من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
إبراهيم بن محمد بن أحمد بن محمود
الشيخ جلال الدين بن القلانسي.
ورد الديار المصرية، فقال له العلامة شيخنا أبو الثناء محمود، والشيخ تقي الدين بن تمام: أقعد أنت في هذه الزاوية، ونحن نذكرك للناس، فاتخذ زاوية على بركة الفيل في حكر الخازن مجاورةً لدار الأمير بدر الدين جنكلي.
وكان قد نشأ في صناعة الكتابة أولاً، ثم إنه ترك ذلك، وتزهد بدمشق مدة قبل غازان بقليل، ولما انجفل الناس توجه إلى مصر، وقامت له في الصلاح سوق، وحملت إليه الصلات في وسوق، وتردد إليه الناس، وزاد اشتهاره حتى خرج عن الحد، وتعدى القياس، واعتقد فيه أمراء الدولة، وأمسك هو ناموس الصول والصولة، ومال إليه جماعة خواص السلطان وأحبوه محبة من أدرك الأوطار في الأوطان، وكلن في أثناء ذلك البخت، ومدة ذلك الدست والرخت، رمي عند
الملك الناصر بحجر خدش منه غرضاً، وجعل سماءه أرضاً، فأخرجه إلى القدس خروجاً جميلاً، ووجد لفراق ما ألفه في مصر عذاباً وبيلاً، ولم يتغير لمماليك السلطان فيه عقيدة، وجزموا بأن ذلك من أعاديه مكيدة، وكانوا يمدونه بالذهب، ويلزمونه أخذ ذلك وقبوله بالرغب والرهب، وكانت نفسه كريمة، وهمته عند الثريا مقيمة، ولم يزل على تلك الحال إلى أن خلا في القبر بعمله، وانقطعت من الحياة مواد أمله.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة.
وكان قد قدم إلى دمشق في شهر رجب سنة اثنتين وعشرين وسبع مئة من القدس، ونزل بمغارة العزيز بالجبل، وقصده الناس بالزيارة من الأمراء والقضاة والعلماء والصدور، وحدث بجزء ابن عرفة، ثم عاد إلى القدس، وتوفي ثالث القعدة من السنة المذكورة.
ومن شعره، من قصيدة:
قد كنتُ تبتُ عن الهوىلكن حُبك لم يدعني
ولما مات الشيخ جلال الدين رحمه الله تعالى، رثاه شيخنا العلامة شهاب الدين أبو الثناء محمود رحمه الله تعالى بقصيدة أولها:
أيا مقلتي جُودي بدمعك لي جوديفما مثلُ من قدر بان عنك بموجودِ
وإن غاض ماء الدمع فابكِ دماً فمايعد البكا إلا لأكرمِ مفقودِ
فما أنتِ إن قصرتِ مني ولا أناإذا لم تسل روحي دموعاً بمحمودِ
بروحي أحبابٌ مضوا وجلالهميلوحُ لعيني منه أكملُ مشهودِ
تولوا وما عوضتُ من قربهم سوىتذكر عيشٍ مر لي غير مردودِ
هم وردوا قبلي من الموت منهلاًوها أنا صادِ وهو أقربُ مورودِ
أعددهم حزناً وأبكي معدداًعليهم فحالي بين عد وتعديد
أولئك إخواني الذين فقدتهمكما يفقد الظامي المناهلَ في البيدِ
كأن رداهم واحداً بعد واحدٍعلى نسق الأحزان أسماءُ توكيد
أقول لأيام تقضت وشملناكعقدٍ على جيد المسرة معقودِ
أأيامنا عودي بهم وضلالةٌمعالي لصم غير سامعةٍ عودي
ولكنها زورٌ المنى وخداعهاتخيل أمراً في الورى غير معهود
كفى حزناً أن الأسى مبعث الأسىفآتيه في ماضيه علهُ تجديد
أسميهم حُزنا ليعلم أنهرثاءٌ أتى موجع القلب معمود
فيا أدمعي سحي ويا صبري انتقصويالوعتي دومي ويا حرمتي زيدي
تولى ابن تمامٍ أخي ومصاحبيوأكرمُ محبوب إلي ومودود
وقد كان أحلى في فؤادي من المنىوأشهى لعيني من كرى بعد تسهيد
وقد كان لي في مصر أنسٌ مواصلفولى وقد وافى نعي ابن عبودِ
كريمٌ نمته دوحة الدين والتقىفطابَ وسر الأصل يظهر في العودِ
وأنكار ما راعَ الفوادَ رزيّةٌأتت عن جلال الدين أكرمِ ملحود
تقي نقي طالما طرق الدجابكف قنوتٍ كف من هدبه السودِ
ومن كان يحيى الليل لا مد دمعهبراق وليس الجنب منه بممدود
ويشرق بالأسرار أهل قلبهفيصبح بالعرفان موطن توحيد
وأكرمٌ من غيثٍ وليهوأرأفُ من أم بأضعفِ مولود
عزوف عن الأسباب جذ حبالهافجذت بسيف من تقى غير مغمود
تخلى عن الدنيا وفارق أنسهاوما طرفه يوماً إليها بمردود
ومثرٍ من التقوى فقير بدانةإلى الله مجذوب بأكمل تجريد
أخي وحبيبي مؤنسي ومصاحبيومن كان عندي يومُ رؤيته عيدي
ومن كنت أتيه فيفرجُ أنسهإسارَ فؤادٍ في يد الحظ مصفودِ
بكيت وما يُجدي البكاءُ وخطبُهأشد ولكن ذاك غايةُ مجهودي
وذاك لأجلي لا له إذ مدامعيشفاءٌ لما في أضلعي من جوى مودي
وإلا فما أغنى عن الدمع إذ سرىعن المنزل الغاني إلى دار تخليد
وإني لأرجو اللطف بي في لحاقةفلم يبق إلا أن أنادي كما نودي
أمن بعد قربي من ثمانين حجةًيخادعني إخلاء نفسي وتفنيدي
وقد سار قبلي من تقدمتُ عصرهونمتُ كأني بالردى غيرُ مقصود
سقى جَدثاً قد حله صوبُ رحمةٍيسح بتكريرٍ عليه وترديد
ولو لم أسل القلبَ عنه برؤيتيأخاه لأودى بي بكائي وتسهيدي
ولكن لي في أنسه بعد وحشةٍ،لها حرقٌ في مهجتي أي تبريد
وقد كانت الأيام تبسط لي المنىبصحبته قدماً فأنجزت موعودي
ولي في ابنه ظن جميل وإنهسيخلفه في الزهد والنسك والجود
فأحسن رب الناس فيه عزاءهُوأجره فالأجرُ أفضلُ موجود
وجاد ثرى ذا نوء عفوٍ ورحمةوزان ذرى ذا نوءُ عز وتأييد
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع