من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أثوابه وأثاثه
ترك ﷺ يَوْم مَاتَ ثوبى حبرَة وأزاراً وعمامة وثوبين صحاريين وقميصا صحاريا وَآخر سحوليا وجبة يمنية وخميصة وَكسَاء أَبيض وقلانس صغَارًا لاطية ثَلَاثًا أَو أَرْبعا وَمِلْحَفَة مورسة وَكَانَت لَهُ ربعَة فِيهَا مرْآة ومشط عاج ومكحلة ومقراض وَسوَاك وَكَانَ لَهُ فرَاش من أَدَم حشوه
لِيف وقدح مضبب بِفِضَّة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وقدح آخر وتور من حِجَارَة ومخضب من شبه تعْمل فِيهِ الْحِنَّاء والكتم وَيُوضَع على رَأسه إِذا وجد فِيهِ حرارة وقدح زجاج ومغتسل من صفر وقصعة وَصَاع يخرج بِهِ زَكَاة الْفطر وَمد وسرير وقطيفة وَأهْدى لَهُ النَّجَاشِيّ خُفَّيْنِ ساذجين فلبسهما وَكَانَ لَهُ كسَاء أسود وعمامة يُقَال لَهَا السَّحَاب فَوَهَبَهَا عليا فَكَانَ رُبمَا قَالَ إِذا رَآهُ مُقبلا وَهِي عَلَيْهِ أَتَاكُم عَليّ فِي السَّحَاب وَله ثَوْبَان للْجُمُعَة غير ثِيَابه الَّتِي يلبسهَا فِي سَائِر الْأَيَّام ومنديل يمسح بِهِ وَجهه من الْوضُوء
ومدحه بالشعر جمَاعَة من رجال الصَّحَابَة وَنِسَائِهِمْ جمعهم الشَّيْخ الإِمَام الْحَافِظ فتح الدّين ابْن سيد النَّاس الْيَعْمرِي فِي قصيدة ميمية ثمَّ شرحها فِي مجلدة سَمَّاهَا منح الْمَدْح ورتبهم على حُرُوف المعجم فأربى فِي هَذَا الْجمع على الْحَافِظ ابْن عبد الْبر لِأَنَّهُ ذكر مِنْهُم مَا يُقَارب الْمِائَة وَالْعِشْرين أَو مَا يزِيد على ذَلِك وَالشَّيْخ فتح الدّين قَارب بهم الْمِائَتَيْنِ وَلَا أعلم أحدا حصل من الصَّحَابَة الَّذين مدحوا النَّبِي ﷺ هَذَا الْقدر وَقد كتبت هَذَا المُصَنّف بخطى وَسمعت من لَفظه مَا يُقَارب نصفه وأجازني الْبَقِيَّة وَأما شعراؤه الَّذين كَانُوا بصدد المناضلة)
عَنهُ والهجاء لكفار قُرَيْش فَإِنَّهُم ثَلَاثَة حسان بن ثَابت الْأنْصَارِيّ وَعبد الله بن رَوَاحَة الْأنْصَارِيّ وَكَعب بن مَالك الْأنْصَارِيّ وَكَانَ حسان يقبل بالهجو على أنسابهم وَعبد الله بن رَوَاحَة يعيرهم بالْكفْر وَكَعب بن مَالك يخوفهم الْحَرْب فَكَانُوا لَا يبالون قبل الْإِسْلَام بأهاجي ابْن رَوَاحَة ويألمون من أهاجي حسان فَلَمَّا دخل من دخل مِنْهُم الْإِسْلَام وجد ألم أهاجي ابْن رَوَاحَة أَشد وأشق وَمن أشهر الصَّحَابَة بالمدح لَهُ كَعْب بن زُهَيْر بن أبي سلمى السَّعْدِيّ وقصيدته بَانَتْ سعاد مَشْهُورَة وَمَا من شَاعِر فِي الْغَالِب جَاءَ بعده ومدح رَسُول الله ﷺ إِلَّا وَقد نظم فِي وَزنهَا ورويها وَالْقَاضِي محيي الدّين عبد الله بن عبد الظَّاهِر حَيْثُ يَقُول الطَّوِيل
لقد قَالَ كَعْب فِي النَّبِي قصيدةوَقُلْنَا عَسى فِي مدحه نتشارك
فَإِن شملتنا بالجوائز رَحْمَةكرحمة كَعْب فَهُوَ كَعْب مبارك
وَقلت أَنا أمدحه بقصيدة متيمنا بِوَجْهِهِ الْأَغَر وكعبه الْمُبَارك راجياً أَن أحْشر فِي زمرة من مدحه فأولاه بره يَوْم الْقِيَامَة ومنحه وَهِي الْبَسِيط
سلوا الدُّمُوع فَإِن الصب مَشْغُولوَلَا تملوا فَفِي املائها طول
واستخبروا صادحات الأيك عَن شجنيهَل فِي الغرام الَّذِي تبديه تَبْدِيل
وَهل لما ضمت الأحشاء بعدكممن الجوى عِنْد مَا تحويه تَحْويل
أحبتي لَا وعيش مر لي بكموَربع لهوى باللذات مأهول
مَا كَانَ لي مذ عرفت الوجد قطّ وَلَايكون فِي غَيْركُمْ قصد وَلَا سَوَّلَ
هَيْهَات مَا راق طرفِي غير حسنكملِأَنَّهُ بسويداء الْقلب مجبول
وحقكم إِن عُذْري فِي محبتكمعِنْد العواذل بعد الْيَوْم مَقْبُول
مَا لي أَنِين لتقضوا أَن لي رمقاًهَذَا دَلِيل على أَن لَيْسَ مَدْلُول
فليت جسمي إِذْ أبلاه حبكملم تبْق من سقمي عِنْدِي عقابيل
عقدتم هدب أجفاني بحاجبهافَلم أنم ونطاق الدمع محلول
هبوا من الغمض مَا ألْقى الخيال بِهِإِذا سرى فلقاء الطيف تخييل
وخففوا إِن أردتم من ضني جَسَدِيأَو لَا فَمَا أحد عَن ذَاك مسؤول
أَن تحكموا لي بِأَن أبْكِي على أرقيفَإِن هَذَا على عَيْني مَحْمُول
)
يَا برق لَا تتشبه لي بمبسمهمفَمَا ابتسمت بثغر يخجل اللولو
وليت ثغرك فِيهِ مِنْهُم شنبوليت قطرك مثل الرِّيق معسول
وَيَا نسيم الصِّبَا برد لظى كَبِدِيفَإِن ذيلك بالانداء مبلول
واحمل رسائل أشواقي لطيبة لَازَالَت تحث لَهَا النجب الْمَرَاسِيل
سلم على ربعهَا المحروس أَن لَهَامجداً لَهُ برَسُول الله تأثيل
مُحَمَّد خير مَبْعُوث لأمتهفِي الْحَشْر والنشر تَقْدِيم وتفضيل
(سادت قُرَيْش بِهِ الْأَعْرَاب قاطبة ... فكم لَهَا مِنْهُ تنويه وتنويل أضحوا وَفرع معاليهم إِذا فَخَروا ... بِهِ على هَامة الجوزاء مهدول)
وَكَانَ يدعى نَبيا حَيْثُ آدم لميكن لَهُ قبل خلق الطين تشكيل
وَالْبَيْت صَار حمى إِذْ كَانَ مظهرهفَكل من رامه بالسوء مخذول
فصان ساحته من كيد أَبْرَهَةلما أَتَاهُ وَفِي أَصْحَابه الْفِيل
بادوا بأحجار سجيل وَمَا رجعُوالما رَمَتْهُمْ بهَا الطير الأبابيل
وَمَا شكت أمه من حمله الماوَكَيف وَهُوَ بلطف الله مَحْمُول
وَانْشَقَّ إيوَان كسْرَى عِنْد مولدهوَارْتجَّ من جانبيه الْعرض والطول
ورؤية الموبذان الْخَيل فِي حلممِنْهُ وسجع سطيح فِيهِ تَطْوِيل
ونار فَارس من بعد اللهيب خبتفراح كل بِهَذَا وَهُوَ مَشْغُول
وَكم بِهِ بشر الْأَحْبَار من بشربِحَيْثُ لم يبْق فِي الْأَخْبَار تَأْوِيل
وَكم لَهُ آيَة فِي النَّاس قد ظَهرتلسردها جمل فِينَا وتفصيل
وشق فِي آل سعد صَدره ملكمن السَّمَاء وَهَذَا القَوْل مَنْقُول
حَتَّى رمى مغمز الشَّيْطَان مِنْهُ فَلميكن لَهُ فِيهِ بعد الْيَوْم مأمول
وَقد رَآهُ بحيرا حِين واجههعَلَيْهِ ظلّ السَّحَاب الغر أكليل
فَقَالَ يَا عَمه احفظ مَا خصصت بِهِهَذَا بِهِ حد أهل الْكفْر مفلول
فَعَاد حَتَّى أَرَادَ الله بعثتهوكل مَا قدر الرَّحْمَن مفعول
كم قد تَحنث يَوْمًا فِي حرى فَأتىإِلَيْهِ من عِنْد رب الْعَرْش جِبْرِيل
وَقَالَ قُم فأت هَذَا الْخلق تنذرهمفعقلهم عَن سراج الْحق مَعْقُول
)
فَجَاءَهُمْ بِكِتَاب لَيْسَ يدْخلهُشكّ على أَنه لم يبْق تضليل
وَحي إِلَيْهِ من الله الْعَظِيم لَهُعَلَيْهِ فِي كل حِين مِنْهُ تَنْزِيل
حَبل من الله قد أضحت هدايتهبظلها من توحى الْحق مشمول
بَاقٍ على الدَّهْر غض فِي تِلَاوَتهوَمَا سواهُ على التّكْرَار مملول
بِهِ تحدى الورى طراً فَأَعْجَزَهُمْوصدهم عَنهُ تنكيب وتنكيل
بلاغة قصرت عَنْهَا الْأَنَام وَلميعْهَد لَهَا قبل تَرْتِيب وترتيل
أعيى قُريْشًا وهم فِي الحفل أَن نطقواكَمَا علمنَا هم اللسن المقاويل
إِذا تَلا آيَة فِي جمعهم زهقتعلى فصاحتهم تِلْكَ الأباطيل
وَجَاء أصنام أهل الشّرك فاضطربتونكست فِي الثرى تِلْكَ التماثيل
فَكَانَ مِنْهُ لدين الله حِين دَعَاسيف على عنق الْكفَّار مسلول
وَلم يزل فِي جِهَاد الْمُشْركين إِلَىأَن فل جمعهم مِنْهُ وَمَا ديلوا
وَقَامَ فِي الله أَقوام إِذا ذكرُوايَوْم الوغى فهم الغر البهاليل
وأفوا يلبونه طَوْعًا فقابلهممَعَ الْهدى مِنْهُ ترحيب وتأهيل
لَا يألمون إِذا انكت جراحهمفَكل صَعب إِذا راضوه تسهيل
حَتَّى لقد ظهر الدّين الحنيف وَفِيعرنينه شمم وَالْكفْر مهزول
وَصَارَ أشهر من نَار على علممن بعد مَا كَانَ قدماً وَهُوَ مَجْهُول
فيا لَهَا أمة بالمصطفى رحمتإِذْ جوده لجَمِيع النَّاس مبذول
وَفضل أمته لم تخف رتبتهإِذْ من يعد سواهُم فَهُوَ مفضول
كل يَجِيء وآثار الْوضُوء لَهُفِي حشره غرَّة زانت وتحجيل
أَعْمَالهم تشبه التيجان فَوْقهملَهَا الْهدى والتقى وَالْعلم أكليل
يَا خَاتم الرُّسُل هَل لي وَقْفَة بمنىتقضي المنى عِنْدهَا وَالْقَصْد والسول
وَهل أَزور ضريحاً أَنْت ساكنهتسري إِلَيْك بِي العيس المراقيل
فِي عصبَة يقطعون البيد فِي ظلموُجُوههم فِي دياجيها قناديل
حَتَّى أروي بلثم الترب فِيك حَشاهَيْهَات يشفي الظما من حرهَا النّيل
وأكحل الْعين من ذَاك التُّرَاب علىقرب وَلَا فَرسَخ دوني وَلَا ميل
)
قد أثقلتني على ضعْفي الذُّنُوب وَمَالي فِي سوى جاهك المقبول تأميل
فَكُن شفيعي فَإِن تشفع فَإِنِّي منلحدي إِلَى جنَّة الفردوس مَنْقُول
مَا لي سوى حبك المرجو من عملأنفقت عمري وَهَذَا فِيهِ محصول
عَلَيْك صلى إِلَه الْخلق مَا نفحتريح الشمَال وَروض الْحزن مطلول
وَمَا حكى فِيك رب النّظم ممتدحاًبأنت سعاد فقلبي الْيَوْم متبول
تمت القصيدة وبتمامها تمت التَّرْجَمَة النَّبَوِيَّة على صَاحبهَا أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع