزل، فصرت إليه وحدثته حديث الجامات وما كان في نفسي من مرها وما اتفق من مجيئه وحرمانه لي إياها، فضحك وقال: لعمري إني حرمتك ولكن أنصبك منها، وقاسمنيها.

وحضر محمد بن عيسى بن علي بحضرة المنصور، والمنصور يأكل وحده، فدعاه إلى الغداء فقال: أنا شبعان يا أمير المؤمنين، فلما خرج أخذه الربيع وضر به بحضرة أهل بيته، فظنوا أن المنصور أمر بذاك، فمضى إلى أبيه يبكي، فجاء عيسى إلى المنصور وخلع سيفه بين يديه، وضج من فعل الربيع، فقال: ما أمرت بذاك، ولم يفعل الربيع ما تذكره إلا لأمر يقتضيه، واستدعى الربيع وسأله عن خبره فقال: أمرته يا أمير المؤمنين أن يتغدى معك، فقال: أنا شبعان، وإنما دعوته لتشرفه لا لتشبعه، فأدبته إذا لم يؤدبه أبوه! فقال المنصور: أحسنت، قد علمت أنك لا تخطئ.

قال إسحق بن إبراهيم حدثني ابن عائشة عن يونس النحوي قال: مات رجل من جند أهل الشام فحضر الحجاج جنازته، وكان عظيم الوجاهة، فصلى عليه الحجاج، وجلس على شفير قبره وقال: لينزل في القبر بعض إخوانه، فنزل نفر منهم، فقال أحدهم وهو يسوي المبن عليه: يرحمك الله أبا قنان إن كنت ما علمت تجيد الغناء وتسرع رد الكأس، ولقد رفعت في موضع سو لا تخرج منه أبداً إلى يوم الذكر! قال: فلم يتمالك الحجاج أن ضحك، وكان الحجاج قليل الضحك في الجد والهزل، وقال: هذا يوم ذا لا أم لك، قال: أصلح الله الأمير، فرس حبيس في سبيل اله لو سمعته وهو يغني:

يا لبينى أوقدي الناراإنَّ من تهوينَ قد حارا
للشاعر عدي بن زيد، اقرأ القصيدة
ربَّ نارٍ بتُّ أرمقهاتقضمُ الهنديَّ والغارا
للشاعر ابن عبد ربه، من قصيدة «زادني لومك إصرارا»
عندها ظبيٌّ يؤرِّثهاوتخالُ الوجهَ دينارا

النص من طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «الهفوات النادرة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.