من «محاضرات الأدباء» للراغب الأصفهاني (ت ٥٠٢هـ)
الحدّ العشرون في الديانات والعبادات (٢)
وقال أعرابي: إني لأسبغ الوضوء وما تقع على الأرض مني قطرة. وكان بعض الناس يعاتب ابنه في تركه الوضوء والصلاة، فلما أكثر عليه، قال: يا أبت إما أن أتوضأ ولا أصلّي أو أصلّي ولا أتوضأ.
نقض الوضوء: قال النبي ﷺ: إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا، فلا يخرجنّ من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا. وقع الخلاف بين الصحابة ﵃ في التقاء الختانين من غير إنزال، فقال بعضهم: لا يجب عليه الغسل لقوله ﷺ إنما الماء من الماء. وقال بعضهم يجب. فبعث عمر إلى عائشة ﵂ فقالت: قال ﷺ إذا التقى الختانان وجب الغسل، فقال عمر: لئن بلغني عن أحد أنه فعل ذلك ولم يغتسل عاقبته.
سؤر الكلب: قال ﷺ: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات أولاهن أو أخراهن بالتراب.
التنزّه من البول وغسله: قال ابن عبّاس: مرّ رسول الله ﷺ بقبرين فقال: إنهما ليعذبان وما يعذبان في كثير.
أما أحدهما فكان لا يتنزه من البول وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة، ثم أخذ جريدة رطبة فشقّها نصفين فغرز في كل قبر واحدة ثم قال لعلهما يخفف عنهما ما لم ييبسا.
المنيّ: قالت عائشة ﵂: كان ﷺ إذا أصاب ثوبه المني غسله وكأني أنظر إلى البقع في ثوبه من أثر الغسل. ورآه ﷺ في ثوب رجل فقال أمطه عنك بإذخرة.
فضل من بات على الوضوء: قال ﷺ: إذا أتيت مضجعك فتوضأ للصلاة ثم اضطجع على شقّك الأيمن، وقل:
اللهم أسلمت وجهي إليك وفوّضت أمري إليك والجأت ظهري إليك رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجأ منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيّك الذي أرسلت فإن متّ في ليلتك متّ على الفطرة.
الحيض: قالت عائشة: كنت إذا حضت يأمرني ﷺ أن أتزر ثم يباشرني وأيّكم يملك أربه كما كان ﷺ يملك أربه.
التيمّم: قال الله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً
. وقال ﷺ: التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين وقال ﷺ: جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا. وجاء رجل إلى عمر بن الخطاب وقال: إني أجنبت فلم أصب الماء، فقال عمار بن ياسر لعمر ﵄: أما تذكر أنا كنا في سفر فأجنبت أنا وأنت فأما أنت فلم تصل وأنا تمعكت في التراب فصليت، فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له فقال لي: إنما كان يكفيك هكذا. وضرب بكفيه الأرض ونفخ فيهما ثم مسح بهما وجهه وكفيه.
ومما جاء في الصلاة
فضل القعود في المساجد: قال أبو الدرداء: لابنه ليكن المسجد بيتك فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول:
المساجد بيوت المتقين. وقال ﷺ: ترهب أمتي الجلوس في المساجد وقيل: المساجد مجالس الكرام.
وقال بعض الأنصار: من أتى المسجد وجد فيه ثماني خلال أخا مستفادا وعلما مستظرفا وآية محكمة ورحمة منتظرة وكلمة تردّ عن رديء وترك الذنوب حياء وحشمة.
وقال ﷺ: الملائكة يصلّون على أحدكم ما دام في المسجد الذي صلّى فيه. يقولون: اللهم أغفر له اللهم تب عليه ما لم يؤذ فيه أو يحدث فيه.
أوقات الضرورة للصلاة: قال ﷺ: من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة، وروي: من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر.
الأوقات المنهي فيها عن الصّلاة: نهى النبي ﷺ عن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، وعن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس.
وقال ﷺ: لا تحروا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها فإنها تطلع بين قرني شيطان. وقال: إذا بزغ حاجب الشمس فدعوا الصلاة وإذا غاب حاجب الشمس فدعوا الصلاة حتى تغرب الشمس. وروت عائشة ﵂: ما ترك النبي ﷺ ركعتين بعد الصلاة في بيتي قط.
السخف في الأذان: قيل: استؤجر رجل في قرية على أن يؤذن بعشرة دراهم، فاستزادهم، قالوا: ليس لنا ما نزيدك ولكن قد سامحناك في حيّ على الفلاح فلا معنى له مع قولك حي على الصلاة.
وقال بعضهم: مررت برجل يقول في أذانه أشهد أن لا إله إلا الله وهم يشهدون أن محمدا رسول الله فقلت: مالك لا تشهد شهادتهم؟ فقال: إنه يهودي مستأجر. وقال بعضهم: دخلت قرية فحان وقت الصلاة فدخلت مسجدها، فأذنت وأقمت وصليت بجماعة منها دخلوا المسجد، فلما سلمت ودعوت قال أحدهم: أمسلم أنت أم يهودي؟
فقلت: هل رأيت يهوديا صلّى بمسلمين؟ قال: إنما نقول لأن يهودكم خير من مسلمينا.
الواجب من الصلاة: قال أبو حنيفة ﵁: الوتر واجب ولم يوجبه غيره واستدلّ بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: إنّ الله تعالى زادكم صلاة ألا إنها هي الوتر فأوتروا. وروي أن أعرابيا أتى النبي ﷺ فسأله عن الصلاة الواجبة عليه فذكرها له، فقال: هل على غيرها فقال لا إلا أن تتطوع. وروي أن أعرابيا قال للنبي ﷺ بعد أن علمه الصلاة: هل عليّ غيرها؟ قال:
لا، قال: والله لا أزيد فيها ولا أنقص، فقال: أفلح إن صدق. وروي الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله. وروي من ترك صلاة العصر فكأنما حبط عمله.
الحثّ على صلاة الجماعة: قال ﷺ: لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد. وقول الله تعالى: إِنَّما
يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ
أي بالسعي إليها والصلاة فيها.
الصّلاة في المطر: خطب ابن عباس في يوم جمعة، وكان ذا مطر، فأمر المؤذن أن يؤذن فلما قال: حي على الصلاة. قال: أمسك وأذّن، الصلاة في الرحال، فنظر القوم بعضهم إلى بعض فقال: قد أنكرتم ذلك قد فعله خير مني ومنكم فإنها عزمة، وإني كرهت أن أخرجكم.
وقال ﷺ: إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال.
القراءة في الصلاة: قال الله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ
، قيل: عنى ذلك في الصلاة. وقال ﷺ: لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب. وروى أبو سعيد الخدري أنه ﷺ قال في كل ركعة قراءة فمن لم يقرأ في جميع الركعات فلا صلاة له. وقال: إذا أمن الإمام فأمنوا.
رفع اليدين والذّكر: روى جابر أن النبي ﷺ كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وإذا ركع وإذا رفع رأسه من الركوع. وقال: إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك بروك الجمل. وقال: مكّن وجهك من الأرض حتى تجد حجم الأرض. وقال: أمرت أن أسجد على سبعة آراب.
التشّهد والتسليم: قال النبي ﷺ: إذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل التحيات إلى آخره. وروي أنه كان يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن. وقال ﷺ: تحريمها التكبير وتحليلها التسليم.
ستر العورة في الصلاة: قال الله تعالى: خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ
. قيل المراد بها في الصلاة لإجماع الناس أن أخذ الزينة لأجل المكان لا يجب. وسأل سلمة بن الأكوع النبي ﷺ قال: ربما أكون في الصيد وليس عليّ إلّا ثوب واحد وأريد الصلاة فقال: زره لو بشوك. ولما سئل عن جواز الصلاة في الثوب الواحد، قال: أو كلكم يجد ثوبين، وقال: غطّ فخذك فإنها عورة. وقال أمير المؤمنين ﵁: لا تكشف فخذك ولا تنظر إلى فخذ حيّ ولا ميت. وقال: إذا زوج أحدكم عبده من أمته فلا ينظر إلى ما بين سرتها وركبتها فإن ذلك عورة من كل مسلم ونهى النبي ﷺ الرجل عن اشتمال الصماء وهو أن يجعل الثوب على أحد عاتقيه.
الكلام في الصلاة: روى أبو هريرة أن النبي ﷺ تكلم بالمدينة فبنى، وروى زيد بن أرقم قال: كان الرجل منا يتكلم خلف رسول الله ﷺ فيدخل الداخل فيقول بكم سبقت، حتى أنزل الله تعالى: وَقُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ
، فأمرنا بالسكوت. وقال النبي ﷺ: إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين إنما هي قراءة وتسبيح.
إعادة الصلاة: لمن حضر الجماعة
. روي أن النبي ﷺ صلّى صلاة الفجر فلما فرغ رأى رجلين خلف الصف فقال: ما منعكما أن تصليا معنا؟ قالا: كنا قد صلينا في رحالنا فقال إذا جئتما فصليا وإن كنتما قد صليتما تكون الأولى فريضة والثانية سنة.
إعادة الصلاة
قال النبي ﷺ: من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة إلا ذلك لقوله تعالى:
وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي
سجود التلاوة والشّكر: قيل: سجدات القرآن أربع عشرة. وقال مالك: ليس في المفصل سجود. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ كان يسجد في إِذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ
واقرأ بِاسْمِ رَبِّكَ
. وروى عقبة بن عامر ﵁ قال: قال ﷺ: في الحج سجدتان فمن لم يسجدهما فلا يقرأهما. وروى عبد الرحمن بن عوف أن النبي ﷺ سجد فأطال السجود فقال: بشرني جبريل أن من صلّى عليك واحدة صليت عليه عشرا فسجدت هذه السجدة شكرا لله تعالى.
الشكّ في الصّلاة: قال ﷺ: من شك في صلاته فلم يدر أثلاثا صلّى أم أربعا فليصل أخرى، فإن كانت رابعة فقد تمت صلاته وإن خامسة كانت الركعة والسجدتان ترغيما للشيطان. وروي عنه أنه صلّى الظهر خمسا فلما أن سلم قيل له: أحدث في الصلاة حدث؟ قال وما ذاك؟ فقيل له في ذلك فثنى رجله وسجد سجدتي السهو.
المرور بين يدي المصلي والاعتراض بينه وبين القبلة: روي أن أبا سعيد كان يصلي فمرّ رجل من آل أبي معيط بين يديه فمنعه، فأبى أن ينتهي، فمنعه فأبى فدفع في صدره. قال ومروان يومئذ على المدينة فشكا إليه، فقال مروان لأبي سعيد: فقال أبو سعيد قال رسول الله ﷺ: إذا مر بين يدي أحدكم شيء وهو يصلي
فليمنعه، فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان. وإني كنت نهيته فأبى أن ينتهي. وروي أن النبي ﷺ كان يصلّي وعائشة معترضة بينه وبين القبلة على الفراش الذي ينامان عليه.
وذكر بعد ذلك عند عائشة أنّ الصلاة يقطعها الكلب والحمار والمرأة، فأنكرت ذلك لما كانت تعلم من حالها. وكان ﷺ يحمل أمامة بنت زينب على عاتقة فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها.
التوجّه للقبلة: قال البراء: قدم رسول الله ﷺ المدينة فصلّى للقدس ستة عشر شهرا أو سبعة وكان ﷺ يحب أن يتوجه نحو القبلة فأنزل الله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ ...
(الآية) فمرّ رجل من الذين انحرفوا معه للقبلة بقوم من الأنصار يصلون للقدس، فقال:
أشهد لقد تحولت القبلة للكعبة، فانحرفوا في صلاتهم نحو الكعبة فقالت اليهود ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ فقال تعالى: قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ..
الآية وكان ﷺ يصلي على راحلته حيث توجهت فإذا أراد الفريضة نزل فاستقبل.
رمي البزاق في الصّلاة: رأى النبي ﷺ نخامة في الصلاة، فشقّ ذلك عليه حتى رؤي في وجهه، فقام فحكه، وقال: إنّ أحدكم إذا قام في صلاته فإنما يناجي ربّه وإن ربّه بينه وبين القبلة فلا يبصقن في قبلته ولكن عن يساره أو تحت قدمه ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه ثم رد بعضه إلى بعضه فقال أو يفعل هكذا.
الصلاة خلف كلّ مسلم: قال ﷺ: صلوا خلف كل برّ وفاجر. وكان ابن عمر ﵁ يصلّي مع الحجاج فقيل له في ذلك، فقال: إذا دعونا إلى الصلاة أجبناهم وإذا دعونا إلى الشيطان تركناهم.
القصر في الصلاة: قال الله تعالى: لا عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ
وسئل رسول الله ﷺ ما بالنا نقصر وقد أمنا؟ فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم. وروي: أنا سافرنا مع النبي ﷺ فمنا من أتم ومنا من قصر فلم يعب بعضنا بعضا.
غسل الجمعة وفضله: قال النبي ﷺ: من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنه، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما
قرب كبشا، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة.
وجوب الجمعة: قال النبي ﷺ: إن الله فرض عليكم الجمعة في عامكم هذا في شهركم هذا في يومكم هذا إلا من تخلف عنها في حياتي أو بعد وفاتي، ألا لا جمع الله شمله ولا بارك له في أمره. ألا لا صلاة له، ألا لا زكاة له، ألا لا حج له. وقال: الجمعة واجبة على كل مسلم إلا امرأة أو صبيا أو مملوكا. وقال: من ترك ثلاث جمعات متواليات طبع الله على قلبه.
وروى أبو هريرة ﵁ من علم أن الليل يؤوبه إلى أهله فليشهد الجمعة.
وقال: إذا جاء أحدكم الجمعة والإمام يخطب فليصلّ ركعتين قبل أن يجلس.
النهي عن تأخير الصلاة عن وقتها: قال ﷺ: الصلاة في أول الوقت رضوان الله وفي آخر الوقت عفو الله. وقال وكيع:
من لم يأخذ أهبة الصلاة قبل وقتها فما وقرها. وقال رجل لابنه وهو مسافر: إياك وتأخير الصلاة عن وقتها فإنك تصليها لا محالة فصلها وهي تقبل. وقام بشر المريسي من مجلس المأمون للصلاة، فقال له علي بن صالح: أتقوم وأمير المؤمنين جالس؟ فقال: هذا وقت ليس لمخلوق فيه طاعة، فقال المأمون: صدق. وكان الحجّاج يخطب فأطال، فقام إليه رجل، فقال: إن الوقت لا ينتظرك والرب لا يعذرك. وقال ثعلب: ما يكاد وقت الصلاة إلا تذكرت قول أبي تمّام:
وأحق الفتيان أن يقضي الدين امرؤ كان للإله غريما
الحثّ على المحافظة على الصلوات: قال الله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى
. قيل هي العصر، وقيل هي العشاء. وقال ﷺ: الصلاة عماد الدين. وقال: أقرب ما يكون العبد من ربه وقت صلاته ولذلك أمر بالدعاء في عقبها. وقيل: إذا كان يوم الجمعة بعث إبليس شياطينه إلى الناس بالركائب أي يذكرونهم الحاجات.
التكاسل عن التهجّد: قال رجل للنبي ﷺ: لست أقوى على قيام الليل، قال: فلا تعصه بالنهار، أي عجزك بالليل لعصيانك بالنهار. وقال رجل لسليمان: لا أستطيع قيام الليل فقال لعلك تفجر بالنهار.
عتب من يخفّف حتى يخلّ بالأركان: قال ﷺ: أسوأ الناس سرقة من يسرق من صلاته. ونظر الشبلي إلى رجل يسرع في صلاته فقال له: إنك لتخون، وبعد الخيانة لا تقبل الأمانة. وقال بعضهم: إن الصلاة مكيال فمن وفى وفي له ومن طفف ف وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ
. وصلّى رجل صلاة خفيفة ثم قال:
اللهم زوجني من الحور العين، فقال أعرابي: بئس الخاطب أنت أعظمت الخطبة وأسأت النقد. ونظر الجماز إلى من يخففها فقال صلاتك رجز فأتى في التشبيه بما هو من صنعته.
عذر من صلّى صلاة خفيفة: صلّى رجل صلاة خفيفة فقيل له ما هذه الصلاة؟ قال: صلاة ليس فيها رياء. وصلّى بعض العلماء فخفّف وقال: أغالب شيطاني. ورأى أبو حنيفة رجلا يصلّي ولا يركع فقال ما
هذا؟ فقال: إني رجل عظيم البطن فإذا صليت وركعت ضرطت فأيما أحسن.
عتب إمام يطيلها: قال النّبي ﷺ لمعاذ ﵁: أفتان أنت يا معاذ. وقال عثمان بن أبي العاص:
آخر ما عهد إلينا رسول الله ﷺ قال: إذا أممت قوما فأخف بهم الصلاة. وقرأ إمام سورة طويلة فعاتبه من كان خلفه، فقال الإمام: قد قرأ أبو بكر البقرة وآل عمران في صلاة الصبح، فقال الرجل: قد رأيت ما فعل أهل الردة من هذا وأشباهه. وأطال إمام الصلاة فلما فرغ عاتبه من كان خلفه فقال: وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين، فقال الرجل: أنا رسول الخاشعين إليك، إنك ثقيل وإنهم لا يقدرون على احتمال بردك.
المعيّر بترك الصلاة: قال أبو العيناء لابن مكرم: قم وصلّ فقال قد جمعت بينهما، فقال: نعم بالترك. كان بأصبهان رجل يقال له الكناني في أيام أحمد بن عبد العزيز، وكان يتعلم أحمد منه الإمامة فاتفق أن تطلعت عليه أم أحمد يوما وقالت: يا فاعل جعلت ابني رافضيا، فقال الكناني: الرافضة تصلّي كل يوم إحدى وخمسين ركعة وابنك لا يصلي كل أحد وخمسين يوما ركعة.
المكره على الصلاة: أمر المنصور أبادلالة أن يلازم الصلاة، فقال:
ألم تعلموا أن الخليفة لزّنيبمسجده والقصر مالي وللقصر
أصلّيهما كرها على غير نيّةفمالي في الأولى ولا العصر من أجر
ويحبسني عن مجلس أستلذّهأعلّل فيه بالغناء وبالخمر
وما ضرّه والله يصلح أمرهلو أن ذنوب العالمين على ظهري
وله:
وجفاني الأمير كي أتقرأفتقرأت مكرها لجفائه
والذي أنطوى عليه المعاصيعلم الله نيتي من سمائه
وكانت امرأة تكره ابنها على الطهارة والصلاة وهو يأبى، فقال: أرضي بإحداهما فقالت: رضيت بالطهارة. فلما تطهّر قالت له: صلّ فالطهارة بلا صلاة ليست بشيء فضرط وقال: نقضت فنقضنا.
طرف من صلاة الأعراب: أقام أعرابي فقال: على العمل الصالح قد قامت الفلاح. ثم قام يصلّي فقال: اللهم حسبي ونسبي واردد ضالّتي واحفظ هملي والسلام عليكم. ودخل أعرابي الحضر فقام يصلّي في الصف الأول فقرأ الإمام ألم نهلك الأولين؟ فتأخر إلى الآخر، فقال ثم نتبعهم
الآخرين. فخرج من المسجد يقول: يا ابن الفاعلة أهلكت الفريقين.
وصلّى أعرابي مع قوم فلما سجدوا عدا وقال: قد صعق القوم ورب الكعبة. وصلّت أعرابية مع الجماعة فقرأ الإمام: وأنكحوا الأيامى وأرتج عليه، فجعل يرددها، فخرجت الأعرابية إلى أخيها فقالت يا أخي ما زال الإمام يأمرهم بنكاحنا حتى خفت أن يثبوا عليّ
المتبجّح بترك الصلاة: رؤي أبو نواس وهو يصلي في الجماعة فقيل له: ما هذا؟ فقال أردت أن يرتفع إلى السماء خبر ظريف. وقال السفّاح لأبي دلامة: الصلاة، فقال حتّى تذهب حمياها قال وما حمياها؟ قال: الركعتان الأولتان لأنهما أطول.
وقال بعضهم: تعلمت من أحاديث النبي ﷺ ثلاث أحاديث ونصفا الأول إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال، الثاني ليس من البر الصيام في السفر، الثالث إذا حضرت الصلاة والعشاء فابدأوا بالعشاء. ونصف الحديث: حبب إليّ من دنياكم ثلاث النساء والطيب، وقد قال وجعلت قرة عيني في الصلاة.
المعتذر لتركه الصلاة: قال الأصمعي: رأيت أعرابيا في يوم بارد وقد عمد إلى أكمة فكنسها بشملته ثم توجه إلى القبلة، فقال:
إليك اعتذاري من صلاتي قاعداعلى غير طهر مؤمنا نحو قبلة
فمالي ببرد الماء يا ربّ طاقةورجلاي لا تقوى على ثني ركبتي
ولكنني أحصيه والله جاهداواقضيكه يا ربّ في وجه صيفتي
فإن أنا لم أفعل فأنت مسلّطبما شئت من صفعي ومن نتف لحيتي
وقال ابن طباطبا:
وماطلت ربي بالصلاة ولم يزليساهلني ربّي لحسن قضائي
المحرّض على ترك الصلاة: قال بعض الخاسرين لرجل كان يأتي الصلاة من أربع فراسخ ويكري حمارا بأربعة دراهم:
أنت تسير أربعة فراسخ وترجع أربعة وتضيع أربعة، وتغرم أربعة. ونظر بعض المعتزلة إلى رجل مغموم، فسأله فقال: فاتتني ركعة فقال إنما فاتك ما أدركته. وكان بعضهم يتباطأ عن الجمعة فرأى من يستعجل ويقول أخشى أن تفوتني الجمعة فقال: أنا أخشى أن أدركها.
صلاة الاستسقاء: خرج رسول الله ﷺ فاستسقى فقلب رداءه وكان يخطب يوم الجمعة، فدخل رجل المسجد، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطع النسل فادع الله أن يغيثنا، قال فرفع ﷺ يديه وقال: اللهم أغثنا اللهم أغثنا.
قال أنس ﵁: ولا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزعة وما بيننا وبين سلع من بيت أو دار. فطلعت سحابة مثل الترس فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المستقبلة فقال: يا رسول الله هلكت الأموال وانقطعت السبل فادع الله أن يمسكها عنا، فرفع رسول الله ﷺ يديه فقال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام والظراب وبطون الأودية ومنابت الأشجار. وقال:
فانقلعت وخرجنا نمشي في الشمس.
الزكاة
فضل التّصدّق ومدحه: في الخبر: الصدقة تطفئ غضب الرب وتدفع ميتة السوء. وقال ﷺ: ما تصدق أحد بصدقة إلا وقعت في يد الله قبل أن تقع في يد السائل، ثم قرأ: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ
وقال: استنزلوا الرزق بالصدقة. وكان أهل الصفة إذا أمسوا ينطلق الرجل بالرجل والرجلين وسعد بن عبادة ينطلق بثمانين.
التداوي بالصدقة: قال النبي ﷺ: الصدقة دواء منجح. وقال ﵊: حصنوا أموالكم بالزكاة، وداووا مرضاكم بالصدقة، واستقبلوا البلاء بالدعاء. وعاد حاتم الأصم بعض الأغنياء، فلما خرج، بعث إليه بمال، فقال: أهذا كان فعله في الصحة؟ فقيل: لا، فقال:
اللهم أدم حاله هذه فإنه صلاح الفقراء.
الحثّ على إخفاء الصدقة: قال الله تعالى: إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
وقال: لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ
وقيل: لا خير في المعروف إذا ذكر، ولا في الصدقة إذا نشرت. وقال ﵇: ثلاث من كنوز الجنة، كتمان الصدقة والمرض والمصيبة. وقال جعفر بن أبي طالب: حسن الجوار عمارة الدار وصدقة السر مثراة للمال.
الحثّ على التصدّق أيام الصّحة: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: أي الصدقة أعظم أجرا؟ فقال: أن تتصدق صحيحا تأمل العيش وتخاف الفقر، ولا تمهل حتى إذا كانت في الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا.
الحثّ على تطييب الصدقة: قال النبي ﷺ: لا يقبل الله صلاة بلا طهور ولا صدقة من غلول. وقال الله تعالى: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ
فلما نزلت هذه الآية قام أبو طلحة فقال: أحب الأموال إليّ بئر ماء والصدقة لله تعالى أرجو ذكرها وذخرها عند الله فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. فقال ﵇: بخ بخ إن ذلك مال رابح أرى أن تضعه في الأقربين، وقال بعضهم:
بنيت بما خنت الإمام سقايةفلا شربوا إلا أمرّ من الصّبر
فما كنت إلا مثل بائعة إستهاتعود على المرضى به طلب الأجر
من يحبّ أن يتصدّق من غير ماله: قال النبي ﷺ: إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة فإن لها أجرها بما أنفقت ولزوجها أجره بما اكتسب، وللخادم مثل ذلك، ولا ينقص بعضهم أجر بعض.
صدقة البقر والغنم: روي أن النبي ﷺ أمر معاذا أن يأخذ من ثلاثين تبيعا ومن أربعين مسنة. وروي أنه أتى بدون ذلك فلم يأخذه وقال: لم أسمع من رسول الله ﷺ فيه شيئا حتى ألقاه فأسأله.
فتوفي رسول الله ﷺ قبل أن يقدم معاذ.
وقال ﵇: ليس في الغنم صدقة حتى تبلغ أربعين، فإذا بلغتها ففيها شاة ولا شيء في زيادتها حتى تبلغ مائة وإحدى وعشرين، فإذا بلغتها ففيها شاتان وليس في زيادتها شيء حتى تبلغ مائتين وشاة، فإذا بلغتها ففيها أربع شياه ثم في كل مائة شاة.
وقال عمر ﵁: اعتد عليهم بالسخلة يروح بها الراعي ولا تأخذها ولا تأخذ الأكولة ولا الربي ولا الماخض ولا فحل الغنم وخذ الجذعة والثنية. وقال النبي ﷺ لمعاذ:
إياك وكرائم أموالهم.
صدقة الخلّيطين: في الحديث لا يجمع بين متفرق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة. وما كان في الخليطين فإنهما متراجعان بالسوية، معناه لا يفرق بين ثلاثة خلطاء في عشرين ومائة شاة فإنما عليهم شاة وإذا كان لثلاثة كان فيها ثلاث شياه ولا يجمع بين متفرق رجل له مائة شاة ورجل له مائة شاة فإذا تركتا متفرقتين ففيهما شاتان وإذا جمعتا ففيهما ثلاث شياه.
فخشية الساعي أن تقل الصدقة وخشية رب المال أن تكثر فأمر كلا.
وفي حديثه ﵊: لا أخلاط ولا وراط. ومن أحبى فقد أربى وكل مسكر حرام.
وجوب الزّكاة في مال اليتيم لا المكاتب: قال النبي ﷺ: اتجروا في مال اليتيم لا تأكله الصدقة. وروى جابر عن النبيّ ﷺ: لا زكاة في مال المكاتب وهو عبد ما لم يؤد كتابته بدلالة قوله ﷺ المكاتب عبد ما بقي عليه درهم.
تعجيل الزكاة: روي أن العباس استأذن النبي ﷺ في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فأذن له وشكوا خالدا والعبّاس وابن جميل فقال: أما العباس فإنا قد أسلفنا منه صدقة العام والعام المستقبل. وروي أنه ﵊ استسلف بكرا من الصدقة.
ما لا تجب فيه الزكاة: قيل: لا تجب في عوامل الإبل صدقة بدلالة قول النبي ﷺ في سائمة الغنم زكاة، فدلالة خطابه دل أن لا زكاة في علوفتها. وقال ﵇: ليس في الكسعة ولا في الجبهة ولا في النحة صدقة. والأفراس عند الشافعي ﵁ لا تحب فيها الزكاة،
وعند أبي حنيفة تلزم في إناثها ويستدل أن عمر ﵁ جمع الصحابة واستشارهم حتى كتبوا إليه في الشأم أن أخرج المصدقين إليها فأوجب في كل فرس دينارا. وروى أصحابه عن النبي ﷺ أنه قال: في كل فرس سالم دينار وليس في المرابطة شيء.
زكاة الحبوب والثّمار: قال الله تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ
وروي أن رسول الله ﷺ أخذ الصدقة في الحنطة والشعير والذرة، وقال ﵇: فيما سقت السماء العشر. فلم يعتبر أبو حنيفة القدر وأوجب في القليل والكثير. والشافعي خصص هذا الخبر بقوله ﵇:
ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة فلم يوجب فيما دونها، وأما الخضراوات فقد أوجب أبو حنيفة رحمة الله عليه في جميعها الزكاة، بدلالة قوله تعالى: وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ
. ومنع من إيجابه الشافعي استدلالا بقول النبي ﷺ: ليس في الخضراوات صدقة.
خرص النّخل والكرم: قال النبي ﷺ لليهود حين افتتح خيبر: ما أقركم إلا على أن التمر بيننا وبينكم؟ وكان يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص عليهم ثم يقول: إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي فكانوا يأخذونه. وقال ﵇ في زكاة الكرم: تخرص كما تخرص النخل ثم يؤدي زكاته زبيبا كما يؤدي زكاة النخل تمرا وقال أبو حنيفة: لا يعتبر الخرص بدلالة ما روى جابر أنه نهى عن الخرص وعن المزابنة وهي بيع الثمار على رؤوس النخل بخرصه تمرا.
زكاة الذّهب والفضّة والعرض: قال النبي ﷺ: ليس فيما دون مائتي درهم شيء فإذا بلغت مائتي درهم ففيها خمسة دراهم وما زاد فبحسابه. وقال ﵇ في الرقة ربع العشر، فأما الحلى فقد اختلف فيه. وروي أن النبي ﷺ قال لامرأتين معهما حلى: أديا زكاتهما، وأنه قال: في الحلى زكاة. وروي عنه أنه قال: زكاة الحلى إعارتها.
وقال حماس: مررت على عمر بن الخطاب وعلى عنقي أدمة أحملها فقال: ألا تؤدي زكاتك يا حماس؟ فقلت: يا أمير المؤمنين مالي غير هذه راهت في القرظ. فقال:
ذاك مال فضع فوضعتها بين يديه فوجدها قد وجب فيها الزكاة فأخذها منها.
زكاة الفطر: روى ابن عمر أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعا من تمر أو صاعا من شعير على كل حر وعبد ذكرا وأنثى من المسلمين.
ومما جاء في الصوم
وجوب الصّوم: قال الله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ
الآية وقال: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ
. وقال رجل للنبي ﷺ أخبرني بما فرض الله من الصيام قال: شهر رمضان إلا أن تتطوع.
النّيّة في الصوم: قال النبي ﷺ: لا صيام لمن لم يبيت النية من الليل وروي من لم ينو الصوم قبل الفجر فلا صوم له. وروي أنه بعث إلى أهل العوالي وقد تعالى النهار إن من أكل فليمسك ومن لم يأكل فليصم. وتجوز النية للمتطوع في النهار عند الشافعي واستدل بأن النبي ﷺ دخل على بعض أزواجه فقال: هل عندكم غداء فقالوا لا، فقال: إني إذا صائم.
صوم عاشوراء: روى ابن عمر أن النبي ﷺ أمر بصوم عاشوراء إلى أن فرض رمضان، وروي أن
معاوية دخل المدينة فخطب فقال: أين علماؤكم؟ سمعت النبي ﷺ يقول: ما كتب الله عليهم صيامه فمن شاء فليصم ومن شاء فليفطر.
نفع الصوم وثوابه: سئل أبو عبد الله بن الحسين رضي الله تعالى عنه عن الصوم لم أوجبه الله تعالى؟
فقال: ليجد الغني الجوع فيعود بالفضل على الفقير وعن ابن مسعود ﵁: للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك.
وحدّث مجاهد: أيما رجل أكل عنده وهو صائم صلت عليه الملائكة ما دام ذلك الطعام يؤكل عنده. وعن رسول الله ﷺ: لا يصوم العبد يوما في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم وجهه من النار خريفا.
كراهة رؤيته: نظر مخنث إلى قمر رمضان فقال أرانيك الله بالسل، فأخذه ابن المعتز فقال:
يا قمرا قد صار مثل الهلالمن بعد ما صيّرني كالخلال
الحمد لله الذي لم أمتحتّى أرانيك بداء السلال
وطلبوا يوما هلال رمضان فقال لهم أبو مهدية: كفوا فما طلب أحد عيبا إلا وجده.
وصعد قوم لطلب هلال رمضان فلم يروه فلما أرادوا الانصراف رآه صبي فآراه القوم فقال له بعضهم: بشر أمك بالجوع المضني. وقيل لرجل: أما تنظر إلى الهلال فقال: ما أصنع به؟ محل دين ومقرب حين ومؤذن بالجوع.
ما يستحب للصائم تجنّبه: قال النبي ﷺ: الصيام جنة فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم. وقال ﷺ: من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فلا حاجة لله أن يدع طعامه وشرابه.
وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يقبّل وهو صائم ويباشر وهو صائم وكان أملككم لإربه.
ما يفعل عن نسيان في الصوم مما ينافيه: قال النبي ﷺ: من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه. ومن النوادر في ذلك ما روي أن أبا هريرة أتاه رجل فقال: دخلت دارا فأطعموني ولم أدر فقال: الله أطعمك وسقاك، قال: ثم دخلت داري فجامعت، فقال ليس هذا فعل من تعوّد الصيام. وسئل عكرمة عن القبلة للصائم فقال هي كالخبز إذا وضعته على فمك.
الوقت المنهى عن الصوم فيه: نهى النبي ﷺ عن صوم يوم الفطر ويوم النحر وأيام التشريق. وقال أيضا: ليس من البر الصيام في السفر. وقال: من صام في السفر فلا صام ولا أفطر. وهذا على مذهب الإمام أبي حنيفة، فأما الشافعي فمذهبه أنه مخير بين أن يصوم أو يفطر.
وروي أن حمزة بن عمرو الأسلمي قال لرسول الله ﷺ: أصوم في السفر، فقال: إن شئت فصم وإن شئت فافطر. وقال أنس رضي الله تعالى عنه: سألت رسول الله ﷺ أصوم
يوم الجمعة فلا أكلم أحدا، فقال: لا تصم يوم الجمعة إلا في أيام هو أحدها أو في شهر، ولأن تتكلم تأمر بمعروف وتنهى عن منكر خير من أن تسكت.
النهي عن المواصلة: قال النبي ﷺ: لا تواصلوا، قالوا: إنك لتواصل. قال: إني لست كأحد منكم إني أطعم وأسقي.
ما يتّقوّى به على الصوم: قيل لرجل: كيف تقدر على الصوم في هذا الحر؟ فقال: من عرف قدر ما يسأله هان عليه ما يبذله. وقيل: قوام الصوم بثلاث من أطاقهن فقد ضبط الصوم: من تسحر وقال وأكل قبل أن يشرب وقيل: لا يقوى على الصوم إلا من كبر لقمه وطاب أدمه.
التسحّر والإفطار: في الخبر: من السنّة تعجيل الإفطار وتأخير السحور. وقال ﷺ: لا تزال الناس بخير ما عجلوا الفطر. وقال أيضا: تسحروا فإن في السحور بركة.
المسّرة بإتيان الصوم: قال شاعر:
جاء الصيام فجاء الخير أجمعهترتيل ذكر وتحميد وتسبيح
فالنفس تدأب في قول وفي عملصوم النّهار وبالليل التراويح
أدعية الصّوم: كان ﷺ يقول في شهر رمضان. اللهم سلمه لنا وتسلمه منا. وكان الربيع بن خيثم يقول: الحمد لله الذي أعانني فصمت ورزقني فأفطرت. وقال النبي ﷺ اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت.
التبرّم بالصوم في غير رمضان: . قيل لأعرابي: ألا تصوم البيض؟ قال: دعني منها فبين يديها ثلاثون كأنها القباطي.
وقيل لزيد: صوم يوم عرفة يعدل صوم سنة فصام إلى الظهر وقال يكفيني ستة أشهر فيها رمضان.
التبرّم بشهر رمضان: أسلم مجوسي فأطلّ عليه شهر رمضان فعجز عن الصوم. فقيل له: كيف ترى الإسلام فقال:
وجدنا دينكم سهلا عليناشرائعه سوى شهر الصيام
وقال ابن الرومي:
شهر الصيام وإن عظمت حرمتهشهر ثقيل بطيء السير والحركة
يا صدق من قال أيام مباركةإن كان يكنى عن إسم الطول بالبركة
وقال آخر:
الغوث من شهر الصيامإذا صار لي مثل اللجام
ما إن أمتّع بالطعام وبالمدام وبالغلام
وقال بعض الكتاب:
ثقل الصوم عليناأثقل الله عليه
زارني بالأمس خلّكنت مشتاقا إليه
فمضى لم أقض منهحاجة كانت لديه
المسّرة بانقضاء شهر رمضان: قال أبو علي البصير:
أقول لصاحبي وقد بدا ليهلال الفطر من خلل الغمام
غدا نغدو إلى ما قد ظمئناإليه من المدامة والغلام
ونسكر سكرة شنعاء جهراوننقر في قفا شهر الصيام
وقال أبو نواس:
منّ شوال عليناوحقيق بامتنان
جاء بالقصف وبالعزف وتغريد القيان
أوفى الأشهر لي أبعدها من رمضان
وقال السريّ:
تصرّم شهر الصوم شهر الزلازلوشال به شوال شهر الفضائل
ولاح هلال الفجر نضوا كأنهسنان لواه الطعن في رأس عامل
ودارت علينا الراح بين أهلّةتضيء وأغصان رطاب موائل
فرحنا وفي أجسامنا سحر بابليدبّ وفي أيمانا خمر بابل
التجاسر على ركوب المعاصي في رمضان: حكى بعض الناس أن ديك الجن رآه يوما في شهر رمضان. فقال له: هل لك في
سكباجة وشواء حنيذ وخمر صافية وغلام غرير يلهينا، فقلت: أفي هذا الوقت؟ فقال: أي والله، فأزريت به وأعرضت عنه، فقال:
وحياة ظبي لم أصم عن ذكرهإلا عضضت تندما إبهامي
لا شافهنّ من الذنوب عظامهاينقد عنها جلد كلّ صيام
قال الخبزارزي:
أرى لي في شهر الصيام إذا أتىليالي عيار وأيام عابد
أناس بعلات الصيام تفرّجواوكانت أمور باعتلال المساجد
صام أعرابي رمضان فلما اشتد به أفطر فقالت ابنته: ألا تصوم يا أبت؟ فقال:
أتأمرني بالصوم لا درّ درّهاوفي القبر صوم يا أميم طويل
وقال:
طال ما عذبنا الصوم وقراء المصاحف
نوادر تارك صوم رمضان: قدم أعرابي إلى الوالي، فقيل له: إنه أفطر رمضان، فقال الأعرابي: إن الله يعلم أني صائم ولكني وجدت حماوة فؤادي فأردت أن أفثأها بشربة. وأسلم مجوسي يقال له مرزبان فأظله رمضان حار، فعجز عن الصوم فتناول خبزا واستتر في بيت يأكله، فرآه بعض أصحابه فقال له: من أنت؟ قال: أنا مرزبان آكل خبز نفسي من شؤمي في خفية. وقيل في مجلس عضد الدولة: إن الشيعة تعقد الصوم قبل وجوبه بيوم، وتخرج منه قبل رؤية الهلال بيوم.
وأهل السنة يعقدونه برؤية الهلال ويفارقونه. فقال: إنا نتسانن عند الدخول فيه ونتشيع عند الخروج منه ليحصل لنا يومان يوم من أوله ويوم من آخره.
الإعتكاف: قال الله تعالى: وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ
. وكان النبي ﷺ يعتكف في العشر الأواخر. وقال: التمسوها في العشر الأواخر يعني ليلة القدر. وكان إذا دخل العشر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد المئزر.
وقال عمر: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال ﵇: أوف بنذرك.
ومما جاء في الحج والعمرة
فضل الحج: قال النبي ﷺ: من مات في هذا الطريق جائيا أو ذاهبا لقيه الله تعالى يوم القيامة ولم يحاسبه وأدخله الجنة. وقال: ما من أحد جاء يؤم البيت العتيق فركب بعيره ألا لم يرفع البعير خفا إلا كتبت له به حسنة ومحيت عنه سيئة. وقال: من حج هذا البيت أو اعتمر فلم يرفث ولم يفسق كان كمن ولدته أمه. وقال: من حجّ وعليه دين قضى الله دينه.
واستأذن رجل الجنيد في الحجّ فقال: جرّد قلبك من اللهو ونفسك من السهو ولسانك من اللغو.
فضيلة العمرة: قال النبي ﷺ: العمرة إلى العمرة كفّارة ما بينهما. وقال: عمرة في رمضان تعدل حجة. وقال ابن عبّاس: كانوا يرون أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفر. ويقولون إذا وبر الوبر وعفا الأثر وانسلخ صفر حلت العمرة لمن اعتمر.
فلما قدم النبي ﷺ صبيحة رابع مهل ذي الحجة، أمرهم أن يحلوا، فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: يا رسول الله أي الحل؟ قال: الحل كله وقال أيضا: لولا أني سقت الهدى لفعلت مثل الذي أمرتكم ولكن لا أتحلل من حرام حتى يبلغ الهدي محله.
النيابة في الحجّ: روي أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن فريضة الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا يستطيع إن يستمسك على راحلته، فهل ترى أن أحج عنه؟ فقال: نعم، قالت: أفينفعه ذلك، قال: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أما كان ينفعه؟ قالت: نعم فقال ﷺ:
ودين الله أحق أن يقضى.
وروى ابن عباس: أن النبي ﷺ سمع رجلا يلبي عن شبرمة فقال: ومن شبرمة؟
قال: أخ لي أو قريب لي، قال: وهل حججت عن نفسك؟ قال: لا قال: هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمتك.
دخول البيت والخروج منه: لا يجوز لأحد دخول الحرم إلا محرما إلا الحطابين والرعاة، وحرّم على المشركين دخول الحرم. وقال البراء: كانت الأنصار إذا حجوا فرجعوا لم يدخلوا البيوت إلا من ظهورها فجاء رجلا فدخل من بابه فقيل له في ذلك فنزلت هذه الآية: وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوابِها
السّعي والطواف: قال عروة: قلت لعائشة ﵂ أرأيت قول الله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ
(الآية) ما على أحد جناح أن لا يطوف بهما قالت: بئسما قلت، يا ابن أختي، لأنها لو كانت على ما أولتها عليه لكانت أن لا يطوف بهما ولكنما أنزلت هذه الآية إن هذا الحي من الأنصار كانوا قبل أن أسلموا يتحرجون أن يطوفوا بالصفا والمروة فلما أسلموا سألوا رسول الله ﷺ فأنزل الله هذه الآية، ولما قدم النبي ﷺ وأصحابه وقد وهنتهم حمى يثرب، فقال المشركون: قدم عليكم قوم قد وهنتهم الحمى فقعد لهم المشركون فأمرهم النبي ﷺ أن يرملوا ثلاثة فصار ذلك سنة.
ما يجب للمحرّم تجنّبه: قال الله تعالى: وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ
ورأى النبي ﷺ أعرابيا متضمخا بالحلوق فقال ﷺ: إنزع الجبة واغسل الصفرة، وكان ﷺ يتطيب لإحرامه. وروي أن النبي ﷺ نهى النساء عن القفازين والنقاب ومس الورس والزعفران.
وقال ﷺ: لا ينكح المحرم ولا ينكح. وحرم الله تعالى الصيد على المحرم في حال الإحرام، وأوجب فيه كفارة فقال تعالى: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ
الرّمي والحلق: روى ابن عباس قال: قدمنا رسول الله ﷺ ليلة المزدلفة أغيلمة بني المطلب على جمرات العقبة، وجعل يلطح أفخاذنا ويقول: أبنيّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس.
وقال ابن عمر: وقف رسول الله ﷺ بمنى في حجة الوداع للناس يسألونه، فجاءه رجل فقال: يا رسول الله نحرت قبل أن أرمي، فقال: إرم ولا حرج. قال: فما سئل يومئذ عن شيء قدم أو أخر إلا قال إفعل ولا حرج.
زيارة قبره ﷺ: قال رسول الله ﷺ: من زارني بعد موتي فكأنما زارني في حياتي، ومن مات في أحد الحرمين بعث من الآمنين يوم القيامة. وقال: من صلّى عليّ عند قبري سمعته ومن صلّى عليّ من البعد سمعته.
يوم النحر: وقف رسول الله ﷺ بين الجمرتين بمنى في الحجة التي حج، وذلك يوم النحر، فقال: هذا يوم الحج الأكبر. وقال ﷺ: أفضل الأيام عند الله تعالى يوم النحر.
الأضحية: روي أن النبي ﷺ ضحّى بكبشين أملحين أقرنين، يهلل ويكبر ويسمّي، وقال: البدنة عن سبعة. والبقرة عن سبعة. وقال أمير المؤمنين ﵁: أمرنا النبي ﷺ أن نستشرف العين والأذن ولا نضحي بعوراء ولا مقابلة ولا مدابرة ولا شرقاء ولا خرقاء، فالمقابلة التي يقطع طرف أذنها والشرقاء التي تشق أذنها. والخرقاء التي تخرق أذنها ونهى النبي ﷺ عن المصفرة والمستأصلة والبخقاء والمشيعة، فالمصفرة التي تستأصل أذنها حتى يبدو صماخها، والمستأصلة المقدودة من أصلها والبخقاء التي تبخق عينها والمشيعة التي لا تزال تتبع الغنم عجفا وضعفا والكسراء الكسيرة.
من تعاطى الخسارة بعلّة الحجّ: قال أبو علي البصير:
أتينا بعدكم مكة حجّاجا وعمّارا
فلما شارف الحيرة حادي إبل حارا
فقلت أحطط بها الرحلاولم أحفل بمن سارا
وجدّدنا عهوداأخلقت منّا وآثارا
فصادفنا بها ديراوبستانا وخمّارا
وظبيا عاقدا بين النقا والخصر زنّارا
إذا جاذبته حاراوإن حاكمته جارا
كشفنا لك أخباراودامجناك أخبارا
وقال أبو نواس:
ألم ترني وموسى قد حججناوكان الحجّ من خير التجارة
فآب الناس قد برّوا وحجّواوأبنا موقرين من الخسارة
ومما جاء في الأدعية
الحثّ على حفظ معنى الإستغفار ومراعاته دون التّفوّه به: قال أبو عبد الرحمن المقري: سمعني سوار الراهب وأنا أستغفر الله. فقال لي: يا فتى، سرعة اللسان بالإستغفار توبة الكذابين. وقالت رابعة: أستغفر الله من قلّة صدقي في قولي أستغفر الله وقيل من قدم الإستغفار على الندم كان مستدعيا.
الحثّ على الأدعية وإنها متضمّنة للإجابة: قال النبي ﷺ: من أعطي أربعا أعطى أربعا. وهي في كتاب الله من أعطى الذكر ذكره الله لقوله تعالى: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ
. ومن أعطي الدعاء أعطى الإجابة لقوله تعالى:
ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
. ومن أعطى الشكر أعطي الزيادة لقوله تعالى: ولَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
ومن أعطى الإستغفار أعطي المغفرة لقوله تعالى: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً
. وقال ﷺ: حصنوا أموالكم بالزكاة وادفعوا البلاء بالدعاء.
مدح الإستغفار بالأصابع: قال النبي ﷺ: إذا سألتم الله فاسألوه ببطون أكفكم، وإذا استعذتموه فاستعيذوا بظاهرها. وقالت عائشة ﵂: استغفروا الله بأصابعكم التي كسبتم بها الذنوب.
وفي بعض التفاسير فما استكانوا لربهم وما يتضرعون، قالوا: ما دعوه وما رفعوا أيديهم ولم يبسطوا راحتهم ولا حركوا أصابعهم.
ولما صاف قتيبة الترك وهاله أمرهم سأل عن محمد بن واسع فقالوا: ها هو ذا في أقصى الميمنة جانحا على سية قوسه، يبصبص بأصابعه نحو السماء فقال قتيبة: تلك الأصابع الفاردة أحب إليّ من مائة ألف سيف شهير وسنان طرير.
ذمّ رفع اليدين واستعمال السبّحة: رأى شريح رجلا يدعو ربه رافعا يديه إلى السماء فقال له: غض بصرك وكف يديك فإنك لن تراه ولن تناله. ومرّ عمر بن عبد العزيز برجل يسبح بالحصى فإذا بلغ المائة عزل حصاة، فقال له: ألق الحصى وأخلص الدعاء.
شكر الله تعالى على نعمه: قال الله تعالى: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
وقال الحسن في قوله تعالى: إِنَّ الْإِنْسانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ
قال: ينسى النعم ويذكر المصائب.
وقالت هند بنت المهلب: إذا رأيتم النعيم مستدرا فبادروه بالشكر قبل الزوال. إلهي قد أوليتني منائح تعيد باع الحمد قصيرا وترد لسان الشكر حسيرا، فأجرني ما عودتني وأنجز أفضل ما وعدتني، إلهي لك الحمد على النعم. ما اختلفت يمين وشمال ولك الشكر ما هبت جنوب وشمال.
وقال بعضهم اللهم إنك تعرف عجزي عن الشكر فاشكر نفسك عني.
من سأل الله أن يوفّقه للشّكر والصبر: قال أعرابي أبطأ عنه ابنه فخافه: اللهم إن كنت أنزلت به فأنزل معه صبرا، وإن كنت وهبت له عافية فأفرغ عليه شكرا اللهم إن كان عذابا فاصرفه وإن كان صلاحا فزد فيه، وهب لنا الصبر عند البلاء والشكر عند الرخاء.
من فزع إلى الله في أن يوفّقه لمصلحة في كسبه وإنفاقه: اللهم أحجبني عن السرف وقوّمني بالاقتصاد، وعلّمني حسن التقدير وأجر من أسباب الحلال رزقي، ووجه في أبواب البر نفقتي، واجعل ما خولتني من عطائك وصلة إلى قربك وذريعة إلى جنتك، اللهم هب لنا غنى لا يطغينا، وصحة لا تلهينا، وأعذنا من فقر ينسينا.
وكان جعفر يقول: اللهم أرزقني التفضل على من قترت عليه مما وسعته عليّ، اللهم أغنني عمن أغنيته عني وسهلني لمن أحوجته إليّ واجعلني لأنعمك من الشاكرين.
من سأل الله العافية: اللهم إني أعوذ بك مما يقلق قلب الصديق ويضحك سن العدو، اللهم أسترنا بستورك الحصينة وأعصمنا بحبالك المتينة وأدخلنا في كفالتك الأمينة، اللهم إني أسألك سترك الذي لا تخرقه الرماح ولا تزيله الرياح.
من دعا لنفسه وقومه بالعافية: قال رجل في عقب صلاته: اللهم عافني في نفسي فإنها أعزّ الأنفس عليّ، وفي أولادي فإنهم لحمي ودمي، وفي عشيرتي فإنهم عزي وناصري، وفي جماعة المسلمين فإنّ صلاحي لا يتم إلا بصلاحهم اللهم أستودعك ماأحاطت به شفقتي وعجزت عنه قوتي.
من سأل الله أن يقيه الشرّ من مر يديه: اللهم من أراد بي شرا فأحط السوء به كإحاطة القلائد بترائب الولائد، ثم أرسخه على هامته كرسوخ السجيل على أصحاب الفيل. يا سابق الفوت ويا سامع الصوت، ومنشئ العظام بعد الموت، صلّ على محمد وآله واجعل لي من هذا الأمر مخرجا وفرجا. وقال أعرابي اللهم قني من عثرات الكرام.
من سأل الله تعالى أن يتوكّل له: أسأل الله الذي يعد أنفاسي أن لا يكلني إلى احتراسي. اللهم إني تخليت من حولي وحيلتي إلى حولك وحيلتك، اللهم اجعلني أفقر خلقك إليك وأغناهم بك. وكان مطرف يقول: اللهم إنك أمرتنا بأمرك ولا نقوى عليه إلا بكرمك، ونهيتنا عمّا نهيتنا عنه ولا ننتهي عنه إلا بعصمتك.
من سأل الله التوفيق لعبادته: قال سعيد بن المسيب: مرّ بي صلة بن أشيم فقلت: ادع لي. فقال: رغبّك الله فيما يبقى، وزهدك فيما يفنى، ووهب لك اليقين الذي لا تسكن النفوس إلا إليه، ولا يعوّل في الدين إلا عليه. اللهم إني أحب طاعتك وإن قصرت فيها، وأكره معصيتك وإن ركبتها، فتفضّل عليّ بالجنة وإن لم أستحقها، وخلصني من النار وإن استوجبتها. اللهم إني أسألك الإقبال عليك والإصفاء إليك، والفهم عنك، والبصيرة في أمرك، والنفاذ في طاعتك، والمراقبة على إرادتك، والمبارزة في خدمتك، وحسن الأدب في معاملتك، والتسليم والتفويض إليك.
من سأل خير الدارين: طاف أعرابي بالبيت ثم صلّى ركعتين ونهض فقيل له: ما لك حاجة إلى الله؟ قال:
بلى وقد سألته. قيل وما قلت؟ قال: قلت اللهم إنك قد أحصيت ذنوبي فاغفرها وعلمت حاجتي فاقضها. وقال بعضهم: أستغفر الله والحمد لله فقيل له في ذلك فقال: ما رأيت أجمع من هاتين الكلمتين، أنا بين ذنب ونعمة أستغفر الله من الذنب وأحمده على النعمة.
من سأل الله الغفران بفعلة كانت منه: دعا رجل بالبصرة في مسجد فقال: اللهم إني وإن كنت عصيتك فبحبي فيك من أطاعك إلا رحمتني. فهتف به هاتف: يا هذا لقد عقدت عقدا لا ينحل أبدا. ولما حج عمر بن ذر اجتمع الناس إليه فقالوا له: ادع لنا بدعوة. فقال: اللهم أرحم قوما لم يزالوا منذ خلقتهم على مثل ما كانت عليه السحرة يوم رحمتهم وقانا الله هول المطلع وضيق المضجع وسوء المرتجع، اللهم لو سألتني حسناتي مع حاجتي إليها لوهبتها لك وأنا عبد فكيف لا تهب لي سيئاتي مع غناك عنها وأنت رب، اللهم أسألك المغفرة يوم كل نفس إليك فقيرة، فإن النعمة فيها كثيرة.
ومما جاء في فضائل أعيان الصحابة: قد كان من شرط هذا الكتاب أن لا نشتغل بذكر الرجال على الترتيب إذ كان القصد فيه إلى تنويع المعاني لكن لم يوجد بد من ذكر فضائل الصحابة إذ كانت الحاجة إليه تكثر.
أبو بكر الصديق ﵁: قيل: سمي عتيقا لجمال وجهه. وقيل لقول النبي ﷺ: أنت عتيق الله من النار.
وقيل: لأن أمه لم يكن يبقى لها ولد، فلما ولدته استقبلت به البيت وقالت: اللهم اجعل هذا عتيقا من الموت وهبه لي. وقيل: كان لأبيه ثلاثة أولاد عتيق ومعتق وعتيق، ولد بعد عام الفيل بسنتين ودوين أربعة أشهر، ومات بعد النبي ﷺ بسنتين وأربعة أشهر وهو ابن ثلاث وستين سنة.
عمر رضي الله تعالى عنه: سمي الفاروق لفرقه بين الحق والباطل طعن لسبع بقين من ذي الحجة، ومات غرة
المحرم، وقيل: كان ابن ثلاث وستين سنة. وقيل: ابن ستين وقيل: خمس وخمسين.
وخلافته كانت عشر سنين وسبعة أشهر وخمس ليال وقيل ثمانية أشهر وأربعة أيام.
ذكر فتوحاته: إفتتح أرمينية بحبب بن مسيلمة وأذربيجان بالمغيرة وأفريقية بعبد الله بن سمرة.
ذكر ما عتب عليه: قالوا: آوى طريد رسول الله ﷺ الحكم بن العاص، وأعطاه مائة ألف درهم ونفى أبا ذر إلى الربذة وعامر بن عبد القيس إلى الشأم، وتصدق رسول الله ﷺ بمهزور على المسلمين وهو موضع سوق المدينة، فنقضه عثمان وأقطعه الحارث بن الحكم أخا مروان.
وأقطع فدك مروان، وكل ذلك مما وصفه به عمر ﵄ حيث قال: هو كلف بأقاربه.
عليّ بن أبي طالب كرّم الله تعالى وجهه: قتل لتسع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان يوم الجمعة سنة أربعين، وهو ابن ثلاث وستين. وقيل ابن ثلاث وخمسين، وخلافته أربع سنين وثمانية أشهر وتسعة عشر يوما.
ودفن بالكوفة وغيّب قبره.
وقال ﷺ: الخلافة ثلاثون عاما، ثم تكون ملكا. وكناه النبي ﷺ أبا تراب، وذلك أنه دخل على ابنته فاطمة فقال: أين ابن عمك؟ قالت: في فناء المسجد. فوجده مضطجعا في التراب فقال النبي ﷺ: قم أبا تراب وذلك من شدة ما أعجب به.
نبذ من ذكر فضائل معاوية رضي الله تعالى عنه: قيل لأبي برد الأسلمي: لم اخترت صاحب الشأم على صاحب العراق؟ فقال: لأني رأيته أطوى لسره وأملك لعنان أمر جيشه وأفطن لما في نفس عدوه. وسئل عمر بن
عبد العزيز عن يوم الجمل ويوم صفين، فقال: تلك دماء صان الله عنها يدي فلا أغمس فيها لساني. وقال بعضهم: علي بن أبي طالب آخرة لا دنيا معه ومعاوية دنيا لا آخرة معه.
ممّا طعن فيه: قيل لهشام بن الحكم: هل شهد معاوية يوم بدر؟ فقال: نعم، من ذلك الجانب.
وبلغ الحسن أن نافعا كان يقول: إن معاوية كان يسكته الحلم وينطقه العلم. فقال: كان يسكته الحصر وينطقه البطر. وقال الحسن: لقد فعل معاوية ثلاثا كلها موبقات، منازعة الأمر أهله وادعاؤه زيادا واستخلافه يزيد وقال معاوية: أعنت على علي بثلاث. كان رجلا يظهر سره وكنت كتوما، وكان في أخبث جند وشره وكنت في أطوع جند وأقله خلافا، وكنت أحب إلى قريش منه رضي الله عن الصحابة أجمعين.
نوادر للنّاصبة: كان بعض الشيعة يستدل بقول النبي ﷺ: عليّ مني كهارون من موسى، فقال: بعض النواصب ما تلك المنازل فإنّ هارون كان أخا موسى من أبيه وأمه وكان شريكه في النبوة ومات قبله وليس شيء من هذه المنازل لعلي، فلم يبق إلاأن يأخذ بلحيته وبرأسه، يعني قوله لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي. وولد لرجل من النواصب ولد فسماه حسينا فقال بعض أصدقائه: والله لو عق عن ابنه بمعاوية ما كان إلا ناصبيا.
النص من طبعة دار الأرقم ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع