من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
رشيد الدّين الفارقي
عمر بن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود بن سعد بن سعيد بن أبي الْكَتَائِب الأديب العلاّمة رشيد الدّين أَبُو حَفْص الرَّبعي الفارقي الشَّافِعِي ولد سنة ثمانٍ وَتِسْعين وَخمْس مائَة وَتُوفِّي سنة تسع وَثَمَانِينَ وست مائَة
سمع جُزْء البانياسي من الْفَخر بن تيميَّة ظهر لَهُ بعد مَوته وَسمع من ابْن الزَّبيدي وَابْن باقا
وبرع فِي النّظم وَكتب فِي ديوَان الْإِنْشَاء عِنْد صَاحب مَيّافارقين وَعبد النَّاصِر يُوسُف ومدح السخاوي بقصيدة مليحة ومدحه السخاوي أَيْضا وَله يَد طولى فِي التَّفْسِير والبديع واللغة وانتهت إِلَيْهِ رئاسة الْأَدَب ووزَر وتقدّم وَأفْتى وناظر ودرَّس بالظاهريّة وَانْقطع بهَا وَله فِي النَّحْو مقدمتان كبرى وصغرى وَكَانَ حُلْو المناظرة مليح النادرة يُشَارك فِي الْأُصُول والطبّ وَغير ذَلِك ودرَّس بالناصريَّة مُدَّة قبل الظاهريَّة وروى شعره الدمياطي وَرَضي الدّين بن دَبُّوقا وَأَبُو الحجّاج المِزّي والبِرزالي وَآخَرُونَ وَكتب الْمَنْسُوب وانتفع بِهِ جمَاعَة وخُنق فِي بَيته بالظاهرية وأُخذ ذهبُه ودرَّس بعده عَلَاء الدّين ابْن بنت الأعَزّ نقلتُ من خطِّ شهَاب الدّين القوصي فِي مُعْجَمه قَالَ أَنْشدني لنَفسِهِ وَكتب بهما إِلَى الْوَزير جمال الدّين عَليّ بن جرير إِلَى قَرْيَة القاسمية على يَد راجل اسمُه عليٌّ أَيْضا
حسدتُ عليًّا على كَونهتَوجَّه دوني إِلَى القاسميَّهْ
وَمَا بِي شوقٌ إِلَى قريةٍولكنْ مراديَ ألْقى سَمِيَّهْ
قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ وَكتب بهما إِلَى شيخ الشُّيُوخ عماد الدّين عمر بن حَمُّويَه
من غَرْسِ نعْمَته وناظمِ مدحِهِبَين الوَرَى وسَميِّه ووَليِّهِ
يشكو ظماه إِلَى السَّحاب لعلَّهيرويهِ من وَسْميِّهِ ووليهِ
قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ وَقد رَآنِي أتكلّم مَعَ شمس الدّين قَاضِي الْقُضَاة ابْن سنيِّ الدولة
كلُّ شهابٍ يغيبُ عِنْد طلوعِ الشمسِ إلَاّ الشهابَ من قوصِ
وَهُوَ إِذا أشكلت مسائلناقاضٍ وَفِي الحكم غيرُ منقوصِ
قَالَ وأنشدني لَهُ وَقد أُنكر عَلَيْهِ تطويله فِي قصيدةٍ مدح بهَا الْأَشْرَف
لقد اختصرتُ مديحَ مُوسَى عَالماأنَّ البليغ وَإِن طَال مُقَصِّرُ
)
لَكِن تأرَّجَ مدحُه فحسبتُهوردا ونفعُ الْورْد حِين يُكَرَّرُ
قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ وَكتب بهما إِلَى محيي الدّين بن الزكي
قَالُوا جفاك الإمامُ يحيىوأنتَ فِي حبِّه مُغالي
فقلتُ إِن بَاعَنِي رخيصاًفإنَّني أشتريه غالي
قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ
خَوْدٌ تجمَّع فِيهَا كلُّ مُفْتَرِقٍمن الْمعَانِي الَّتِي تستغرق الكَلِما
عطتْ غزالاً سطتْ ليثاً خطتْ غُصُناًفاحتْ عبيراً رنتْ نَبْلاً بدتْ صَنَما
قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ
رأيتُ شِعريَ فِي الشِّعْرَى بمدحتهِلأنَّ مَدحِيهِ عُلوِيٌّ إِذا نُظما
أَضَاء شمساً بدا بَدْرًا علا فلكاًسما هلالاً نمى نجماً همى دِيَما
قَالَ وأنشدني لنَفسِهِ وَقد عَاده فَخر الدّين عُثْمَان الكاملي
قرَّتْ عيونُ العائدين لأنَّهانظرتْ إِلَى عثمانَ ذِي النُّورينِ
نورٌ بعينٍ لم تزل تستحقر الدنيا ونورٌ قُرَّةٌ للعينِ
قَالَ وأنشدني لَهُ فِي الْوَزير عليّ بن جرير
إنَّ عليًّا خطبتْه العُلىمن بَعْدَمَا هامت بِهِ حينا
كُفءٌ إِذا استرسل فِي فعلهوَقَوله لم يخشَ تلحينا
قَالَ وأنشدني لَهُ وَكتب بهَا إِلَى ابْن جرير وَقد فوَّض إِلَيْهِ المُنَيْبع
فديتُ بناناً أَرَانِي النَّدىعِياناً وَكَانَ النَّدى يُسمعُ
وكفًّا حكى البحرَ جوداً ومِنأنامله صحَّ لي المنبعُ
قَالَ وأنشدني لَهُ فِي الرضي بن الخَشْخاشي
مازحتُه وحسبتُ فِيهِ رزانةًونسيتُ نسبتَه إِلَى الخَشخاشِ
قَالَ وأنشدني لَهُ وَكتب بهَا إِلَى المكرَّم بن بُصاقَةَ
يَا جواداً جودُ رَاحَتهأغنتِ الدُّنْيَا عَن الدِّيَمِ
ووفيًّا من سجيَّتهِرَعْيُ أهلِ الوُدِّ والذِّممِ
إنِّني أصبحتُ ذَا ثقةٍبكريمٍ غيرِ متَّهمِ
)
خُصَّ بِالْحَمْد اسْمه وَغدا النعتُ مشتقًّا من الكرمِ
قَالَ وأنشدني لَهُ مُلغزاً فِي الْخَيْمَة
مَا اسمٌ إِذا نصبتهُرَفعتَ مَا يُنصبُ بهْ
وَلَا يتمُّ نصبهُإلَاّ بجرِّ سببهْ
قَالَ وأنشدني مُلغزاً فِي السَّبْسَب
مَا اسمٌ إِذا عكستهُفَذَلِك اسمٌ للفلا
وَإِن تركتَ عكسهُفَهُوَ المسمَّى أوَّلا
قَالَ وأنشدني لَهُ
أُعيذُك ذَا المجدِ المؤثَّلِ أَن يُرىجنابكَ منِّي ضيِّقاً وَهُوَ واسعُ
وأعجبُ مَا حُدِّثْتُهُ حِفظكَ العُلىومثليَ فِي أَيَّام مثلكَ ضائعُ
لَئِن مطرتني من سجاياكَ مُزنةٌحكتْ لي أرضي كَيفَ تزكو الصنائعُ
قلتُ وَمن نظم الفارقي أَيْضا
إنَّ فِي لحظِكَ معنىحدَّثَ النرجسُ عنهُ
ليتَ من جفنيك لي سهمَا فَفِي قلبيَ منهُ
وَله اللغز الْمَشْهُور وَهُوَ
مَا اسمٌ ثلاثيُّ الْحُرُوف فثلثُهمِثْلٌ لَهُ والثلثُ ضِعْفُ جميعهِ
والثُّلثُ الآخر جوهرٌ حَلَّتْ بِهِالْأَعْرَاض جمعا فاعجبوا لبديعهِ
وَهُوَ المثلَّث جذرُه مِثلٌ لَهُوَإِذا يُربَّعُ بَان فِي تربيعهِ
جزءٌ من الفَلَكِ العليِّ وإِنَّمابَاقِيه خوفٌ فِي أمانِ مَرُوعهِ
حيٌّ جمادٌ ساكنٌ متحرِّكٌإِن كنتَ ذَا نظرٍ إِلَى تنويعهِ
وتراه مَعَ خُمسيه علَّةُ كَونهمعلولةٌ سرًّا لغير مُذيعهِ
وَبِغير خمسيه جميعُ النَّحْو موجودٌ ومحمولٌ على موضوعهِ
وبحاله فعلٌ مضى مُسْتَقْبلاحُمدتْ صناعتهُ لحمد صنيعهِ
قيدٌ لمطلقه خُصوصُ عمومهِزيدٌ لمفردهِ على مجموعهِ
شيءٌ مقيمٌ فِي الرحيل وممكنٌكالمستحيل بطيئهُ كسريعهِ
)
وأهمُّ مَا فِي الدِّين وَالشَّرْع اسمهُومضافهُ بأصوله وفروعهِ
ودقيقُ مَعْنَاهُ الجليلِ مناسبٌعلمَ الْخَلِيل وَلَيْسَ من تقطيعهِ
وَإِذا عَروضيٌّ تطلَّبَ حَلَّهألفاه فِي المفروق أَو مجموعهِ
وَإِذا يرصِّعُه بدُرِّ فريدهِعِقداً يزينُ الدُّرَّ فِي ترصيعه
للمنطقي وللحكيم نتاجهوعلاجه بذهابه ورجوعهِ
وَله شعارٌ أشعريٌّ واعتقادٌ حنبليٌّ فاعجبوا لوقوعهِ
وتمامُه فِي قَول شَاعِر كندةٍمَا حافظٌ للْعهد مثلَ مضيعهِ
يرويك فِي ظمإٍ بدا بورودهويُريك فِي ظُلَمٍ هُدًى بطلوعهِ
وَلَقَد حللت اللغز إِجْمَالا وَفِيتَفْصِيله تفصيلُ روضِ ربيعهِ
فاسْتَجْلِ بِكراً من وليٍّ بالحُلىيهدي لكُفْءِ الفضلِ بينَ رُبوعهِ
وحلَّه العلاّمة تقيُّ الدّين رَحمَه الله تَعَالَى فِي علم وَأجَاب عَنهُ بِمِائَة بَيت تَقْرِيبًا وأوَّلها
بغزيرِ علمٍ وافتنانٍ واسعٍألغزتَ علما فِي فنونِ وسيعهِ
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع