من «الوافي بالوفيات» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
ابْن الشجري
ماذا روى «الوافي بالوفيات» عن ابن الشجري البغدادي؟
هبة الله بن عَليّ بن مُحَمَّد بن حَمْزَة الشريف أَبُو السعادات الْعلوِي الحسني ضِيَاء الدّين الْمَعْرُوف بِابْن الشجري كَانَ إِمَامًا فِي النَّحْو واللغة وأشعار الْعَرَب وأيّامها وَأَحْوَالهَا كَامِل الْفَضَائِل متضلعاً من الْأَدَب صنف فِيهِ عدَّة تصانيف ولد سنة خمس وَأَرْبَعمِائَة لَهُ كتاب الأمالي وَهُوَ أكبر تآليفه وأكثرُها فَائِدَة أملاه فِي أَرْبَعَة وَثَمَانِينَ مَجْلِسا وَهُوَ يشْتَمل على فَوَائِد جمة من فنون الْأَدَب وختَمه بمجلسٍ قَصَرَه على شعر أبي الطيّب تكلم عَلَيْهِ وَذكر مَا قَالَه الشُرّاج وَزَاد مِن عندِه مَا سَنَحَ لَهُ وَهُوَ من الْكتب المُتممِة وَلما فرغ مِنْهُ حضر إِلَيْهِ أَبُو مُحَمَّد عبد الله بن الخشاب وَأَرَادَ سماعَه فَمَا أَجَابَهُ فعاداه ورد عَلَيْهِ فِي مَوَاضِع من الْكتاب وَنسبه فِيهَا إِلَى الْخَطَأ فَوقف عَلَيْهِ الشريف أَبُو السعادات ورد عَلَيْهِ فِي ردة وبيّن وُجُوه غلطِهِ وجمعَه كتابا سَمَّاهُ الِانْتِصَار وَهُوَ على صِغَر حجمه مفيدٌ جدا وسمِعه عَلَيْهِ النَّاس وَجمع
كتابا سَمَّاهُ الحماسة وَله فِي النَّحْو عدَّة تصانيف وَكَانَ حَسَن الْكَلَام حُلوَ الْأَلْفَاظ جيد الْبَيَان والتفهم وَقَرَأَ الحَدِيث بِنَفسِهِ على جماعةٍ مثل أبي الْحسن الْمُبَارك بن عبد الْجَبَّار بن أَحْمد بن الْقَاسِم الصَيرفي وَأبي عَليّ مُحَمَّد بن سعيد بن سهلٍ الْكَاتِب وَغَيرهمَا وَقَالَ ابْن الْأَنْبَارِي فِي مَنَاقِب الأدباء إنّ الْعَلامَة أَبَا الْقَاسِم مَحْمُود الزَّمَخْشَرِيّ لما قدِم بَغْدَاد قاصدِ الحجّ فِي بعض أَسْفَاره مضى إِلَى زِيَارَة شَيخنَا أبي السعادات بن الشجيري ومضينا إِلَيْهِ مَعَه فلمّا اجْتمع بِهِ أنْشدهُ قَول المتنبّي
وأستكبر الْأَخْبَار قبل لِقَائِهفَلَمَّا الْتَقَيْنَا صَغّرَ الخبرَ الخُبرُ
ثمَّ أنْشدهُ بعد ذَلِك
كَانَت مُساءَلة الرّكبان تُخبِرنيعَن جَعْفَر بن فلاح أحسن الخبرِ
)
ثمَّ الْتَقَيْنَا فَلَا وَالله مَا سمعَتأُذني بأحسنَ ممّا قد رأى بَصَري
فَقَالَ الْعَلامَة الزَّمَخْشَرِيّ رُوي عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ لمّا قدِم عَلَيْهِ زيد الْخَيل يَا زيد مَا وُصِف لي أحدٌ فِي الْجَاهِلِيَّة فرأيته فِي الْإِسْلَام إِلَّا رَأَيْته دون مَا وُصف لي غَيْرك قَالَ فخرجنا من عِنْده وَنحن نعجب كَيفَ يستشهد الشريف بالشعر والزمخشري بِالْحَدِيثِ وَهُوَ رجل أعجمي وَكَانَ أَبُو السعادات نقيب الطالبيّين بالكرخ نِيَابَة عَن أَبِيه الطَّاهِر
وَمن شعره
هَل الوجد خافٍ والدموع شهودُوَهل مُكذبٌ قَول الوشاة جحودُ
وحنى مَتى تفني شؤونك بالبُكاوَقد خَدّاً للبُكاء لَبِيد
وغني وَإِن أحنَت قناتيَ كَبرَةٌلَذوِ مِرّةٍ فِي النائبات جليد
وَمن شعره يمدَح الْوَزير نظام الدّين المظفر بن عَليّ بن مُحَمَّد بن جَهيرٍ
هذي السُّدَيرَة والغديرُ الطافحُفاحفَظ فؤادكَ إننّي لَك ناصحُ
يَا سِدرَةَ الْوَادي الَّذِي إِن ضلّه الساري هادهُ نشرُك المتفاوِج
هَل عَائِد قبلَ المَماتِ لمُغرَمٍعيشٌ تقضَّى فِي ظِلالك صَالح
مَا أنصفَ الرشأُ الضنينُ بنظرةٍلما دَعَا مُصغي الصبابة طامح
شَطَّ المزارُ بِهِ وبُوِّيء منزلابصميم قَلْبك فَهُوَ دانٍ نازح
غصنٌ يعطفّه النسيمُ وفوقهقمرٌ يحُفُّ بِهِ ظلامٌ جانح
وَإِذا العيونُ تساهمًته لحاظُهالم يروَ مِنْهُ الناظرُ المتراوح
وَلَقَد مَرَرْنَا بالعقيقِ فشاقنافِيهِ مَراتعُ للمَها ومَسارح
ظَللنا بِهِ نبكي فكم من مضمِرٍوجدا أذاع هَوَاهُ دَمعٌ سافح
مَرَتِ الشؤونَ رسومُها فَكَأَنَّمَاتِلْكَ العِراصُ المُقفِراتُ نواضح
يَا صاحبيَّ تأملا حُيّيتُماوسَقَى دياركما الملِثُّ الرَّائِح
أدْمى بَدَت لعيوننا أم رَبربٌأم خُرَّدٌ أكفالهن رواجح
أم هَذِه مُقَل الصُوارِ رَنَت لناخَلَلَ البراقع أم قَنا وصفائح
لم تبْق جارحةٌ وَقد واجَهتناإلاّ وهنَّ لَهَا بِهن جَوانح
كَيفَ ارتجاعُ القلبِ من أَسرِ الْهوىوَمن الشقاوة أَن يُراضَ القارح
)
لَو بلَّه من ماءِ ضارجَ شَربةٌمَا أثرتِ لِلوجد فِيهِ لوامح
وَقَالَ
لَيْلَة الرملِ جدَّدَت لي وِصالازار فِيهَا خيال سُعدَى خيالا
صَاح رِفاً فطائر الْبَين قد صاحَ وَقد أزمعَ الخليطُ ارتحالا
عَلِقَ القلبُ من عقائل كعبٍبالأَثيلات كاعباً مِكسالا
مُملياتُ الغرام لفظا ولحظاًوابتساماً وفترةً ودلالا
لَو تراءت لنا بِلُحَّةِ ليلٍلَغَنِينا أَن نستضيء الذُّبالا
ليتَ شِعري يومَ الْوَدَاع ألحظاًنتقي مِن عيونها أم نصالا
أورث الْحَارِث بن ظالمٍ الفتكَعيُونا أغرت بِنَا البلبالا
لَو رَآهَا البَراضُ أحجم لمّاجَلّلَ السيفَ عُروةَ الرحّالا
يَا خَليلي مَا تَ لي بخليلٍإِن أَعَرتَ المسامِعَ العُذالا
وَفِي ابْن الشجيري هَذَا يَقُول أَبُو مُحَمَّد الْحسن بن أَحْمد بن مُحَمَّد بن جكِّينا يهجوه
يَا سيّدي وَالَّذِي يُعِيذُك مننَظم قريضٍ يَصدى بِهِ الفِكرُ
مَا فِيك من جَدِّك النبيّ سِوَىأَنَّكَ لَا يَنبغي لَك الشِّعر
وَكَانَ ابْن الشجري قد قَرَأَ على أبي المعمَّر بن طبابا الْعلوِي وَابْن فضّال الْمُجَاشِعِي وَأبي جعفرٍ سعيد بن عَليّ السلالي الْكُوفِي وَأبي زَكَرِيَّاء التبريزي وممّن قَرَأَ عَلَيْهِ عَلَيْهِ الشَّيْخ تَاج الدّين أَبُو اليُمن الْكِنْدِيّ وَحضر ابْن الشجري عِنْد نقيب النُّقَبَاء الْكَامِل طرادِ بنِ محمدٍ الزَّيْنَبِي فِي يَوْم هَناءٍ وَقد حضر عِنْده جمَاعَة من الهاشميين والعلويين فَقَالَ لَهُ طرّاد يَا شريفُ مَا وُرّخ عَن علويّ أَنه كَانَ لَهُ حَلقَة فِي جَامع الْمَنْصُور يدرّس فِيهَا إلاّ لَك فَقَالَ
مُسرِعاً يَا سيّدَنا وَلَا وُرِّخَ أنّ علوياً يَقُول معاويةُ خالُ عليٍّ غَيْرِي فأعجب الْحَاضِرين حُسنُ جَوَابه وَقيل لَهُ قد كتبُوا على عَقد السمّاكين بالكرخ مُحَمَّد وَعلي خيرُ البشرِ فَقَالَ صدّقوا هَذَا قَسَمٌ عَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَن النَّبِي ﷺ ومُتِّع بجوارحه إِلَى أَن مَاتَ قَالَ ابْن خلكان وشجرة قريةٌ من أَعمال الْمَدِينَة وشجرة اسْم رجل وَقد تسمّت بِهِ العَربُ ومَن بعْدهَا وَقد انتسب إِلَيْهِ خلق كثيرٌ من الْعلمَاء وَلَا أَدْرِي إِلَى من يُنسَب الشريف الْمَذْكُور هَل نِسبته إِلَى الْقرْيَة أَو إِلَى أحد أجداده كَانَ اسْمه شَجَرَة قلت قَالَ بَعضهم إِنَّه كَانَت فِي دَارهم شَجَرَةٌ لَيْسَ فِي الْبَصْرَة)
غَيرهَا وَالله أعلم
النص من طبعة دار إحياء التراث ببيروت (١٤٢٠هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع