من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن الْمُدبر الْكَاتِب
)
إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن عبيد الله بن الْمُدبر أَبُو إِسْحَاق الْكَاتِب كَانَ كَاتبا بليغاً شَاعِرًا فَاضلا مترسلاً وَهُوَ أَخُو أَحْمد وَمُحَمّد روى عَنهُ أَبُو الْحسن الْأَخْفَش وَأَبُو بكر الصولي وَمَيْمُون بن هَارُون وجعفر بن قدامَة الْكَاتِب وَكَانَ يزْعم أَنه من بني ضبة خدم المتَوَكل مُدَّة طَوِيلَة وولاه ديوَان الْأَبْنِيَة وَلم يزل فِي رُتْبَة الوزراء وأحضر فِي سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ للوزارة فاستعفى لعظم الْمُطَالبَة فاستكتبه الْمُعْتَمد لِابْنِهِ الْمُفَوض وَضم إِلَيْهِ دواوين ثمَّ إِن الْمُعْتَمد دفع إِلَى إِبْرَاهِيم ثَلَاث مائَة ألف دِينَار وخلع عَلَيْهِ بتكريت وَقَالَ لقواده مِمَّن مَعَه مَا استوزرت بعد عبيد الله بن يحيى وزيراً أرضاه غير الْحسن ابْن مخلد وَإِبْرَاهِيم فِي هَذَا الْوَقْت وَخرج إِلَى الْموصل ليلتقي جَيش ابْن طولون ثمَّ إِن إِسْحَاق بن كنداج مُتَوَلِّي الْموصل وديار ربيعَة قبض على القواد بحيلة دبرهَا وَأَرَادَ الْقَبْض على إِبْرَاهِيم فحدره إِلَى بغداذ وحبسه إِلَى أَن رَضِي الْمُوفق عَنهُ وَهُوَ بواسط وخلع عَلَيْهِ وَله شركَة فِي تَرْجَمَة عريب الْمُغنيَة لِأَنَّهُ كَانَ يهواها وَله فِيهَا أشعار وكل مِنْهُمَا يهوى صَاحبه قَالَ الصولي وَإِبْرَاهِيم بن الْمُدبر كَاتب جليل شَاعِر أديب كريم لَيْسَ فِي زَمَاننَا شَاعِر إِلَّا وَقد استفرغ بعض مدحه فِيهِ قَالَ أَبُو هفان
يَا ابْن الْمُدبر أَنْت علمت الورىبذل النوال وهم بِهِ بخلاء
لَو كَانَ مثلك فِي الْبَريَّة واحدٌفِي الْجُود لم يَك فيهم فُقَرَاء
وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن الْمُدبر وَهُوَ فِي الْحَبْس أشعاراً كَثِيرَة مِنْهَا قَوْله
أدموعها أم لُؤْلُؤ متناثريدمي بِهِ الْورْد الجني الزَّاهِر
لَا يؤيسنك من كريم نبوةفالسيف ينبو وَهُوَ عضب باتر
هَذَا الزَّمَان تسومني أَيَّامهخسفاُ وهأنذا عَلَيْهِ صابر
إِن طَال ليلِي فِي الإسار فطالماأفنيت دهراً ليله متقاصر
والسجن يحجبني وَفِي أكنافهمني على الضراء لَيْث خادر
عجبا لَهُ كَيفَ الْتَقت أبوابهوالجود فِيهِ وَالربيع الباكر
هلا تقطع أَو تصدع أَو هوىفعذرته لكنه بِي فاخر
وَمِنْهَا قَوْله أَيْضا
أَلا طرقت سلمى لَدَى وقْعَة الساريوحيداً فريداً موثقًا نازح الدَّار
هُوَ الْحَبْس مَا فِيهِ عَليّ غَضَاضَةوَهل كَانَ فِي حبس الْخَلِيفَة من عَار
)
أَلَسْت تَرين الْخمر يظْهر حسنهاوبهجتها بِالْحَبْسِ فِي الطين والقار
وَمَا أَنا إِلَّا كالجواد يصونهمقومه للسبق فِي طي مضمار
أَو الدرة الزهراء فِي قَعْر لجةٍفَلَا تجتلي غلا بهول وأخطار
وَهل هُوَ إِلَّا منزل مثل منزليوَبَيت وَدَار مثل بَيْتِي أَو دَاري
فَلَا تنكري طول المدى وأذى العدىفَإِن نهايات الْأُمُور لإقصار
لَعَلَّ وَرَاء الْغَيْب أمرا يسرنَايقدره فِي علمه الْخَالِق الْبَارِي
وَلما عزل عَن الأهواز جَاءَ النَّاس يود عونه فجَاء أَبُو شراعة فَأمْسك يَده فِي الحراقة بالزلال وَأنْشد رَافعا صَوته
لَيْت شعري أَي قومٍ أجدبوافأغيثوا بك من بعد العجف
نزل الْيمن من الله بهموحرمناك لذنبٍ قد سلف
إِنَّمَا أَنْت ربيع باكرحَيْثُمَا صرفه الله انْصَرف
يَا أَبَا إِسْحَاق سر فِي دعةٍوامض مصحوباً فَمَا عَنْك خلف
فَضَحِك إِلَيْهِ وَوَصله وَسَار وَقَالَ العطوي الشَّاعِر اسْتَأْذَنت على ابْن الْمُدبر فحجبني آذنه فَكتبت إِلَيْهِ
أَتَيْتُك مشتاقاً فَلم أر جَالِساوَلَا نَاظرا إِلَّا بِعَين قطوب
كَأَنِّي غَرِيم مُقْتَض أَو كأننينهوض حبيب أَو حُضُور رَقِيب
فَأَدْخلنِي وَهُوَ يَقُول هِيَ بِاللَّه نهوض حبيب أَو حُضُور رَقِيب وَفِي بني الْمُدبر يَقُول مُحَمَّد بن عَليّ الشطرنجي
قد أحدث الْقَوْم ديناوجدد الْقَوْم نسبه
وَكَانَ مرا ضَعِيفافضببوه بضبه
وَمن شعر إِبْرَاهِيم بن الْمُدبر
يَا كاشف الكرب بعد شدتهومنزل الْغَيْث بعد مَا قَنطُوا
لَا تبل قلبِي بشحط بَينهمفالموت دَان إِذا هم شحطوا
وَمِنْه قَوْله
قَالُوا أضرّ بِنَا السَّحَاب بوكفهلما رَأَوْهُ لمقلتي يَحْكِي
)
لَا تعجبوا مِمَّا ترَوْنَ فَإِنَّمَاهذي السَّمَاء لرحمتي تبْكي
وَمِنْه قَوْله
مَا دميةٌ فِي مرمرٍ صورتوظبيةٌ فِي خمر عاطف
أحسن مِنْهَا يَوْم قَالَت لناوالدمع من مقلتها ذارف
لأَنْت أحلى من لذيذ الْكرَىوَمن أمانٍ ناله خَائِف
وَمِنْه قَول
أأخي إِن أَخَاك مذ فارقتهشوقاً إِلَيْك فُؤَاده يتقطع
يشكو جفاءك مُعْلنا بِلِسَانِهِوفؤاده من خوف غدرك يوجع
وَيَقُول معتذراً إِلَى من لامهإِن الشَّقِيق بِسوء ظن مولع
اسْلَمْ وَكن لي كَيفَ شِئْت على النَّوَىمهما فعلت فلست مِمَّن يقطع
وَمِنْه قَوْله
يَا قلب أَنْت وطرفيشغلي ودائي وحتفي
موتا فَلَا كَانَ إلفٌيعين فِي قتل إلْف
هَذَا فعالي بنفسيأخذت حتفي بكفي
أَنا الضَّعِيف على الهجر فارحموا ذل ضعْفي
من ضعف ركني أَنِّيلَيْث فريسة خشف
توفّي إِبْرَاهِيم بن الْمُدبر ببغداذ سنة تسع وَسبعين وَمِائَتَيْنِ وَولد سنة إِحْدَى عشرَة وَمِائَتَيْنِ
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع