تجاوز إلى المحتوى

من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)

أبو بكر بن محمد بن محمود

ابن سلمان بن فهد، القاضي الكاتب الرئيس البليغ شرف الدين بن القاضي شمس الدين بن القاضي شهاب الدين، كاتب السر بالشام ومصر وابن كاتب السر بالشام وابن كاتب السر بالشام، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر والده وجده في مكانيهما من حرف الميم.

كتب الخط الذي فاق، وسارت بأنباء محاسنه الرفاق، وتسرع ليتعلم لطفه النسيم الخفاق، وأبرزه مثل النجوم الزهر، فما تطلع منه كوكب إلا فاق في الآفاق، أتقن الرقاع ومزجه بالنسخ فجاء بديع المنظر، رائق المرأى قد سمج ورد الخد الأحمر لما تسيج بآس العذار الأخضر، وجود النسخ والثلث فما داناه فيهما كاتب في زمانه، وأبرزهما من القوة والصفاء في قالب يود لو نقطه الطرف بإنسانه، لو عاصره ابن البواب لكان مثل أبيه على بابه، أو ابن مقلة لعلم أنه ما يرضى به أن يكون من أضرابه، أو ابن العديم لعدم رقة حاشيته، وتطفل مع الوزارة لأن يكون من جملة حاشيته، هذا إلى نظم يترقرق زلاله، ونثر يفيء على نهر الطروس ظلاله، قد درب كتابة المطالعة ومهر، وزاد على إتقان أبيه وجده فيهما وظهر، هذا إلى شكل قل أن ترى مثله العيون، أو تقتضى من غير محاسنه ديون، وكرم نفس يخجل الغمائم، ولطف شمائل تفرد بالثناء عليها خطباء الحمائم، وحفاظ ود، ووثوق عهد وسلامة باطن، وبراءة من الخبث الذي تراه وهو في كثير من الناس مباطن.

ولي كتابة السر بدمشق بعد القاضي محيي الدين بن فضل الله، لأن القاضي علاء الدين بن الأثير لما انقطع بالفالج في سنة تسع وعشرين وسبع مئة، طلب السلطان القاضي محيي الدين وولده القاضي شهاب الدين والقاضي شرف الدين وولاه كتابة السر بدمشق، وأجلسه قدامه بدار العدل بقلعة الجبل، وقرأ قدامة القصص ووقع عليها في الدست، ورسم له أن يحضر دار العدل في دمشق، وأن يوقع على القصص بين يدي الأمير سيف الدين تنكز، فهو أول كاتب سر جلس في دار العدل، ولم يكن كتاب السر يجلسون قبل ذلك في الخدمة، فباشر ذلك.

وكان إذا توجه مع نائب الشام إلى مصر يحضره السلطان قدامه ويخلع عليه وينعم عليه، وكان يعجبه شكله كثيراً ويقول لألجاي الدوادار: يا ألجاي، هذا شرف الدين كأنه ولد موقعاً. ويروق له شكله وسمته، ويعجبه لباسه.

فلما توجه مع الأمير سيف الدين تنكز سنة اثنتين وثلاثين وسبع مئة ولاه السلطان كتابة سر مصر، وجهز القاضي محيي الدين وأولاده إلى دمشق، وتوجه القاضي شرف الدين مع السلطان إلى الحجاز، ووقع بينه وبين الأمير صلاح الدين الدوادار، وطال النزاع بينهما وكثرت المخاصمات، ودخل الأمير سيف الدين بكتمر الساقي رحمه الله تعالى بينهما وغيره، فما أفاد، فقلق القاضي شرف الدين وطلب العود إلى دمشق ولم يقر له قرار، فأعاده السلطان إلى دمشق، وطلب القاضي محيي الدين وأولاده إلى مصر وأقرهم على ما كانوا عليه. وكانت ولايته كتابة السر بمصر تقدير ثمانية أشهر، ولما عاد فرح به تنكز وقام له وعاتقه وقال له: مرحباً بمن نحبه ويحبنا وأقام بينه وبين حمزة التركماني الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في حرف الحاء مكانه، فأوحى إلى تنكز ما أوحاه من المكر الخديعة والافتراء،

فكتب تنكز إلى السلطان، فعزله بالقاضي جمال الدين عبد الله بن كمال الدين بن الأثير، وبقي في بيته بطالاً مدة، فكتب السلطان إلى تنكز يقول له: إما أن تدعه يوقع قدامك وإما أن تجهزه إلينا، وإما أن ترتب له ما يكفيه، فرتب له ثلاث مئة درهم وثلاث غرائر، ولما أمسك تنكز رسم السلطان أن يكون موقعاً في الدست بدمشق وولده شهاب الدين المقدم ذكره كاتب درج، فاستمر على ذلك إلى أن تولى الملك الصالح إسماعيل، فولاه وكالة بيت المال بالشام مضافاً إلى ما بيده، فأقام في الوكالة سنة أو قريباً منها، ثم إنه توجه إلى القدس للوقوف على قرية يشتريها الأمير سيف الدين الملك ليوقفها على جامعه بالقاهرة، فتوفي رحمه الله تعالى فجأة، لأنه دخل إلى بيت الخلا، فما خرج منه إلا إلى سرير البلى.

ووفاته رحمه الله تعالى في شهر ربيع الأول سنة أربع وأربعين وسبع مئة.

ومولده سنة ثلاث وتسعين وست مئة.

وكان رحمه الله تعالى عنده تجمل كثير زائد في أكله وملبسه ومركوبه، وكرم نفس، وفيه تصميم وبسط إذا خلا بمن يثق إليه، وكان فيه خواص، منها أنه يحلق رأسه بالموسى بيده، ويلف شاشة على طاقية من غير قبع فرد مرة ويصلحها بيده، وهي على رأسه ولا ينظر إليها وهي من أحسن ما يكون، وكان شديد القوى ذا همة وبطش.

أنشدني من لفظه لنفسه:

والله قد حرت في حالي وفي عمليوضاق عمّا أرجّي منكم أملي
أبيت والشوق يذكي في الفؤاد لظىنارٍ تؤجج في الأحشاء ذي شعل
ويصبح القلب لا يلهو بغيركموأنتم عنه في لهوٍ وفي شغل
الله في مهجةٍ قد حثّها أجلٌإن لم يكن صدّكم عنّي إلى أجل

وأنشدني من لفظه لنفسه:

على خدّه الورديّ خالٌ منمّقٌعليه به للحسن معنىً ورونق
وفي ثغره الدرّ النظيم منضّدٌيجول به ماء الحياة المروّق
وما كنت أدري قبل حبّه ما الهوىإلى أن تبدّى منه خصرٌ ممنطق
عليه من الحسن البديع دلائلٌتعلّم ساليه الغرام فيعشق

وأنشدني من لفظه لنفسه:

رأت مقلتي من وجهه منظراً أسنىيفوق على البدر المنير به حسنا
غزالٌ من الأتراك أصل بلّيتيمعاطفه النشوى وألحاظه الوسنى
رنا نحونا عجباً وماس تدلّلاًفما أرخص الجرحى وما أكثر الطعنا
له مبسم كالدر والشّهد ريقهوليس به لكنّه قارب المعنى

وأنشدني يوماً من لفظه لنفسه ملغزاً في ليل:

أيّما اسمٍ يغشى الأنام جميعاوإذا فكّرت لي ثلثاه
أن تزل في هجائه منه حرفاًلك منه مصحّفاً طرفاه

فأنشدته أنا لنفسي ملغزاً في فيل:

أيّما اسم تركيبه من ثلاثوهو ذو أربعٍ تعالى الإله
حيوانٌ والقلب منه نباتلم يكن عند جوعه يرعاه
فكيف تصحيفه ولكن إذا مارمت عكساً يكون لي ثلثاه

وأنشدني يوماً لنفسه:

بعثت رسولاً للحبيب لعلّهيبرهن عن وجدي له ويترجم
فلمّا رآه حار من فرط حسنهوما عاد إلاّ وهو فيه متيّم

فأنشدته أنا لنفسي:

بي غزالٌ لمّا أطعت هواهأخذ القلب والتصبّر غصبا
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «بي غزال لما أطعت هواه»
ما أفاق العذول من سكرة العذل عليه حتى غدا فيه صبّا
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «بي غزال لما أطعت هواه»

وكتب هو إلي وأنا بالقاهرة يطلب مني الحضور إلى دمشق ليجهزني إلى الرحبة موقعاً:

يا فاضلاً فخر الورى بخلالهوعلا على أفق العلا بجلاله
فقلوبنا من شوقها جمراتهالم يطفها بالدمع فيض سجاله
فاجعل لنا من تبر فضلك فضلةًيغنى بها المضرور عند سؤاله

فكتبت أنا الجواب إليه:

شرّف دمشق أن ارتضيت بزورةٍواشف الجوى من كلّ قلب واله
فلقد ملأت ديار مصر فضائلاًكم فاض منها النيل عند نواله
إن الكريم هو الجواد على الذيقد راح يسأل ما له في ماله
قم في الدّجى حتى الصباح ووالهبدعا يقوه ببعض حقّ نواله
وأمل بما تمليه أعطاف الورىواحمد أبا بكرٍ على أفضاله
واسجع فإنّك ما برحت مطوّقاًإمّا بضافي جاهه أو ماله
مولىً غفلت ونمت عن ليل المنىفأبى وصيّرها شواغل باله
واستاقها غرّاً إليك وأنت لمتحتج إلى تحريكه بسؤاله
والبرّ أفضل ما أتى عفواً ولمتقبض يد الراجي حبال نواله
هذا هو الفضل الذي فضح الحياوسما بجدواه على هطّاله
تلهو بنو الآمال عن مطلوبهاعلماً بأن لهم كريم خلاله
كرمٌ يفيض على العفاة سحابهويسحّ وابله على استرساله
لله سعيك في المعالي إنّهجعل الثريّا في عداد نعاله
وغدا يجرّ على المجرّة ساحباًيوم الفخار الفضل من أذياله
وسعى فأدرك غايةً من أمّهاقامت ذراريها مقام ذباله
ما عاق نائله عن العافي مدىوعدٍ ولا شان العطا بمطاله
يا آل محمودٍ ليهنىء مجدكمشرفٌ أناف على الورى بجلاله
أقسمت ما لشبا السيوف إذا مضتفي يوم معركةٍ جلاد جداله
كلاّ ولم ير قطّ بحراً مدّ منأمواهه ما بثّ من أمواله
خطٌّ أظنّ الروض جوّد عندماشقّت كمام الزهر تحت مثاله
وتلفّظٌ إن قلت سحرٌ لم يسعني أن يكون حرام ذا كحلاله
وخلائق كالروّض أهدى نشرهمرّ النسيم على ذوائب ضاله
وسياسةٌ طاش العدوّ لها وقدسكن الوليّ وقرّ من زلزاله
فالله يحرس للزمان بقاءهويمتّع الدنيا بفضل كماله

وكتب هو إلي ونحن على الأهرام صحبة الركاب الشريف ملغزاً في القرط:

ما اسم ثلاثيّ ترىحلّته مفوّفه
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «ما اسم ثلاثي ترى»
اعمد إلى تركيبهفيه وصحف أحرفه
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «ما اسم ثلاثي ترى»
تجد جنىً يبطىء في العود به من قطفه
واعكسه إن تركتهمن بعد أن تحرّفه
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «ما اسم ثلاثي ترى»
تجد به ذا طرقبين الورى مختلفه
أبنه يا من فضلهيعز من قد وصفه
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «ما اسم ثلاثي ترى»

فكتبت أنا إليه الجواب عن ذلك:

يا سيّداً قد زانهربّ العلا وشرّفه
وقدّر الصّواب فيأقلامه المحرّفه
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا سيدا رب العلا»
وأوضح الفضل لمنيطلبه وعرّفه
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا سيدا رب العلا»
أبدعت لغزاً حسناًصفاته مستطرفة
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا سيدا رب العلا»
مثلّث الحروف كمربّع ربّ معرفه
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا سيدا رب العلا»
خضرته يانعةبهيئةٍ مشرّفه
كم زان أرضاً أقفرتووجنةً مزخرفه
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا سيدا رب العلا»
فالثلث منه سورةآياتها مشرّفه
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا سيدا رب العلا»
بل جبلٌ أحاط بالأرض وذاك معرفه
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا سيدا رب العلا»
وانظر لثلثيه تجدكليهما في طرفه
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا سيدا رب العلا»
بقيت ما جرّ النسيم في الرياض مطرفه
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا سيدا رب العلا»
في ظلّ سعدٍ يرتقيمن النعيم غرفه

وكتب هو إليّ أيضاً ملغزاً في حلفا:

يا ماجداً نجهد في وصفهوفضله من بعد ذا أوفى
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا ماجدا نجهد في وصفه»
ما اسمٌ إذا ما رمت إيضاحهعزّ وعن فكرك لا يخفى
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا ماجدا نجهد في وصفه»
وهو رباعيّ وفي لفظهتراه حقاً ناقصاً حرفا
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا ماجدا نجهد في وصفه»
صحّفه واحذف ربعه تلفهمدينةً كم قد حوت لطفا
وهذه البلدة تصحيفهاخلقٌ يفوت الحدّ والوصفا
وإن تصحّف بعضها فهي مازالت ترى في أذنٍ شنفا
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا ماجدا نجهد في وصفه»
وذلك الاسم على حالهحرّفه يرجع للصّبي جلفا
لم ير ذا حرب وكم شبّ مننارٍ لغير الرّوع ما تطفا
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا ماجدا نجهد في وصفه»
وإن تشأ صحّفه وانظر تجدخلقا سويا قطّ ما أغفى
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا ماجدا نجهد في وصفه»
أبنه يا من فكره لم يزليرفع عن بكر النهى سجفا
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا ماجدا نجهد في وصفه»
لا زلت تبدي للورى كلّ مايستوقف الأسماع والطّرفا
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا ماجدا نجهد في وصفه»

فكتبت أنا إليه الجواب عن ذلك:

يا سيّداً ألسن أقلامهكم صرفت عن عبده صرفا
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا سيدا ألسن أقلامه»
ومحسنا ما زال طيب الثناعيه حتى زيّن الصّحفا
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا سيدا ألسن أقلامه»
ألغزت شيئاً لم يلن مسّهفراح إن صحّفته جلفا
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا سيدا ألسن أقلامه»
ومفردٍ إن ألفٌ عوّضتأولاه يرجع بعد ذا ألفا
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا سيدا ألسن أقلامه»
ونصفه حلّ وإن تحذف الأوّل من أحرفه لفّا
وليس بالبدر على أنّهبالليل كم قد نزل الطّرفا
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا سيدا ألسن أقلامه»
أمامنا في برّ مصر وإنصحّفت يصبح بعد ذا خلفا
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا سيدا ألسن أقلامه»
إن زاحم الشاعر يذكر بهكشاجماً في الحال والرّفّا
لا زلت ترقى في العلا صاعداًما نظم الشاعر أوقفّا
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا سيدا ألسن أقلامه»
في ظلّ عيش قد صفا وردهوراح بالإقبال قد حفّا
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «يا سيدا ألسن أقلامه»

وكتب هو إلي ملغزاً في الهواء:

أيا ماجداً ما دهى فضلهونجم مكارمه ما هوى
أبن أيّما اسم خفى منظراًوخفّ ويلفى شديد القوى
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أيا ماجدا ما وهي فضله»
ولا وزن فيه وفي وزنهإذا أنت حقّقت عمداً سوى

فكتبت أنا الجواب إليه عن ذلك:

أيا من تقصّر أمداحناوأوصافنا فيه عمّا حوى
كأنك ألغزت لي في الذيغدا وله النشر فيما انطوى
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أيا من تقصر أوصافنا»
إذا مرّ في الروض خرّت لهغصون الأراك وبان اللوى
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أيا من تقصر أوصافنا»
يمدّ ويقصر في لفظهفللجوّ هذا وذا للجوى
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أيا من تقصر أوصافنا»

وكتبت أنا إليه وهو بدمشق، وكنت يومئذ بصفد وقد جهز إلي نقدة ذهب:

يا نسمةً لأحاديث الحمى نقلتأملت قضب اللّوى من بعدما اعتدلت
خطرت ما بينها فاعتادها طربٌفرنّحت عطفها بالسكر وانفتلت
فإن تكن فهمت معنى ظفرت بهفعذرها واضح في كلّ ما فعلت
قد كان للمسك أنفاسٌ تضوع شذاًفمذ أتيت بأخبار الحمى خملت
بالله كيف أحبّائي الذين نأتبي المنازل عن أقمارهم وخلت
قد كنت أبديت أعذاراً لقلبي فالبقاء من بعدهم بالله هل قبلت
وهل عفا الله عنهم حال عهدهمفمهجتي ما انثنت عنهم ولا انتقلت
آهاً من البعد آهاً إنّ لي كبداًتضرّمت بلغى الأشواق واشتعلت
وأدمعاً إن جرى ذكر الوصال جرتشؤونها فتخال السّحب قد هطلت
ومهجةً سئلت لو كان ينفعهابأيّ ذنب على التحقيق قد قتلت
وعزمةً عاقها حظّ به ابتليتلولاه كانت على المطلوب قد حصلت
أشكو الليالي ومالي في الورى حكمٌيكفّ عنّي عواديها التي اتّصلت
يا دهر هل نهضت منك الجبال بمانهضت فيك من البلوى أو احتملت
يا دهر إن عادت الأيام تجمعناغفرت ما علمت مني وما جهلت
وإن ظفرت بلثم الترب بين يديمن أرتجي زالت البأساء وارتحلت
ذاك الذي إن علت زهر الكواكب فيمحلّها تلقها عن تربه نزلت
ذاك الذي لا أرى إلاّ سجيّتهعلى الهدى والتقى والبر قد جبلت
ذاك الذي خلقت للجود راحتهففاقت الغيث إذا يهمى وما احتفلت
أقول إذ عمّني بالتّبر نائلههذا إلى السّحب إن جادت وإن بخلت
مكارمٌ فهمت ما أشتكي فهمتوهمّة فعلت ما لم يطق فعلت
كم نلت خمس مىءٍ من بعد خمس مىءٍكذا أعدّدّها يوماً وما انفصلت
ماذا ترى في أيادٍ ما أقابلهابالشكر إلا أراها وهي قد فضلت
لولا علا شرف الدين التي بهرتكانت شموس الندى والفضل قد أفلت
أقلامه الحمر من صون الممالك لوتكون سطوتها للبيض ما نكلت
تهتزّ في كفّه من فوق مهرقهالأنّها من معاني لفظه ثملت
وكان فيما مضى للسحر ترجمةحتى تكلّم أضحت وهي قد بطلت
عبارة هي أندى من نسيم صبامرّت على زاهرات الروض وانصقلت
وأسطر إن أقل مثل العقود فماأرى العقود إلى تلك العلا وصلت
واوحشتا لمحيّاه الذي نقصتلحسنه طلعة الأقمار إذ كملت
فلست أحسد إلا من تكون لهعين بمرآه دوني في الورى كحلت
هل الليالي تريني نور طلعتهفربما غلطت وربما عدلت
يا آل محمود لا ثلّت عروشكمولا ذوت زهرة منكم ولا ذبلت
ولا تزل منكم الأعناق حاليةًفإنها إن خلت من فضلكم عطلت

فكتب هو إلي الجواب عن ذلك:

يا فاضلاً منه أقمار العلا كملتوعنه آثار أرباب النهى اتّصلت
ومن محاسنه للناس قد بهرتومن مكارمه كلّ الورى شملت
لله درّ قوافٍ قد بعثت بهاطالت وعنها نجوم الأفق قد نزلت
لقد أطاعتك أنواع البلاغة فيما قد أشرت من الترتيب وامتثلت
وما أظنك إلاّ قد بعثت لناخميلةً عندها زهر الدجى خملت
فالله يشكر إحساناً حبوت بهفمن أياديك أنواء الحيا خجلت
ما إن وعت أذنٌ معنى بلاغتهاإلاّ وأمست بها الأعطاف قد ثملت
فالزهر قد أطلعت والدرّ قد نظمتوالزهر قد فتّحت والسحر عنك تلت
شوقي إيك صلاح الدين ما علمتبشرحه ألسن الأقلام بل جهلت
وهل يحسّ جمادٌ بالذي فعلتبي النوى وعليه أضلعي اشتملت
وما أظنّ النوى أمست تزيد علىهذا وقد فعلت فينا الذي فعلت
كأنّني بك قد أقبلت منتصراًيوماً على فئة بالحق قد خذلت
وقد تراجع فيك الدهر وانقطعتعصابة الجور عمّا فيك وانخزلت
فاصبر فما الصبر إلاّ شيمة كرمتوما التجلّد إلا رتبة نبلت
والله يبقيك في خيرٍ وفي دعةٍما حركّ الغصن أعطافاً قد انفتلت

وكتبت إليه:

وفى لها الحسن طوعاً بالذي اقترحتفلو رأتها بدور التمّ لافتضحت
كأنما البدر في ليل الذوائب قدتقلّدت بالنجوم الزهر واتّشحت
صحّت على سقمٍ أجفانها وكذاأعطافها وهي سكرى بالشباب صحت
تفري حشاي وتغنيها لواحظهاما ضرّ تلك الصفاح البيض لو صفحت
مهاة حسنٍ أداريها إذا نفرتعنّي وأعطفها بالعتب إن جمحت
قد حار في وصف أغزالي العذول بهاوقال كيف حلت في غادة ملحت
بذلت في وصلها روحي فقد خسرتتجارة الحب في روحي وما ربحت
زارت لتمنحني من وصلها منناًأهلاً بها وبما منّت وما منحت
أقسمت ما سجعت ورق الحمائم فيروضٍ على مثل عطفيها ولا صدحت
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أقسمت ما سجعت ورق الحمائم في»
وكلّما اعتدلت بالميل قامتهارأيتها فوق حسن الغصن قد رجحت
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أقسمت ما سجعت ورق الحمائم في»
وما اكتسى خدّها من لؤلؤٍ عرقاًلكنّها وردةٌ بالطلّ قد رشحت
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «أقسمت ما سجعت ورق الحمائم في»
ولي أمانيّ نفسٍ طالما كذبتفيها ولو جنحت نحو الوفا نجحت
وربّ ليلٍ خفيف الغيم أنجمهأزاهرٌ قد طغت في لجةٍ طفحت
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «ورب ليل خفيف الغيم أنجمه»
يتلو الهلال الثريّا في مطالعهاكأنّه شفة للكاس قد فتحت
للشاعر صلاح الدين الصفدي، من قصيدة «ورب ليل خفيف الغيم أنجمه»
وللنسيم رسالاتٌ مردّدةوجمرة البرق في فحم الدجى قدحت
والزهر قد أوقدت منه مجامرهفكلما لفحت ريح الصبا نفحت
تحكي نداك الشذا الفياح طيب ثناًعلى علا شرف الدين التي مدحت
سهل الخلائق لا والله ما اغتبقتبمثلها عصبةٌ سكرى ولا اصطحبت
مسدّد الرأي لم تقصر إصابتهعن الهدى إن دنت قصواه أو نزحت
رقى إلى غايةٍ ما نالها أحدٌولا سمت نحوها عينٌ ولا طمحت
بهمّة لجميع الناس عاليةٍونيّةٍ لمليك العصر قد نصحت
يدبّر الملك من مصر إلى حلببعزم كاف به الأيام قد فرحت
يستعمل الحزم في كل الأمور فكمقد جدّ لمّا رأى بيض الظّبا مزحت
خصّته عاطفة السلطان فهو بهايأسو جوانح دهر طالما جرحت
حتى لقد نسخت أيات سؤددهآيات من قد مضى من قبله ومحت
يهذي عداه وليس البدر ينكر معمحلّه في كلاب الأرض إن نبحت
أضحت على الجود تبني راحتاه ومازالت كذاك وما انفكت وما برحت
كانت معاني الهدى والجود قد خفيتعنّا وعن مجده الوضّاح قد شرحت
وكان للجود أخبار فمذ رويتأنباؤه نسيت هاتيك واطّرحت
لولا الولوع بأن نلقى له شبهالما رنت مقلة للشمس إذ وضحت
دعني من الوزراء الذاهين فمارأت لواحظهم هذا ولا لمحت
هذا الذي إن تكن آراؤهم فسدتفإنها منه بالتأييد قد صلحت
لا زال يرقى ويلقى السّعد مقتبلاًما انهلّت السحب بالأنواء وانسفحت
وما تألق برقٌ ليس يشبههإلاّ دماء أعاديه التي ذبحت

فكتب هو الجواب إلي:

حمائم الأيك في الأفنان قد صدحتأم نسمة الزهر في الإصباح قد نفحت
أم روضةٌ دبّجتها كفّ ذي أدبٍغضٍّ لغير صلاح الدين ما صلحت
يا فاضلاً فاق في الآفاق كلّ سنابنور طلعته الغرّاء مذ لمحت
أوحشتنا شهد الله العظيم فكمجوارحٌ بسيوف السّقم قد جرحت
فلا رعى الله أياماً حوادثهاعلى تفرّقنا قدماً قد اصطلحت
أهلاً بغادتك الحسناء إنّ لهامحاسناً في بدور التم قد قدحت
أقسمت ما ظفرت يوماً بمشبههاقريحةٌ من أخي نظم ولا فرحت
خريدةٌ ولّدتها فكرةٌ قذفتبالدر من لجّةٍ بالفضل قد طفحت
فلا برحت ترينا كلّ آونةٍقصيدةً لو رأتها الشمس لافتضحت

وبيني وبينه مراجعات ومكاتبات غير هذه، وقد ذكرت ذلك في كتابي ألحان السواجع.

النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف الباء

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.