من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
أَبُو الْقَاسِم بن بابك
عبد الصَّمد بن مَنْصُور بن بابك أَبُو الْقَاسِم الشَّاعِر الْمَشْهُور بغداذي محسن مجيد القَوْل لَهُ ديوَان كَبِير طوف الْبِلَاد ومدح الْكِبَار وَتُوفِّي سنة عشر وَأَرْبع مائَة ومدح عضد الدولة والصاحب بن عباد وَغَيرهمَا وملكت ديوانه وَهُوَ فِي مجلدة وَاحِدَة بِخَط ضِيَاء الدّين أبي الْحسن عَليّ بن خروف النَّحْوِيّ المغربي
من شعره قَوْله الْبَسِيط
أحببته أسرد الْعَينَيْنِ والشعرهفِي عينه عدَّة للوصل منتظره
لدن الْمُقَلّد مخطوف الحشا ثملاًرخص الْعِظَام أَشمّ الْأنف والقصره
للظبي لفتته والغصن قتلتهوَالرَّوْض مَا بثه والرمل مَا ستره
تكَاد عَيْني إِذا خاضت محاسنهإِلَيْهِ تشربه من رقة البشره
حَتَّى إِذا قلت قد أمللتها شرهتشوقاً إِلَيْهِ وَفِي عين الْمُحب شَره
أدنى إِلَيّ فَمَا أعطَاهُ ريقتهطير يفِيض على أعطافه جبره
مزنر لم تنصره شمامسةوَلَا ارجحنت إِلَى أنصابه الكفره
فاءت عَليّ غصون من ذؤابتهكَمَا تفيء على غزلانها السمره
نبهته وَسنَان الْفجْر معترضوَاللَّيْل كالبحر يخفي لجه درزه
فَقَامَ يكسر من أجفانه وسناًودمعة الدل من عَيْنَيْهِ معتصره
نشوان يسرق لين البان خطرتهمبلبل الخطو والأعطاف والبشره
فِي كَفه خمرة تترو فواقعهاكَمَا تدوم فَوق الْجَمْرَة الشرره
مَا زَالَ يسحرني لحظاً وأسحرهلفظا فَيَسْبق سيلي فِي الْهوى مطره
وَفِي الصبابة لَاحَ والسلو أَخوَالشعر يلقف مَا تَأتي بِهِ السحره
ثمَّ اكتحلنا بأوشال الدُّمُوع كَمَاتقرطت برذاذ المزنة الشجره
يجني ويغضب وَالْإِقْرَار من شيميوللمحب ذنُوب غير مغتفره
)
كَذَا الزَّمَان وَلَكِنِّي أماثلهذَنبا بذنب ولي من دونه الخيره
وَمِنْه الْكَامِل
سحر الْعرَاق ونعرة الندمانحبسا على خلع العذار عناني
يَا حبذا ضعف النسيم إِذا ونىوتحرش الأغصان بالأغصان
أرج تخنث حِين حمشه الندىفاختال فِي عذب من الريحان
أَيَّام تذكرني القدود وفتلهاري تردد فِي غصون البان
فِي شاطئي وَاد تطرف رَملَةخضراء يفحصها الربَاب الداني
فالريح تعثر فِي برود رياضهاوَالْمَاء يمشي مشْيَة السَّكْرَان
سيل يبرح بالشعاب أتيهويكب سدر القاع للأذقان
وَاد ترفعه الْجنُوب إِذا جرتعنقًا ويخضع للنسيم الواني
وَمِنْه الْبَسِيط
هَذَا الصَّباح وكفي فِي يَد الساقيتجلى وَقد قَامَت الدُّنْيَا على سَاق
فَمن جني على زير يخاطبهوَمن رشوف لريق الناي ذواق
وَمن مكب كَأَن الْبَدْر فِي يَدهيجلوه مَا بَين إرعاد وإبراق
نملي عَلَيْهِ مَزَامِير اللحون يَدتمشي أناملها فِي رق وراق
كَأَنَّهُمْ وَالصبَا تستن فَوْقهمحمائم السدر لم توسم بأطواق
وراقصاً ينثني تيهاً فتحسبهغصناً من البان لم يستر بأوراق
كَأَن أعضاءه والرقص يزعجهاتصفيق ريش جنَاح الطَّائِر الراقي
وَمن ندامى إِذا اشتدت مدامتهمشجت بِمَاء من النونين رقراق
كَأَنَّمَا هامهم وَالسكر يسندهاإِلَى المناكب لم تدعم بأعناق
لم يبْق مِنْهُم زجاج الراح دَائِرَةإِلَّا حشاشة أنفاس وأرماق
وتعسة كلما زارت أَخا شجنجَاءَت بطيف من الْحَسْنَاء طراق
هَذَا مراحي وشيب الراس مشتغلوالمستهام لسيغ مَاله راق
وَمِنْه مجزوء الوافر
بَدَت بالجزع ذِي الضالهفغال الْقلب مَا عاله
)
وهز الْمَشْي مِنْهَا بانه خضراء مياله
مشت فوشت بهَا ريحعلى الأحباب دلاله
كَأَن بجيبها قمراًلَهُ من ثغرها هاله
على غُصْن يجاذب رَملَة عرفاء منهاله وَفِي أَمْثَال ذَات الْخَال يَعْصِي الصب عذاله
تراءت لي وَقد قطعتكثيب الرمل مختاله
فَلَمَّا عرجت هَاجَتْلضيف الشوق بلباله
وَكَانَت نبعة الرَّامِيوَإِن لم تَكُ قِتَاله
وَأعْرض دونهَا دمعتخوض الْعين أوشاله
أغيضه مسارقةويأبى الوجد إمهاله
فتؤت بثقل مَا وزرت وَنَفس الصب حماله
وَقَامَ بذنبها عُذْريفنال الْوَصْل من ناله
تراح عَليّ خرطومكعين الديك سلساله
ونم الْفجْر بالصبحفزم اللَّيْل أجماله
وَمِنْه الْبَسِيط
زمر الْغُرُوب وأصوات النواعيروَالشرب فِي ظلّ أكواخ المناظير
أشهى إِلَيّ من الْبَيْدَاء أعسفهاوَمن طُلُوع الثنايا الشهب والقور
وصرعة بَين إبريق وباطيةونعرة بَين مزمار وطنبور
يَا رب يَوْم على القاطول جاذبنيصبح الزجاجة فِيهِ فضلَة النُّور
صدعت طرته وَالشَّمْس قَاصِرَةفِي يلمق من ضباب الدجن مزرور
كَأَن مَا انحل من هداب مزنتهدمع تساقط من أجفان مهجور
فَمن رشاش على الريحان مقتحموَمن رذاذ على المنشور منثور
أجلت سحابته عَن فتية درجوافِي ملعب من جناب الْعَيْش معمور
نَامُوا فنبههم قَول السقاة لَهُمهبوا فقد صفرت فصح الزرازير
فَهَب كل كسير الطّرف منخزليطوي معاطفه طي الطوامير
)
يسْعَى إِلَيْهِ بهَا هيف القنا هضمعض المآزر من خور المقاصير
مزنرات على لف معاقدهاتكَاد تنْبت من تَحت الزنانير
فَمن قدود كأطراف القنا قصفوَمن خصور كأوساط الزنانير
فَفِي المروط غصون فِي نقا دمثوَفِي الْجُيُوب وُجُوه كالدنانير
تجميشنا مثل حسو الطير مختلس خوفًا وتقبيلنا نقر العصافير
تحكي أباريقنا طيراً على خلجعوجا حلا قيمها حمر المناقير
فَلَو رَأَيْت كؤوس الراح دَائِرَةفِي كف كل طليق الْبشر مسرور
صهباء يرعشها طوراً وترعشهكَأَنَّهَا قبس فِي كف مقرور
وَلَو تهزجت الأوتار باغمةلَقلت للْأَرْض من طيب الْغِنَا سيري
وَمِنْه الْكَامِل
شفق يحف بِهِ الظلام فشمسهكالخد سَالَ عَلَيْهِ خطّ عذار
وَاللَّيْل فِي بدد الرذاذ كَأَنَّهُكحل يكاثر صوب دمع جَار
حَتَّى تجاذبت الصِّبَا هدابهوذكا ذبال الْكَوْكَب الغرار
وافتر عَن فجر كَأَن نجومهشرر يطيش على لِسَان النَّار
وَكَأن حوذان الأنيعم سحرةنشز أناف عَلَيْهِ سرب صوار
وَمِنْه الوافر
وهات الكأس أرعشها مزاجاًإِذا دارت وترعشني خمارا
إِذا انعطفت يَد الساقي عَلَيْهَاحسبت عَلَيْهِ من ورس صدارا
إِذا ابتسمت أرتك هِلَال فطرتضاءل طوقه ثمَّ استدارا
لَهُ فِي حمرَة لشفق التواءكَمَا ألقيت فِي النَّار السوارا
كَأَن سقاتها أَبنَاء وترأَصَابُوا من عقول الشّرْب ثارا
وَمِنْه يصف بطيخاً السَّرِيع
جماجم أعضاؤهم ألسنلَكِنَّهَا معقولة بالخرس
تجمعت تكْتم أسرارهاففرقتها مدية كالقبس
فصلها الْقطع فَمن حزهكحاجب الشَّمْس بعيد الْغَلَس
)
وحزة كالنون ممشوقةكَأَنَّهَا موطئ نعل الْفرس
يجْرِي لعاب النَّحْل فِي نحرهاوَظَاهر الْجلْدَة قاع يبس
وَمِنْه الوافر
وأطلال خواشع شاخصاتكَأَن رسومهن نصول نقش
وجاثمة من الأنصاب ورقكَأَن ثلثهن حمام عش
ونؤي كالقلادة أَو كممشىشُجَاع الرمل ساور ضَب حرش
وَمِنْه الوافر
على وَاد كَأَن ريَاح نجدخلعن عَلَيْهِ أبدان الدروع
إِذا ريح اقشعر كَمَا استطارتلمس الْخَوْف أحشاء المروع
تنصب فِيهِ أَغْصَان الخزامىكَمَا انتصبت أنابيب الشموع
إِذا رقَّ النسيم بشاطئيهوأصغى الْعود إصغاء السَّمِيع
تنفض لُؤْلُؤ الأنداء فِيهِكَمَا لجت أساريع الدُّمُوع
يُدِير النرجس المبهوت فِيهِعيُونا لم تذق طعم الهجوع
يكفر للنسيم إِذا ثناهكَمَا هم الْمُصَلِّي بِالرُّكُوعِ
وَمن شعر ابْن بابك وَفِيه غوص الْكَامِل
وغدير مَاء أفعمت أَطْرَافهكالدمع لما ضَاقَ عَنهُ مجَال
قمر الرياض إِذا الغصون تعدلتوَإِذا الغصون تهدلت فهلال
وَمِنْه الْبَسِيط
وافى الشتَاء فبز النُّور بهجتهفعل المشيب بِشعر اللمة الرجل
ورد تفتح ثمَّ ارْتَدَّ مجتمعاًكَمَا تجمعت الأفواه للقبل
قلت أَخذه مجير الدّين بن تَمِيم فَقَالَ وَزَاد فِيهِ التَّضْمِين الْكَامِل
سبقت إِلَيْك من الحديقة وردةوأتتك قبل أوانها تطفيلا
طمعت بلثمك إِذْ رأتك فَجمعتفمها إِلَيْك كطالب تقبيلا
وَهَذَا التَّضْمِين من بَيت لأبي الطّيب فِي وصف النَّاقة وَهُوَ الْكَامِل
وَتغَير فِي جذب الزِّمَام لقلبهافمها إِلَيْك كطالب تقبيلا
)
فنقله إِلَى ذكر زر الْورْد فَأحْسن كل الْإِحْسَان
وَمن شعر ابْن بابك يصف زِمَام النَّاقة وَهُوَ معنى جيد الْكَامِل
وَلَقَد أتيت إِلَيْك تحمل بزتيحرف يسكن طيشها الذألان
يَنْفِي الزَّفِير خطامها فَكَأَنَّهُغَار يحاول نقبه ثعبان
قلت وَفِيه زِيَادَة كَثِيرَة على قَول أبي الطّيب وَقد ذكر الْخَيل الطَّوِيل
تجاذب مِنْهَا فِي الصَّباح أَعِنَّةكَأَن على الْأَعْنَاق مِنْهَا أفاعيا
وَمن شعر ابْن بابك الْكَامِل
طعن تكلل بالضراب كَأَنَّهُزج الحواجب فَوق نجل الْأَعْين
هُوَ مثل قَول ابْن نباتة السَّعْدِيّ الطَّوِيل
خرقنا بأطراف القنا فِي ظُهُورهمْعيُونا لَهَا وَقع السيوف حواجب
وَمن شعر ابْن بابك يصف السيوف والدماء الطَّوِيل
قواطع من مَاء الْحَدِيد كَأَنَّهَابقايا سيول أسلمتها المقاصل
تعطب فِي نضح الدِّمَاء شفارهاكَمَا اعتنقت تَحت الشَّقِيق الجداول
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع