تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

أحمد بن محمد بن قُرْصة

شهاب الدين بن شمس الدين الأنصاري.

هو من بيت مشهور بالصعيد، منهم جماعة فضلاء رؤساء، تفرّد هذا شهاب الدين من بينهم بنظم القَرْقيّات وجوّدها، وأجراها على قواعد العذوبة وعوُدها، يأتي بها باكورة زَهْر أو كأسُ زُلال جُلي على الظمآن من نَهْر، خفيفةٌ على القلب لذيذة على السمع لِما لها في العقل من السَّلب، ونظم الشعر جيّداً، ودخل به في جملة الشعراء، ولم يكن متحيِّداً، وذاق منه كؤوس العلاقم، وجَرّعهم من هَجوه سُموم الأراقم، جاب الأقطار، وجلب الأوطار، ودخل الأمصار، واجتدى بالمدح والهجو أفات طَلبه أم صار، وكان شيخاً كاد الدهر يحني صَعْدَته ويُري العيون هزَته ورَعْدَته.

وكتب إليّ أشعاراً غلت عندي أسعاراً، ومنها:

ما لي أرى الشعراء تكسبُ عاراًبهجاتهم وتحمّلوا أوزارا
فلذاك طُفْتُ بباب كلِّ مهذَّبٍوجعلتُ شعري في الكرام شعارا
مدحوا الأخساء اللئام فضيّعوا الأشعار لَمّا أرخصوا الأسعارا
وجعلت في حلب الشمال إقامتييا حبذا دار الكرام جِوارا
ولكم دعا مدحي نوالَ معظمٌفأبَتْ عُتُوّاً عنه واستكبارا
حتى وجدت لها إماماً عالماًأوصافه تستغرق الأشعارا
لولا صلاح الدين لم أرَ جُلّقاًولكنتُ مِمّن جانبَ الأسفارا
أسدى المكارم من أكفٍّ لم يزلمعروفها يستعبدُ الأحرارا
وصنائعاً غرّاً أفَدْنَ منائحاًعُوْناً ولَدْن مدائحاً أبكارا
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «ما ضر طيفك والكرى لو زارا»
فوجدْتُ في إجماله وجَمالهما يملأ الأسماع والأبصارا
مولىً غدت يمناه يُمناً لامرئيبغي نوالاً واليسار يسارا
حلّى الزمان وكان قِدْماً عاطلاًوأعاد ليل الآملين نهارا
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «ما ضر طيفك والكرى لو زارا»
وحوى معاليَ في دمشق قديمةًوحديثُها بين الورى قد سارا
بَلَغَتْ به رُتَباً فرُعن محلّهأمْسَتْ نجوم سمائها أقمارا
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «ما ضر طيفك والكرى لو زارا»
زانت فضائله بدائعَ نظمهاكم مِعصَمٍ يَزين سوارا
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «ما ضر طيفك والكرى لو زارا»
ومظفّر الأقلام كم أردى بهاملكاً وخوّف جحفلاً جرّارا
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «ما ضر طيفك والكرى لو زارا»
عجباً لها تجري بأسودَ فاحمٍيكسي الطروسَ ظلامُه أنوارا
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «ما ضر طيفك والكرى لو زارا»
تمضي بحيث ترى السيوف كليلةًوتطول حيث ترى الرِّماحَ قِصارا
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «ما ضر طيفك والكرى لو زارا»
تجري بواحدها ثلاثُ سحائبتحوي الصواعق والحيا المدرارا
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «ما ضر طيفك والكرى لو زارا»
وتمدّه بالفضل حين تمدّهببديهةٍ لا تُتعب الأفكارا
غم رامَ نائله العفاةُ أمدّهاكرماً وإن رام الخميسُ مُغارا
ملأ الكتاب تهدّداً فكأنماملأ المتاب أسنّة وشفارا
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «ما ضر طيفك والكرى لو زارا»
تجني النواظرُ من محاسنِ خطّهرَوْضاً ومن ألفاظه أزهارا
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «ما ضر طيفك والكرى لو زارا»
خطٌّ رماحُ الخطّ من خُدّامهإن رام ذِمراً أو أعزَّ ذِمارا
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «ما ضر طيفك والكرى لو زارا»
وبلاغةٌ تَضحى بأدنى فقرةٍتغني فقيراً أو تقُدُّ فَقارا
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «ما ضر طيفك والكرى لو زارا»
ويشيم روّاد الندى من بِشرهبَرقاً ومن إحسانه أمطارا
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «ما ضر طيفك والكرى لو زارا»
بِشرٌ يبشّر بالجميل وعادة الأزهار أن تتقدّم الأثمارا
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «ما ضر طيفك والكرى لو زارا»
وندىً يعمّ ولا يخصّ كأنّههامي قِطار طبَّق الأقطارا
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «ما ضر طيفك والكرى لو زارا»
يستصغر الأمر العظيم إذا عَرابعزيمةٍ تستهلُ الأوعارا
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «ما ضر طيفك والكرى لو زارا»
ويردّ غَرب الحادثات مغلَّلاًبسعادةٍ تستخدم الأقدارا
كم ذلّلت صعباً وردّتْ ذاهباًوحمَت أذلّ وذلّلت جبّارا
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «ما ضر طيفك والكرى لو زارا»
ولقد عرفت الناس من أزطارهمسبحان من خلق الورى أطوارا
يا من عرفتُ بجوده الغنىحقاً وكنتُ جهلته إنكارا
للشاعر ابن حيوس، من قصيدة «ما ضر طيفك والكرى لو زارا»
أغنيتني بمواهبٍ موصولةٍلم تُبقِ لي عند الحوادث ثارا
لا زلتَ في عزٍّ يدوم ونعمةٍترقى على شُمّ الجبال وقارا

فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك ارتجالاً:

يا شاعراً ملأ الطروس نهاراًوأسال فيه من الدجى أنهارا
لم تُهْدِ لي نظماً بديعاً إنماأهديتَ لي فلَكاً أراه مُدارا
في كل سطرٍ بُرج سعدٍ ثابتٌتبدو معانيه به أقمارا
لا أرتضي بالروض تشبيهاً لهإن الزواهر تفضُل الأزهارا
قلّدتني منه قلادة مِنّةٍتستوقف الأسماع والأبصارا
يغنى النديم به فإن قوافياًفيه تُدير لمسمعيه عقارا
وترى اللبيب إذا تعاطى فهْمَهلم يذكر الأوطان والأوطارا
فكأن ذلك الطرسَ وجْنة أغيدٍوالسطرَ فيه قد أسال عذارا
فاعذر شهاب الدين من تقصيرهأضحى يُلفّق عندك الأعذارا
أنا لا أطيق جوابَ منْ أشعارهتنهلّ حين تَرومها أمطارا
وإذا جرى في حَلبةٍ قصّرتُ عنغاياته بل لا أشقّ غُبارا
إن الغدير وإنْ تعاظمَ قاصرٌعن أن يقاوم بحْرَك الزَّخارا
وكذا أخو النظم المزلزل ركنهلا يستكنّ مع الجبال قرارا
فخذ القليل إجابة وإجازةًواعذر فمثلك من أقال عثارا
واعتدَّ إنك لم تزر في جلّقأحداً وإنك جئت تقْبس نارا
فلأنت تعلم أنني لم أرضهالو أن درهمها غدا دينارا
ما قَدرُها مئة لو أني سقتهاإبلاً يكون حمولهنّ بهارا

وكتب إليّ قصيدة الميزاب أوّلها:

كم سيفُ النظم أجرّدهكم أُشهره كم أغمده
كم أنظم عِقد جواهرهفي مدح كريمٍ أقصده
كم أجمع من معنىً حسنٍوبيان الشرح يقيّده

وقد سقتها بمجموعها في كتابي ألحان السواجع.

ولم يزل على حاله إلى أن أتى مرة من مصر ونزل بالتعديل ظاهر مدينة دمشق في

بيت التحفَه جدرانه، وتأنس به جردانه، فنزل به ذباب السيف، وعمل من دمه وليمة لذباب الصيف، وأصبح ورأسه قد بان عن جسده وطاح، ودقيق ابن قُرصة تذروه الرياح، وكان مسكيناً يتحلّب أفاويق الندى، ويحتلب ببلاغته أهل زمانٍ لا يجدون على نار المكارم هدىً، إلا من يرتاح للامتياز في عدة الامتياح أو تهزّه نغمة العافين أو مدام المدّاح، وقليلٌ ما هم، وقد بعد حماهم، وكان المسكين يرمق عيشه على بَرَص، ويمسي كالفأرة في قَرض الأعراض بالقَرَض.

وكانت قتلته يوم الجمعة رابع عشر شهر الآخر سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة.

وأنشدني من لفظه لنفسه بدر الدين حسن بن علي الغزّي:

مات ابنُ قُرْصةَ بعد طول تعرُّضٍللموت مِيْتةَ شرِّ كَلْب نابحِ
ما زال يشحذ مُديةَ الهَجو التيطلعت عليه طلوع سعد الذابحِ
حتى فَرى وَدْجَيه عبدٌ صالحعَقَرَ النطيحة عَقْرَ ناقةٍ صالحِ
فليحْيَ قاتله ولا شلّتْ يدٌكفَتِ المؤونة كفَّ كلّ جرائحي

وقلت أنا فيه:

دع الهجو واقنع بما نلتهمن الرزق لو كان دون الطفيفِ
فقَرْضُ ابن قُرصة عمّ الورىوراعَ الدنيّ بهجْو الشريفِ
ومات ابنُ قَرُصة من جوعهوشهوته عضّة في رغيف

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الهمزة

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.