من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
إبراهيم بن محمود بن سلمان بن فهد الحلبي
القاضي الرئيس الكاتب البليغ جمال الدين أبو إسحاق كاتب السر الشريف بحلب، أحد من كتب المنسوب الفائق، وأبرزه وهو أتقى من الأحداق، وأنقُ من الحدائق، كأنه طروسه خمائل، وسطوره أعطافُ غيد موائل، لا يشبع الناظر من تأملها، ولا تشكو القلوب من تحملها وتجملها، وإلى أخلاقٍ يتعلم
منها نسيم الصبا، وتثني عليها النفحاتُ من زهر الربا، ومفاكهةٍ ألذ من مسامرةً الحبيبِ، وأشهى من التشفي بأذى الحسود والرقيب.
وكان يستحضر كثيراً من شعر المتأخرين، وتراجم أهل الآداب والصلاح من المعاصرين، وله نظم يروق ونثر يفوق.
ولم يزل يتولى ويعزل من كتابة السر، ويفعل ما تصل إليه مقدرته من البر، إلى أن حل به الحين، واتخذ له من باطن الأرض أين.
وتوفي رحمه الله تعالى في يوم عرفة سنة ستين وسبع مئة.
ومولده سنة ست وسبعين وست مئة في شعبان.
وكان قد توجه مع والده إلى الديار المصرية، وباشر هناك كتابة الإنشاء، وسمع من الأبرقوهي وغيره في ذلك العصر، وكان القاضي علاء الدين بن الأثير يألف به ويأنس ويركن إليه، ولما عزل القاضي عمادُ الدين بن القيسراني من كتابة سر حلب: جهز القاضي جمال الدين إليها، فأقام بحلبَ قريباً من ست عشرة سنة، وعزله الملك الناصر محمد بن قلاوون بتاج الدين ابن زين.
حضر في واقعة لؤلؤ مع الحلبيين سنة ثلاث وثلاثين وسبع مئة، وطلب إلى القاهرة، ورسم عليه في دار الوزارة مُدة مديدة، ثم أفرج عنه.
ولما توجه الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى إلى مصر في بعض سفراته، طلبه من السلطان، فرتب في جملة كتاب الإنشاء بدمشق، وصاحب الديوان إذ ذاك ابن أخيه القاضي شرف الدين أبو بكر، فأقام بها إلى أن عزل ابن أخيه، وعزل هو بعزله، فأقام في بيته بطالاً إلى أن طلبه السلطان الملك الناصر محمد إلى مصر، فتوجه إليها، فأقام هناك بطالاً في سنة ثمان وثلاثين وما بعدها إلى أن توفي صلاح الدين يوسف بن عبيد الله فرتب عوضه في كتاب الإنشاء بمصر، وسلم إليه القاضي علاء الدين بن فضل الله ديوان الإنشاء بمصر، فكان ينوبه في ذلك، ثم إنه رتب في توقيع الدستِ قُدام السلطان، وقدام النائب.
ولما تلوى القاضي ناصر الدين بن يعقوب كتابة السر بدمشق في سنة سبع وأربعين وسبع مئة، رسم للقاضي جمال الدين بعوده إلى كتابة سر حلب، فتوجه إليها مرة ثانية، ولم يزل بها إلى أن عزل بالقاضي زين الدين عمر بن أبي السفاح في جمادى الأولى سنة تسع وأربعين وسبع مئة، ورتبَ له ما يكفيه، ثم عزل ابن السفاح بالقاضي شهاب الدين الشريف، فأقام قليلاً، وعزل في جمادى الأولى سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة، وأعيد القاضي جمال الدين إلى كتابة سر حلب ثالث مرة، ولم يزل بها وابنه القاضي كمال الدين محمد يسد الوظيفة إلى أن عزل القاضي بدر الدين محمد ناظرُ الجيش بحلب، وهو ابن القاضي جمال الدين. وطلب هو ابنه وابن أخيه إلى مصر في شهر ربيع الأول سنة تسع وخمسين وسبع مئة، فرسم بعزله عن كتابة السر، ورتب له في كل شهر مبلغ خمس مئة درهم، ورسم لي أنا بالتوجه إلى كتابة سر حلب مكانه، وأقام هو في بيته على راتبه إلى أن توفي رحمه الله تعالى فكتبت أنا إلى ولده القاضي
كمال الدين محمد إعزيه فيه:
مضى من كان للدنيا جمالاًفعزوا في مصيبته الكمالا
كمال الدين لا تجزع وسلملأمر شاءهُ الباري تعالى
أبوكَ مضى ولم نعرف نظيراًلهُ فيما حواهُ ولا مثالا
تعالى في مناصبه ولكنتواضع عند ذاك وما تعالى
وكان له إلى الفقراء ميلٌأنا لهم به جاهاً ومالاً
فما عرفوا سؤالاً منه إذ لميكن من غيره لهمُ سوى لا
فما يوماً نوى لا في نداهموبرهم وأولاهم نوالا
وما مالاً على أحد رآهعليه الدهرُ قد أخنى ومالا
وكم والى أخا ضعف وفقروأولاه المبرة ثم والى
بود ما تغير قط يوماًعلى من يصطفيه ولا استحالا
ولطفٍ كالنسيم أتى رياضاًفهب على أزاهرها شمالاً
وعمر مدة يروي حديث الرسول وكأن ذاك له اشتغالا
وكم من سيرة للمصطفى قدتأنق في كتابتها وطالا
أبرزها كخودٍ في حليتهاوت في تثنيها دلالا
وما بالي بصربٍ أو بعزلولم يشغل له في ذاك بالاً
توكل في الأمورِ على إلهيدبر شأنه حالاً فحالا
تولى السر في حلبٍ زماناًفما احتاجت جلاداً أو جدالاً
وأغني الجيش عن حركات غزولما ركبوا السهولة والجبالا
ووفرهم فما هزوا رماحاًورفعهم فما سلوا نصالا
وكم قد ساس في سيس أموراًرأى تكفورها فيها الخبالا
فينظر يقظة خيلاً ورجلاًوتغروه مهابتهم خيالاً
برأي كالحسام الغضب ماضأفادته تجاربه صقالاً
وخط لو رآه الزهر غضاًلجود تحت أحرفه مثالا
ونثر تكرعُ الأسماع فيهعلى ظمأ فترشفه زلالا
وكم نظم ترقرق في انسجامفلولا الطرس يمسكه لسالا
فل نر مثل هاتيك السجاياولا أزهى ولا أزكى خلالا
أفاض الله من كرم عليهمدى الأيام رحمه سجالاً
وكتبتُ مع هذه الأبيات نثراً ذكرته في الجزء السادس والأربعين من التذكرة لي.
وكتب هو إلي لغزاً، وأنا وهو في القاهرة سنة خمس وأربعين وسبع مئة:
إن اسم من أهواه تصحيفهوصفٌ لقلب المدنف العاني
وشطره من قبل تصحيفهيقاد فيه المذنب الجاني
وإن أزلت الربع منه غدامصحفاً لي منه ثلثانِ
وهو إذا صحفته ثانياًاسم المحبوب لنا ثاني
فكتبتُ أنا الجواب إليه عن ذلك وهو في غلبك:
لعزك يا من رؤيتي وجههتكحل بالأنوار أجفاني
هذي ضميري لحمي حلهوأيد القول ببرهاني
إن زال منه الربع مع قلبهفإنه للمذنب الجاني
عليك تصحيفُ الذي رمتهفالقلب في تصحيفه الثاني
ويبني وبينه محاورات ومكاتبات ذكرتها في كتابي ألحان السواجع
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع