من «أعيان العصر وأعوان النصر» لصلاح الدين الصفدي (ت ٧٦٤هـ)
الحسن بن علي
الشيخ الإمام الفاضل بدر الدين، أبو علي بن عضد الدولة الحسن أخي المتوكل على الله ملك الأندلس أبي عبد الله محمد ابني يوسف بن هود.
كان الشيخ فاصلاً قد تفنن، وزاهداً قد تسنن، وعاقلاً استغرق فراح غافلاً
تجنن، عنده من علوم الأوائل فنون، وله طلبة وتلاميذ وأصحاب وزبون، فيه انجماع عن الناس وانقباض، وانفراد وإعراض عما في هذه من الأعراض.
وكان لفكرته غائباً عن وجوده، ذاهلاً عن بخله وجوده، لا يبالي بما ملك، ولا يدري أيةً سلك، قد اطرح الحشمه، وذهل عما ينعم جسمه، ونسي ما كان فيه من النعمه، يلبس قبع لباد ينزل على عينيه، ويغطي به حاجبيه، ويواري جسده بما يقيه، ولا يحذر برداً ولا حراً، ولا يتقيه.
وكان يمشي في الجامع الأموي وسبابته قد رفعها، وينظر في وجوه الناس كأنهم ذروة ما فرعها.
ولم يزل على حاله إلى أن برق بصره، وألجمه عيه وحصره.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة تسع وتسعين وست مئة، وصلى عليه قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، ودفن بسفح قاسيون.
ومولده بمرسية سنة ثلاث وثلاثين وست مئة.
وكانت وفاته في شعبان.
أخبرني العلامة أثير الدين أبو حيان، قال: رأيته بمكة وجالسته، وكان يظهر منه الحضور مع من يكلمه، ثم تظهر الغيبة منه، وكان يلبس نوعاً من الثياب، مما لم يعهد لبس مثله بهذه البلاد، وكان يذكر أنه يعرف شيئاً من علوم الأوائل. وكان له شعر أنشدنا له أبو الحكم بن هاني صاحبنا، قال: أنشدنا أبو علي الحسن بن عضد الدولة لنفسه:
خضت الدّجنّة حتى لاح لي قبسٌوبان بان الحمى من ذلك القبس
فقلت للقوم: هذا الربع ربعهموقلت للسمع: لا تخلو من الحرس
وقلت للعين: غضيّ عن محاسنهموقلت للنطق: هذا موضع الخرس
وقال الشيخ شمس الدين الذهبي: هو الشيخ الزاهد الكبير أبو علي بن هود المرسي أحد الكبار في التصوف على طريقة الوحدة، وكان أبوه نائب السلطنة بها عن الخليفة الملقب بالمتوكل؛ حصل له زهد مفرط وفراغ عن الدنيا، وسكرة عن ذاته وغفلة عن نفسه، فسافر وترك الحشمة، وصحب ابن سبعين، واشتغل بالطب والحكمة، وزهديات الصوفة، وخلط هذا بهذا وحج ودخل اليمن، وقدم الشام.
وكان غارقاً في الفكر عديم اللذة، مواصل الأحزان، فيه انقباض عن الناس، حمل مرة إلى والي البلد وهو سكران، أخذوه من حارة اليهود فأحسن الوالي به الظن وسرحه، سقاه اليهود خبثاً منهم ليغضوا منه.
قلت: لأن اليهود نالهم منه أذى، وأسلم على يده منهم جماعة، منهم سعيد وبركات. وكان الشيخ يحب الكوارع المغمومة فدعوه إلى بيت واحد منهم وقدموا له ذلك فأكل منه، ثم غاب ذهولاً، على عادته، فأحضروا الخمر فلم ينكر حضورها وأداروها، ثم ناولوه منها قدحاً فاستعمله تشبهاً بهم، فلما سكر أخرجوه على تلك الحالة، وبلغ الخبر إلى الوالي، فركب وحضر إليه وأردفه خلفه، وبقي الناس خلفه يتعجبون من أمره، وهو يقول لهم بعد كر فترة: أي وأيش قد جرى، ابن هود
شرب العقار، يعقد القاف كاملاً في كلامه، وفي ذاك يقول علاء الدين علي الوادعي ونقلت ذلك من خطه:
قالوا ابن هودٍ قد غداسكران من خمر المعازف
وأعيذه لكنّهسكران من خمر المعارف
وكان اليهود يشتغلون عليه في كتاب الدلالة، وهو مصنف في أصول دينهم للرئيس موسى. قال الشيخ شمس الدين الذهبي، قال شيخنا عماد الدين الواسطي: أتيته وقلت له: أريد أن تسلكني، فقال: من أي الطرق: الموسوية أو العيسوية أو المحمدية؟ وكان إذا طلعت الشمس ويصلب على وجهه، وصحبه الشيخ العفيف عمران الطبيب وسعيد المغربي وغير واحد من هؤلاء.
قلت: الذي بلغني عنه ما أخبرني به شيخنا نجم الدين الخطيب الصفدي. قال: كان بعض الأيام يقول لتلميذه سعيد: يا سعيد أرني فاعل النهار، فيأخذ بيده ويطلع به إلى سطح، فيقف باهتاً إلى الشمس نصف نهار.
وكان يوضع في يده الجمر فيقبض عليه ذهولاً عنه فإذا أحرقه رجع إليه حسه، فألقاه من يده، وكان تحفر له الحفر في طريقه فيقع فيها ذهولاً عنها وغيبة.
ومن شعره:
فؤادي من محبوب قلبي لا يخلووسرّي على فكري محاسنه تجلو
ألا يا حبيب القلب يا من بذكرهعلى ظاهري من باطني شاهدٌ عدل
تجلّيت لي منّي عليّ فأصبحتصفاتي تنادي: ما لمحبوبنا مثل
أورّي بذكر الجزع عنه وبانهولا البان مطلوبي ولا قصدي الرمل
وأذكر سعدى في حديثي مغالطاًبليلى ولا ليلى مرادي ولا جمل
سوى معشرٍ حلّو النظام وفرّقوا الثياب فلا فرضٌ عليهم ولا نفل
مجانين إلاّ أنّ ذلّ جنونهمعزيز على أعتابهم العقل
ومن شعره أيضاً:
سلامٌ عليكم صدّق الخبر الخبرفلم يبق قال القسّ أو حدّث الحبر
خذوا خبري عنّي بقيت مشاهداذروا ما يقول الغرّ أو يفهم الغمر
خذوا عن غريب الدار كلّ غريبةٍوحقّكم من دونها حُجر الحِجر
عليك سلام الله يا خير قادمعلى خير مقدوم عليه لك البِشر
عليك سلام اسلم وقيت الرّدى فدمعلى غابر الأيام لا خانك الدهر
أتيتكم مستقضياً دين وعدكمفمن قولهم عند القضا يعرف الحرّ
اذكّركم عهداً لنا طال عهدهوقولكم صبراً وقد فني الصبر
فلا تحسبوا أني نسيت عهودكمفإني وحقّ الله عبدكم الحرّ
أأنسى عهوداً بالحمى طاب ذكرهاومثلي وفيٌّ لا يليق به العذر
تحييّك عنّا الشمس ما أشرقت ضحايحيّيك عنا ما تبدّى لك البدر
تحيّيك عنا كلّما ذرّ شارقيحيّيك عنّا من غمائمه القطر
تحيّيك عنا الريح بالروح قد بدتيحيّيك عنا من منابته الزّهر
ألا فاعجبوا من أمرنا إنه امروٌألا فاعجبوا للقلّ من بعضه الكثر
ومنه:
علم قومي بي جهلإنّ شأني لأجلّ
أنا عبد أنا ربّأنا عزٌّ أنا ذلّ
أنا دنيا أنا أخرىأنا بعضٌ أنا كلّ
أنا معشوق لذاتيلست عني الدهر أسلو
فوق عشرٍ دون تسعبين خمسٍ لي محلّ
النص من طبعة دار الفكر المعاصر ببيروت (١٤١٨هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع