تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

أحمد بن الحسن بن محمد

مجير الدين الخياط الدمشقي.

كان المذكور شيخاً خياطاً، وناظماً في ليل جهالته خباطاً، وربما ندر له البيت والبيتان، ورمى بالدرة فلقفها من أقلامه الحيتان، مع ثقل في ألفاظه، ما تنوء به أذهان حُفاظه. وكان كثير الداوى في هذا الفن، غزير الإدلال على من يسمع الحمام، وينشد قصدية قد عارضها في وزنها، ويقول: هكذا تكون الدرر في خزنها.

والبارحة ضربت المتنبي بألف بابوج، وجعلت طرطوره مثل السراقوج، وينشد قصيدة يعتقد أنها نظيرُ شعر ذاك، ويقول: هكذا تكون الجواهر في الأسلاك.

وشعره في عدة مجلدات، وليس لها نظير في بابها ولا لدات. قال لبنته المسكينة قبل موته: لا تبيعي كل مجلد من هذه بأقل من مئتي دينار، وإياك أن يغرك أحد، فيأخذها بدون هذا المقدار. فكانت بعد موته تبيع كل مجلد منها بدرهمين أو ثلاث، وتتعجب من الناس كونهم ما لهم عليها إقبال ولا انبعاث.

ولم يزل على ذلك الحال إلى أن لم يجد لمجير من الموت مجيراً، وبطل ما كان له من العادة والهجيرى.

وتوفي - رحمه الله تعالى - سنة خمس وثلاثين وسبع مئة، وقد قارب السبعين أو تجاوزها.

ومن شعره، ومن خطه نقلت:

إلى كم أيها الدهر الخؤونأهونُ وأنت صعبٌ لا تهونُ
ثكلتك لا خليل لديك يرجىصفاء الود منه ولا خدينُ
ولا سكن إليه من اللياليإذا اضطربت حوادثها سُكونُ
لا قرنٌ من الإخوانِ دمربه يحمى الذمار ولا قرين
ولا تربٌ يُصابُ ولا صديقٌكما لم يجتمع ضب ونونُ
فدحضا ثم تعساً ثم عثراًلخطوكَ أيها الصعبُ الخؤون
فيا شر الدهور إلام ظمئيلديك ولا معينُ ولا معينُ
أكذبُ في لئام بنيك ظنيفتصدقني المآربُ والظنونُ
وأسمح أهلِ هذا العصرِ نفساًبنائلِ خيره كزضنينُ
ولست فتى على وعك اللياليإلى غير المهيمن أستكينُ
وإن جار الزمان فلي قناةٌعلى غمر الحوادث لا تلينُ
لأني من بني بيتٍ رفيعٍعليه تنزلُ الروحُ الأمينُ
يغر ذوي الجهالةِ في حلمّإذا طاشت حلومُهم رزينُ
وما علموا بأن جبال حلميلهم من خلفها مقتي كمينُ
وألفاظّ أحدُّ من المواضيإذا شحذت مضاربها العيونُ

ومنها:

وفي متشاعري عصري أناسٌأقل صفاتِ شعرهُم الجنون
يظنون القريضَ قوامَ وزنٍوقافية وما شاءت تكون
وما علموا بأنّ الشعر مرقىدوينَ صعوده يندى الجبينُ
وعبء لو تحمله ثبيرلأطاله ومنه بدا الأنينُ
وبحر نهى له غورٌ بعيدعزيزُ فيه لؤلوه الثمين
ومضمارُ فحولُ الشعر فيهلهم من وعر شقتهِ صفونُ
وقافيةٌ هي الذهبُ المصفىإذا امُتحن بل السحُر المبينُ
معانيها الثواقبُ والقوافيإذا يُفزعن أبكارٌ وعين

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الهمزة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.