تجاوز إلى المحتوى

من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

كَاتب سر دمشق

مُحَمَّد بن يَعْقُوب هُوَ القَاضِي نَاصِر الدّين ابْن الصاحب شرف الدّين وسوف يَأْتِي ذكر وَالِده فِي حرف الْيَاء إِن شَاءَ الله تَعَالَى سَأَلته عَن مولده فَقَالَ تَقْرِيبًا سنة سبع وَسبع مائَة بحلب وَقَالَ لي قَرَأت الْقُرْآن لأبي عَمْرو على الشَّيْخ تَاج الدّين الرُّومِي وعَلى الشَّيْخ إِبْرَاهِيم الْفَتْح وعَلى القَاضِي فَخر الدّين ابْن خطيب جبرين قَالَ وقرأت التَّلْقِين لأبي الْبَقَاء والحاجبية وألفية ابْن معطي على الشَّيْخ علم الدّين طَلْحَة ثمَّ القَاضِي فَخر الدّين ابْن خطيب جبرين قَالَ وحفظت تصريف ابْن الْحَاجِب وقرأت عَلَيْهِ قَالَ وقرأت التَّنْبِيه للشَّيْخ أبي إِسْحَاق حفظا على القَاضِي فَخر الدّين الْمَذْكُور وعَلى الشَّيْخ كَمَال الدّين ابْن الزملكاني وقرأت الْمُخْتَصر لِابْنِ الْحَاجِب حفظا وبحثاً على الشَّيْخ كَمَال الدّين إِلَى الْعَام وَالْخَاص وَالْقَاضِي فَخر الدّين كَامِلا وحفظت نصف الْحَاصِل قبل الْمُخْتَصر وبحثت على القَاضِي فَخر الدّين ثَلَاث سور من أول الْكَشَّاف وقرأت عُلُوم الحَدِيث للنووي على القَاضِي شمس الدّين ابْن النَّقِيب وقرأت على أَمِين الدّين الْأَبْهَرِيّ نصف التَّذْكِرَة للنصير الطوسي فِي الْهَيْئَة وقرأت عَلَيْهِ رسائل الاسطرلاب وَسمعت بعض البُخَارِيّ على الْمزي وَسمعت الْمُوَطَّأ على ابْن النَّقِيب وَسنَن أبي دَاوُد وأجزاء حَدِيثِيَّةٌ قَالَ وَسمعت على سنقر مَمْلُوك ابْن الْأُسْتَاذ فِي الرَّابِعَة حضوراً وعَلى الشَّيْخ عز الدّين ابْن العجمي وَأَجَازَ لي الحجار وَحَجَجْت مَعَ وَالِدي سنة عشْرين وَسبع مائَة وَلم أبلغ الْحلم قلت وَأذن لَهُ الشَّيْخ كَمَال الدّين بالإفتاء على مَذْهَب الشَّافِعِي لما كَانَ قَاضِيا بحلب وَكَانَ قد تولى فِي حَيَاة وَالِده نظر الْخَاص المرتجع عَن العربان بحلب مُدَّة تقَارب ثَمَانِيَة أشهر ثمَّ نقل بذلك إِلَى كِتَابَة الْإِنْشَاء بحلب ثمَّ لما كَانَ الْأَمِير سيف الدّين أرغون بحلب نَائِبا جعله من موقعي الدست وَكَانَ يُحِبهُ كثيرا وَيَقُول لَهُ يَا فَقِيه وَيجْلس عِنْده فِي اللَّيْل وَتَوَلَّى تدريس النورية والشعيبية بحلب فِي سنة ثَمَان وَعشْرين وَسبع مائَة وَتَوَلَّى تدريس الأَسدِية سنة أَربع وَأَرْبَعين وَسبع مائَة ورسم لَهُ بِكِتَابَة سر حلب عوضا عَن القَاضِي شهَاب الدّين ابْن القطب سنة تسع وَثَلَاثِينَ وَسبع مائَة وَتَوَلَّى قَضَاء الْعَسْكَر بحلب تِلْكَ السّنة وَلم يزل بحلب إِلَى أَن توفّي تَاج الدّين ابْن

الزين خضر بِدِمَشْق فِي أَيَّام الْأَمِير سيف الدّين يلبغا اليحيوي فسير طلبه)

من الْكَامِل أَن يكون عِنْده بِدِمَشْق كَاتب سر فرسم لَهُ بذلك فَحَضَرَ إِلَى دمشق رَابِع عشر جُمَادَى الأولى سنة سبع وَأَرْبَعين وَسبع مائَة وطلع النَّاس وتلقوه من عز الدّين طقطاي الدوادار والأمير سيف الدّين تمر المهمندار والموقعين وَلم أر أحدا دخل دُخُوله من كتاب السِّرّ إِلَى دمشق ورأيته سَاكِنا مُحْتملا مدارياً لَا يرى مشاققة أحد وَلَا منازعته كثير الْإِحْسَان إِلَى الْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِين يبرهم وَيَقْضِي حوائجهم وَيكْتب كِتَابَة حَسَنَة وينظم وينثر سَرِيعا ويستحضر قَوَاعِد الْفِقْه فروعاً وأصولاً وقواعد أصُول الدّين وقواعد الْإِعْرَاب والمعاني وَالْبَيَان والهيئة وقواعد الطبل ويستحضر من كليات الطِّبّ جملَة ولي دمشق سنة ثَمَان وَأَرْبَعين سمع صَحِيح مُسلم على الشَّيْخ مُحَمَّد السلاوي وَسمع سنَن أبي دَاوُد على الشَّيْخ شمس الدّين مُحَمَّد بن نباتة وعَلى بنت الخباز وَسمع عَلَيْهَا جملَة من الْأَجْزَاء ومشيخة ابْن عبد الدَّائِم وَغير ذَلِك وَكتب إِلَيّ وَنحن بمرج الغشولة صُحْبَة الْأَمِير سيف الدّين يلبغا اليحيوي نَائِب الشَّام وَقد وَقع مطر كثير برعد وبرق

كَأَن الْبَرْق حِين ترَاهُ لَيْلًاظَبْي فِي الجو قد خرطت بعنف
تخال الضَّوْء مِنْهُ نَار جَيشأَضَاءَت والرعود فجيش زحف

فَكتبت الْجَواب

يحاكي الْبَرْق بشرك يَوْم جودإِذا أَعْطَيْت ألفا بعد ألف
وَصَوت الرَّعْد مثل حَشا عَدويخَاف سطاك فِي حيف وحتف

فَكتبت الْجَواب إِلَيّ

لَئِن أوسعت إحساناً وفضلاًوجدت بنظم مدح فِيك لَائِق
فَهَذَا الْفضل أخجل صوب سحبوَهَذَا الْبشر أخجل بشر بارق

وَكتب هُوَ إِلَيّ أَيْضا

وَكَأن الْقطر فِي ساجي الدجىلُؤْلُؤ رصع ثوبا أسودا
فَإِذا مَا قَارب الأَرْض غَدافضَّة تشرق مَعَ بعد المدى

فَكتبت أَنا إِلَيْهِ الْجَواب

مَا مُطِرْنَا الْآن فِي المرج سدىورأينا الْعذر فِي هَذَا بدا
نظر الجو لما تبذلهفَهُوَ يبكي بالغوادي حسدا

)

وَكتب هُوَ إِلَيّ أَيْضا

طبق الجو بالسحاب صباحاًومطرنا سَحا مغيثاً وبيلا
نسخ الرّيّ كل قحط ويبسبغمام أهْدى لنا سلسبيلا
ارتشفنا الرضاب مِنْهُ فخلناعَن يَقِين مزاجه زنجبيلا

فَكتبت أَنا الْجَواب إِلَيْهِ

جلت الأَرْض بعد يبس وقحطمن بكاء الْغَمَام وَجها جميلا
وَتثني الْقَضِيب فِيهَا رطيباًوتمشي النسيم فِيهَا عليلا
هَكَذَا كل بَلْدَة أَنْت فِيهَايَجْعَل الْغَيْث فِي حماها مسيلا

فَكتب هُوَ الْجَواب إِلَيّ

أوضح الله للْبَيَان سَبِيلابك يَا أقوم المجيدين قيلا
إِن تثنى الْقَضِيب فِي الرَّوْض عجباأَو تبدي نضاره مستطيلا
فبأقلامك المباهاة فخراًكل غُصْن رطب وحداً صقيلا
وَلَئِن زِدْت فِي ثنائي إِنِّيشَاكر فضلك الجزيل طَويلا

وَكتب هُوَ إِلَيّ أَيْضا

لَيْلَة المرج خلتها ألف شهرزلزلت أَرْضنَا من الرَّعْد عصرا
خامنا فِيهِ كَاد لَوْلَا رجالأمسكوه ينشق شفعاً ووترا
ويكاد العمود من شدَّة الرّيّح بِهِ أَن ينحط وَهنا وكسرا

فَكتبت أَنا الْجَواب إِلَيْهِ

لم تزلزل أَرض بهَا أَنْت لَكِنرنحت عطفها بِفَضْلِك شكرا
وكذاك الْأَطْنَاب تثني وَتَدْعُولَك من تحتهَا فتهتز سكرا
وَعَجِيب من العواميد إِذْ لمتمس أوراقها بجودك خضرًا

فَكتب الْجَواب هُوَ إِلَيّ

يَا إِمَامًا لَهُ الْفَضَائِل تعزىوبليغاً قولا ونظماً ونثرا
إِن تفضلت بالثناء فَإِنِّيبأياديك مَا بَرحت مقرا
إِن أمنا الزلزال فَهُوَ يَقِينارَحْمَة تَقْتَضِي قيَاما وشكرا

)

أَنْت للْأَرْض طود فضل عَظِيممنعهَا تهتز طَوْعًا وقسرا
دمت فِي نعْمَة وَفضل ومجددَائِم ترتقي وهنيت عشرا

وَكنت مرّة فِي خدمته وَنحن على ضمير فَاشْتَدَّ علينا الْحر وَزَاد فَكتبت إِلَيْهِ

رب يَوْم على ضمير تقضىفقطعناه فِي عَنَّا وبلاء
يتَمَنَّى الحرباء من شدَّة الحر لَو انساب ضفدعاً فِي المَاء

فَكتب هُوَ الْجَواب إِلَيّ

يَوْمنَا فِي ضمير يَوْم كريهمَا رَأينَا كحره فِي الفلاء
كَاد حرباؤه يَمُوت حريقامن لظى شمسه على الصَّحرَاء

وَكتب هُوَ إِلَيّ أَيْضا فِي الْمَعْنى

يَوْمًا نزلنَا على ضميرأوقد حر النَّهَار ناره
وَصَارَت الشَّمْس ذَا التهابوقودها النَّاس وَالْحِجَارَة

النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من فصل الْهمزَة وَمَا بعْدهَا فِي الْآبَاء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.