من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن حَدِيدَة
ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن ابن حديدة اللخمي القيرواني؟
أَحْمد بن الْقَاسِم بن أبي اللَّيْث الْمَعْرُوف بِابْن حَدِيدَة قَالَ ابْن رَشِيق شَاعِر فكه الشّعْر رائق التَّشْبِيه مولع بِهِ قَلِيل التَّكَلُّف قوي الْمنْهَج والظرف ورفض الْمَدْح والهجاء ويخبر التصنيع خَبرا جيدا وَلَا يركبه إِلَّا فِي الْأَمَاكِن الَّتِي تصلح لَهُ كَمَا شَرط حذاق الْمُتَقَدِّمين قَالَ أنشدته فِي سَاق وشربتها من راحتيه كَأَنَّهَا من وجنتيه
وَكَأَنَّهَا فِي فعلهَاتحكي الَّذِي فِي ناظريه
وَقتل أجزنا أَبَا الْعَبَّاس قَالَ ألوقتك البيتان قلت نعم فَقَالَ بنشاط
وشممت وردة خَدّهنظرا ونرجس مقلتيه
قَالَ وأنشدني من قصيدة فِي السَّحَاب)
يَا رب متأقةٍ تنوء بثقلهاتَسْقِي الْبِلَاد بوابلٍ غيداق
مرت فويق الأَرْض تسحب ذيلهاواللوح يحملهَا على الْأَعْنَاق
وَدنت فكاد الأَرْض تنهض نَحْوهَاكنهوض مشتاقٍ إِلَى مشتاق
فَكَأَنَّمَا جَاءَت تقبل تربهاأَو حاولت مِنْهَا لذيذ عنَاق
انْتهى كَلَام ابْن رَشِيق
وَقد نظمت أَنا أصل هَذَا الْمَعْنى فِي بَيْتَيْنِ وهما أقصر وزنا فَقلت
سحابةٌ قد تدلتإِلَى الثرى باشتياق
لَو أَن للْأَرْض عقلاتلازما للعناق
ونظمت هَذَا الْمَعْنى أَيْضا فِي غير هَذَا الْمَقْصد فَقلت
انْظُر إِلَى السحب الَّتِي ذيلهامرخىً وثغر الأَرْض مَا قبله
مثل رئيسٍ زَاد فِي لطفهأَتَى إِلَى نذلٍ فَمَا اهتز لَهُ
وَمن شعر ابْن حَدِيدَة
هن البدور النيرات سوافرٌتهتز فِي كثبٍ بِهن غصون
الْبُرْء مَا أَهْدَت لَهُنَّ مباسموالسقم مَا بعثت لَهُنَّ عُيُون
وَلَقَد حمى عَن مقلتي كراهماورقٌ لَهُنَّ على الْأَرَاك حنين
فِي ليلةٍ لبس الْحداد هواؤهافَكَأَنَّمَا هُوَ راهبٌ محزون
قد رصعت زهر النُّجُوم سماءهافَكَأَنَّمَا هِيَ لُؤْلُؤ موضون
وَكَأَنَّهَا خلل الظلام روانياًأحداق رومٍ مَا لَهُنَّ جفون
وكأنما الْفلك الْمدَار على الدجىبحرٌ أحَاط بهَا وَهن سفين
وَمِنْه من رجز
وَاللَّيْل ملقى كالأسير الموثقنجومه وسط السَّمَاء ترتقي
كلؤلؤ فَوق زجاجٍ أَزْرَق وَمِنْه
يَا رب أغيد ساجي الطّرف ساحرهأحوى سقتني عقار السحر عَيناهُ
كالورد وجنته والبدر طلعتهوالغصن قامته والمسك رياه
)
وَمِنْه
يَا رب ليلٍ جبتهوَرِدَاؤُهُ لم يدرج
تبدو نُجُوم سمائهمثل الذبال المسرج
تحكي قلائد لؤلؤٍنثرت على فيروزج
وبدا المجرّ كجدولٍفِي وسط روض بنفسج
قلت قَول ابْن حجاج أوقع وَأكْثر تَشْبِيها وَهُوَ
هذي المجرة والنجوم كَأَنَّهَانهرٌ تدفق فِي حديقة نرجس
فَإِن النرجس أشبه بالنجوم من البنفسج
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع