من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
بهادر (٤)
الأمير سيف الدين الأوشاقي الناصري المعروف بحلاوة.
كان إذا ساق في البريد وجاء إلى مركز قال للسواق أو لأحد من غلمان البريد: تأكل حلاوة؟ فإذا قال: نعم ضربه بالسوط الذي معه، فسموه بهادر حلاوة.
وكان أشقر، أزرق العين بنظر أخف على القلوب منه رؤية الحين، الظلم ملء إهابه، والقسوة لا تخرج عما تحت ثيابه. ساق في البريد زماناً وهو بالكوفية البيضاء، وشوته المهامة وما سوته بالرمضاء. وكان السلطان يندبه في مهماته، ويأمنه على أسراره في ملماته.
وكان الأمير سيف الدين تنكز يدعوه ابني تارة بالعربي، وتارة بالتركي، وكلما جاء في البريد أعطاه فروة قرظية بغشا كمخا على الدوام، ولما طال ترداده، وقضى الأشغال ألبسه السلطان الكلوتة، ولما أراد السلطان أمساك تنكز جهز بهادر حلاوة في البريد إلى طشتمر بصفد، وحضر معه إلى دمشق، ولما أحاطوا بباب النصر، وجرى ما جرى، وخرج إليهم تنكز ومشى ومشوا جميعاً، ولم يجسر أحد على كلامه، فقال بهادر هذا بالتركي: يا أمراء عجلوا بالمشي، فقال له تنكز: أنت الآخر يا روسي، وضربه بالمقرعة على أكتافه. ولما قبض عليه وقيد أخذ سيفه وتوجه به إلى السلطان، فوعده بطبلخاناه.
ولما حضر الأمير علاء الدين ألطنبغا إلى دمشق تأمر بهادر حلاوة طبلخانه، ورسم له السلطان أن يكون مقدم البريدية بالشام، فأقام على ذلك مدة، ثم إن ألطنبغا ولاه بر دمشق، فأقام به مدة، وخدم الأمير سيف الدين قطلوبغا الفخري أتم خدمة لما كان على خان لاجين، ولم يزل على ذلك إلى أن توجه الناصر أحمد إلى القاهرة، فقطع خبزه ثم أعيد إليه.
ولما حضر الأمير علاء الدين أيدغمش إلى دمشق نائباً خرج إقطاعاً بهادر حلاوة لأحد أولاد أيدغمش، ثم أعيد له إقطاع آخر بالإمرة، وأقام على ولاية البر إلى أن حضر الأمير سيف الدين طقزتمر إلى دمشق نائباً، فورد المرسوم من مصر بنقلة حلاوة إلى أمراء حلب، فتوجه إليها وأقام بها مدة تقارب الأربعة أشهر أو أكثر، إلى أن ذاق حلاوة علاقم الموت، وحصل لوجوه العدم والفوت، وذلك في ثلاث عشر صفر سنة أربع وأربعين وسبع مئة.
قيل بين الأسما وبين المسمّىنسبةٌ تكتسي بذاك طلاوه
قلت هذا ما صحّ عندي لأنّاكم رأينا مرارةً من حلاوه
بهادر
الأمير سيف الدين بهادر الدواداري.
أول ما عرفت من أمره أنه كان في ولاية صيدا وكان يخدم الناس كلهم، ويحسن إليهم، خصوصاً العسكر الصفدي الذي يحضر لليزك بصيدا في كل شهر، ولما مات تنكز عزل من صيدا بعد ما أقام بها مدة زمانية، وتولى نابلس وهو على ذلك المنوال، ثم
تولى كرك نوح بالبقاع، ثم عزل وولي أستاذ دارية السلطنة بدمشق، وهو بطال بلا إقطاع، ثم أنعم عليه بعشرة أرماح في أيام أرغون شاه.
ولم يزل عليها في الوظيفة المذكورة إلى أن دار الموت بالدواداري، وأصبح زند المنية فيه وهو واري، وذلك في يوم عرفة سنة اثنتين وخمسين وسبع مئة.
وكان شيخاً طويلاً تام الخلق حسن الشكل والخلق، كأن الورد في وجهه تفتح والياسمين من شيبه بعارضيه مجنح.
بهادر
الأمير سيف الدين التقوي الساكن بدرب السوسي.
كان أحد أمراء الطبلخاناه بدمشق، وأظنه كان أولاً بالقاهرة، وله دار على بركة الفيل في أول الجبانية، وكان قد جرد من دمشق إلى الرحبة، فأحسن إلى العسكر الذي كان معه، وأثنوا عليه ثناءً كثيراً.
توفي رحمه الله تعالى وهو عائد من الرحبة بالقريتين في نصف شعبان سنة ثلاثين وسبع مئة، وحمل إلى دمشق في محفة، ودفن بالقبيبات.
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع