من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن المسجف الْعَسْقَلَانِي
عبد الرَّحْمَن بن أبي الْقَاسِم بن غَنَائِم بن يُوسُف الأديب بدر الدّين الْكِنَانِي الْعَسْقَلَانِي ابْن المسجف الشَّاعِر ولد سنة ثَلَاث وَثَمَانِينَ وَخمْس مائَة وتوفِّي سنة خمس وَثَلَاثِينَ وست مائَة وَدفن عِنْد وَالِده بالمزة وَكَانَ أديباً ظريفاً خليعاً توفّي فجاءة وَخلف خمس مائَة ألف دِرْهَم فَأَخذهَا الْجواد صَاحب دمشق وَله أُخْت عمياء فقيرة فَمنعهَا حَقّهَا من مِيرَاثهَا وَكَانَ بدر الدّين يتجر وَله رسوم على الْمُلُوك وَأكْثر شعره فِي الهجو
نقلت من خطّ شهَاب الدّين القوصي فِي مُعْجَمه كَانَ السَّيِّد الشريف شهَاب الدّين ابْن الشريف فَخر الدولة بن أبي الْجِنّ الْحُسَيْنِي رَحمَه الله تَعَالَى لما ولاه السُّلْطَان الْملك النَّاصِر أعزه الله النقابة على الطالبين من الْأَشْرَاف اجْتمع فِي دَاره للتهنئة جمَاعَة الْوُلَاة وَالْقَضَاء والصدور وسألني الشريف وَالْجَمَاعَة إنْشَاء خطْبَة أَمَام قِرَاءَة المنشور فَذكرت خطْبَة
على البديهة بِآيَة جمعت فِيهَا بَين ذكر فضل أهل الْبَيْت ﵈ وَبَين شكر السُّلْطَان على تَوليته مَا أولاه من الْإِحْسَان فَحَضَرَ بدر الدّين ابْن المسجف ﵀ الْمجْلس وَأنْشد هَذِه)
الثَّلَاثَة أَبْيَات لنَفسِهِ الْكَامِل
دَار النَّقِيب حوت بِمن قد حلهَاشرفاً يقصر عَن مداه المطنب
أضحت كسوق عكاظ فِي تفضيلهاوَبهَا شهَاب الدّين قس يخْطب
الْفَاضِل القوصي أفْصح من غَداعَن فَضله فِي الْعَصْر يعرب يعرب
وأنشدني الْمَذْكُور لنَفسِهِ فِي الشّرف الْحلِيّ الشَّاعِر الطَّوِيل
يَقُولُونَ لي مَا بَال حظك نَاقِصالَدَى رَاجِح رب الفهاهة وَالْجهل
فَقلت لَهُم إِنِّي سمي ابْن ملجموَذَلِكَ اسْم لَا يَقُول بِهِ حلي
وأنشدني لنَفسِهِ هذَيْن الْبَيْتَيْنِ وَكَانَ قد قالهما ببغداذ وَقد جَاءَ مطر كثير يَوْم عَاشُورَاء فِي فصل الصَّيف الْكَامِل
مطرَت بعاشورا وَتلك فَضِيلَةظَهرت فَمَا للناصبي المعتدي
وَالله مَا جاد الْغَمَام وَإِنَّمَابَكت السَّمَاء لرزء آل مُحَمَّد
وأنشدني لنَفسِهِ يمدح الْكَمَال القانوني الْكَامِل
لَو كنت عانيت الْكَمَال وجسهأوتار قانون لَهُ فِي الْمجْلس
لرأيت مِفْتَاح السرُور بكفه اليسرى وَفِي الْيُمْنَى حَيَاة الْأَنْفس
وأنشدني لنَفسِهِ الْكَامِل
وَلَقَد مدحتهم على جهل بهموظننت فيهم للصنيعة موضعا
فَرَجَعت بعد الاختبار أذمهمفأضعت فِي الْحَالين عمري أجمعا
قلت وَمثل هَذَا قَول سبط بن التعاويذي السَّرِيع
قضيت شطر الْعُمر فِي مدحكمظنا بكم أَنكُمْ أَهله
وعدت أفنيه هجاء لكمفَضَاعَ عمري فِيكُم كُله
وَمن شعر ابْن المسجف الْكَامِل
يَا رب كَيفَ بلوتني بعصابةمَا فيهم فضل وَلَا إفضال
متنافري الْأَوْصَاف يصدق فيهم الهاجي وَتكذب فيهم الآمال
غطى الثراء على عيوبهم وَكممن سوءة غطى عَلَيْهَا المَال
جبناء مَا استنجدتهم لملمةلؤماء مَا استرفدتهم بخال
)
فوجوههم عوذ على أَمْوَالهموأكفهم من دونهَا أقفال
هم فِي الرخَاء إِذا ظَفرت بِنِعْمَةآل وهم عِنْد الشدائد آل
وَمن شعره فِي الْعَزِيز خَلِيل وَالِي دمشق الرمل
مَا خَلِيل بخليل لَا وَلَاصَحبه أهل صَلَاح بل فَسَاد
لقبوه الغرز لَا جهلا بِهِصدقُوا لكنه غرز جَراد
وَقَالَ يمدح الْملك الْكَامِل المتقارب
إِذا لبس الدرْع مستلئماًوكرسيه صهوة الصاهل
ترى الأَرْض محمرة بالدماومخضرة اللَّوْن بالنائل
وَقَالَ على لِسَان بنت الْملك الْأَشْرَف فِي دَار السَّعَادَة الْبَسِيط
قَالَت مليكَة هذي الدَّار حِين ثوىمن شيد الدَّار بعد الْملك بالترب
لَا تحسدوني على دَار السَّعَادَة بلدَار السَّعَادَة كَانَت فِي زمَان أبي
وَقَالَ السَّرِيع
إربل دَار الْفسق حَقًا فَلَايعْتَمد الْعَاقِل تعزيزها
لَو لم تكن دَار فسوق لمااصبح بَيت النَّار دهليزها
وصل ابْن المسجف فِي بعض سفراته إِلَى الْموصل بِمَا مَعَه من تِجَارَة فَبَاعَ الْملك الرَّحِيم بدر الدّين لُؤْلُؤ الأتابكي متملك الْموصل شَيْئا مَعَه ومدحه فَتقدم إِلَى نَائِبه الْأَمِير أَمِين الدّين لُؤْلُؤ عتيقه بِقَضَاء أشغاله فتوقف فِي أمره فَقَالَ لَهُ بعض أَصْحَاب الْبَاب لَو طَابَ قلب الْأمين لمشى الْحَال وَحصل الْمَقْصُود فَقَالَ المتقارب
يَقُولُونَ إِن طَابَ قلب الْأمينرجعت بِشَيْء نَفِيس ثمين
فَقلت أَعُود بِلَا حَبَّةوَلَا طيب الله قلب الْأمين
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع