من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن قدامَة الجماعيلي
عبد الرَّحْمَن بن مُحَمَّد بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن قدامَة شيخ الْإِسْلَام وَبَقِيَّة الْأَعْلَام شمس الدّين أَبُو مُحَمَّد وَأَبُو الْفرج ابْن الْقدْوَة الشَّيْخ أبي عمر الْمَقْدِسِي الجماعيلي الصَّالِحِي الْحَنْبَلِيّ الْخَطِيب الْحَاكِم ولد سنة سبع وَتِسْعين وَخمْس مائَة بالدير الْمُبَارك بسفح قاسيون وَتُوفِّي سنة اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وست مائَة
وَسمع حضوراً من سِتّ الكتبة بنت الطراح وَمن أَبِيه وَعَمه الْمُوفق وَعَلِيهِ تفقه وَعرض عَلَيْهِ الْمقنع وَشَرحه عَلَيْهِ وَشرح عَلَيْهِ غَيره وَشَرحه فِي عشر مجلدات وَسمع من حَنْبَل وَابْن طبرزد والكندي وَابْن الحرستاني وَابْن كَامِل وَالْقَاضِي أسعد بن المنجا وَابْن الْبناء وَابْن ملاعب وَأبي الْفتُوح الْبكْرِيّ والجلاجلي وَالشَّمْس البُخَارِيّ وَجَمَاعَة كَثِيرَة وَطلب بِنَفسِهِ وَكتب وَقَرَأَ على الشُّيُوخ قَرَأَ على ابْن الزبيدِيّ وجعفر الهمذاني والضياء الْمَقْدِسِي وَسمع بِمَكَّة من أبي الْمجد الْقزْوِينِي وَابْن باسويه وبالمدينة من أبي طَالب عبد المحسن بن العميد الحفيفي وَأَجَازَ لَهُ أَبُو الْفرج بن الْجَوْزِيّ وَأَبُو جَعْفَر الصيدلاني وَأَبُو سعد بن الصفار وعفيفة الفارقانية وَأَبُو الْفَتْح المندائي وَخلق كثير وروى عَنهُ الْأَئِمَّة أَبُو بكر النواوي وَأَبُو الْفضل بن قدامَة الْحَاكِم وَابْن تَيْمِية وَأَبُو مُحَمَّد الْحَارِثِيّ وَابْن الْعَطَّار وَأَبُو الْحجَّاج الْكَلْبِيّ)
وَأَبُو إِسْحَاق الْفَزارِيّ وَأَبُو الْفِدَاء إِسْمَاعِيل الْحَرَّانِي والبرزالي وَخلق كثير وَإِلَيْهِ انْتَهَت رئاسة الْمَذْهَب فِي عصره وَكَانَ عديم النظير علما وَعَملا وزهداً وَتَوَلَّى الْقَضَاء أَكثر من اثْنَتَيْ عشرَة سنة وَلم يَأْخُذ عَلَيْهِ رزقا ثمَّ إِنَّه تَركه
وَبَالغ نجم الدّين بن الخباز وَجمع سيرته فِي مائَة وَخمسين جُزْءا تَجِيء سِتّ مجلدات لَعَلَّ ثلثهَا مِمَّا يخْتَص بترجمة الشَّيْخ وَالْبَاقِي فِي تَرْجَمَة النَّبِي ﷺ لكَون الشَّيْخ من أمته وَفِي
تَرْجَمَة الإِمَام أَحْمد بن حَنْبَل وَأَصْحَابه وهلم جراً إِلَى زمَان الشَّيْخ وَأَجَازَ للشَّيْخ شمس الدّين مروياته ورثاه شمس الدّين الصَّائِغ وَالشَّيْخ عَلَاء الدّين بن غَانِم وَالشَّيْخ مُحَمَّد بن الْأمَوِي والبرهان بن عبد الْحَافِظ وَنجم الدّين بن فليته ومجد الدّين بن المهمار ورثاه شهَاب الدّين مَحْمُود بقصيدته الَّتِي أَولهَا الْكَامِل
مَا للوجود وَقد علاهُ ظلامأعراه خطب أم عداهُ مرام
أم قد أُصِيب بشمسه فغدا وَقدلبست عَلَيْهِ حدادها الْأَيَّام
لم أدر هَل نبذ الظلام نجومهأم حل للفلك الْأَثِير نظام
فَلَقَد تنكرت المعالم واستوىفِي ناظري الْإِشْرَاق والإظلام
وذهلت حَتَّى خلت أَنِّي لَيْسَ ليبعد الْفِرَاق سوى الدُّمُوع كَلَام
أَتَرَى درى صرف الردى لما رمىأَن الْمُصَاب بسهمه الْإِسْلَام
أَو أَنه مَا خص بِالسَّهْمِ الَّذِيأصمى بِهِ دون الْعرَاق الشَّام
سهم تقصد وَاحِدًا فغدا وَفِيكل الْقُلُوب لِوَقْعِهِ آلام
مَا خلت أَن يَد الْمنون لَهَا علىشمس المعارف وَالْهدى إقدام
من كَانَ يستسقى بغرة وَجههإِن عَاد وَجه الْغَيْث وَهُوَ جهام
وَتبين للساري أسرة فَضلهفَكَأَنَّمَا هِيَ للهدى أَعْلَام
مَا خلت أَن الدّين لَوْلَا فَقدهفَمن يروع سربه ويضام
كَانَت تطيب لنا الْحَيَّة بأنسهوبقره فعلى الْحَيَاة سَلام
كَانَت ليالينا بِطيب بَقَائِهِفِينَا تضيء كَأَنَّهَا أَيَّام
كَانَت بِهِ تروى الْقُلُوب وتنثنيوَلها إِلَيْهِ تعطش وأوام
من للعلوم وَقد علت وغلت بِهِأضحت تسامي بعده وتسام
)
من للْحَدِيث وَكَانَ حَافظ سرهمن أَن يضم إِلَى الصِّحَاح سقام
وَله إِذا ذكر الدُّرُوس مَرَاتِبتسمو فتقصر دونهَا الأوهام
يروي فيروي كل ذِي ظمأ لَهُبحمى الحَدِيث تعلق وغرام
ببديهة فِي الْعلم يقسم من رأىذَاك التسرع أَنَّهَا إلهام
من للقضايا المشكلات إِذا نبتعَنْهَا الْعُقُول وحارت الأفهام
هَل للفتاوى من إِذا وافى بهَاقضي الْقَضَاء وجفت الأقلام
من للمنابر وَهُوَ فارسها الَّذِيتحيى الْقُلُوب بِهِ وَهن رمام
وَله إِذا أم الدُّرُوس مَوَاقِفمَشْهُودَة مَا نالهن إِمَام
يجلى بهَا صدأ الْقُلُوب وترتويمِنْهَا الْعُقُول وتعقل الْأَحْكَام
ولديه فِي علم الْكَلَام جَوَاهِرغر يحار لحسنها النظام
من للزمان وَكَانَ طول حَيَاتهألليل يحيى وَالنَّهَار يصام
من للعفاة وللعناة وَهل لَهُممن بعد فِي ذَاك الْمقَام مقَام
كَانَت لَهُم مِنْهُ عواطف مُشفقفَمضى فهم من بعده أَيْتَام
إِن يخل مِنْهُم بَابه فلطالماعاينته وَلَهُم عَلَيْهِ زحام
وذوو الْحَوَائِج مَا أَتَوْهُ لحادثإِلَّا ونالوا عَنهُ مَا قد راموا
يلقاهم بشر يبشرهم بِمَاقصدُوا من الْحَاجَات وَهِي جسام
من للطريد وَهل لَهُ من بعدهيَوْمًا من الدَّهْر الذميم ذمام
فجعت بِهِ الدُّنْيَا فَإِن لم تصفمن أكدارها يَوْمًا فَلَيْسَ تلام
فعلام يبقي الطّرف فِيهِ بَقِيَّةأيروم أَن يرد الجفون مَنَام
أَو أَن يصون الدمع كي يطفي الجوىولناره بَين الضلوع ضرام
أَو أَن يكون ذخيرة هَيْهَات مَالملمة من بعْدهَا إيلام
هَذَا الَّذِي عفنا الْمضَاجِع خشيَةمن أَن تخيله لنا الأحلام
فعلام نجزع للحوادث مَا اشتهتمن بعده فلتفعل الْأَيَّام
بتنا نودعه وَقد جَاءَتْهُ مندَار السَّلَام تَحِيَّة وَسَلام
ونقوم إجلالاً لَدَيْهِ وَلم نخلأَن الْمَلَائِكَة الْكِرَام قيام
)
وأتته من خلع الْقبُول ملابسشرفت فَلَيْسَ ترى وَلَيْسَ ترام
فليهنه الدَّار الَّتِي لنعيمهافِيهَا إِذا زَالَ النَّعيم دوَام
دَار لَهُ فِيهَا السرُور مُحَقّقلَا كالحياة فَإِن تِلْكَ مَنَام
حييّ الحيا زَالَ الزَّمَان فَإِنَّهُللأنس بل للمكرمات ختام
وَسَقَى العهاد عهوده فَإِذا ونىفالدمع إِن ضن الْغَمَام غمام
إِن كَانَ عاندنا الزَّمَان بفقدهفَلهُ بِمن أبقى لنا إنعام
أَو غالنا فِي الشَّمْس وَهِي منيرةفَلَقَد سخا بالبدر وَهُوَ تَمام
نجم بِهِ ألف الْهدى وبنورهعَادَتْ وُجُوه الدَّهْر وَهِي وسام
أبقى لنا مِنْهُ الزَّمَان بَقِيَّةأثنى عَلَيْهِ بِتَرْكِهَا الْإِسْلَام
شرف الْقَضَاء بِعِلْمِهِ وتشرفتبِوُجُودِهِ الْأَحْكَام والحكام
وَبِه علينا الدَّهْر لما أَن مضىمِنْهُ إِمَام قَامَ مِنْهُ إِمَام
حسن الزَّمَان بِهِ فألفت جيدهماضي الدهور وحنت الأعوام
وَلكم عدت من زلَّة وفريضةهذي تقال بِهِ وَتلك تُقَام
من دوحة شرفت وَكم فرع بهَازاك تَأَخّر عَنهُ وَهُوَ إِمَام
من كَانَ فِي حجر الْعُلُوم وطالماسبق الكهول تقاه وَهُوَ غُلَام
مولَايَ نجم الدّين دَعْوَة من غَداالصَّبْر الْجَمِيل عَلَيْهِ وَهُوَ حرَام
طلب عَن أَبِيك فدتك نَفسِي إِنَّهولى وَلم تعلق بِهِ الآثام
فلمثل هَذَا كَانَ يتعب نَفسهاللَّيْل ذكر وَالنَّهَار صِيَام
لكم الكرامات الجليلات الَّتِيلَا يَسْتَطِيع جحودها الأقوام
فِي وَقت دفن أَبِيك هبت نسمَةفِي طيها كلف بِهِ وغرام
إِن لم يكن روح الْجنان فقبلهامَا طَابَ من لفح الهجير مقَام
فَاسْلَمْ وَدم تحيى المآثر والعلىمَا ناح فِي فرع الْأَرَاك حمام
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع