من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الْمُوفق
أَحْمد بن أبي الْفضل أَبُو الْعَبَّاس الينشي الْمَعْرُوف بالموفق كَانَ جده مولى عجمياً وَآل أمره إِلَى أَن تنبه عقبه بسبتة وَصَارَ لَهُم مَال وَذكر واشتغل أَبُو الْعَبَّاس بالطب
واشتهر ورحل وَحج وَكَانَ يحدث نَفسه بِالْملكِ فتدرج من كاتبٍ فِي الدِّيوَان إِلَى أَن ولي الدِّيوَان وَظهر وَصَارَ لَهُ حديثٌ مَعَ أَصْحَاب الدولة وَتقدم عِنْد أبي مُوسَى بن عبد الْمُؤمن صَاحب سبتة وأغراه بِأَن خَالف أَخَاهُ الْمَأْمُون وَعصى عَلَيْهِ بسبتة وَضمن لَهُ الْأَمْوَال وإمالة قُلُوب الرِّجَال وَهُوَ يعْمل فِي الْبَاطِن لنَفسِهِ ثمَّ أَخذ مَعَ أَعْيَان سبتة فِي أَن يخاطبوا ابْن هودٍ سُلْطَان الأندلس بِالطَّاعَةِ وَأَن ينصرهم بمراكبهم البحرية وَتَكون مدينتهم مِنْهُ ببال فأنفذ إِلَيْهِم ابْن هود قَائِد الْبَحْر أَبَا الاصبع الغشي وَكَانَ لَهُ صيت عَظِيم فِي الْبَحْر ووقائع مَشْهُورَة فِي الْعَدو فَصَارَ فِي سبتة وَأخرج مِنْهَا أَبَا مُوسَى بن عبد الْمُؤمن واشتغل الينشي بتدبير أمره ثمَّ أغراه بِأَن يخلع)
طَاعَة ابْن هود ويخطب لنَفسِهِ فَفعل ذَلِك فَلَمَّا علم أَن لَا نَاصِر لَهُ وَقد قطع يَده من ابْن هود أغرى أهل سبتة بِالْقيامِ عَلَيْهِ فطردوه وَخرج هَارِبا فكرب زورقاً فَحصل فِي أسر عباد الصَّلِيب وَبَقِي الينيشي يدبر أَمر سبتة ثمَّ اسْتَقل وخطب لنَفسِهِ وَأقَام سوق الْفضل وقصده الأدباء وَالشعرَاء وَقتل خلقا على الْملك وحصره الفرنج فِي بَحر سبتة وَأَقَامُوا على حصاره فَلم يقدروا عَلَيْهِ وَظَهَرت مِنْهُ فحولية فِي دفاعهم وَآل أمره إِلَى أَن امتدت مدَّته وحسده أهل بَلَده وَكَانَ لَهُ صديق يُقَال لَهُ ابْن مَسْعُود تغير عَلَيْهِ فَأخْرجهُ من سبتة فَلم يزل يسْعَى عَلَيْهِ ويخاطب أهل سبتة ويخطبها للرشيد بن الْمَأْمُون بن عبد الْمُؤمن إِلَى أَن خلعه أهل سبتة وَحمل إِلَى الرشيد بن الْمَأْمُون وشاع أَنه مَاتَ حتف أَنفه بالوباء وَالله أعلم وَمن شعره قَوْله بالإسكندرية
ذكرت بأقصى الشرق أقْصَى المغاربفجال نجي الْفِكر بَين الترائب
فصبرتها نفسا لَا تكَاد من الأسىتسرب مَا بَين الدُّمُوع السوارب
وَقلت لَئِن كابدت ترحة راحلٍلسوف يُرِيك الله فرحة آيب
وَيَا جفن كم تجفو الْمَنَام حفيظةًوَكم أَنْت معقودٌ بزهر الْكَوَاكِب
لَعَلَّ الَّذِي ترعاه لَيْسَ بحافظٍلعهدك وَالْأَيَّام ذَات عجائب
فكم منزلٍ بدلت مِنْهُ بمنزلٍوَكم صاحبٍ عوضت مِنْهُ بِصَاحِب
سلامٌ عَلَيْك مَا حييت فإننيأَزِيد لكم حبا بطول التجارب
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع