تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

أحمد بن علي بن محمد بن سلمان بن حمائل

القاضي الفاضل الكاتب البليغ الناظم الناثر، نجم الدين أبو العباس ابن الشيخ علاء الدين بن غانم.

أحد كتاب الإنشاء بدمشق، وسيأتي ذكر جماعة من أهل بيته كل منهم في مكانه.

كان القاضي نجم الدين هذا أكبر من أخيه القاضي جمال الدين عبد الله الآتي ذكره في حرف العين إن شاء الله تعالى، ولكنه لم يتفق له الدخول إلى ديوان الإنشاء إلا بعد أخيه جمال الدين عبد الله بمدة، وكان نجم الدين ينظم القريض غيدَّعي سامعُهُ أنه أنقُ من الروض الأريض، وأنه للطافته يأسو به القلب المريض، وتنظر الزهر الثواقب إلى زهرة الغض بطرفٍ غضيض، ويكتب فيوشِّي برود المهارق بقلمه ويرصع تيجان الطروس بجواهر كلمه، كأنما طروسُه وجتات طرّز وردها أسُ العذرار أو قطعٌ من الليل الداجي جرت فيها أنهارٌ من النهار:

زهراء أحلى في النفوس من المنىوألذّ من ريق الأحبّة في الفمِ

وكان دخوله في الديوان بعد موت والده رحمهما الله تعالى في سنة ثمانٍ وثلاثين وسبع مئة.

جاء إلى مصر وتوصّل بالأمير بدر الدين بن الخطير وتنجَّز له توقيعاً من السلطان الملك الناصر محمد بن قلاوون، وأقام إلى أن حضر القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل الله صاحب ديوان الإنشاء بدمشق بعد إمساك الأمير سيف الدين تنكز، فجرت له معه كائنة خرج بسببها من الديوان، ثم إنه توجه إلى مصر وعاد بتوقيع ثان في زمن الملك الصالح إسماعيل.

وقد خرج القاضي شهاب الدين بن فضل الله وعزل، ولم يزل نجم الدين المذكور يكتب في ديوان الإنشاء إلى أن توجه في شهر رمضان سنة ثمانٍ وخمسين وسبع مئة إلى

ثغر بيروت لضبط متحصل الموقَّعين من الميناء. فأقام بها تارة يمرض إلى أن مات بعِلَّة الذَّربِ في أوائل ذي الحجة سنة ثمان وخمسين وسبع مئة، ولم يخلف ابناً غير ابنةٍ صغيرة عمرها تقدير سبعة أشهر.

وكنت قد كتبتُ إليه وأنا بمرج الغسُّوبلة:

مولاي نجم الدين يا من فضلهقد عمَّني بخصائص الإحسانِ
أوحشتني في سفرة قضَّيتُهابالمرجِ منفرداً عن الخلان
فبكيتُ لما أن ذكرتك بالدِّمَاحتى مَلأتُ المَرجَ بالمرجان

فكتب هو الجواب إليَّ عن ذلك:

شوقي صلاحَ الدين نحوك لم يزلمع فرط وجدي آخذاً بعناني
أوحشت عيني منذ سِرت ولم تزلوالله يا مولاي نصب عياني
راسلتني بلطائف يا حُسنهاهي في الضمير رسائلُ الإخوانِ
لا كان هذا المرجُ أجرى عبرتيفي الخد كالبحرين يلتقيان
لما بكيتُ الخلّ صار الدمع فيعنق المحب " قلائد العقيان "

وكتبتُ أنا إليه وقد انقطع من الديوان:

أمولاي نجم الدين أوحشت خاطراًلبعدك بعد القرب والأنسُ دائبُ
فنار الجوى لم يطفِها من مدامعيلفقدك لما غبت عني السحائبُ
وقد أظلم الديوان بعدك وحشةًوما حال أفقٍ نجمُه عنه غائبُ

فكتب هو الجواب إليَّ عن ذلك:

أيا مالكاً لي من علاه رغائبوفي كل وقت من نداه غرائبُ
أتتني أبيات حسانٌ لطائفٌفقلبي عليها دائم الوجد ذائبُ
وأنت الذي مازلت كالبحر للورىلنا من أياديكِ الكرامِ عجائبُ

وكتبت أنا إليه وقد وعدني أن يربط لي بغله على حشيشٍ عنده:

بغلتي هذه تريد حشيشاًما أنا وزنه بعقلي المعيشي

فكتب هو الجواب عن ذلك:

يا إماماً قد حاز كل المعانيطول دهري إليه كُلّ هشيشي
إنّ ذاك الحشيش صار يبيساًفرغاه يا مالكي إكديشي

وكتبت أنا إليه ملغزاً في " تميم ":

مولاي نجم الدين يا من لهخليلُ ودِّ وهو أزكى حميمٍ
ما اسمٌ رباعيٌّ له أوّلٌإن زال عنه لم نجد غير ميم

فكتب هو الجواب عن ذلك:

مولاي قد قلدت جيدي حُليًمن جوهر اللفظ بعقد نظيمٍ
أدَيته من مجر علم لهذخائر والقلب منها يهيم
موَّهتَ معناه فتم العناوالبدر يسبي منه تاء وميم

وكتب إليَّ وقد انقطعتُ عن الديوان، وهو ضعيفُ:

أصبحتُ في الديوان وحدي في عناوأذى أراه بخاطري وبعيني
كُنَّا به مستأمنين ولفظنامن لطفه يدعى بذي السجعين
وبه صلاح لم يزل مع علمهتروى معاليه على السمعين
فنأى فصراُ على البلى مستوقفاًأبكي على ما فات بالدمعين
وبلوت أقواماً لبستُ لأجل ماأخشاه من تنكيدهم درعين

فكتبتُ أنا الجواب إليه:

حاشاك تصبح في عنىً أو في ضنىًنفسي فداؤك في الردى من ذين
والقصد أن تمسي وتصبح دائماًفي صحةٍ ثبتت قرير العين
فإذا سلمت ودُمت لي ما ضرنيمن رحت أفقدُه من الحيين
أدري محبتك التي صحت ومارُمينُ بشيء في الوفا من شين
من صدق ودِّك تشتهي وتودُّ لوأصلحتَ ما بين الزمان وبيني
ما هذه الفتن التي إن أُخمِدتنار أجدَّت بعدها نارين

فكأنها الفتنُ التي يُحكى لنا فيما مضى من فتنة الحكمين

ألقى العدى وحدي وما درعي سوىصبرٍ تتناهَبَه ظُبى الجمعين
يا دهر كفّ فقد كفيتُ فما أناكابن الزبير ولا أبي السبطين
ومن الذي لم يهتضمه زمانهأر ما رماه عدوه بالمين
دع ذا فإقبالي على شأني غداأولى لتبرأ ساحتي من دَيْني
ما بعد هذا الشيب والسنّ الذيأربت على الستين غير الحَيْن
والله أعدل حاكمٍ بين الورىوقضاؤه فَضْلٌ على الخَصْمين

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الهمزة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.