من «الهفوات النادرة» لغرس النعمة الصابئ (ت ٤٨٠هـ)
الهفوات النادرة (٧)
قيل: وجلس أبو عباد يوماً بين يدي المأمون يكتب فدخلت شعرة بين سنى قلمه، وعمد إلى إخراجها بسنه، ثم كتب فإذا هي بحالها، فأهوى إليها ثانية فقطع وبقي أصلها، ثم كتب فإذا هي غمرت جميع حروفه، فكسر القلم ورمى به وقال: لعنك الله ولهن من براك ومن أنت له! فضحك المأمون وأنشد أبيات دعبل فيه وهي:
أولى الأمورِ بضيعةٍ وفسادِأمرٌ يدبرهُ أبو عبادِ
خرقٌ على جلسائه فكأنَّماحضَرُوا لملحمةٍ ويمِ جلادِ
وكأَنَّهُ من دَيْرِهِزْقِلَ مفلِتٌحردٌ يجرُّ سلاسلَ الأقيادِ
فاشددْ أميرَ المؤمنين وثاقهُفأنصحُّ منه بقيةُ الحدّادِ
ودخل أبو عباد يوماً إلى المأمون فقال له: يا ثابت، ما أراد بك دعبل حيث يقول:
وكأَنَّهُ من دَيْرِهِزْقِلَ مفلِتٌحردٌ يجرُّ سلاسلَ الأقيادِ
فقال: الذي أراد يا أمير المؤمنين حيث يقول:
إنِّي من القومِ الذين سيوفهمقتلنْ أخالك وشرفتكَ بمقعدِ
شادوا بذكركَ بعد طول خُمولهواستنقذوكَ من الحضيض الأوهدِ
فقال المأمون، وقد تنمر وعلم غلطه في خطابه لمثله بما خاطبه به حتى أجابه عنه بما أجابه: فإني قد عفوت عنه، فلا يتعرض له!
وحدث محمد بن أبي سمير وكان كاتباً لأبي عباد قال: كان في ناحية أبي عباد رجل خراسان يعرف بالغالي يأنس به، وكان من رسمه أنه إذا مدح شاعرٌ أبا عباد أنشد الغالي عقيبه مثله ... من قيله فيه، فاتفق أن دخل يوماً أبو سعد المخزومي إلى أبي عباد، وهو مشغول، فاستأذنه في إنشاده فأذن له على كره، فلما فرغ أظهر له استحسان شعره، وانصرف أبو سعيد، وقد ضجر أبو عباد بقطعه إياه بشعره عن شغله، فقام الغالي على عادته واستأذنه في الإنشاد، فقال له متبرماً متغيظاً: أنشد، فقال:
لمّا أنخنْا بالوزيرِ ركابنامستعصمين بجودهِ أعطانا
ثَبَتَتْ رَحى مُلْك الإمام بثابتٍوأفاضَ فيه العدلَ والإحسانا
يقري الوفودَ طلاقةً وسماحةًوالناكثين مهنَّداً وسِنانا
منْ لم يزلْ للناسِ غيثاً مُمرِعاًمتخرِّقاً في جوده
وأشار إليه بوجهه، وجعل يردد: "في جوده .. " فاغتاظ أبو عباد وقال: ويلك! قل: "قرنانا، كشخانا! " وأرحنا! فقال: يا سيدي "معوانا" فارتجَّ المجلس بالضحك، ومضى الغالبي على وجهه، فلما سكن أبو عباد جعل يضحك مما كان منه، وأخذ القلم ووقع له بألفي درهم، وسلمه إلى من لحقه به.
وجلس المأمون يوماً على الشرب والحسن بن سهل معه، فقال له المأمون: لعلك تقدر أنني قتلن الفضل أخاك؟ ولا والله ما قتلته! فقال له: بلى والله لقد قتلته! فقال: والله ما قتلته، فقال بلى والله لقد قتلته! فقال: والله ما قتلته يكررها ثلاثاً فقام المأمون من مجلسه وقال: أفٍّ لك! وانصرف الحسن إلى منزله.
وحدث أبو العباس بن أبي البهلول قال: حدث المأمون قال: وصفت لي جارية بالعراق وأنا بخراسان، عاملة كاتبة لاعبة بالشطرنج والنرد، مفتنة في كل أدب، فأنفذت وابتعتها بمال كثير، وحملت إليَّ فأعجبتني وشغفت بها، واتفق في بعض الأيام أن خلوت بها ولهوت معها وجعلت الشطرنج بيني وبينها، إذ دخل الفضل بن سهل علي هاجماً ومعه غلام له، فلما رآني على ذلك أخذ قنينة كانت بين يدي وضرب بها الأرض وقال لي: أنت على هذه الحال وتنازع أخاك الخلافة، وتبلغ في التخرق والتوفر على النساء واللهو إلى هذه الغاية، ونحن ندعي لك التشاغل بالصلاة والصيام! وقال لغلامه: خذ بيد الجارية فهي لك! وورد علي من فعله ما كدت أن اجعله سبب دنو أجله، ثم كظمت غيظي وصبرت على ما لحقني.
لما قدم طاهر بن الحسين العراق أقر العباس بن موسى على الكوفة وزاده عدة طساسيج، فوجه العباس إليه كاتبه يشكره ويؤديه رسائل منه إليه، فلما دخل إليه قال له: أخيك أبي موسى يقرئك السلام! قال: ومن أنت منه؟ قال: كاتبه الذي يطعمه الخبز! فقال طاهر: أين عيسى بن عبد الرحمن الكاتب؟ فجاء، فقال: اكتب بصرف العباس ابن موسى عن الكوفة وأعمالها لتركه اتخاذ كاتب يحسن الأداء عنه!
دخل المتوكل يوماً على محمد بن عبد الملك الزيات فلما رآه قال له: يا جعفر تكون ابن أمير المؤمنين المعتصم بالله ﵀ وأخا أمير المؤمنين الواثق بالله أطال الله بقاءه وهذا شعرك كأنك بعض المخنثين!! وأمر بإحضار مزين، وحضر، وقال خذ طرته وشعر قفاه، فألقى عليه بعض غلمان محمد منديلاً، فزجره محمد وقال: لا! إلا على ثوبه، فحكى عن المتوكل أنه كان يقول: ما بلغ مني شيء ما بلغه فعل محمدٍ في طرحه الشعر على ثوبي!
وكان محمد بن عبد الملك تشكى، فدخل عليه احمد بن أبي خالد، وهو أصم، فقال محمد: كيف أصبحت جعلت فداك؟ قال له: بشر! فلم يسمع، فقال: الحمد لله على ذلك، فمن يختلف إليك من الأطباء؟ قال: إبليس قال: مبارك رفيق، فأي شيء وصف لك؟ قال: آجر مدقوق! قال: خفيف طيب، فخذه ولا تفارفه!
وحدث محمد بن علي بن طاهر بن الحسين قال: كان أحمد بن يوسف يسقط السقطة بعد السقطة، فتلفت نفسه في بعض سقطاته، وذاك أنه حكى لي علي بن يحيى بن أبي منصور أن المأمون كان إذا تبخر طرح له العود ة والعنبر على المجمر، فحين يبخر يأمر بإخراجه ووضعه تحت الرجل من جلسائه إكراماً له؛ وحضر أحمد بن يوسف يوماً، وتبخر المأمون على عادته، ثم أمر بوضع المجمر تحت أحمد بن يوسف، فقال أحمد: هاتوا ذا المردود، فقال المأمون: ألنا تقول هذا، ونحن نصل رجلاً واحداً من خدمنا بعشرة آلاف درهم! إنما قصدنا إكرامك، وأن أكون أنا وأنت قد اقتسمنا البخور قطعة واحدة! يحضر عنبر! فأحضر منه شيء في الغاية من الجودة، في كل قطعة ثلاثة مثاقيل، فأمر أن تطرح قطعة في المجمر، ويبخر بها أحمد، ويدخل رأسه في زيقه، حتى ينفذ بخورها، وفعل به ذلك بقطعة ثانية وثالثة، وهو يستغيث ويصيح، وانصرف إلى منزله وقد احترق دماغه فاعتل ومات.
قال محمد: ومن سقطاته أنه كلم أب العباس عبد الله بن طاهر في حاجة له يخاطب له المأمون عليها فوعده بذاك، ثم عاد إليه فقال له: كنت سألتك أن تكلم أمير المؤمنين في كذا، وقد سألت مؤنس يعني جاريةً كان المأمون يتحظاها أن تخاطب أمير المؤمنين فيها، وما بالأمير حاجة إلى الخطاب في ذلك! فلما خرج قال: رأيتم أحمق من هذا! يسأل مثلي في أمر أن أخاطب الخليفة فيه، ثم يجيئني ويعرفني أنه قد سأل جارية.
فيما سألني، ولأنه قد استغنى بها عني!
وحدث أبو هفان قال: كنت يوماً عند الفضل بن مروان وزير المعتصم، فقال في شيء جرى: الله المستعين أراد المستعان ما أحسن بالرجل أن يذكر ربه على كل حال! فقلت له: ليس ربك الذي ذكرت، فقال: قد قلت ألف مرة إني لو كنت أحسن العروض لقلت الشعر!
وحدث إبراهيم بن المهدي قال: دخل الفضل بن مروان على المعتصم بالله ومعه كساء طبري في غاية الحسن فعرضه عليه، واستحسنه المعتصم وأعجب به وقال: ما رأيت مثله! وأرانيه، فقال الفضل لي: كم قيمته؟ قلت: ليس التقويم من عملي وإنما يرجع فيه إلى الباعة! فقال: فبكم كنت تبتاعه لو حمل إليك؟ قلت: بمائة دينار، فقال: لأجل هذا يا أمير المؤمنين لا تفي ضياع عملك بنفقاته، ولا تبين صلاتك له في حاله! وحقك يا أمير المؤمنين لقد صمدت لصاحبه منذ صليت الظهر إلى أن غربت الشمس أراوضه في ثمنه، لم أتشاغل بغيره حتى ابتعته منه بثلاثين ديناراً! فقلت: اتق الله يا أمير المؤمنين فيما قلدك من أمور عباده، فقد أقر الفضل بين يديك بأنه لم يعمل عملاً وهو وزيرك الذي تجري على يده أمور مملكتك ورعيتك وأموالك إلا لمكاس في ثمن كساء بثلاثين ديناراً، فلو ابتاعه بألف دينار أو بعشرة آلاف دينار ما كان أنفع وأعود، وكان شغله بأمور الدين والدنيا أجدى وأولى من توفير سبعين ديناراً في ثمن كساء! وما أدفع حرمة الفضل بك وحقه عليك ومعرفته بالأسعار وقيم الأعلاق، فوفره على ذلك واشغله به، واطلب لوزارتك ودواوينك من هو أقوم بها منه وأكفى فيها! فقدح هذا القول فيه، وأثر في قلب المعتصم، وحط منزلته عنده.
وحدث ابن عبد السلام الهاشمي قال: كنت في مجلس الفضل ابن مروان إذ دخل عليه إعرابي فصيح اللسان، يتظلم من بعض عماله، فصدف بوجهه عنه وزبره، فوقف ساعة متحيراً واجماً لا يحير جواباً ثم قال: أياستني من عدلك، فاسمع مني واصنع ما بدا لك، ثم أنشده:
تجبرتَ يا فضلُ بن مروانَ فانتظرفقبلكَ كانَ الفضلُ والفضلُ والفضلُ
ثلاثةُ أملاكِ مضوا لسبيلهمأبادهمُ التغيرُ والموتُ والقتلُ
فإنك قد أصبحتَ في الناسِ ظالماًستودي كما أودى الثلاثةُ من قبلُ
ثم ولى منصرفاً، فقال الفضل: ما عني بقوله؟ فقيل له: أراد الفضل بن يحيى بن خالد، والفضل بن سهل، والفضل بن الربيع؛ فتغير وجهه وامتقع لونه، وبان غضبه وغيظه، وتصبر، ولم يرد الأعرابي، ولا أمر بإنصافه، ولم يكن بين ذلك وبين القبض على الفضل إلا أيام يسيرة.
وحدث أبو العباس بن عمار قال: حدثني سعيد بن فضالة أنه عرض على الفضل بن مروان عند وزارته للمعتصم بالله مجمعاً عمله خليل الصايغ للخليفة، فجعل منه المقاريض وآلات المجامع حتى أخرج مبرداً، وقال: ما هذا؟ قلت: مبرد، قال: تبرد به ماذا؟ قلت: إذا قلمت الأظفار بردت بها ليزول ما فيها من شعت! قال: وأنا لا أحسن إذا قلمت أظفاري أن أبلها بريقي، وأحكها بالحائط، وأستغني بذاك عن المبرد! وفعل ذاك بحضرتنا وأراناه.
حدث عبد الله بن سليمان عن الحسن بن وهب قال: قال المعتصم بالله يوماً لأحمد بن عمار، وهو يتقلد العرض عليه: أين الحسن اين وهب؟ فقال له: في منزله، فقال: لم يأخذ في كل شهر ألفي درهم ولا يعمل بها؟ أحضره ووله كتب الكتب الصادرة عنا، فإنه حسن الخط جيد البلاغة، فأحضرني وعرفني ما جرى، واستعملني، فتمكنت منه وغلبت عليه، وملكت الإيراد والإصدار عنه، وكان يجيئني أكثر من مضي إليه، فلم أشعر يوماً وأنا في منزلي إلا به وقد دخل علي، وعليه دراعة وجبة وعمامة من وشي، وقد انصرف من دار المعتصم، فسلك الطريق بهذا الزي إلى داري، فقمت إليه متلقياً، وعلمت أ، مثل تلك الثياب لا تكون إلا خلعة، وجلس مغموماً مهموماً، وقال لي: ما الكلأ؟ فقلت: النبت الذي يكثر في الصحراء عند توالي الأمطار؛ ثم قلت به: أرى أمراً ساراً وأراك معه مفكراً واجماً؟ قال قرأت على أمير المؤمنين كتاب صاحب البريد بالبصرة يذكر فيه أن المطر اتصل فكثر الكلأ، فقال لي: ما الكلأ؟ قلت: لا أدري! فقال: أنالا أدري وكاتبي لا يدري! يا غلام اصفع! فصفعت ثلاثاً، ثم قال لي: امضِ إلى الحسن بن وهب فاسأله ما الكلأ وعرفنيه، فلما وليت من بين يديه قال لبعض أصحابه: سيظهر ما جرى عليه فيضعف جاهه ويقف أمره! وأمر بأن يخلع علي هذه الخلعة من خاص ثيابه ليزول بها غضاضة ما عوملت به، وجئتك كما ترى! فقلت: هبك بم تعرف الكلأ، وأما علمت أنه لا يكثر عند المطر إلا النبات!
وحدث ابن أبي عون عن أبيه عن الفضل بن مروان قال: كان محمد بن الفضل الجوجرائي شديد البخر، فدخل يوماً إلى إبراهيم بن المدبر، وذكر في عرض الحديث حال جارية له لطيفة الموقع من قلبه، كثيرة الحظ من شغفه، محبة مع موافقة، وأنه كان يدخل لسانه في فمها منذ أول الليلي وإلى آخره؛ فقال له إبراهيم بن المدير: حق لهذه ألا تعيش! أراد لنتن فيه، ولم يفطن محمد بن الفضل لما ذهب إليه فقال: هكذا والله كان، ما عاشت إلا قليلاً ثم ماتت؛ فضحك أهل المجلس حتى كادوا يفتضحون.
وقال موسى بن عبد الملك للناس وقد تكاثروا بين يديه في ديوان الخراج: تقدموا إلى خلف! وخرج إليه يوماً صاحب خزانة السلاح فقال له: قد تقدم أمير المؤمنين يعني المتوكل بابتياع ثلاثين ألف رمح، طول كل واحد أربعة عشر ذراعاً، فقال: نعم هذا الطول، فكم يكون العرض فضحك الناس منه، ولم يفطن لما غل فيه!
وكان أحمد بن الخصيب وزير المنتصر خفيفاً طائشاً، وكان يرفس المتظلمين إذا كثروا عليه وهو راكب، ويبصق عليهم فقال فيه بعضهم:
قل للخليفة يابن عمِّ محمدٍأشكلْ وزيرك إنه ركالُ
أشكلهُ عن ركلِ الرِّجال وأنْ تردْمالاً فعند وزيرك الأموالُ
وقال فيه أحمد بن أبي طاهر:
قل للخليفة يابن عمِّ مَّحمدٍأشكلْ وزيرك أنَّه محلولُ
فلسانُه للشَّتم في أعراضناوالرجلُ منه في الصدور تجولُ
كم طالبٍ لظلامةٍ أو حاجةٍمتعرضٌ لكلامه مرْكولُ
وكان أحمد بن محمد بن المدبر يقول: إنما رزق الله تعالى أحمد بن الخصيب الحظ الذي رزقه ليعلم الناس أن الأرزاق ليست بالاجتهاد ولا الاستحقاق، وأنها فوضى بين العقلاء والجهلاء! وقال رجل لأحمد بن الخصيب يصف عنده رجلاً: ما سمع إلا سبع! فقال أحمد: تقول: سبع! أنا أعرف به منك، والله ما هو إلا تسع! يذهب إلى العدد.
وحدث علي بن عبد الغفار قال: أصيب أحمد بن الخصيب بمصيبة فخرج إلينا يعصر عينيه ويقول:
غيضنَ من عبراتهنَّ وقلن ليماذا لقيتَ من الهوى ولقينا
فقلت: ماذا؟ قال: لنا رأيت النساء يبكون قلت هذا البيت فيهن! فقلت: إنه لجرير! فقال: وما في هذا، قد يقع توارد! وقرأ يوماً أحمد بن الخصيب كتاب وقف أشناس بسر من رأى في أيام المعتصم بالله، وبلغ إلى موضع فيه: "بتا بتلاً" فقال: "تباّ تبلاً" فقال بعض الحاضري: قاتله الله، أما سمع قط بلفظ الطلاق! ووقع يوماً في ذكر رجلين كانا زنديقين، فنزعا ورجعا، وأمر لهما بصلة: "هذان اللذان كانا زنديقين أسلما! ".
وقال ابن حمدون: قال لي المنتصر بالله يوماً: شعرت يابن حمدون بأن أحمد بن الخصيب على غاية الجهل، وأنه يشتمني في وجهي شتماً يذكر فيه حرمي، فتمنعني خدمته لي وحرمته بي من الإساءة إليه في مقابلته عليه! فقلت: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين، ومن يقدم على هذا؟ فقال: إذا دخل في غد إلي فاحضر بين يدي، فركبت في غد، ولم يكن يوم نوبتي، ووافى أحمد، فلما انصرف الموكب وتقوص المجلس قام المنتصر وأخذ بيد أ؛ مد، وماشاه في ممر دار البستان، وأنا اتبعهما، فسمعت المنتصر يقول به: قد طالبتني السيدة بإقطاعها ضياع أم المتوكل فما ترى؟ قال: لا، ولا كرامة لهذه الفاجرة! قال: وقد التمست أيضاً أن نقيم لها ولخدمها مثل ما كان لأم المتوكل من الإقامات والإنزال! فقال: دق يدها الفاجرة على رجلها وقل لها: حتى نرضي الموالي أولاً! قال ابن حمدون: والتفت المنتصر إلي وقال: هاتان ثنتان سماعاً من غير إخبار!
وذكر المبرد قال: قرأ ابن رياح كتاب الصدقات بحضرة المنتصر بالله، وأحمد بن الخصيب حاضر، وقال: "في كل ثلاثين بقرة تنيع"، فقال المنتصر: وما التبيع؟ فبادر ابن الخصيب وقال: البقرة وزوجها! فقال المنتصر لابن رياح: أكذاك هو؟ قال: لا يا أمير المؤمنين، ووصف له التبيع، فقال ابن الخصيب: هذا متفق عليه!
وذكر المبرد أيضاً أن ابن الخصيب قرأ على المنتصر حساباً قال في بعضه: "وعشرة آلاف درهم في مرمة التنور"، فقال: ما هذا؟ تنور يرم بعشرة آلاف درهمّ وتؤمل ذلك فكان: "في مرمة السور.
شكا الكتاب إلى الفضل بن مروان ما يلقونه من حدة أحمد ابن الخصيب وعجلته وسفهه وتخلفه، فقال: كيف لو رأيتم محمد بن جمثيل وهو يلي ديوان الخراج، وقد أنكر على كاتب له حرفاً كتبه فأخذ النعل وقام إليه، وعدا الكاتب بين يديه، وجعل يتبعه وهو يدور حول بستان كان في صحن الدار، فلما أيا الكاتب قال له: أنا كتب أو وحش يصاد فاستحيا منه ورجع عنه.
وحدث إبراهيم بن المدبر قال: دعاني صاعد بن مخلد يوماً فوجدت عنده ابن الخصيب، وقدمت إليه المائدة وعليها هليون، فأكب أ؛ مد عليه واستكثر منه، فقلت: أراك محباً له؟ قال: نعم، هو يزيد في البهاء! أراد: الباه، فعجبت من سخنة عينه! ثم قدم الشراب، فغنت المغنية:
إن العيونَ التي في طرفها مرضٌقتلننا ثمَّ لا يحيينَ قتلانا
فقال أحمد: هذا الشعر لأبي، فقلت: قاتل الله جريراً ما كان أكثر ما يسرق من شعر أبيك!
وحكى أبو عمرة صاحب المظالم قال: ألحَّ الناس بسر من رأى على أحمد بن الخصيب في الجلوس لهم والوقوف على قصصهم والنظر في ظلاماتهم، فقال لجماعة من بني هاشم وأولاد المهاجرين والأنصار: ادفعوا قصصكم إلى أبي عمرة ليأخذ جوامعها ويضمنها تذكرة يعرضها عليَّ لأوقع فيها بما تنتجز به أموركم، فسكنوا إلى ذاك، وجاءوني بقصصهم، فعملت جوامعها في ثلث قرطاس وجئته به فوضعته بين يديه، ولم يوقع فيه وطالبني القوم يما فعلته في حوائجهم فعللتهم ووعدتهم، فأغلظوني وأسمعوني، وشكوت ذلك إليه، ووعدني بإنقاذ الجوامع موقعاً فيها؛ ثم أنقذها مختومة ففضضتها، فإذا هو قد وقع تحت باب (بني هاشم): "هشم الله وجوههم! " وتحت باب (المهاجرين): "هجرهم الله" وتحت باب (الأنصار): "لا نصرهم الله" وفي غير ذلك من الأبواب نسب أصحابها، فبقيت واجماً حائراً، وخلوت ببعضهم وتوثقت منهم وخرجت إليهم بالسر في ذلك، واستحلفتهم على كتمان ما ذكرته لهم منه، فعذرني العقلاء، واستزادني الجهلاء، وانبسطت الألسن بالدعاء عليه، والوقيعة فيه والظلامة منه.
حدث عبد الواحد بن محمد قال: حدثني أبي قال: تشكى حجاج بن هرون صاحب ديوان الزمام على الخراج، فجئناه عواداً، ووجدناه يصلي الضحى، وابنه هرون جالس، فسألناه عن خبر أبيه، فقال: لحقته حمى واعتقال، فأشار حجاج إلينا وهو في صلاته ثم قال: عوعوعو! يريد أ، هـ أكل لحم جزور، فقال ابنه: نعم أكل لحم جزور فأفعله.
وحدث أيضاً قال: حدثني نصر بن الحجاج قال: أقرأني عيسى بن فرخانشاه كتاب حجاج بن هرون إليه وقد عنونه "بخادمك وولي نعمتك حجاج بن هرون"!
وحدث أحمد بن الخصيب أن حجاجاً صاح به يوماً في الديوان: ي أبا إسحق، ابن بويب من أيوه؟ فقلت له: بويب! قال: صدقت والله.
قال: وعصفت الريح يوماً وأخذت من بين يديه رقعة رفعتها في الهواء فلم تلحق إلا بعد سقوطها بعد زمان، فأقبل على الريح وقال: ما عرفك إلا سليمان بن داود الذي حبسك حتى أكلت خراك! قال: وكان يطلب العمل والرقعة فإذا تعذر عليه وجوجه قال: سبحان من يدع الشيء في موضع فإذا طلبه لم يجده سبحانه! قال: وكان يقول لخازن الديوان إذا طلب منه عملاً: أين الاهن الاهنة الايش اسمه الما يقال له!
ودخل عليه يوماً أبو العيناء فحادثه، وجرى ذكر الرطب، فقال الحجاج: أطيب الرطب ما دق أنوائها ورق لحائهاّ فقال له أبو العيناء: يا أبا محمد ما كنت أعرفك تحسن النحو، وأراك قد تعلمته! فقال: نعم تعلمت من معلم الصبيان، قال: ففي أي باب الصبيان اليوم منه؟ قال: في باب الفاعل والفاعلة! فقال: إذن فهم في باب والديهم! وقال أبو العيناء: قلت له يوماً قد قطعتني لغير ذنب! فقال: لا والله ما يمنعني من التوالي عنك إلا الشغل!
وحدث المبرد قال: حدثني نفيس الكاتب قال: وصف حنين بن إسحق الطبيب لحجاج معجوناً وواقفه على أخذ وأن يؤخر غداءه إلى وقت الظهر ويعرفه خبره بعد ذلك! قال حنين: فكنب إلي رقعة يقول فيها: "شربت الدواء وأكلت قليل كسرة، واختلفت كرامة لوجهك أربعة: أحمر وأخضر مثل السلق، ووجدت مغساً، ورأيك في إنكار ذلك على بطني إن شاء الله! " فلم أدر بما أجيبه، وقلت للرسول: أقره السلام وقل له: نلتقي غداً إن شاء الله تعالى.
وحكى الوزير أبو القاسم عبيد الله بن سليمان قال: حدثني علي بن يحيى قال: اجتاز شجاع بن القاسم يوماً في الشرب من دار الخلافة، فخرقت كلاب كانت فيه ثيابه، ودخل على المستعين على تلك الحال، فقال به: ما بالك على هذه الصورة؟ فقال: داس كلب ذنبي فخرقت ثيابه! فضحك المستعين حتى زال تماسكه.
وحكى إبراهيم بن المدبر قال: حدثني أحمد بن عمار قال: عملت شعراً رائجياً وواقفت سعيد بن حميد أن يلقيه على رجل من الطالبين كان جلداً خبيثاً، ولنا ملازماً وصديقاً، ويواقفه على أن يقصد به شجاعاً وينشده إياه على أنه مديح له فيه، وبذلنا له عن ذلك براً، والشعر هو هذا:
شجاعٌ نجاعٌ كاتبٌ لاتبٌ معاًكجلمودِ صخرٍ حطهُ السيلُ من علِ
خبيصٌ لبيصٌ مستمرٌّ مقوّمكثيرٌ أثير ذو شمالٍ مهذَّب
فطينٌ لطينٌ آمرٌ لك زاجرٌحصيفٌ لصيفٌ كلُّ ذلك يعلمُ
بليغٌ لبيغٌ كل ما شئتَ قلتهلديه وإن تسكت من القول يسكن
أديبٌ لبيبٌ فيه عقلٌ وحكمةٌعليمٌ بشعري حين أنشدُ يشهدُ
كريمٌ عليمٌ قابضٌ متباسطٌإذا جئته يوماً إلى البذلِ يسمح
فحفظه الطالبي ومضى إلى شجاع وقال له: ليس الشعر أعزك الله من صناعتي، وقد قلت شيئاً أرجو أن أوافق عليه، وجعلته مديحاً لك وجزاء عن إحسانك إلي وإلى بني عمي، فإن رأيت أن تسمعه مني؟ فقال له: قد أغناك الله عنه مع شرفك ووجوب حقك! قال: أحب أن تتفضل علي بذلك، واندفع فأنشد الأبيات، وشجاع مصغ إليه، فلما فرغ من إنشادها شكره عليها، ودخل إلى المنتصر فتنجز له عشرة آلاف درهم صلة، وأرزاقه ألف درهم في كل شهر، وعاد إلينا الطالبي فقال: أنتما السبب بما وصل إلي، ووالله لا أخذت منكما شيئاً! وكنا وعدناه بألف درهم.
قال الحسين بن يحيى: ما سمعت شجاعاً ينشد شعراً قط غير بيت كان يتمثل به كثيراً:
وإذا تكونُ كريهةٌ أدعى لهاوإذا يحاس الحيس يدعى جندبُ
وحدثني الرئيس أبو الحسين والدي رضي الله تعالى عنه قال: كان لروزبهان بن ونداخرشيذا جد أمير الديلم كاتب يعرف بأبي الحسن علي بن أبي الحسين القمي، وقد استخلفه بحضرة معز الدولة أبي الحسين بن بويه ببغداد وعول عليه في مراعاة إقطاعه بالسواد، فاتفق أن كان الوزير أبو محمد المهلبي جالساً في دار معز الدولة بباب الشماسية على الأرض يشاهد البناء فيها، وأبو الحسن القمي هذا بين يديه مع جماعة، فنهض القمي وقرب من الوزير كأنه يريد أن يساره بشيء، ثم رفع يده ولطم وجه الوزير وقال: دبابة! بالدال وكانت بقة، فقال له: يا جاهل فإذا كانت ذبابة تقتلها على وجهي! فقال: ذاك صغار لك خرطوم يلسع، فقال له: قم فقد سقط عنك القلم! فانصرف وهو يقول: إنما خدمنا! والجماعة تضحك منه وتعجب.
وحكى أبو رفيد الأزدي قال: أكثرنا الضجيج على عبيد الله بن يحيى بن خاقان في أمر البصرة لما دخلها الزنج، فضجر يوماً وقال: ذهبت البصرة فمه؟ فقال فيه العدوي البصري:
قال الوزير المعاون الظَّلمةْالأخرسُ اللفظ مشبه امرخمهْ
وقد شكونا ذهابَ بصرتنا:إن ذهبتْ بصرة العُرَيبِ فمهْ
إن ذهبتْ زال ملكُ آل بني العباسِ أهلِ الفخار والعَظَمَهْ
كلمةُ سوءٍ زلَّ اللسانُ بهاوربَّ حتفٍ تسوقُه كلمهْ
وجعل الصبيان يصيحون إذا مر عبيد الله في الطريق: فذهبت البصرة فمه! ثم اختصروا وصاحوا: فمه فمه!! فبلغ ذلك أبا يعلى كاتب عبدي الله بن يحيى فقال: والله لأنفين العدوي من الدنيا. فقال العدوي: أما من الدنيا فلا، ولكن ربما نفاني من سر من رأى، وقال يهجوه:
نعمة اللهِ لا تعابُ ولكنْربمَّا استقبحتْ على أقوامِ
لا يليقُ الغنى بوجهِ أبي يعلى ولا نورُ بهجةِ الإسلامِ
وسخ الثَّوبِ والعمامةِ والبرِذونِ والوجه والقفا والغلام
لا تمسُّوا أقلامهُ فتمسُّوامن دماءِ الحسين في الأقلام
وبلغت هذه الأبيات عبيد الله، وقد تدوولت وشاعت وذاعت بسر من رأى، فتنكر لأبي يعلى، وكرده مقامه معه، ونبا عنه، وكانت السبب في خروج أبي يعلى عن سر من رأى.
وحدث جعفر بن أبي نوح قال: حدثني أبي قال: كان جعفر بن محمود وزير المعتز ثقيلاً على قلبه إلا أنه لم يكن متمكناً من صرفه وتغيير أمره لأجل الأتراك، فدخلت يوماً على المعتز فنظر إلي نظراً علمت معه أنه يريد أن يلقي إلي شيئاً على خلوة، فتوقفت إلى أ، خلا مجلسه، ثم قال لي: رأيت يا عيسى أحداً ابتلي بما بليت به، لقد بلغ المكروه مني في نفسي وحرمي مبلغاً ما أطيق الصبر عليه! قلت: يبقي الله أمير المؤمنين ويصلح أموره، ما الذي ضاق صدراً به؟ قال: ويحك كنت جالساً خالياً ومعي عقد جوهر أنظمه لجاريتي فلانة، فلم أشعر إلا بدخول جعفر بن محمود ووقوفه بين يدي، وقال لي: ما تصنع يا أمير المؤمنين؟ قلت: إن فلانة جاريتي لطيفة الموقع من قلبي فأنا أنظم لها لهذا؛ فضحك وقال: هل علمت يا أمير المؤمنين أنها كانت ربيطتي ومحبة لي، وأرجو أن يملها أمير المؤمنين فيهبها لي! فتداخلني من الغيظ والحمية ما لم أملك معه أمري، وهممت أن أتقدم بقتله ولا أبالي ما جرى من بعده، ثم رجعت وصبرت واحتملت! فقلت: هذا رجل جاهل، والرأي ما رآه أمير المؤمنين وفعله.
وحدث أبو علي نطاحة قال: أمل صالح بن شسرزاد على كاتب كتاباً إلى بعض العمال وقال فيما قال: "أبقاكما الله وحفظكما" فقال له الكاتب: يا سيدي الكتاب إلى واحدّ فقال له: فاجعله عني وعن شريكي! ولباذنجامة الكاتب في صالح:
حمارٌ في المتابة يدعيهاكدعوى آل صخرٍ في زيادِ
فدّعْ عنك الكتابةَ لستَ منهاولو عرفتَ ثوبكَ بالمدادِ
وكيف يجوزُ في الكتاَّبِ فدمٌعديمُ الفهمِ منخوبُ الفؤادِ
حدث أبو العباس بن عمار قال: حدثني بعض المتأدبين من أهل سر من رأى ومن كتاب ديوان الخاتم ا، صالح بن شيرزاد دخل على بعض الوزراء فقال له: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، فقال: لست بالأمير ولا السلام على الأمراء كذاك! فقال: أعزك الله إذا دخلنا على أمثالك تصاعد الكلام في صدورنا حدوراً!
وحكى أن أبا أيوب ابن أخت الوزير في أيام المعتصم كان من الحمق، وكان يقول بخلطة الجن له ومعرفته بهم ومعرفتهم به، وأوهم نفسه عشق جارية منهم تسمى "قرة العين"، وكان يطرح إلى جانبه مصلى لتجلس عليه معه، وزاد ذكره لها ولهجه بها حتى غارت داريته عز عليه من ذاك وهجرته وامتنعت من لقائه وكلامه! وركب يوماً إلى باب قوم فاستأذن عليهم وقال لهم: قد مات عامر من عمار داركم، وكان شيخاً صالحاً، وأريد أن أدخل وأعزي أهله به فأدخلوه، وصلى تحت سدرة في الدار أربع ركعات، ثم قال: عظم الله أجركم في أبي سعيد وأحسن عزاءكم! وانصرف.
وحكى محمد بن موسى بن سيف قال: كنت أكتب لموسى بن عيسى بالبصرة، فوصل إليها فيل أهداه صاحب السند إلى الموفق، وكتب موسى بخبره إلى الموفق، فعاد الجواب بخط أبي العلاء صاعد بن مخلد وزير الموفق: "كتابي إليك بخطي، بين يدي الأمير أطال الله بقاءه وقد وصل كتابك في أمر الفيل، وسار خبره فر وصوله سالماً، وقد أمر الأمير أيده الله بأن يقاد الفيل على أصلح الطرق، حتى يؤمن عليه الخلل فيما يحتاج إليه، إن شاء الله! "
قال: وكتب إلى عبيد الله بن سليمان، وقد مات له ميت: "أحب جعلني الله فداءك أن تكتب إلى صاحب الجسر في إطلاق إحضار نائحة ليشفوا غيظهم الليلة" فقال عبيد الله: فلم أعلم غيظهم على الله أم على ملك الموت! وكتب له بما أراد.
وقرأ صاعد يوماً على الموفق كتاباً فلم يفهم معناه، وقرأه الموفق وفهمه، فقال فيه عيسى بن الفاسي:
أرى الدهرَ يمنعُ من جانبِهويُهدي الحُظوظ إلى عائبهْ
وكم طالبٍ سبباً مجلباًفأعيا عناه على طالبهْ
ومن عجَب الدَّهرِ أنَّ الأمير أصبحَ أكتبَ من كاتبهْ
وله فيه أيضاً:
أتاني كتابانِ من صاعدٍبمدح الرضى وبذمِّ الغضبْ
وتاريخ هذا وذا واحدٌبيوم الخميس، في للعجبْ
فيا ليتَ شعري لماذا رضيوياليتَ شعي لماذا غضب!
وكتب ابن الفيروزان المدائني إلى صاعد بن مخلد أبياتاً، وأهدي إليه هدية معها في يوم مهرجان، فأجابه صاعدٌ:
وصلت تحيفاتكفي يوم مهرجانك
فلا عدمتُ بلاغتَكوطيب ريحانك
فأنت جانجانيوأنا جانجانك!
وخاطبه أبو العينار يوماً فيحاجة، فأمسك عنها، ولم يرد جواباً عليه، فعاوده، وكان الأمر على حاله تلك، فقال له: تكلم يا سيد من سكتّ فقال ابن بسام في ذلك:
يا من علا وتعظَّمْاللهُ أعلى وأعظمْ
يا أهلَ بغدادَ صومواأبو العلا قد تكلمْ
وكانت نعمة صاعد عظيمة جمة فخمة زائدة، وكان استغلال ضياعه في كل سنة ألف ألف دينار، ووجد له لما قبض عليه من الأموال والجواهر والثياب والفروش والآلات والصياغات والطيب وآلات السلاح الشيء العظيم، ومن الكراع والجمال أربعة آلاف رأس، ومن الخصيان والأتراك والسودان والحشم ثلاثة آلاف نفس وما ينيف عليه.
كان إسماعيل بن بلبل الوزير يفاوض المعتمد بالله في أمر، فقال له: إذا أخرجه أمير المؤمنين من أستي أربعة أصابع فليدخله في أست من شاء! قال المعتمد، وكان المخبر بذاك لعبيد الله بن سليمان وزيره: فورد علي من قوله ما أخجلني، وأطرقت حياء منه!
وحدث هشام قال: كنت بحضرة حامد بن العباس وقد نظر في وزارة المقتدر بالله إذ خرجت أمُّ موسى القهرمانة وقالت له: أنقذني أمير المؤمنين إليك وأمرني أن أقول لك في مجلس عملك كان ابن الفرات يحمل إلي في كل يوم خريطة فيها ألف دينار وإلى السيدة عشرة آلاف في كل شهر، وإلى الأمراء والقهارمة خمسة آلاف دينار، وما حملت شيئاً من ذلك منذ أربعين يوماً! فقال لها غير محتشم: قد جئت الساعة حادة محتدة تطالبينني بذاك! اضربي والتقطي واحذري لا تغلطي! فخجلت واستحيت وانصرفت.
وقال يوماً في مجلسه الحفل لابن عبد السلام: هذا الدقيقي ابن البظراء قرابة أم كلثوم العفلاء تعرفه؟ فقال له: الوزير أعزه الله أعرف به مني!
وقال يوماً لأبي القاسم بن الحواري في دار الخلافة وأم موسى القهرمانة حاضرة، في عرض حديث: خاصمني الطائي دفعتين فنكت أمه مرتين! فقالت أم موسى: ما هذا الكلام من كلام الناس! إنا لله وإنا إليه راجعين! .. فاستحيا وقال: نحن في السواد إذا غلبنا خصومنا قلنا: نكنا أمهاتهم.
واستدعى يوماً الوليد ابن أخت الراسبي يطالبه بمال مصادرته، فقال له أبو الحسن علي بن عيسى، وهو يؤمئذ نائب عنه، يوليني الوزير خطابه؟ فقال: افعل، فاستدناه، وجلس يساره، والوليد الآن على أن أنيك أم ذا؟ فقال له: اللهم غفراً، إي والله وأي لوم! فقال محمد بن عبزس الجهشياري صاحب كتاب الوزراء، وكان حاجب علي بن عيسى: لعن الله زماناً صرت فيه وزيراً.
وقال علي بن هشام: اجتاز حامد على باب دارنا بشارع باب الكوفة، فاتفق أن كلمه قوم من التناء ببادوريا وقالوا له: نحن أيها الوزير مطالبون عن كل نخلة سهريز بثلاثة دراهم، وحملها مائة رطل نبيعها بدرهمين، فأما ان أذنت لنا في قلعة أو خففت عنا من خراجه! فزبرهم وقال: النظر في مثل هذا إلى أبي الحسن علي بن عيسى فاقصدوه وخاطبوه، فمضوا، وسار خمس خطوات ثم وقف وأمر بردهم فردهم الرجالة، وقال لهم: كأني بكم وقد قلتم لعلي لن عيسى قد أجابنا الوزير وأحال عليك في التقرير! أمي إن كنت أجبتكن زانية، وأمكم إن قلتم هذا زانية، وأم علي بن عيسى إن أجابكم إليه زانية!
وكان علي بن عيسى يستوفى على حامد مال ضمانه المسواد، وهو إذ ذاك موسوم بخلافته على الوزراء، ويناظره عند اجتماعهما في دار الخلافة على ما يحل عليه منه، فيستظهر على بن عيسى، ويخلد حامد إلى السفه، فيقول له علي بن عيسى: سلاماً سلاماً! يريد قول الله تعالى: (وإذا خاطَبَهُم الجاهِلونَ قالُوا سَلاَماً) فلما كثر ذلك على حامد منه قال له: كم تكثر من ذكر سلامه الذي ينيك أسماء أختك! فقال علي بن عيسى: ما بقي بعد هذا شيء! وتجنب كلامه وخطابه.
كتب أسد ين جهور، وكان ممن تصرف في الأعمال الجليلة وله النعمة العظيمة، إلى بعض العمال أن احمل لنا مائتي جوانبيرة، فقال العامل: ما يصنع بهؤلاء العجائر! ثم حصل منهن ما أمكن، وأنفذهن طوعاً أو كرهاً، فما وصلن إلى بابه وقرأ كتاب العامل بإنفاذهن، قال: ادفعوهن إلى الطباخ وتقدموا إليه بأن يذبح لنا في كل يوم ما نحتاج إليه، فقيل له: انهن نساء! فقال: إنا لله، إنما أردت الجوامركات فغلطت، وتقدم بأن يدفع إليهن دراهم ويصرفن، وأن يكتب إلى العامل بحمل جوامركات من الدجاج.
وحدث عبد الله بن محمد الروزي عن إسحق بن صالح قال: قيل للمأمون: إن بني علي بن صالح صاحب المصلى فجار سفهاء، قد نقش كل واحد على خاتمه ما يدل على مجونه وفجوره، فقال المأمون لعلي بن صالح: أحضرني أولادك لأقدمهم وأرتبهم، فقال: السمع والطاعة، وعرف أولاده ما رسمه المأمون في أمرهم، فأخذوا أهبتهم ودخلوا معه على المأمون فسلموا ووقفوا، فأمر بأخذ خواتيهم، وقرأ ما عليها فكان على واحد منها: "اس مكنسه استه" وعلى الآخر: "أبي يغلب النوكى بسيفه" بسيفه ورماحه" وعلى الآخر:
تعس الأير وانتكسْدخل الكسَّ فاحتبس
وعلى الآخر: "النيك من قدام يضعف الركبتين، فلا تستعمله في الصيف"
فقال المأمون: يا سفهاء قبحكم الله، تركتم الأدب واطرحتموه، وآثرتم المجون والسفه واتبعتموه! هذا وأبوكم أحد العلماء والفقهاء الذين يرتضى برأيهم ويستضاء بهديهم! ثم أقبل عليه فقال له: مال الذنب إلا لك، لأنك أهملتهم حتى تتايعوا في غيهم وتركوا ما كان أولى بهم وبك! قال: ما لي عليهم قدرة ولا طاعة، ولا سيما هذا الكبير فإنه أفسدهم وأهتكهم، ويزين لهم سوء أعمالهم! فأطرق الكبير وأمسك، فقال له المأمون: تكلم، فقال: يا أمير المؤمنين أتكلم بلساني كله أم كما يتكلم العبد الذليل بين يد مولاه، تاركاً لحجته، وهائباً لسيده؟ قال: تكلم بما عندك! قال يا أمير المؤمنين، هل أحمدت رأي أبينا إذ أحمدت فهمه وعلمه؟ قال: نعم، قال: أعتق ما أملك وأطلق ما أطأطلاق الحرج، وعلي ثلاثون حجة تبلغ بي الكعبة إن لم يكن أبي علي بن صالح طلب سكر طبرزد فلم يجد في خزانته منه شيء، ولم يكن الوقت وقتاً يوجد فيه بائع ولا سكر، فقال له خازنه: ما عندنا سكر؛ فقال: الحمد لله رب العالمين، ولا أقول إنا لله وإنا إليه راجعون وإن كانت مصيبة، إلا أن هذا يقال عند المصائب في الأنفس، لكني احمده على السراء والضراء والشدة والرخاء، بما حمده الشاكرون، وأنا أرجو أن نكون منهم ومعهم إن شاء اللهٍ .. ثم أقبل على الخازن فقال: ادع لي الوكيل، فدعاه، فقال: ما منعك إذ فني السكر أن تبتاع لنا سكراً؟ قال: ما أعلمني الخازن، فقال للخازن: لم لم تعلمه؟ قال: قد كنت على ذلك .. قال: ما ها هنا ما هو أبلغ في عقوبتكما من أن أقوم على إحدى رجلي ثم لا أضع الأخرى على الأرض ولا أراوح بينهما حتى تحضر اني ألف من سكراً من الجنس الذي طلبته، ليس بوسخ ولا مضرس ولا لين المكسر ولا محدث العمل ولا معوج القالب؛ ثم وثب وقال: "يُوفون بالنَّذْر ويَخافونَ يوماً كان شَرُّه مُسْتَطيراً" والله ثم والله لا أزال قائماً حتى أوفي ينذري! قال: فتبادر غلمانه ومواليه وبعض ولده وعجائزه نحو السوق، فواحد ينبه حارساً، وآخر يفتح درباً، وآخر يحمل شريجة، وآخر يوقظ نائماً، وآخر يرمي كلباً، والغلمان والخزَّان والجواري والحراس والسُّوقة في مثل يوم القيامة! ثم قال: يا قوم أمالي من أهلي مساعد؟ أين البنات العواتق المخبآت؟ أين اللواتي كنت أغذوهن لي الطعام واللبوس ويرعين فيما أرعين من خفض العيش وغضارة الدهر؟ أين أمهات الأولاد اللواتي اعتقدن العقد النفسية وملكن الرغائب بعد الحال الخسيسة؟ أين الأولاد الذكور الذين لهم نسعى ونحفد، ونغدو أو نروح؟ فتبادر إليه بناته وأمهات أولاده، فقامت كل واحدة منهن على ساق، فقال: أحسنتم والله، أحسن الله جزاءكن عن بركن، لمثل هذا كنت أعدكن وأحسبكن الحسنى! ولاحظ الكبرى من بناته وآخر من بنيه وهما يراوحان بين أقدامهما، فقال له: تراوحان ولا أراوح! صدق الله العظيم وبلغ رسوله الكريم قال: "إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم". حذاري منكماّ ثم قال: علي بن صالح ليس في خزانته سكرطبرزد، وجائزته من أمير المؤمنين ثلاثمائة ألف إذا كان السعر بين الغالي والرخيص، وضيعته بالزَّاب تغلُّ مائة ألف، وضيعته بالكوفة المعروفة بالمغيريه من أجل ضيعة ملكها أحدٌ، وضيعته بطسوج الدسكرة لولا أن سعيداً السفدي أدال الله منه قطع شربها وغور مجاري مائها حتى عطلت أنهارها وبطلت عمارتها، إضراراً بنا وتعدياً علينا، ما كان لأحد مثلها، وعلى أن أكرتها ومزارعيها من ألعن خلق الله، لو تمكنوا من أن يقتطعوا الحاصل ما أعطونا شيئاً، ومن أخبرك أن الضيعة لرب الضيعة فقل كذبن لا أم لك، الضيعة ثلاثة أثلاث: فثلث للسلطان، وثلث للوكيل، وثلث للأكار، وإنما يبقى لرب الضيعة صبابة كصبابة الإناء، ومجة كمجة العرقوب، يجيء وقت الدياس، فيمر بهم الأمير، فهذا يخبز له، وهذا يذبح له، وهذا يستقيهم النبيذ، وما نبيذهم العكر الأسود إلا وضر الدبس وماء الكشوث، قبح الله ذاك شراباً ما أثقله في الجوف وأضره بالأعلاق النفيسة! ثم يأتي وقت الكيل فمن بين رقام رقم الله جلبابه، وأعدَّ له من الهوان ما هو أهله ومن بين كيال كال الله له الويل بقوله: "وّيْلٌ للمُطَفِّفين" ما يبالي أدهم بما يقدم عليه، ولقد سمعت أمير المؤمنين أعزه الله يسأل قضاته بالحضرة، هل عدلتم كياً قط؟ فكلهم قال: لا! قال: فإن أطعموا الجداء الرضع ونقى دستميسان ووهبت
لهم الدراهم، فويل يومئذ لفئة السلطان ماذا يحمل عليها من القشب والقصر والمدر ويخلط فيها من التبن! ثم قال: يا قوم لم أسهبت في ذكر هؤلاء وما الذي هاج هذا في هذه الساعة حتى تكلمت فيه؟ أما كان يكفيني أني قائم على رجلي بأحد جناحي؟ فقالوا: هذا للسكر الذي خلت خزانتك منه! قال: أجل والله، إذا كان وكيلي مشغولاً بزوجته وبناته ومصالح أمره فمتى يفرغ للنظر في مصالح خزانتي! والله لقد حدثت أن حلي بناته بألوف دنانير، وقال لزوجته: اخرجي إلى الأعياد، وادخلي الأعراس واسألي عن رجال المذكورين، واطلبي المواضع المعروفة والأنساب المرضية والأخلاق الكريمة لبناتك، وأخرجيهن في الجمعيات يتصفحن محاسن العزاب، ويخترن أولي الأنساب! أو لم يزو عن الثقات أنهم كرهوا خروج الأبكار في الجمعات التي فرض الله فيهن السعي، فنبع قوم من هذه البدعة: خارجية خرجت ومارقة مرقت،، ورافضة رفضت الدين وأهل الدين، فتركوا فرض الله، "قاتلهم الله أنى يؤفكون اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله! " وقد روينا عن النبي ﷺ من غير وجه ولا اثنين أنه خطب الناس فقال في خطبته: "إن الله تعالى فرض عليكم الجمعة في مقامي هذا، في يومي هذا من عامي هذا إلى يوم القيامة، فمن تركها استخفافاً بها وجحوداً لها فلا جمع الله له شملاً، ولا بارك الله له في أهله، أل اولا حج له ولا جهاد حتى يتوب، فمن تاب تاب الله عليه"! ثم قال: يا قوم ما الذي حركنا على هذه الفضيلة في جوف الليل؟ فقالوا: السكر! قال: أجل والله فما أحضرتموني ألف من سكراً إلى هذه الغاية! أيا صبح أيا فتح أيا نصر أيا نجح! تبادروا مولاكم ويلكم فإنه قد تصب ولغب من طول القيام! والله إني لأحسب أن الثريا مقابلة سمت رأسي! ذهب والله الليل وجاء الويل! ويلكم أدركوني فإني أُريغ نومة ولا بد من البكور نحو الدار! فبادر بقية الخدم يستحثون الأول، وأخذوا السكر فجاءوا به من غير وزن ثمنه ولا تقرر سعره، طلباً للسرعة والعجلة، فقال: ما هذا؟ قالوا: ما أمرت به، قال: فهل أخذتموه من الجنس الذي طلبت؟ قالوا: نعم، قال: فهل وزنتموه واستوجبتموه؟ قالوا: لا! قال: يا أعداء الله أردتم أن توقعوا أذيتي، والله لا يطمع مني في هضمه، ولا أزال على حالي حتى تأخذوه بيعاً صحيحاً لا شرط فيه ولا خيار ولا مثنوية! هيهات يا أبي الله ذلك وعلي بن صالح! فرجعوا وقطعوا ثمنه مع التجار، ووزنوا لهم ثمنه، وعادوا إليه فأخبروه بذلك، فقال: يوزن بحضرتي! فجاءوا بالقبان، فقال: من يزن منكم؟ فقالوا: من أمرته، فقال: زن يا صبح، فقد دنا الصبح، وأرجح، فإن النبي ﷺ اشترى ثوباً فقال للوزان: زن وأرجح، فو الله لو لم يكن في الرجحان إلا تحلة القسم وإن كانٍ في ذلك لما يدعو العلماء بالله الفقهاء في دين الله إلى العمل به لتوالي العمل به! فجعل الغلام يزن ويرجح، وهو يقول له: ويلك عجل، فذاك أهلك، فقد دنا الصبح! أوه جاءت والله نفسي أو كادت! قال: فلما استوفى الوزن خرَّ مغشياً عليه ما يدري أرضاً توسد أم وساداً، وكذلك كانت حال من كان معه في مثل حاله، فما انتبه واحد منهم لفريضةٍ ولا نافلةٍ إلا بحر الشمس .. فهذه يا أمير المؤمنين حال من أحمدت علمه وعقله وفهمه ورأيه وفقهه! فقال له المأمون: قاتلك الله، فما أعجب أمرك على كل حال، والله لئن كنت ولدت هذا على أبيك في مقامك هذا فمالك في الأرض نظير ولا في السماء شيبه! وإن كنت حكيت عنه حقاً وعياناً ووعيت لقد أجدت الحكاية وأحسنت العبارة وأحكمت الحفظ والدراية وما في الدنيا لأبيك في ذلك شبيه، وإنك لتعمي مساوئك بمحاسنك، فلا تذكرن شيئاً من هذا بعد هذا المجلس، فإن عيبه فينا أقدح منه في أبيك! قال: فذهب علي بن صالح ليتكلم، فقال له المأمون: إياك أن تنبس بحرف! ثم أمرهم بالانصراف.
النص من طبعة مجمع اللغة العربية بدمشق، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع