تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

ابْن عبد الله (٤)

الصفحة ١ من ٢

الشَّيْخ جمال الدّين ابْن مَالك مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الله بن مَالك الإِمَام

الْعَلامَة الأوحد جمال)

الدّين أَبُو عبد الله الطَّائِي الجياني الشَّافِعِي النَّحْوِيّ نزيل دمشق ولد سنة إِحْدَى وَسمع بِدِمَشْق من مكرم وَأبي صَادِق الْحسن بن صباح وَأبي الْحسن السخاوي وَغَيرهم وَأخذ الْعَرَبيَّة عَن غير وَاحِد وجالس ابْن عمرون وَغَيره بحلب وتصدر بحلب لإقراء الْعَرَبيَّة وَصرف همته إِلَى إتقان لِسَان الْعَرَب حَتَّى بلغ فِيهِ الْغَايَة وأربى على الْمُتَقَدِّمين وَكَانَ إِمَامًا فِي القراآت وعللها صنف فِيهَا قصيدة دالية مرموزة فِي قدر الشاطبية وَأما اللُّغَة فَكَانَ إِلَيْهِ الْمُنْتَهى فِيهَا أَخْبرنِي الشَّيْخ الإِمَام شهَاب الدّين أَبُو الثَّنَاء مَحْمُود ﵀ من لَفظه قَالَ جلس يَوْمًا وَذكر مَا انْفَرد بِهِ صَاحب الْمُحكم عَن الْأَزْهَرِي فِي اللُّغَة قلت وَهَذَا أَمر معجز لِأَنَّهُ يُرِيد ينْقل الْكِتَابَيْنِ وَأَخْبرنِي عَنهُ أَنه كَانَ إِذا صلى فِي العادلية لِأَنَّهُ كَانَ إِمَام الْمدرسَة يشيعه قَاضِي الْقُضَاة شمس الدّين ابْن خلكان إِلَى بَيته تَعْظِيمًا لَهُ وَقد قَرَأت ألفية الشَّيْخ الْمُسَمَّاة بالخلاصة من لَفْظِي على الشَّيْخ شهَاب الدّين الْمشَار إِلَيْهِ وَرَوَاهَا لي عَنهُ ورويتها بِالْإِجَازَةِ عَن نَاصِر الدّين شَافِع بن عبد الظَّاهِر وَعَن شهَاب الدّين ابْن غَانِم بِالْإِجَازَةِ عَنْهُمَا عَنهُ وَأما النَّحْو والتصريف فَكَانَ فيهمَا بحراً لَا يشق لجه وَأما اطِّلَاعه على أشعار الْعَرَب الَّتِي يستشهد بهَا على النَّحْو واللغة فَكَانَ أمرا عجيباً وَكَانَ الأيمة الْأَعْلَام يتحيرون فِي أمره وَأما الِاطِّلَاع على الحَدِيث فَكَانَ فِيهِ آيَة لِأَنَّهُ أَكثر مَا يستشهد بِالْقُرْآنِ فَإِن لم يكن فِيهِ عدل شَاهد إِلَى الحَدِيث وَإِن لم يكن فِيهِ شَيْء عدل إِلَى أشعار الْعَرَب هَذَا مَعَ مَا هُوَ عَلَيْهِ من الدّين وَالْعِبَادَة وَصدق اللهجة وَكَثْرَة النَّوَافِل وَحسن السمت وَكَمَال الْعقل وَانْفَرَدَ عَن المغاربة بشيئين الْكَرم وَمذهب الشَّافِعِي أَقَامَ بِدِمَشْق مُدَّة يصنف ويشغل بالجامع والتربة العادلية وَتخرج بِهِ جمَاعَة وَكَانَ نظم الشّعْر عَلَيْهِ سهلاً رجوه وطويله وبسيطه وصنف كتاب تسهيل الفوايد مدحه سعد الدّين مُحَمَّد بن عَرَبِيّ بِأَبْيَات مليحة إِلَى الْغَايَة وَهِي

إِن الإِمَام جمال الدّين جملهرب العلى ولنشر الْعلم أَهله
أمْلى كتابا لَهُ يُسمى الفوايد لميزل مُفِيدا لذى لب تَأمله
فَكل مَسْأَلَة فِي النَّحْو يجمعهاإِن الفوايد جمع لَا نَظِير لَهُ

وَفِي هَذِه الأبيات مَعَ حسن التورية فِيهَا مَا لَا يَخْلُو من ايراد ذكرته فِي كتابي فض الختام عَن التورية والاستخدام وَمن تصانيفه سبك المنظوم وَفك الْمَخْتُوم وَكتاب الكافية الشافية ثلثة آلَاف بَيت وَشَرحهَا وَالْخُلَاصَة وَهِي مُخْتَصر الشافية وإكمال الْإِعْلَام بمثلث الْكَلَام وَهُوَ)

مُجَلد كَبِير كثير الفوايد يدل على اطلَاع عَظِيم ولامية الْأَفْعَال وَشَرحهَا وَفعل وأفعل والمقدمة الأَسدِية وَضعهَا باسم وَلَده الْأسد وعدة اللافظ وعمدة الْحَافِظ وَالنّظم الأوجز فِيمَا يهمز والاعتضاد فِي الظَّاء وَالضَّاد مُجَلد وَغير ذَلِك وإعراب مُشكل البُخَارِيّ أَنْشدني

العلاّمة أثير الدّين أَبُو حَيَّان من لَفظه قَالَ أَنْشدني عَليّ بن مَنْصُور بن زيد بن أبي الْقسم الهمذاني التَّمِيمِي قَالَ أنشدنا الشَّيْخ جمال الدّين ابْن مَالك لنَفسِهِ

إل ابْن الْخَيْر عَن ضَرَرا خشيتافَحسن الحزم رَأيا إِن دهيتا
وَهَذَا مَذْهَب وعر مداهمواصل غرَّة قد حَان صيتًا
إِذا الملهوف ذَا صدق عَطاءتنَلْ حسن المحامد مَا حييتا

قلت كَذَا أنشدنيه الْعَلامَة أثير الدّين بِفَتْح اللَّام من ال وَفتح النُّون من ابْن وبنصب ضرروفتح النُّون من حسن وَضم الْمِيم من الحزم وَكسر الْبَاء من مَذْهَب وَفتح الْفَاء من الملهوف وَنصب الْهمزَة من عَطاء وَضم النُّون من حسن وَفتح الدَّال من المحامد وَتَفْسِيره أَن ال امْر وَابْن مفعول وَعَن بِمَعْنى أَن أبدلت الْهمزَة عينا وَحسن فعل مَاض وَذَا مَذْهَب حَال ومواصل فَاعل وإامر وَذَا الملهوف مفعول وَعَطَاء مفعول ثَان وَحسن منادى والمحامد مفعول تنَلْ وَمن نظم الشَّيْخ جمال الدّين مُحَمَّد بن مَالك رَحمَه الله تَعَالَى

تثليث باإصبع مَعَ شكل همزتهبِغَيْر قيد مَعَ الاصبوع قد نقلا
وَأعْطِ أُنْمُلَة مَا نَالَ الاصبع إِلَا الْمَدّ فالمد للبا وَحدهَا بذلا
أرز أرز أرز صَحَّ مَعَ أرزوالرز والرنز قل ماشئت لاعذلا
لدن بِتَثْلِيث دَال لدن لدن لدنولد ولد لد لدن أوليت فعلا
فاأف ثلث وَنون إِن أردْت وأفأفى ورفعاً ونصباً إِنَّه قبلا
حيهل حيهل آحفظ ثمَّ حيهلاًأَو نون اَوْ حيهل قل ثمَّ حَيّ علا
هيا وهيك هيا هيك هيت وَهِيت كلهَا اسْم لأمر يَقْتَضِي عجلا
أيهات بِالْهَمْز أَو بالها وَآخرهثلث وإيهات والتنوين مَا حظلا
أيهان إيهاك إيهاً قطّ قطّ وقطوقط مَعَ قطّ وقتا مَاضِيا شملا
هَا هَاء جردهما أَو أولينهماكَاف الْخطاب على الْأَحْوَال مُشْتَمِلًا
أَو مَا لذِي الْكَاف نول همز هَاء كهاء هاؤما هاؤم هاؤن فآمتثلا

)

وآحكم بفعلية لَهَا وهاء وصلهما بِمَا حف وناد آمراً وصلا
وَرب ربت ربت رب رب رب مَعَتَخْفيف الاربع تقليل بهَا حصلا
همز ايم وايمن فأفتح واكسر أَو أم قلأَو قل م أَو من بالتثليث قد شكلا
وأيمن اختم بِهِ وَالله كلا اضفإِلَيْهِ فِي قسم تبلغ بِهِ الأملا

وروى عَنهُ وَلَده بدر الدّين مُحَمَّد وَقد مر ذكره وشمس الدّين بن جعوان وَقد مر وشمس الدّين ابْن أبي الْفَتْح وَابْن الْعَطَّار وزين الدّين أَبُو بكر الْمزي وَالشَّيْخ أَبُو الْحُسَيْن اليونيني وَأَبُو عبد الله الصَّيْرَفِي وقاضي الْقُضَاة بدر الدّين ابْن جمَاعَة وشهاب الدّين مَحْمُود وشهاب الدّين ابْن غَانِم

وناصر الدّين شَافِع وَخلق سواهُم أَنْشدني من لَفظه الشَّيْخ شمس الدّين مُحَمَّد بن أبي بكر بن أَيُّوب بن سعيد الْحَنْبَلِيّ عرف بِابْن قيم الجوزية قَالَ أَنْشدني الشَّيْخ أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن أبي الْفَتْح بن أبي الْفضل البعلي قَالَ أنشدنا شَيخنَا أَبُو عبد الله مُحَمَّد بن مَالك لنَفسِهِ فِي لُغَات الْأرز بَيْتا مُفردا وَهُوَ

أرز أرز أرز صَحَّ مَعَ أرزوالرز والرنز قل مَا شِئْت لَا عذلا

وأنشدني الْمَذْكُور وَالشَّيْخ شمس الدّين الذَّهَبِيّ بالسند الْمَذْكُور فِي أَسمَاء الذَّهَب لَهُ

نضر نضير نضار زبرج سيروزخرف عسجد عقيان الذَّهَب
والتبر مَا لم يذب وأشركوا ذَهَباوَفِضة فِي نسيك هَذَا الغرب

وأنشدني الشَّيْخ شمس الدّين الذَّهَبِيّ بالسند الْمَذْكُور لَهُ فِي أَسمَاء خيل السباق الْعشْرَة على الْوَلَاء

خيل السباق المجلي يقتفيه مصل والمسلي وتال قبل مرتاح
وعاطف وحظي والمؤمل وَاللطيم والفسكل السّكيت يَا صَاح

وَله من هَذِه الضوابط شَيْء كثير وَكَانَ يَقُول عَن الشَّيْخ جمال الدّين ابْن الْحَاجِب إِنَّه أَخذ نَحوه من صَاحب الْمفصل وَصَاحب الْمفصل نَحوه صغيرات وناهيك بِمن يَقُول هَذَا فِي حق الزَّمَخْشَرِيّ وَكَانَ الشَّيْخ ركن الدّين ابْن القوبع يَقُول إِن ابْن مَالك مَا خلى للنحو حُرْمَة وَحكي عَنهُ أَنه كَانَ يَوْمًا فِي الْحمام قد اعتزل فِي مَكَان يسْتَعْمل فِيهِ الموسى فهجم عَلَيْهِ أَمْرَد وَقَالَ لَهُ مَا تصنع فَقَالَ لَهُ أكنس لَك الْموضع الَّذِي تقعد عَلَيْهِ وَهَذَا أستبعده من الشَّيْخ جمال الدّين ﵀ والعهدة على من حَكَاهُ لي وَلَا أستبعد ذَلِك من لطف النُّحَاة وطباع أهل)

الأندلس توفى سنة اثْنَتَيْنِ وَسبعين وست ماية بِدِمَشْق رَحمَه الله تَعَالَى وَقَالَ شرف الدّين الحصني يرثيه

يَا شتات الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَالبعد موت ابْن مَالك المفضال
وانحراف الْحُرُوف من بعد ضبطمِنْهُ فِي الِانْفِصَال والاتصال
مصدرا كَانَ للعلوم بِإِذنالله من غير شُبْهَة ومحال
عدم النَّعْت والتعطف والتوكيد مستبدلاً من الْإِبْدَال
ألم اعتراه أسكن مِنْهُحركات كَانَت بِغَيْر اعتلال
يَا لَهَا سكتة لهمز قَضَاءأورثت طول مُدَّة الِانْفِصَال
رَفَعُوهُ فِي نعشه فانتصبنانصب تَمْيِيز كَيفَ سير الْجبَال
فخموه عِنْد الصَّلَاة بدلفأمليت أسراره للدلال
صرفوه يَا عظم مَا فَعَلُوهُوَهُوَ عدل معرف بالجمال
أدغموه فِي الترب من غير مثلسالما من تغير الِانْتِقَال
وقفُوا عِنْد قَبره سَاعَة الدُّفن وقوفاً ضَرُورَة الِامْتِثَال
وَمَدَدْنَا الأكف نطلب قصراًمسكنا للنزيل من ذِي الْجلَال
آخر الْآي من سبا حظنا مِنْهُحَظه جَاءَ أول الْأَنْفَال
يَا لِسَان الْأَعْرَاب يَا جَامع الإعراب يَا مفهماً لكل مقَال
يَا فريد الزَّمَان فِي النّظم والنثر وَفِي نقل مسندات العوالي
كم عُلُوم بثنتها فِي أنَاسعلمُوا مَا ثنيت عِنْد الزَّوَال

قلت هَذَا مَا اخترته من هَذِه القصيدة وَمَا رَأَيْت مرثية فِي نحوي أحسن مِنْهَا على طولهَا ولي فِي شَيخنَا الْعَلامَة أثير الدّين مرثية تقَارب هَذِه

جندي رخيص مُحَمَّد بن عبد الله نَاصِر الدّين الأتابكي الجندي عرف بجندي رخيص قتل مَعَ سنقر الْأَشْقَر فِي صفر سنة تسع وَسبعين وست ماية وَدفن بقباب التركمان

ابْن النن الشَّافِعِي مُحَمَّد بن عبد الله بن مُحَمَّد بن عمر بن مَسْعُود الشَّيْخ شمس الدّين أَبُو عبد الله ابْن النن بالنونين المشددتين وَفتح الأولى الْعَنسِي البغداذي الْفَقِيه ولد سنة تسع وَتِسْعين ببغداذ وَسمع من ابْن منينا وَيحيى بن ياقوت وَسليمَان الْموصِلِي وثابت بن مشرف وَكَانَ ثِقَة)

متيقظاً ورى عَنهُ ابْن الْعَطَّار وَغَيره وَأَجَازَ للشَّيْخ شمس الدّين مروياته وَتوفى بالاسكندرية سنة تسع وَسبعين وست ماية

حافي رَأسه النَّحْوِيّ مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْعَزِيز بن عمر الْعَلامَة جمال الدّين التلمساني الزناتي الكملاني المازوني قَالَ الشَّيْخ أثير الدّين لقبه محيي الدّين انْتهى النَّحْوِيّ الْمَعْرُوف بحامي رَأسه كَانَ من أيمة الْعَرَبيَّة بالثغر وَكَانَ يحفظ الْإِيضَاح لأبي عَليّ ويقرىء بداره وَحدث عَن ابْن رواج وَقَرَأَ عَلَيْهِ ابْن الْمُنِير شَيْئا من النَّحْو ولد بتلمسان سنة سِتّ وست ماية بِظَاهِر سمع من أبي الْقسم الصفراوي وَابْن رواج وَجَمَاعَة وتصدر للعربية زَمَانا أَخذ عَنهُ تَاج الدّين الْفَاكِهَانِيّ وطايفة وَتخرج بِهِ خلق وَأخذ هُوَ النَّحْو عَن أبي مُحَمَّد عبد الْمُنعم بن صَالح التَّيْمِيّ تلميذ ابْن بري وَعَن أبي زيد عبد الرَّحْمَن بن الزيات تلميذ مُحَمَّد بن قَاسم بن قنداس وَابْن قنداس من أَصْحَاب الْجُزُولِيّ وابي ذَر الْخُشَنِي وَأخذ أَيْضا عَن نحوي الثغر عبد الْعَزِيز بن مخلوف الاسكندري الْجَرَاد ولقب بحافي رَأسه لحفرة كَانَت فِي دماغه وَقيل كَانَ فِي رَأسه شَيْء يشبه ح وَقيل لِأَنَّهُ كَانَ فِي أول أمره مَكْشُوف الرَّأْس وَقيل رَآهُ رَئِيس فِي الثغر فَأعْطَاهُ

ثيابًا جدداً لبدنه فَقَالَ هَذَا لبدني ورأسي حافي فَأمر لَهُ بعمامة فَلَزِمَهُ ذَلِك وَمن شعره أنشدنيه من لَفظه الشَّيْخ أثير الدّين

ومعتقد أَن الرياسة فِي الْكبرفَأصْبح ممقوتاً بهَا وَهُوَ لَا يدْرِي
يجر ذيول الْكبر طَالب رفْعَةأَلا فاعجبوا من طَالب الرّفْع بِالْجَرِّ

وأنشدني لَهُ أَيْضا

يَا مُنْكرا من بخل أهل الثغر مَاعرف الورى أنْكرت مَالا يُنكر
أقصر فقد صحت نتانة أَهلهوَمن الثغور كَمَا علمت الأبخر

قَالَ الشَّيْخ أثير الدّين وَلَا أعلمهُ صنف شَيْئا قلت وَهُوَ أحد النُّحَاة الثَّلَاثَة المحمدين فِي عصر وَاحِد هُوَ فِي الاسكندرية وَابْن النّحاس فِي مصر وَابْن مَالك فِي دمشق وَقد مر ذكرهمَا وَمن شعر الشَّيْخ محيي الدّين حافي رَأسه

ومعلمي الصَّبْر الْجَمِيل بهجرهفَثنى فؤاداً عَنهُ لم يَك ينثني
لَا بُد من أجر لكل معلموَإِلَى السلو ثَوَاب مَا علمتني

وَكتب إِلَى الْأَمِير نور الدّين على بن مَسْعُود الصوابى)

شَكَوْت إِلَيْك نور الدّين حَاليوحسبي أَن أرى وَجه الصَّوَاب
وكتبي بعتها ورهنت حَتَّىبقيت من الْمَجُوس بِلَا كتاب

فتح الدّين ابْن عبد الظَّاهِر مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الظَّاهِر ابْن نشوان بن عبد الظَّاهِر القَاضِي فتح الدّين ابْن القَاضِي محيي الدّين الجذامي الروحي الْمصْرِيّ صَاحب ديوَان الْإِنْشَاء ومؤتمن المملكة بالديار المصرية مولده بِالْقَاهِرَةِ سنة ثَمَان وثلثين وست ماية سمع من ابْن الجميزي وَغَيره وَحدث وساد فِي الدولة المنصورية بعقله ورأيه وهمته وَتقدم على وَالِده القَاضِي محيي الدّين وَهُوَ مَا هُوَ فِي فن الْإِنْشَاء وَكِتَابَة الترسل فَكَانَ وَالِده من جملَة الْجَمَاعَة الَّذين يصرفهم أمره وَنَهْيه وَكَانَ السُّلْطَان يعْتَمد عَلَيْهِ ويثق بِهِ وَتُوفِّي فِي حَيَاة وَالِده وفجع بِهِ سنة إِحْدَى وَتِسْعين وست ماية بقلعة دمشق وَدفن بسفح قاسيون وَلم يكن وفجع بِهِ سنة إِحْدَى وَتِسْعين وست ماية بقلعة دمشق وَدفن بسفح قاسيون وَلم يكن فِي صناعَة الانشاء مجيداً وَلَا مكثراً وَلم أسمع لَهُ غير بَيْتَيْنِ رثى بهما حسام الدّين طرنطاي وضمنهما بَيْتا وَنصفا وهما

أَلا رحم الله الحسام فَإِنَّهُأَصمّ بِهِ الناعي وَإِن كَانَ أسمعا
وَمَا كَانَ إِلَّا السَّيْف لَاقَى ضريبةوقطعها ثمَّ انثنى فتقطعا

وَلكنه يدل على ذوق وذكاء ودبر الدِّيوَان وَنفذ مهماته وباشره أحسن مُبَاشرَة لما توزر فَخر الدّين ابْن لُقْمَان قَالَ لَهُ الْملك الْمَنْصُور من يكون عوضك فَقَالَ فتح الدّين ابْن عبد الظَّاهِر فَتمكن فتح الدّين من السُّلْطَان وحظي عِنْده إِلَى أَن دخل فَخر الدّين يَوْمًا على السُّلْطَان فَأعْطَاهُ كتابا يقرأه فَلَمَّا دخل فتح الدّين أَخذ الْكتاب مِنْهُ وَأَعْطَاهُ لفتح الدّين وَقَالَ لفخر الدّين تَأَخّر وَلما بَطل فَخر الدّين من الوزارة وَعَاد إِلَى ديوَان الْإِنْشَاء تأدب مَعَه وَلما ولي الوزارة

للأشرف شمس الدّين ابْن السلعوس قَالَ لفتح الدّين اعْرِض عَليّ كل مَا تكتبه فَقَالَ لَا سَبِيل إِلَى ذَلِك وَلَا يطلع على أسرار السُّلْطَان إِلَّا هُوَ فَإِن اخترتم وَإِلَّا عينوا عوضي فَلَمَّا بلغ السُّلْطَان ذَلِك قَالَ صدق قَالَ قطب الدّين اليونيني لما توفى فتح الدّين وجد فِي أوراقه قصيدة عَملهَا مرثية فِي رَفِيقه تَاج الدّين ابْن الْأَثِير وَكَانَ قد مرض وَطول فِي مَرضه فَعُوفِيَ تَاج الدّين قبل وَفَاة فتح الدّين بأيام قلايل وَولي مَكَانَهُ فَعَاد تَاج الدّين رثاه وَقَالَ السراج الْوراق يرثيه وَكَانَ مَوته مُوَافقا لمَوْت سعد الدّين الْموقع

رزية فتح الدّين سد بهَا الفضاعلينا وَمَاتَتْ حِين مَاتَ الفضايل
للشاعر السراج الوراق، من قصيدة «رزية فتح الدين سد بها الفضا»

)

وَقد قيل سعد الدّين وَافق مَوتهفَقلت وَسعد كلهَا والقبايل
للشاعر السراج الوراق، من قصيدة «رزية فتح الدين سد بها الفضا»

وَكتب إِلَيْهِ أَيْضا

إِذا جدد الله سُبْحَانَهُلكم نعما عَمت المسلمينا
للشاعر السراج الوراق، من قصيدة «إذا جدد الله سبحانه»
فَلَا عدم الْملك نصرا عَزِيزًاوَلَا عدم الدّين فتحا مُبينًا
للشاعر السراج الوراق، من قصيدة «إذا جدد الله سبحانه»

ونقلت من خطّ وَالِده محيي الدّين رحمهمَا الله تَعَالَى

أَيهَا الْفَتْح أَنْت عوني وسكناك بقلبي فَلَيْسَ عَنهُ تغيب
فَلهَذَا أمسيت نصري من اللهـ تَعَالَى رَبِّي وَفتح قريب

ونقلت مِنْهُ أَيْضا

لي فتح نصري بِهِ وبقلبيسَاكن فِيهِ لَيْسَ عَنهُ يغيب
وَأَنا مُؤمن فبشراي إِذْ ليمن إلهي نصر وَفتح قريب

ووقفت للْقَاضِي فتح الدّين ابْن عبد الظَّاهِر فِيمَا بعد على قصيدة مدح بهَا السُّلْطَان الْملك الْمَنْصُور سيف الدّين قلاوون عِنْدَمَا هزم التتار نوبَة حمص وَهِي

الله أَعْطَاك لَا زيد وَلَا عَمْروهَذَا الْعَطاء وَهَذَا الْفَتْح والنصر
هَذَا الْمقَام الَّذِي لَو لم تحل بِهِلم يبْق وَالله لَا شام وَلَا مصر
من ذَا الَّذِي كَانَ يلقى ذَا الْعَدو كَذَاأَو يدرع لأمة مَا لامها الصَّبْر
يَا أَيهَا الْملك الْمَنْصُور قد كسرتجنودك الْمغل كسر مَا لَهُ جبر
واستأصلوا شأفة الْأَعْدَاء وانتصروالما ثَبت وَزَالَ الْخَوْف والذعر
لما بغا جَيش أبغا فِي تجاسرهوَلم يمد لَهُ إِلَّا القنا جسر
وَأجْمع الْمغل والتكفور وَاتَّفَقُوامَعَ الفرنج وَمن أردى بِهِ الْكفْر
جَاءَت ثَمَانُون ألفا من بعوثهملأرض حمص وَكَانَ الْبَعْث والنشر
جَاءَ الخميسان فِي يَوْم الْخَمِيس ضحىوامتدت الْحَرْب حَتَّى أذن الْعَصْر
وَالسيف يرْكَع والأعلام رَافِعَةوالروس تسْجد لَا عجب وَلَا كبر
وَالْخَيْل لَا تغتدي إِلَّا على جثثوالسهل من أروس الْقَتْلَى بِهِ وعر
وَالْبيض تغمد فِي الأجفان من مهجوالسمر ناهيك يَا مَا تفعل السمر
فجَاء فِي رَجَب عيدَان من عجبللسيف وَالرمْح هَذَا الْفطر والنحر

)

فَكَانَ أسلمهم من أسلموه لِأَنيَقُودهُ الْقَيْد أَو يسري بِهِ الْأسر
وَرَاح فارسهم فِي إِثْر راجلهمينتابه الْوَحْش أَو ينبو بِهِ القفر
فَمَا رعى مِنْهُم رَاع مطيتهوَلَا ارعوى لَهُم من روعة فكر
وَكَانَ يَوْم الْخَمِيس النّصْف من رَجَبعَام الثَّمَانِينَ هَذَا الْفَتْح والنصر
وَعَاد سلطاننا الْمَنْصُور منتصراًفَالْحَمْد للله ثمَّ الْحَمد وَالشُّكْر

قلت شعر يُقَارب الْجَوْدَة إِلَّا أَنه حِكَايَة وَاقعَة الْحَال إِلَّا أَن هَذِه القافية فاترة إِلَى الْغَايَة وَكتب أَيْضا على دَوَاة نُحَاس استعملها بِدِمَشْق لوالده

إفتح دَوَاة سَعَادَة أقلامهاتجْرِي بواف من عَطاء وافر
عملت لعبد الله راجي عَفوهوالمستجير بِهِ ابْن عبد الظَّاهِر

السبتي مُحَمَّد بن عبد الله بن أَحْمد بن سعيد الْعَنسِي بالنُّون أَبُو عبد الله السبتي ولد سنة أَربع وست ماية قَالَ الْحَافِظ ابْن رشيد لَا يوثق لقَوْله إِلَّا إِن وجد شَيْء من رِوَايَته بِخَط غَيره توفى سنة ثلث وَتِسْعين وست ماية

الشَّيْخ مُحَمَّد ابْن غَانِم مُحَمَّد بن عبد الله بن غَانِم بن عَليّ النابلسي الشَّيْخ الزَّاهِد أَبُو عبد الله ابْن الشيح الْقدْوَة الْعَارِف ابْن الشَّيْخ الْكَبِير غَانِم النابلسي الْمَقْدِسِي الشَّافِعِي قدم دمشق وتفقه على الشَّيْخ تَاج الدّين الْفَزارِيّ وَأفْتى بِبَلَدِهِ مُدَّة إِلَى حِين وَفَاته وَكَانَ صَالحا زاهداً لَهُ فُقَرَاء مريدون توفى سنة ثلث وَتِسْعين وست ماية

التجِيبِي الْخَطِيب مُحَمَّد بن عبد الله بن أبي نصر التجِيبِي الغرناطي أَخْبرنِي الشَّيْخ أثير الدّين قَالَ هُوَ الأديب الصَّالح لَهُ خطب سهلة المساق عذبة الْأَلْفَاظ كَانَ يخْطب بِجَامِع مطخشارش من غرناطة سَمِعت مِنْهُ خطباً جملَة وأجازني ونقلت من خطه

وَمَا الْعِيد بِاسْتِعْمَال طيب وزينةوَلَا أَن يرى فِيهِ عَلَيْك جَدِيد
وَلَكِن رضى الرَّحْمَن عَنْك هُوَ الَّذِييَصح عَلَيْهِ فِي الْحَقِيقَة عيد

جمال الدّين الْأنْصَارِيّ الْحلَبِي مُحَمَّد بن عبد الله بن ماجد

الْمَذْكُور لنَفسِهِ بِمصْر بمكتب ابْن عبد الحميد

قف الركب يَا صَاح بالأجرعقَلِيلا لتندب قلبِي معي
فقد كَانَ يسكن بَين الضلوعوَقد صَار يربع بالأربع

)

دَعَاهُ الغرام إِلَى حتفهفلبى الْمنية لما دعِي
فآه لَهُ من قطيع اللحاظوَمن بالنواظر لم يقطع
وَمن ذَا الَّذِي قَادَهُ طرفهفَلَا يستقاد وَلم يتبع
فَمن ينس لَا أنس يَوْم الْوَدَاعغَدَاة الثَّنية من لعلع
وَقَوْلِي لَهَا بِلِسَان الخضوعوَقد كدت أغرق فِي الأدمع
قفي سَاعَة نشتكيك الغراموَمَا شِئْت من بعْدهَا فاصنعي
فَلم يبْق لي الدَّهْر أُمْنِيةسوى أَن أَقُول وَأَن تسمعي
وَفِي سَاعَة الْبَين يَا هَذِهيبين المحق من الْمُدَّعِي
وَصَحَّ الْفِرَاق وَسَار الرفاقوَلم يبْق فِي الْوَصْل من مطمع
وَبَيت القصيدة أَتَى رجعتسليباً وَمَا عَاد قلبِي معي
فيا جنب إياك أَن تَسْتَقِروَيَا عين إياك أَن تهجعي

كَانَ مولده سنة إِحْدَى وَتِسْعين وَخمْس ماية

القَاضِي شرف الدّين ابْن القيسراني مُحَمَّد بن عبد الله بن أَحْمد القَاضِي شرف الدّين ابْن الصاحب فتح الدّين ابْن القيسراني المَخْزُومِي كَانَ رَئِيسا دينا متواضعاً كثير المحاسن توفّي سنة سبع وَسبع ماية وَله فِي فن الْإِنْشَاء الْيَد الطُّولى أَخْبرنِي الشَّيْخ فتح الدّين ابْن سيد النَّاس قَالَ كَانَ قد توجه صُحْبَة السُّلْطَان إِلَى غَزْوَة قازان أَو غَيرهَا الشَّك مني فرأيته فِي الْمَنَام كَأَنَّهُ منصرف عَن الْوَقْعَة وَقد نصر الله الْمُسلمين فِيهَا على التتار فَأَخْبرنِي بِمَا فتح اله بِهِ فنظمت فِي الْمَنَام بَيْتَيْنِ واستيقظت ذَاكِرًا للْأولِ مِنْهُمَا وَهُوَ

الْحَمد لله جَاءَ النَّصْر وَالظفرواستبشر النيرَان الشَّمْس وَالْقَمَر

فَكتبت إِلَيْهِ أعلمهُ بذلك فَكتب إِلَيّ الْجَواب عَن ذَلِك

أيا فَاضلا تلهي مَعَاني صِفَاتهوكل بليغ فَاضل من رُوَاته
وَمن يستبين الْفَهم من لحظاتهلَهُ آمُر بِالرشد فِي يقظاته

وَفِي النّوم يهديه لخير الطرايق

وَمن قربه غايات كل وَسِيلَةوأسطره تزهى بزهر خميلة
وَجُمْلَته فِي النَّاس أَي جميلَةفَإِن قَامَ لم يدأب لغير فَضِيلَة

)

وَإِن نَام لم يحلم بِغَيْر الحقايق يقبل الْيَد الْعَالِيَة الفتحية فتح الله أَبْوَاب الْجنَّة بهَا وَلها وأسعد خاطره الَّذِي مَا اشْتغل عَن صوب الصَّوَاب ولالهى ومشتهى خلقه الَّذِي لَا أعرف لحسنه مشبهاً تَقْبِيل مشتاق إِلَى رِوَايَته ورؤيته ونتايج بديهته ورويته متعطش إِلَى روايه وإروايه والتيمن بعالي آرايه والتملي بِهِ فِي هَذِه السفرة المسفرة بمشية الله تَعَالَى عَن النجاح والفلاح والغزوة الَّتِي لَهَا الملايكة الْكِرَام النجدة والرايات النَّبَوِيَّة السِّلَاح وَالْحَرَكَة الَّتِي أخْلص فِيهَا الْمُسلمُونَ لله تَعَالَى رَوَاحهمْ وغدوهم وتعلقت آماله بِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ تَعَالَى يهْلك عدوهم فَإِنَّهُم قد بغوا وَالْبَغي وخيم المصرع وابتغوا الْفِتْنَة والفتنة لمثيرها تصرع وَقد تكفل الله للملة المحمدية أيديل دولتها وَأخْبر رَسُول الله ﷺ إِن الله لَا يُسَلط عل هَذِه الْأمة من يستبيح بيضتها وَلِهَذَا مَا أمضينا فِي السهر لَيْلًا وَلَا أنضينا فِي السّفر خيلا وَلَا رجونا إِلَّا أَن نحمد السرى عِنْد الصَّباح وكدنا نطير إِلَى الهيجاء زرافات ووحداناً بِغَيْر جنَاح وَلَا جنَاح وسمحنا بنفوس النفايس فِي طلب الْجنَّة والسماح رَبَاح وَيُنْهِي أَن المشرف العالي ورد إِلَيْهِ فتنسم أَرْوَاح قربه وأوجد مسرات قلبه وأعدم مضرات كربه وأبهجه الْكتاب بعبير رياه وألهجه الْخطاب بتعبير رُؤْيَاهُ فَرَأى خطه وشياً مرقوماً وَلَفظه رحيقاً مَخْتُومًا ووجده محتوياً على دُرَر كلامية وَبشر منامية وَحَدِيث نفس عصامية نرجو من الله أَن نشاهد ذَلِك أيقاظاً ونكون لأبيايه حفاظا وَهُوَ كتاب طَوِيل أجَاب عَنهُ الشَّيْخ فتح الدّين وَقد أثبتهما فِي الْجُزْء الأول من التَّذْكِرَة

الشَّيْخ مُحَمَّد المرشدي مُحَمَّد بن عبد الله الْمجد بن إِبْرَاهِيم الشَّيْخ الْكَبِير الشهير الصَّالح المرشدي صَاحب الْأَحْوَال وَكَثْرَة الْإِطْعَام ولخلق كثير فِيهِ اعْتِقَاد ويحكى عَنهُ عجايب تحير السَّامع من إِحْضَاره الْأَطْعِمَة الْكَثِيرَة وَكَانَ مُقيما بقرية منية مرشد بِقرب بلد فوة وَكَانَ يحفظ الْقُرْآن وَقطعَة من مَذْهَب الشَّافِعِي ويخدم الواردين بِنَفسِهِ وَلَا يقبل من أحد شَيْئا وتحيل السُّلْطَان عَلَيْهِ وَبعث لَهُ مَعَ الْأَمِير سيف الدّين بكتمر الساقي جملَة من الذَّهَب فغالطه فِي قبُولهَا ودسها مَعَه فِي مَأْكُول جهزه مَعَه إِلَى السُّلْطَان وَحج فِي هَيْئَة وتلامذه أنْفق فِي لَيْلَة مَا قِيمَته أَلفَانِ وَخمْس ماية دِرْهَم وَقيل إِنَّه أنْفق فِي ثلث لَيَال مَا يُسَاوِي الْألف دِينَار وَكَانَ يَأْتِيهِ الْأُمَرَاء الْكِبَار وَمن دونهم إِلَى الفقؤاء فَيَأْتِي لكل وَاحِد بِمَا حَدثهُ بِهِ ضَمِيره على مفرده هَذَا ذكره

لي غير وَاحِد وَكَاد يبلغ عَنهُ مبلغ التَّوَاتُر بل بلغه وَقل من أنكر عَلَيْهِ حَاله وَاجْتمعَ بِهِ إِلَّا)

وَزَالَ ذَلِك من خاطره كَانَ الشَّيْخ فتح الدّين ابْن سيد النَّاس مِمَّن يُنكر حَاله ويشنع عَلَيْهِ فَمَا كَانَ إِلَّا أَن اجْتمع بِهِ فَسَأَلته عَنهُ فَقَالَ هُوَ إِنْسَان حسن ثمَّ اجْتمع بِهِ مرّة وَمرَّة وَكَذَلِكَ الْأَمِير نَاصِر الدّين مُحَمَّد بن جنكلي بن البابا كَانَ يُنكر عَلَيْهِ وَاجْتمعَ بِهِ وَجرى بَينهمَا تنافس فِي الْكَلَام وَلم يجِئ من عِنْده إِلَّا وَقد رَضِي بِهِ وَلَكِن أَخْبرنِي جمَاعَة عَنهُ مِمَّن توجه إِلَيْهِ وَأقَام عِنْده أَن فِي مَكَانَهُ مَسْجِدا ومنبراً للخطيب يَوْم الْجُمُعَة وَكَانَ يَأْمر النَّاس بِالصَّلَاةِ وَلم يصل مَعَ أحد وَصَلَاة الْجَمَاعَة لَا يعدلها شَيْء وَأمره غَرِيب وَالسَّلَام يتَوَلَّى الله سَرِيرَته وَكَانَ قد عظم شَأْنه وَيكْتب الأوراق إِلَى دوادار السُّلْطَان وَالِي كَاتب السِّرّ وَإِلَى من يتحدث فِي الدولة بِقَضَاء أشغال النَّاس بِعِبَارَة ملخصة موجزة على يَد من يتقاضاه ذَلِك وَيقْضى مَا يُشِير بِهِ وَمَا عظم واشتهر إِلَّا بتردد القَاضِي فَخر الدّين نَاظر الْجَيْش إِلَيْهِ فَإِنَّهُ كَانَ يزوره كثيرا فَعظم مَحَله فِي النُّفُوس وَقَرَأَ على ضِيَاء الدّين ابْن عبد الرَّحِيم وتلا على الصايغ بَات فِي عَافِيَة وَأرْسل إِلَى الْقرى الَّتِي حوله ليحضروا إِلَيْهِ فقد عرض أَمر مُهِمّ فَأتوهُ فَدخل خلْوَة زاويته وَأَبْطَأ فطلبوه فوجدوه مَيتا والحكايات فِي شَأْنه كَثِيرَة تزيد وتنقص إِلَّا أَنه كَانَ لَا يَدعِي شَيْئا وَلم بِحِفْظ عَنهُ شطح حسن العقيدة شَافِعِيّ الْمَذْهَب وَكَانَ يخرج إِلَى الواردين أطمعة كَثِيرَة من دَاخل مَكَانَهُ وَلَا يدْخل إِلَى ذَلِك الْمَكَان أحد سواهُ وَله همة عَظِيمَة وجلادة عل خدمَة النَّاس توفّي فِي شهر رَمَضَان سنة سبع وَثَلَاثِينَ وَسبع ماية وَلَعَلَّه قد قَارب السِّتين رَحمَه الله تَعَالَى

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع